دخولتسجيل الدخول

العيش مع الصحابة 18 | أسعد بن زرارة رضي الله عنه

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله واله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد فحياكم الله إخواني جميعا وبياكم وسدد على طريق الخير خطاكم. نكمل هذه السلسلة المتعلقة بأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ومعنا اليوم قصة رجل من أعظم الرجال بل هذا الرجل قد يكون في مدينته يساوي الصديق في مكة. أثر هذا الرجل في مطلع الدعوة وانتقال الدعوة الإسلامية قد يساوي في المدينة ما كان يصنع الصديق رضي الله عنه وأرضاه في مكة، الرجل هو أسعد بن زرارة.

أسعد بن زرارة هذا الرجل الذي لما نقرأ السيرة النبوية نمر على سيرته مرورا وننظر إلى بيعته للنبي عليه الصلاة والسلام وكلماته التي كان يقولها في تلك البيعة بيعة العقبة الثانية: رويدا يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إلينا أكباد المطايا إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأن أخرجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف؛ فإما أنتم قوم تصبرون على السيوف إذا مستكم وعلى قتل خياركم وعلى مفارقة العرب كافة فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر لكم عند الله. قالوا: يا أسعد بن زرارة امط عنا يدك، فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها.

هذه الكلمات التي لما يذكر أسعد بن زرارة عند من يقرأ في السيرة النبوية يستحضرها أو يتذكر هذا الموقف، ثم بعد ذلك يتذكر موقفه مع مصعب بن عمير رضي الله عنه وعن أسعد وعن جميع الأصحاب رضي الله عنهم. وكنت أريد أن أتكلم عن أسعد بن زرارة قبل أسبوعين تقريبا أي في مجلس مصعب بن عمير، ولكن بعد ذلك مللت أن أتكلم عن مصعب رضي الله عنه وأرضاه حتى كان في الأمس كنا في مجلس مع جماعة من المشايخ الفضلاء وكان أحدهم قد ألف كتابا بعنوان الحنطة السمراء، الدكتور سليمان بن عوض قيمان وأهدانا هذا الكتاب. فلما أهدانا هذا الكتاب جلست أقرأ فيه وأنظر وأتامل وأتحدث مع هذا الرجل، فتكلم عن أسعد بن زرارة وهذه الرواية أو هذا الكتاب هو عن أسعد بن زرارة، فسبحان الله تعجبت وقلت سبحان الله كيف أني لم أتكلم عنه قبل أسبوعين وكنت قد استخرت الله سبحانه وتعالى في الصحابي الذي أتكلم عنه فملت إلى مصعب بن عمير، ولا كان في تقديري أتكلم عن أسعد بن زرارة ولكن بعد ما رجعت إلى قصة أسعد ونظرت فيها وجلست أقرأ في هذا كذلك الكتاب قلت لعل هذه إشارة نتكلم في هذا المجلس عن أسعد بن زرارة رضي الله عنه وأرضاه.

أسعد بن زرارة هو أول من أسلم من الأنصار وهذا الرجل عجيب، والحديث عن هذا الرجل طويل ولكن ساحاول أن أجمل الحديث عن هذا الرجل العظيم بعدد من المواقف. الموقف الأول هو سر اختيار أسعد بن زرارة، لماذا أسعد بن زرارة بالذات وهذا رجل صغير في السن يعني لما ننظر الآن إلى جزيرة العرب أسعد بن زرارة ليس من العلياء وليس من المبرزين فيها. هذه وقفات عجيبة يا شباب يعني لا نقراها هكذا قراءة عابرة قراءة أفقية بل لابد أن نتعمق فيها وننظر فيها، الآن لما ننظر إلى التاريخ ننظر إلى واقع الناس في كل بلد وجهاء في كل بلد عظماء في كل بلد أشراف علياء من الناس، أسعد بن زرارة رضي الله عنه وأرضاه ورحمه لم يكن من هؤلاء، أي هو لم يكن من مشاهير الأنصار أو الأوس والخزرج، لم يكن من مشاهير العرب والنبي عليه الصلاة والسلام في تقديره كان يدعو الجميع ولكن هو في مكة.

انظروا كيف الآن انظروا هذا المشهد، النبي عليه الصلاة والسلام يدعو في مكة ويصادم الكفار ويصادم هؤلاء العلية ويحاول عليه الصلاة والسلام بأن يهديهم ويبذل كل ما يستطيعه، والله سبحانه وتعالى يدبر لدينه هناك في مكان آخر. تذكرون تكلمنا عن قصة سلمان الفارسي رضي الله عنه وأرضاه كيف أن سلمان كان يبحث عن الحق ويطوف البلدان وينتقل من مكان إلى مكان حتى يصل إلى النبي عليه الصلاة والسلام ما يعرف كيف يصل. كذلك هنا لما ناتي عند أسعد بن زرارة كان يريد الحق وهو من الحنفاء، يعني حاله كان مثل حال الصديق رضي الله عنه وأرضاه مثل حال زيد بن عمرو بن نفيل، فكان يبحث عن الحق ويطوف البلدان وكان يرحل مع بني النجار إلى الشام ولا يدري كيف يعبد الله سبحانه وتعالى حتى كان في رحلة من الرحلات التجارية وهو ذاهب إلى الشام راى في المنام رؤيا، وهذه الرؤيا هي من جنود الله سبحانه وتعالى القدرية التي لا يملك الدعاة أن يدخلوا فيها، ومن يفهم هذا الكلام تنضبط عندها الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ما يتعلق بالظاهر أبدا، لأن الظاهر ليس مقصودا إنما المقصود هو غيب الله سبحانه وتعالى.

أنت الآن تدعو مع هؤلاء الشباب تدعو مع هذه المجموعة تدعو مع هذه الثلة ثم بعد ذلك الله سبحانه وتعالى يوصلك إلى أناس لم يخطر في بالك يوما أنك تصلي إليهم ويكون هؤلاء أصدق عند الله سبحانه وهم أعلم من هؤلاء وأفضل من هؤلاء، والله سبحانه وتعالى أعلم حيث يجعل رسالته، الله يعلم من الذي يصلح أن يقوم برسالة الإسلام، هذا الداعية لا يعرفه ولا يستطيع عليه مهما ظن الداعية، هو يعرف الأمور الظاهرة يستطيع أن يقدر بعض الأمور لكن الأمر الغيبي الكبير الواسع الذي لا يساوي الظاهر بالنسبة له شيئا هذا ما يعرفه، من يفهم هذا ما ييأس ولا يجزع لأن الله هو الذي يبلغ هذه الرسالة كيف ما ندري.

أسعد بن زرارة كان من الأناس العاديين في المدينة وكان صغيرا بالسن ليس من الكبار حتى بالعمر إنما كان عمره نيفا وعشرين سنة، يذهب ويرحل إلى الشام فيرى في المنام رؤيا، ماذا يرى؟ يرى أسعد بن زرارة رضي الله عنه وأرضاه بأن النبي عليه الصلاة والسلام بعث في مكة وأنك يا أبا أمامة ستكون من اتباع النبي عليه الصلاة والسلام الذي بعث في مكة، وكذلك وعلامة ذلك أن تنزل مع أصحابك في مكان فينتشر فيه الطاعون فيموت جميع من معك ولا يبقى إلا أنت وشخص آخر، وكان عدد بني النجار الذين معه في هذه الرحلة أربعين رجلا، ثمانية وثلاثون سيموتون بالطاعون في الشام والشام كانت أرض وباء والطاعون كان منتشرا في الشام وكان كثيرا ما يصيب أهل الشام.

فقص من ذلك أن ثمانية وثلاثين منكم سيموت في الطاعون وتبقى أنت ورجل آخر، وهذا الآخر سيصاب بالطاعون بعينه أي سيمرض ويتعب لكنه لن يموت، أما أنت لن يصيبك شيء بإذن الله. فانتقل مع أصحابه في هذه الرحلة حتى نزلوا في مكان في الشام ونزل فيهم الطاعون عم الطاعون، فلما عم الطاعون مات جميع أصحاب أسعد بن زرارة إلا هو وشخص آخر فأخبر الآخر بالرؤيا فخاف وقال: هل أنا ساموت؟ قال: لا بل أنت ستصاب بالطاعون بعينك ولكن لن تموت، فلم يمت هذا الرجل ورجعا إلى المدينة ومات البقية، هذا الرجل مطعون بعينه أصيب بالطاعون أما أسعد فلم يصب بشيء وجلس في المدينة.

ثم بعد ذلك وقع خلاف بينه وبين صاحب له يقال له ذكوان، هذا ذكوان صديق لاسعد ووقع بينهما خلاف ولا نعلم ما هو الخلاف الذي وقع بينهما، لم تذكر يعني الكتب التي تكلمت عن الخلاف ما هو هذا الخلاف، لكن العرب في ذلك الوقت كانوا إذا اختلفوا يذهبون إلى الحكماء، العرب إذا اختلفوا كانوا يذهبون إلى الحكماء وإلى الكهان وهذا موجود في جميع الأمم أنهم يذهبون إلى أصحاب العقول الراشده أو إلى اصحاب هكذا المعرفة بالغيبيات، طبعا لا يعلم الغيب إلا الله سبحانه وتعالى ولكن الكهنة والسحرة إلى آخره وهذا من تلاعب الشياطين بهم، الأول بدلالة العقل يعني لماذا يذهبون إلى الحكماء العقل يدل على هذا الشيء، لماذا يذهبون الكهان من تلاعب الشياطين بهم؟ من تلاعب الشياطين بهم.

فالقصد أن أسعد لم يذهب إلى كاهن إنما ذهب إلى حكيم من الحكماء، من هذا الحكيم؟ الحكيم هذا هو عتبه بن ربيعة، عتبة أبو ربيعة كان من حكماء العرب وكان يلقب بعتبة الرأي وبعتبة العادل وبعتبة الحكيم، هذا الذي لم يؤمن بالنبي عليه الصلاة والسلام والذي عادى النبي عليه الصلاة والسلام والذي قاتل، خرج هو وأخوه وابنه في غزوة بدر وأول من قتل هو وأخوه وابنه في المبارزة الثلاثية. لماذا لا ينفع العقل صاحبه إذا لم يرد الله سبحانه وتعالى أن يفتح قلبه؟ إذا القلب كان مطبوعا عليه القلب هذا مقفول لا ينفع العقل صاحبه مهما حاول هذا الإنسان، وقد يكون الإنسان حكيما في شيء ولكن يكون ضالا في شيء آخر.

القصد أن عتبة بن ربيعة لم يكتب الله سبحانه وتعالى له الهداية فلم يهتدي عتبة، وذهب ذكوان مع أسعد بن زرارة يتنافران إلى مكة حتى وصلوا إلى عتبه فدخلوا عليه وسلموا عليه ثم ذكروا له الخلاف الذي وقع بينهم فقضى عتبه بينهما فرضي كلا الشخصين. فقال أسعد لعتبه كأنه قد عرض عليك لك شيء؟ فقال: نعم، هذا الغلام المصلي يقصد النبي عليه الصلاة والسلام لم يزل حتى فرق شملنا وسف أحلامنا وسب آلهتنا إلى آخره. فنظر ذكوان إلى أسعد وقال: هذا صاحبك يا أبا أمامة! الرؤيا، وكان قد قص هذه الرؤية على ذكوان، فانطلق هو وذكوان إلى النبي عليه الصلاة والسلام فسأله أسعد عن الذي يقوله فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأنه مبعوث من قبل الله سبحانه وتعالى وانه يدعو الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله ثم أخبر عن صلة الرحم وهكذا العفاف إلى آخر ما كان يدعو إليه النبي عليه الصلاة والسلام فأسلم أسعد بن زرارة.

أسلم أسعد بن زرارة والخزرج يقولون بأن أول من أسلم أسعد بن زرارة، والأوس يقولون أول من أسلم من الأنصار أبو الهيثم بن التيهان وسيأتيني الحديث عنه إن شاء الله تعالى. فالقصد أن أسعد بن زرارة رضي الله عنه وأرضاه كان أول من أسلم أو من أول من أسلم والمشهور أن هو أول من أسلم، والمشهور أن هو أول من أسلم من الأنصار قبل أن يأتي النفر الذين ذهبوا إلى عتبه يستنصرون بقريش على الأوس، وكانوا من الخزرج أو كانوا من الأوس يستنصرون عليهم على الخزرج، وهذا كله قبل بيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية. فانطلق ورجع أسعد بن زرارة مع صاحبه ذكوان إلى المدينة النبوية ومكثا فيها ثم بعد ذلك بدأ أسعد مع جماعة من أصحابه ممن دعاهم إلى الاسلام يحطمون أصنام بني النجار، يحطمون أصنام أصنام بني النجار.

ثم انطلقوا بعد ذلك إلى النبي عليه الصلاة والسلام وجاء أسعد يقال بخمسة من الأنصار أو ستة، هؤلاء وبايعوا النبي عليه الصلاة والسلام وأسلموا، ثم بعد ذلك جاءت بيعة العقبة الأولى. قبل نأتي عند بيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية الآن الوقفة الأولى المتعلقة بقصة إسلام هذا الرجل، يعني لماذا بالذات هذا الإنسان لماذا بالذات؟ والله هذا يعني هذا أمر عجيب، يعني لماذا الله اختار هذا الإنسان حتى يكون جسرا من مصعب بن عمير أو من النبي عليه الصلاة والسلام إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة؟ الآن سعد بن معاذ وسعد بن عبادة سيدا الأنصار سيد الأوس وسيد الخزرج الواسطة الطريق بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين السعديين، مصعب بن عمير بن قريش وأسعد بن زرارة الأنصار.

شوف يا شباب هذه هذه الأسماء التاريخية ما تأخذ عادة، ما تأخذ الأسماء المعظمة هذه الأسماء هذه النماذج ما تأخذ بالتاريخ ما تأخذ الأسماء المعظمة عند الناس، ولكن الشأن كل الشأن عند الله سبحانه وتعالى، أسعد بن زرارة هذا هو الذي تسبب بادخال الإسلام إلى المدينة. نعم أنا أقول بأن أعظم أو من أعظم قد يكون الأنصار مواقف هو سعد بن معاذ الذي اهتز لموته عرش الرحمن، وهذه منقبة عظيمة وذكرنا هذا وذكرنا بأن لولا اسلام سعد بن معاذ وكذلك سعد بن عبادة ما كان الإسلام ينتشر، ما كان الإسلام فهما رجلان اللذان اختارهم الله سبحانه وتعالى حتى ينتشر الإسلام بسببهما، لكن قبل سعد بن معاذ من الذي أوصل الرسالة إليه ومن الذي تسبب بإسلامه هو وأسيد بن حضير وبقية الأنصار؟ من الذي تسبب بإدخال هذه الرسالة هذا النور إلى مدينة النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك أسعد بن زرارة؟

طيب لماذا لماذا لماذا يرى رؤيا يعني لماذا يجلس يرى رؤيا؟ أمس كنت مع أحد المشايخ الذين كانوا يعتنقون بعض المذاهب أو عندهم بعض الأخطاء هكذا فكذلك رأى رؤيا يعني يقول بدايته من هذا المذهب الضال رؤيا راها والرجل يظهر منه الدين والصلاح والتقوى، تقول طيب كيف تأتي هذه الرؤى قد تكون من الشيطان نعم هي قد تكون من الشيطان لما يكون شخص فاسد، ولكن لما يكون شخص صالح والله يعلم منه الصلاح يهيئ الله سبحانه وتعالى له هذه الجنود القدرية التي منها الرؤيا فيسلم أو يلتزم أو يستقيم أو يهتدي بسبب رؤيا يراها، وهذا باب عجيب هذا الباب عجيب. فالقصد أن أسعد بن زرارة هنا يهتدي بسبب رؤية لماذا؟ لأنه كان من الحنفاء، طيب في الجزيرة كان غيره من حنفاء لماذا هذا الإنسان؟ لأن هذا كان من أعلى الحنفاء.

هذا كان من أطيب الناس، والله سبحانه وتعالى هو الذي يعلم ونحن لا نعلم، والقلوب هذه تفاوت عظيم برغبتها بالحق. الرغبة بالحق ليست واحدة، رغبة الصديق ليست كرغبة فلان. هذا قد يكون عالم صالح مضحّي، ولكن ليس كالصديق. تقول لي: كيف نميز؟ أقول لك: ما أدري، هذا أمر قلبي، هذا أمر قلبي. هذا الإنسان راغب بالحق ولا يتوانى ولا يتردد. هذا أبو بكر، هذا راغب بالحق لكن يتردد مرة واحدة في حياته ينزل درجة، هذا يتردد مرتين ينزل درجتين، وهكذا.

أسعد بن زرارة يظهر بأن الله سبحانه وتعالى نظر إلى قلبه، وعلم بأن هذا الإنسان كان كثير التضرع إلى الله، وكان كثيراً ما ينظر إلى السماء، وكيراً ما يطلب الله سبحانه وتعالى أن يهديه، وعلم الله سبحانه وتعالى بأن هذا الإنسان لما يحل الإيمان في قلبه سيصنع أسعد بن زرارة الصحابي العظيم الذي سيضحي بكل ما يملك حتى يعم الإسلام هذه المدينة. هذه الأسرار نحن ما نستطيع أن ندخل بها أكثر مما يقال الآن. ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124]، ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: 13].

أسعد كان نقي السريرة، صافي النفس، نقي القلب، يريد الإسلام فقط، يريد أن ينتصر هذا الدين، يريد أن يصل إلى الله سبحانه وتعالى. والعجيب أنه من بيئة تعظم الأباء والأجداد، تعظم الأصنام، هذا كله ما أثر به، هذا كله لم يؤثر به. وهؤلاء الأفراد المخالفون لثقافة المجتمع الغالبة السيئة، والمخالفون بالحق، هؤلاء موجودون في كل جيل وفي كل زمان، مهما عم الباطل وانتشر الباطل. وإذا نظر الشخص إلى الواقع العام يقول بأن هذه المجموعة وهذه البيئة وهذا البلدة لا يوجد بها خير، هذا كلام غير صحيح. أن تحكم الآن بناء على الحكم العام، بناء على من تراه على الخمسين أو السبعين أو المئة الذين تخالطهم، لكن هذا المجتمع فيه أناس صالحين، أو فيه أناس يريدون الصلاح إن لم يكونوا صالحين، فهم لو وصلتهم دعوة الإسلام لانتقلوا مما هم عليه نقلة كبيرة جداً.

كيف هذا؟ أقول لك: الله سبحانه وتعالى يخبر عن أهل الإيمان، عن أصحاب النفوس النقية الصافية، بأن هؤلاء يكاد زيتها يضيء، يعني من شدة صفاء هذه النفس يكاد يضيء هذا القلب، تضيء هذه النفس، ولو لم تمسسه نار، يعني قبل أن يصل إليه الوحي، يعني قبل أن يصيب الوحي هذا الإنسان، يكاد يضيء. أسعد بن زرارة كان ليس من هؤلاء فقط، بل هو من العليا من هؤلاء. لذلك تم اختيار هذا الرجل، ومن يريد الحق سييسر الله سبحانه وتعالى له الأسباب.

لكن اقصد الحق، اقصد الحق. المشكلة لما يكون عند شخص هوى، لما شخص لا يريد، لما شخص يأسر المنصب، أو يأسر الإعلام، أو يأسر النسب، أو يأسر الواقع الذي يعيش فيه، أو سطوة العامة، القبيلة، إلى آخر هذه الولاءات التي تتفرق قلوب الناس فيها وعليها. إذا لم يكن بهذه الطريقة، هذا يهدى بإذن الله، كما هدي سلمان الفارسي يأتي من فارس، كما هدي أسعد بن زرارة، كما هدي الصديق، كما هدي فلان وفلان من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام مع عدم توفر دواعي الاستجابة. لماذا؟ الصفاء قوي، هذا الصفاء كان عالي، بمجرد أن طرقت الدعوة تأثر ولم يتاثر بالشبهات، ولم يتاثر بالإعلام، ولم يتاثر بأنه ليس من قبيلتي، لم يتاثر بأي شيء آخر. لماذا؟ لان النفس بلغ بها الصفاء إلى هذه المرتبه. هذه ميزه هذه الشريحه، هذه الشريحه ليست كثيره بالناس، هذه الشريحه ليست هي الغالبه، هذه الشريحه نادره، بل هي من اندر النادر، لكنها موجوده وعليها تقوم الدعوات، خاصه في ازمنه الضعف، خاصه في ازمنه عدم وجود القوه، خاصه في ازمنه تشويه الاسلام وتشويه دعاه الاسلام إلى اخره.

الدعوة تقوم على هذا القسم من الناس، تقول لي: كيف؟ أقول لك: ما أدري. تقول: كيف نصل إليهم؟ أقول لك: ابذل السبب، والله هو الذي يبلغ، لست أنت. اصدق مع الله سبحانه وتعالى، ولا تجعل الواقع يحصرك، انتبه من أن يحصرك الوقت. تذهب إلى المكان العام، كل الناس كذا، لا، ما أقل كل الناس، هناك أناس منتظرين الدعوة، سيتغيرون لما تبلغ الدعوة، لكن أنت ما تعرف سنة الله في حفظ دينه، فلذلك تحكم بناء على نفسك، بناء على الضغط الذي يقع عليك. لكن لو تجردت وخرجت من هذا الضغط، وأخذت الإسلام ونظرت إلى طريقة حماية الله سبحانه وتعالى لدينه، لن ياسرك الواقع، ولن تصاب بالعجز ولا بالكسل ولا بالياس ولا بالاحباط مهما تكاثر اعداد أصحاب الباطل.

لماذا؟ لان الدعوة محمية بالله سبحانه وتعالى، والذي نشر دعوة النبي عليه الصلاة والسلام وبلغها إلى ما وصلت إليه هو الذي يحمي دينه سبحانه وتعالى على مر العصور. ولكن هل يوجد الصادق؟ هل يوجد المحب؟ هل يوجد الداعي المبلغ؟ هل يوجد الداعي المتعلق بالله سبحانه وتعالى؟ أو الداعي دائما يتدخل في قدر الله سبحانه وتعالى ويتذمر وبتضجر لما يضغط بسبب الواقع؟ هذا هو الفارق، هذا الفارق. هذه الكلمه وهذه الوقفه هي أهم ما يقال بالنسبه لي في جميع المجالس في هذه المرحله. يعني هذا الكلام إذا فهم كما هو، لن يقول شخص الكلمه التي تقال بسبب الضغط، تنزل من درجة العبد، فلما تنزل من درجته تضعف أثر دعوته.

المشكلة ليست بأدوات التأثير وإن كانت مهمة، لكن المشكلة بأن الداعي ما يعطي الدعوة أو ما يتعامل معها تعامل عبد موكل عمله كل الله سبحانه وتعالى، هذه هي المشكلة. فالنبي عليه السلام هنا يدعو ويدعو ويدعو، والله هناك يري أسعد بن زراره هذه الرؤيا، ثم الله يقدر أن أسعد يختلف مع صاحبه، ثم الله يقدر بأن يأتي أسعد بن زرارة إلى مكة، هذا كله كيف يخطط له الداعية؟ مستحيل، لا يمكن. السيرة كلها بهذه الطريقة، السيرة كلها بهذه الطريقة. من يفهم هذا الكلام كما هو لن يبالغ ولن يخاف، إلا أن يؤتى الإسلام من قبله بسبب نقص التوكل، بسبب عدم صفاء النفس، بسبب عدم دعاء الله سبحانه وتعالى، هذا هو السبب الحقيقي، وما سوى ذلك عارض ليس كبير جداً. نعم، قد يكون مهم على حسب درجته ومرتبته، ولكن ليست كبيرة مقاربة بنفس توجيه القلب لله سبحانه وتعالى والعمل كما يريد الله سبحانه وتعالى، ثم الله سيقيض لدينه، الله خيوط القدر تحاك بطريقة حقيقة يعجز الداعية عن فهمها، ولا يمكن للداعية أن يعرفها إلا بعد ما تقع، بعد ما تقع هو يتكلم يقول: كيف التزمت؟ يقول: أتاني شخص وقال لي كذا، أنا شخص نشر مقطع واستمعت له فأتاني هكذا. هذا ما تدري كيف يكون، وليس هو في تخطيطك، لكن أنت عندك هكذا أبواب تستطيع من خلالها أن تدعو، ما تقصر بها. كل باب تستطيع أن تدعو فيه تدعو فيه، وتدعو الله قبل أن تدعو، تدعو الله سبحانه وتعالى قبل أن تدعو، ترسل الله سيبلغ، كيف؟ ما أدري، لا ندري.

إذا خرجنا من هذه الدائرة سنتذمر ونتضجر، ونقول: لماذا لو عندنا كذا؟ هذه كلمة: لو عندنا، يعني ماذا تقصد؟ هل تقصد أن البلاغ يكون متعلق بهذه لو عندنا، أو ماذا تقصد بهذه الكلمة؟ انتبه، انتبه من هذه الكلمات، هذه الكلمات لابد أنك تزيلها من قاموسك، من ذهنك، ثم من لسانك تزال، ويكون همك فقط كيف كيف نوصل الرسالة، كيف نطبق الإسلام كما أمر الله سبحانه وتعالى، ثم الله سيقيض لدينه، ثم الله سيقيض دينه، والله حامي دينه، الله سبحانه وتعالى حامي دينه، لا تدري كيف يكون هذا الأمر، الله هو الذي يعلم.

نحن الآن في هذا المكان، كل واحد منا في بلدته، ما ندري من صافي القلب ولا نعرف كل الأشخاص، إنما نعرف مئتين، لو كل واحد منا رجع إلى معرفة ممكن هو غاية ما يعرفه ممكن خمسمائة، يعني يندر أن الشخص يعرف أكثر من ألف إنسان، هذا نادر قليل بالبشر. أكثر البشر يعرف خمسين، مئة، مئة وخمسين، مئتين، هكذا أكثر الناس هذه معرفتهم. طيب، مئتان مقارنة بالملئة مليون أو خمسين مليون أو العشر ملايين كم نسبته؟ لا شيء، لا شيء، وما تدري من الذي سيختار الله سبحانه ومن هؤلاء من هذه الاعداد الكبيرة.

قصد من ذلك أن أسعد بن زرارة اختاره الله سبحانه وتعالى، وانتقل أسعد بن زرارة بعد ذلك مثل ما ذكرت إلى المدينة، وأخذ يدعو وبدا يدعو الخاصة. صنع في المدينة مثل ما صنع النبي عليه الصلاة والسلام وأبي بكر الصديق في دعوتهم في المرحلة السرية، فأخذ أسعد يدعو الخاصة فدعا مجموعة وأسلم معه مجموعة وانقادوا له، ثم انتقل بعد ذلك إلى مكة حتى جاءت بيعة العقبة الأولى التي هي بيعة النساء المذكورة في سورة الممتحنة، بيعة الإيمان، فجاء اثنا عشر رجلاً من الأنصار، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، وبايعوا النبي عليه الصلاة والسلام. وأسعد بن زرارة من بني النجار أي من أخوال النبي عليه الصلاة والسلام.

فجاء هؤلاء وبايعوا النبي عليه الصلاة والسلام هذه البيعة. ثم اشار هذا الرجل المهدي، شوف يا شباب بعض الأشخاص يكون مهدي يعني الله هاديه، يعني هذا الإنسان كما يقول ابن القيم تكاد تبصر بان الملك ينطق على لسانه، وكنا نحدث بان السكينة تنطق على لسان عمر كما جاء عن الصحابة. يعني بعض الأشخاص يقول كلامه كما قيل عن الحسن البصري أن كلامه يعني أشبه بالوحي، أشبه بالوحي، وهذا موجود في كل جيل، هذا موجود في كل جيل، بعض الأشخاص يكون مهدي موفق، هذا عبد له حماية إلهية عظيمة، الشيطان لا مسلك له عليه، محفوظ بحفظ الله سبحانه وتعالى. أسعد بن زرارة ليس من هذه الشريحة بل من علية هؤلاء.

أسعد أشار على النبي عليه الصلاة والسلام بأن يبعث معه رجل حتى يعلم أهل المدينة الإسلام، انظروا! فاختار النبي عليه الصلاة والسلام مصعب بن عمير، وضع مصعب مع أسعد، فنزل مصعب في بيت أسعد، فتح أسعد بيته. أسعد مثل ما ذكرت ليس من علية القوم، يعني هو ليس سعد بن معاذ، ليس سعد بن عبادة بحيث أن كلمته هكذا مسموعة وسيستجيب الناس لها، ليس بهذه الطريقه. لكن مع ذلك بدا الذي يستطيع، والله أعلم بأن هذا الإنسان يتوقد رغبة في الوصول إليه، حريص مثل زيد بن عمرو بن نفيل: يا ربي لا أعرف كيف أعبدك، لكن اريد أن أعبدك، هذا هو الذي يهدى، يبعث أمة بيني وبين عيسى عليه السلام، ليس الذي يبحث في وسائل التواصل، والذي هكذا يسأل مئة ألف شيخ، والذي هذا لن يهدى كثيراً. اسأل، ولكن قبل السؤال دعوت سألت الله أن يهديك، من تسأل؟ سألت الله أن يجري الخير على اللسان الذي تسأله حتى يكون موافق. دعوت الله كيف علاقتك مع الله؟ كيف توجه قلبك لله سبحانه وتعالى؟ كيف توجه قلبك لله؟ هل تجاهد نفسك على هذا وتبذل؟ هذا هو الذي يهدى، أما غير هذا ما يهدى الهداية الكبيرة، ما يهدى والله ما يهدى الهداية الكبيرة.

أسعد بن زرارة كان من هذه الشريحة، بل من علية هؤلاء، فاختار النبي عليه الصلاة والسلام مصعب بن عمير. وذكرنا قصة مصعب وسيرة مصعب. مصعب لما كان يدعو أهل المدينة من كان معه؟ أسعد بن زرارة. وأسعد يعني انظروا، انظروا إلى صدق هذا الإنسان، يعني أنا صورة أسعد بن زرارة في ذهني صورة الرجل الطيب المحب للخير، هاه، تعرفون بعض الأشخاص يكون هكذا يعني مثل عثمان بن عفان يكون حليم رحيم، أسعد كان من هذه الشريحة رضي الله عنه وأرضاه.

فيكون طيب ورحيم وحليم، هذا الطيب الحليم الرحيم حتى لو عاداه الشخص يمتص هذا العداء بالحلم بالرحمة. طيب، ما رايك أن تسمع؟ طيب، ما رايك أن تنظر للذي نقوله؟ انظروا كيف يقابل هذا الشيء. وصفة أسعد هنا هي صفة مصعب بن عمير رضي الله عنهما.

فانتقى المصعب إليه الآن، مصعب أتى بلد الغالب فيه الوثنية، وكذلك أهل الكتاب، المسلمون ما زالوا قلة في المدينة ليسوا كثرة، المسلمون قلة في المدينة وليسوا كثرة، وإلى الآن ما أسلم العلية، ما أسلم سعد بن معاذ ولا سعد بن عبادة الذين يستطيع من خلالهم أن يستطيع من خلالهم أن يشكل القوة الحامية للدعوة. فانطلق أسعد بن زرارة ومعه مصعب بن عمير، وأخذ أسعد يفتح الأبواب إلى مصعب. وكان أسعد كذلك يصلي بالناس. واختار أسعد -وهذا الشيء العجيب انظروا إلى الهداية- اختار مكان المسجد النبوي، المربد، وكان هذا لبني النجار وكان مربد للابل، فاختار أسعد هذا المكان واخذ يصلي فيه قبل أن يأتي مصعب بن عمير. أول من صلى في المدينة هو أسعد بن زرارة رضي الله عنه، وكان يجمع باهل المدينة وكان كعب بن مالك يترحم عليه إذا سمع نداء يوم الجمعة، فكان يجمع بهم يصلي بهم صلاة الجمعة، وكان عددهم أربعين رجلاً، إذا كانوا يصلون مع أسعد.

جاء مصعب بن عمير، وأخذ أسعد يفتح له الأبواب، واخذ مصعب يدعو الناس ويقرا عليهم القران، وأسعد معه، وأسعد كذلك كان يدعو وكان يبلغ. فبدأ الإسلام ينتشر تدريجياً، حتى وصل الأمر إلى أسيد بن حضير وسعد بن معاذ، وبلغ أسيد وسعد بأن مصعب بن عمير يفتن الناس عن دينهم. وذكرنا القصة، قصة أسيد وقصة سعد، فجاء أسيد ومعه الرمح، وأسعد بن زرارة، أخوالهم بنو الأشهل، بنو عبد الأشهل أي الأوس.

هو من بني النجار من الخزرج، فأخواله من الأوس، وهو من الخزرج، وسيد الأوس هو سعد بن معاذ من بني عبد الأشهل، فهو ابن خال أسعد بن زرارة. فطلب سعد بن معاذ من أسيد بن حضير أن يذهب إليهما، ويقول: والله ما يمنعني من ذلك إلا أن أسعد ابن خالتي. فذهب أسيد بن حضير، والوالد كان شريفاً وهو شريف ومن عليه الأوس، فذهب وانطلق ومعه الرمح فرآه من بعيد أسعد بن زرارة.

أنا يا شباب، تعرفون، يعني الآن أسعد في قلبه ما هو... يعني ما هو شيء الآن موجود في قلب أسعد بن زرارة في هذا المشهد، في هذا الموقف. الآن أسيد يأتي من بعيد، هل في قلبه خوف؟ لا. طيب، ما هو الذي في قلبه؟ في قلبه: كيف يهدي هذا يا ربي؟ هذا على يدي! لذلك الذي يكشف هذا المعنى الموجود في قلبه قول مصعب بن عمير؛ قال: هذا سيد من سادات قومه، اصدق الله فيه! اصدق الله فيه! يعني تكلم معه بكلام يخالط أي حظ من حظوظ النفس، إنما ليككن كلامك هكذا فقط حتى يهتدي هذا الإنسان.

حتى يهتدي هذا الإنسان، اصدق الله فيه! فقال: يجلس فيسمع. فجاء وسبهما وشد عليهما، فرد عليه مصعب برد لطيف وحليم، وقال: أو خير من ذلك؟ قال: وماذا؟ قال: تجلس فتسمع، فإن أعجبك والا قمنا عنك. فقال: أنصفت! صدم بالرد. فجلس فقرأ عليه مصعب القرآن وذكره ودعاه، ففتح قلبه. كيف فتح قلبه؟ كيف يعني هذا الآن القلب مغلق؟ هذا الإنسان لماذا لما دعاه مصعب فتح قلبه؟ لعلم الله سبحانه وتعالى بصدق أسيد أو بصلاحية، ليس بصدق، بصلاحية أسيد بن حضير، ولعلم الله سبحانه وتعالى بصدق أسعد بن زرارة ومصعب بن عمير.

فسعد صادق ويقول لمصعب: اصدق الله فيه! اصدق الله فيه! هذا هو الصديق الصالح، هذا، شوف يا شباب، هذا هو الذي يستحق أن يقرب في الأعمال الدعوية الإسلامية، الذي دائما يذكرك بالصدق مع الله سبحانه وتعالى، والذي يذكر قبل المجلس يقول: اصدق الله في هذا المجلس. إذا ذهبت إلى واحد يقول: اصدق الله في هذه الكلمة. أحيانا تغفل، أحيانا تنسى، فهو يذكرك بهذا المعنى الشريف الذي هو بالحقيقة يفتح القلوب، ويبارك في الدعوات. الدعوة لا يبارك بصاحبها إلا لما يكون من الصادقين.

أسعد رجل صادق، ومصعب رجل صادق، فقال: اصدق الله فيه! فصدق مصعب الله سبحانه وتعالى، وقبل ذلك أسعد، ففتح على هذا القلب. يعني قلب أسيد بن حضير كان مغلقاً، صدق أسعد مع مصعب كسر هذا القفل، ففتح القلب فدخلت الدعوة فيه، ثم انطلق بعد ذلك وذهب إلى سعد بن معاذ. فقال سعد: والله إن أسيداً رجع بغير الوجه الذي ذهب به. فاحتال عليه أسيد، فقال له: إن الخزرج علموا بمكانتي أسعد منك فهموا بقتله! فغضب، وكان رجلاً شريفاً عظيماً قوياً شجاعاً، فانطلق برمحه.

فلما رآهما جالسِينَ علم بأن أسيداً كان يريد منه أن يسمع. فجاء مغضباً ونهر كلا الرجلين، وقبل أن يصل إليهما نظر إليه أسعد بن زرارة وقال لمصعب: اصدق الله فيه! فإن هذا سيد قومه، اصدق الله فيه! وكان أسعد ينظر: هذا الرجل إذا أسلم وانقاد إلى الدعوة كيف ستنتقل الدعوة؟ هذا الرجل الشريف العظيم القوي لو انقاد إلى الدعوة الآن واستجاب إلى ما نقوله له، كيف... هذا المشروع، هذا الهدف، ما الذي سيحدث معه إذا أسلم هذا الإنسان؟

أسعد لا يملك القوة التي يملكها سعد بن معاذ، القوة الاجتماعية والسلطة، ولكن هو صاحب إيمان وصاحب تقوى وصاحب صالح ويريد أن ينتصر الدين. فقال: اصدق الله فيه! هذا سيد قومه. قال: يجلس فيسمع. فجاء ونهرهما سعد بن معاذ وشد عليهما، فرد عليه مصعب برد الحليم، وقال له: ألا تجلس فتسمع؟ قال: أنصفت! فجلس وقرأ عليه القرآن، ففتح على هذا القلب. الله يعلم بأن هذا الإنسان صادق، وأنه محب، وأنه سيهتز لموت عرش الرحمن، ويعلم بأن أسعد صادق ومصعب صادق. اجتمع الصادقون فتأثر سعد بن معاذ ودخل في الإسلام ببركة دعوة مصعب بن عمير وأسعد بن زرارة.

الوسيط لإسلام هؤلاء كلهم هو مصعب بن عمير، وقبل ذلك أسعد بن زرارة؛ لذلك هو في المدينة كالصديق في مكة. الصديق هو الذي نشر الدعوة، هو الذي أتى بعثمان بن عفان وبطلحة وبالزبير وبقية الأصحاب في مرحلة الدعوة السرية، وهو الذي أسلم على يديه الكثير، هو الذي حميت به الرسالة في مكة وفي المدينة، الوسيط كان أسعد بن زرارة رضي الله عنه وأرضاه. فانقاد سعد بن معاذ وانتشر الإسلام وعم في هذه السنة ببركة صدق أسعد بن زرارة ومصعب بن عمير. العمل الذي يكثر فيه الصادقون لا تخف عليه، خف من العمل الذي لا يوجد به صادقون! لأن هذا العمل الذي لا يوجد به صادقون لا يوجد به متعبدون، لا يوجد به من يحب الله ورسوله محبة حقيقية صافيه نقية. هذا العمل لو ملك أدوات التأثير، لو كان فيه من فيه، هذا العمل مآله إلى بوار، مآله إلى سخور، مآله إلى استحواذ الشيطان ولا بد.

أما العمل الذي يوجد به الصادقون، مثل أسعد بن زرارة ومصعب بن عمير، هذا العمل هو الذي يبقى، هذا العمل هو الذي يبارك فيه. لا تنظر إلى كثرة العادات، بل انظر إلى صدق الأفراد، انظر إلى صدق الأفراد وخف من العمل الذي يرجو فيه أصحابه الشهرة، أو الذي يرجو فيه أصحابه فقط الذكر، أو الذي يرجو فيه أصحابه هكذا المنافسة المذمومة أو التعصب إلى آخره المذموم. ولكن إذا وجد الأصحاب أو الأشخاص الذين يريدون نشر الإسلام ولو... الذين يذكرونهم أنما الإسلام فقط هو الذي ينتشر، هذا هو الذي يبارك فيه.

لذلك أقوى أسباب الدعوة وأقوى مؤثرات الدعوة هو أن تزكي من يعمل معك. هؤلاء إذا زكوا وعلم الله ما في قلوبهم سينزل السكينة وسيفتح عليهم البلاعات وقلوب العباد، أما إذا لم تكن تزكية بذاك فهؤلاء لن يستطيعوا، والعمر مؤثر في هذه الأعمال. القصد أن سعد بن معاذ أسلم وانتشرت الدعوة في السنة هذه، مصعب بن عمير في المدينة وأسعد معه، وعم الإسلام حتى انتشر وأصاب السادة، فاسلم سعد بن معاذ واسلم سعد بن عبادة والبراء بن معرور وجماعة كبيرة من علية الأوس والخزرج. نعم، ما زال هناك كفرة وهم من العلية كذلك، ولكن أصبحت هناك الآن أكثرة وقوة للإسلام في المدينة.

فقال الأنصار: إلى متى نترك النبي عليه الصلاه والسلام يطارد في جبال مكة؟ فانطلقوا بعد ذلك في العام الذي يليه إلى مكة، وكان العدد ثلاثة وسبعين رجلاً وامرأتان، فحدثت بيعة العقبة الثانية، وقعت هذه البيعة الكبيرة، بيعة العقبة الكبرى. وكان سيد جيد أو كان بطل هذه البيعة هو أسعد بن زرارة رضي الله عنه وأرضاه، وهو أول من بايع النبي عليه الصلاه والسلام. فأخذ النبي عليه الصلاه والسلام عهود والمواثيق على نصرته، وبايعهم بيعة القتال بيعة الحرب.

فلما تم الأمر وأراد الأنصار أن يبايعوا النبي عليه الصلاه والسلام قال أسعد الكلمات التي يعرفها الناس: يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد المطي إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف؛ فاما أنتم قوم تصبرون على السيوف إذا مستكم وعلى قتل خياركم وعلى مفارقة العرب كافة، فخذوه وأجركم على الله، واما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة، فذروه فهو أعذر عند الله. قالوا: يا أسعد بن زراره، امط عنا يدك! فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها.

فكان أول من بايع النبي عليه الصلاه والسلام أسعد بن زرارة، ثم بايع البقيه. وقال أسعد هذه الكلمات من باب التحفيز للانصار، يعني يريد هو أن يستثير النفوس، وأن مبايعة النبي عليه الصلاه والسلام الآن ليست بسهلة، إنما لها كلفة، لها ضريبة، فيما إنكم قوم تقدرون على أداء هذه الكلفة والضريبة وإلا فدعوه! هم لن يدعوه، لكن هو يريد أن يستثير فيهم هذه الحمية، يريد أن يحرك النفوس.

فبايعوا النبي عليه الصلاه والسلام، وبعدما بايعوه اختار النبي عليه الصلاه والسلام النقباء. منهم من يقول بأن النبي عليه الصلاه والسلام طلب من الأوس والخزرج أن يرشحوا النقباء، نقباءهم، وهذا اللي ذكر ابن هشام في السيرة. ومنهم من يقول، وذكر البيهقي ورواه عن مالك بن انس، ويقول ناقلاً عن مالك بأن مالك يقول: حدثني رجل من الأنصار بأن جبريل هو الذي اختار النقباء! أي اختيار النقباء كان إلهي، اختيار النقباء كان اختياراً إلهياً، واختار النبي عليه الصلاه والسلام على بني النجار أسعد بن زرارة.

أسعد بن زرارة، والنقباء كان عددهم اثني عشر رجلاً، والعجيب أنه أصبح بعد ذلك نقيب النقباء! أي الآن نقيب على كل فخذ من هؤلاء من الأوس والخزرج، ونقيب هؤلاء جميعاً هو أسعد بن زرارة، أسعد بن زرارة نقيب النقباء، نقبه النبي عليه الصلاه والسلام على جميع الأنصار. وهو صغير! نعم، هو صغير، ليس من... نعم، اسم العليا اسم العليا في ميزان الناس، لكن هو في ميزان الله سبحانه وتعالى هو الأعلى، شتان بين الميزانين: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].

فانطلق الأنصار بعد ذلك إلى المدينة، وأخذ المهاجرون يهاجرون إلى مدينة النبي عليه الصلاه والسلام حتى هاجر النبي عليه الصلاه والسلام ولما هاجر ونزل في قباء كما تعرفون اجتمع الأنصار ومعهم وهم متقلدي سيوفهم، متقلدو السيوف. فنظر إليهم النبي عليه الصلاه والسلام وقال: أين أبا أمامه؟ أين أسعد بن زرارة؟ افتقد هذا الرجل! وكان يقول سعد بن خيثمة، كان متعجب: لماذا أسعد بالذات؟ نعم، هو يريد أسعد بن زرارة عليه الصلاه والسلام. ثم بعد ذلك انتقل عليه الصلاه والسلام إلى المدينة ودخل المدينة.

وأراد الأنصار أن يأخذوا ناقة النبي عليه الصلاه والسلام ومتاعه، فقال: خلوا عنها فإنها مأمورة! فبركت الناقة في المكان الذي اختاره أسعد بن زراره، وكان حائطاً لغلامين من بني النجار، فاشتراه النبي عليه الصلاه والسلام منهم ونبش قبور المشركين الذي فيه وبنى فيه المسجد النبوي. رجل مهدي! رجل مهدي تماماً كالصديق رضي الله عن الأصحاب جميعاً.

ثم بنى مسجده عليه الصلاه والسلام. العجيب أن أسعد لم يعش طويلاً بعد ذلك، بضعة أشهر ثم مات وهو شاب صغير، يعني إسلام أو عمر أسعد في الاسلام ربما ثلاث أو أربع سنوات فقط. يعني أسعد كان هو الجسر، تعرفون يا شباب مرات بعض الأشخاص عملين كبيرين عظيمين أو شخصين أقوياء يكون شخص هذا رأيته بالدعوة كثير، يعني يكون هذا شخص هذا شيخ هذا عالم إلى آخره مؤثر وهذا في المقابل عالم آخر، الوسيط يكون إنسان عادي في نظر الناس، لكن لا يجري هذا العمل ولا يقوم إلا لما يتدخل هذا الوسيط.

ورأيت أحد المباركين ما يعرفه أكثر الناس، لكن ما يقوم عمل اسلامي بالعاده إلا عن طريق هذا الإنسان، يعني لازم يمر عليه، لازم يمر عليه! طيب لماذا يمر عليه؟ لماذا اختيار إلهي؟ الله أعلم، الله هو الذي يختار، يكون بعض الناس هكذا، إنسان عادي حتى ربما ما يذكره التاريخ، لكن ما يقوم العمل إلا بواسطته، إلا بدخوله، فيتدخل وياخذ الأجر كله وفوز بهذا الأجر، قد يكون هو أعظم هؤلاء أجراً، لأن يكون وظيفته مثالاً، مثال التوصيلة، مثالاً مثال المشبك هكذا الاشتراك الذي من خلاله تقوم الأعمال.

أمر عجيب، تعرفون كيف الكهرباء تكون موجودة والجهاز يكون موجود، هناك اشتراك يكون بين الكهرباء وبين تشغيل هذا الجهاز، هذا الاشتراك هو مثال هذا الشخص ما. الكهرباء ما تستع... أنك تشغل هذا الجهاز من غير وجود هذا الاشتراك، طيب هذا كيف يكون؟ يقول كذا ما لا أنا أعرفه ولا أحد يستطيع أن يعرفه، هذا خاص بالله سبحانه وتعالى، الله أعلم، الله يعلم من يستحق، الله أعلم سبحانه وتعالى من يستحق أن يقوم بهذا الدور التاريخي العظيم الذي يأخذ فيه كل هذه الأجور.

أسعد بن زرارة كان من هذه الشريحة رضي الله عنه وأرضاه ورحمه، وهذه موجودة في كل زمان وفي كل عمل، هذه الشريحة الصادقة النقية الخفيه التي لا تحرص... هذه الشريحة ما تحرص لا على الشهرة ولا على أن يعرف أحد، وهي أصلاً قد لا تصلح للشهرة، يعني هي ليست شريحة العالم المتحدث أو إلى آخره ليست بهذه الطريقة، هو يفكر بهذا أصلاً، يفكر كيف ينصر الإسلام؟ كيف نصْدُق الله مع هذا ونصدق الله مع هذا؟ ولما أتكلم بهذه الكلمة أصدق الله سبحانه وتعالى فيها، ولما تكلمت هذه الكلمة أصدق الله سبحانه وتعالى فيها، ما أدري أين كلمة ستؤثر؟ كيف كيف تبلغ الرسالة؟ هكذا هو يفكر، يعني قلبه كله بهذه الطريقه مملوء بتعظيم عظيم الله وحبه وجلاله.

هذا لا يفكر بـ... الذي يفكر فيه بعض الناس. بعض الناس كثر عدد! قلب طيب، لماذا هذا ما يتاثر؟ لأن هذا ما عنده مجال، خلاص القلب امتلاء. الذي تأثر معناه أن عنده حظ نفسي ما زال الحظ موجود؛ الله اليوم حضر عندي ألف، اليوم حضر عندي خمسين، اليوم كذا، بعدين لما يقل العدد يقول: اليوم قل العدد، مشكلة! لا، ليست مشكلة، طيب لماذا قلت مشكلة؟ هذا حظ النفس. طيب هل ممكن أصل إلى درجة أني ما أتأثر أبداً؟ بل أقول لك: نعم، بل أقول لك أبلغ من هذا: ممكن تصل إلى درجة أنك ما تفرح بالعدد الكثير وتفرح بالعدد القليل. ليش؟ مع هذا أنك ما تبلغ، لأن هذا خطأ بالتقدير، لكن معنى هذا أن العدد القليل أدعى إلى الإخلاص، أدعى إلى الصدق، خلاص تحب هكذا المجالس التي ما يكثر بها الناس وليس مع...

هذا التقصير في البلاغ والبيان لأن هذا يسمع الدين، لكن معنى هذا أن هذا خلاص لم يعد عندك شيء كبير. وكلما أقل عدد، هكذا أسعد إلى قلبك، أسعد إلى قلبك وتصل إلى هذا الحد، لماذا وصلت إلى هذا؟ لأنك تريد أن تحمي إخلاصك.

طيب، هل ممكن؟ أقول لك: ممكن. هل هذا الكلام مثالي أو واقع؟ أقول لك: واقع. هذا أسعد بن زرارة، هذا أبو بكر الصديق، هذا حتى كذلك في التابعين كان الرجل إذا كثر طلابه يقوم ويترك المجلس. طبعا ترك المجلس خطأ، ولكن هذه مراعاة للنفس، مراعاة للنفس، فهو لا يفكر، هو يريد أن يبلغ الرسالة، هذا هو في عقله كيف الله؟ هذا ما يفكر بالظاهر، هذا كل عقله بالغيب. كل يعني الآن يلقي كلمة ثم ينظر دائما السماء: يا رب، هل قبلت مني هذه الكلمة؟ يا رب، هل باهت بي الملائكة؟ يا رب، هل أنا الآن أذكر في الملكوت الأعلى؟

هو ما ينظر إلى العدد، ولا ينظر إلى أثر الكلمة، وإنما ينظر إلى نظر الله سبحانه وتعالى. هذه طبعا مرتبة عالية، وهذه ما يصل إليها العبد إلا مع الصدق الكبير، يعني تحتاج إلى مجاهدة وإلى طرق الأبواب، طرق الأبواب حتى يوصل إلى الله سبحانه وتعالى إلى هذه المراتب العالية المنيفة. القصد من هذا الكلام أن هذه الشريحة ما زالت موجودة، وأسعد هو من العليين من هؤلاء.

يعني ما تم انتقال الدعوة إلى المدينة بانتقال النبي عليه الصلاة والسلام كما كان من حلف الطائف أبدا، إنما لابد من وجود أسعد بن زرارة. ولم يبعث النبي عليه الصلاة والسلام رجل من قبله في البداية، لا، يأتي الأنصار، ويرى سعد الرؤيا، أسعد الرؤيا، ثم يكون هو السبب الموصل للإسلام: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وبقية الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم. كيف؟ الله أعلم حيث يجعل رسالته، الله يجتبي، وربك يخلق ما يشاء، هكذا هي الدعوة.

ثم بعد ذلك حضرت أسعد الوفاة، ومات بالذبح، والذبح مرض يكون في اللوزتين، يعني مثل تليف هكذا البلاعين في مصطلحنا المعاصر عند الأطباء. فحاول النبي عليه الصلاة والسلام واجتهد وقال: لأعذرن في أبي أمامة؛ يعني سأبذل بكل شيء حتى يشفى هذا الإنسان. فبدأ النبي عليه الصلاة والسلام وكواه، ثم كواه مرة ثانية، ثم مات أسعد بن زرارة.

فلما مات، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ميتة سوء لليهود. طيب، لماذا ميتة سوء لليهود؟ اليهود حسدوا أسعد وأغاظهم أسعد. اليهود قبل أن يدخل الإسلام المدينة، اليهود اتفقوا مع عبد الله بن أبي، تعرفون عبد الله بن أبي هو الذي مع رجل آخر، هما اللذان دفعا دية الأوس والخزرج لقتال الذي كان بيوم بعاث. فاجتمع الأوس والخزرج على عبد الله بن أبي حتى يكون هو السيد، واليهود يريدونه، وهو حليف لبني قينقع وبني النضير كما تعرفون، وتعرفون قصة معهم لما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يعاقبهم، فلم يزل بالنبي عليه الصلاة والسلام حتى أجلاهم، وكذلك يهود بني النضير.

وأخذ حتى بتلابيب النبي عليه الصلاة والسلام، ويرى بأن هؤلاء موالي له، فهو كان قريب، هذا المجرم المنافق كان قريب من هؤلاء اليهود، وكذلك بعد الإسلام تعرفون كذلك اجتماع اليهود مع المنافقين كيف كانوا يتفقون على المسلمين، وكان من المنافقين جواسيس اليهود. القصد من ذلك أن عبد الله بن أبي كان قريب من اليهود، الذي غير هذه المعادلة كلها أسعد بن زرارة.

أسعد، سعد بن زرارة هذا الإنسان الذي لم يكن ينظر إليه عبد الله بن أبي، هو فرد من أفراد الخزرج، وعبد الله بن أبي هو سيصبح سيد الأوس والخزرج. انظروا، انظروا كيف الآن أحيانا الشخص الذي ما يملك، يملك هذا، يستطيع أن يقلب المعادلة كلها. لماذا؟ لوجود الصدق، لوجود الإخلاص. ما يستطيع الإنسان بقوته، ولا يستطيع الأعداء بقوتهم أن يصنعوا الذي يريدونه، إنما الذي يصنع هو الله سبحانه وتعالى، والذي يقدر هو الله سبحانه وتعالى.

فأسعد بن زرارة قلب هذه المعادلة كلها، وبعد ما انتهى دوره التاريخي مات، ما حضر بدراً ولا أحداً ولا الأحزاب، خلاص، انتهى الدور التاريخي. الدور التاريخي لهذا الرجل هو أن يكون الموصل للدعوة، وأن ينقل الله به الدعوة، أن يكون الجسر الذي تنتقل الدعوة من مكة إلى المدينة، ثم انتهى دوره التاريخي. ولما مات، اليهود اغتاضوا، وكانوا يريدون الفتك بأسعد بن زرارة، فلما مات، فرح اليهود بذلك، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ميتة سوء لليهود. يقولون: ألا هل صانع لصاحبه شيئاً، ولا أغني عني ولا عن صاحبي شيئاً، إنما أنا عبد. فالنبي عليه الصلاة والسلام عبد، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

يعني اليهود يقولون: لماذا لم ينفع صاحبه هذا الذي تسبب به؟ واليهود الآن سيستغلون هذا الموقف في بيان أن الدعوة مشؤومة، والدعوة كذا وكذا وكذا؛ ابتلاء واختبار للانصار من البداية. ابتلاءات؛ هذا الرجل يتسبب بانتقال الدعوة ثم يموت، طيب، أين البركة؟ ما قال لك البركة معلقة بالأمر الدنيوي، هذا مشكلة عندك بفهم الإسلام. البركة الاستقامة، هي: هل أنت ما زلت محافظ على الطريق؟ هل أنت ما زلت محب لله والرسول ومعظم له؟ هذا هو المعيار في الإسلام. أعظم الكرامة لزوم الاستقامة.

أعظم كرامة؛ فاز أسعد بهذه الاستقامة، فاز بنشر الدعوة، هذه هي الكرامة. الآن اليهود سيقولون: لو أغنى عن صاحبه شيئاً، إذاً هو ما استطاع أن ينفع صاحبه، كيف سينفعكم يا معشر الأنصار؟ هنا مباشرة النبي عليه الصلاة والسلام بين أني عبد، لا تظنوا بأني صاحب خوارق، أنا ما استطيع إلا على الذي يعطيني الله إياه، أنا عبد الله ورسوله، أنا رسول مبعوث من قبل الله سبحانه وتعالى، فهو ما يستطيع أن يفعل إلا ما يأمر الله به، أو ما يأذن الله سبحانه وتعالى به. بين لهم النبي عليه الصلاة والسلام حقيقة من البداية. ولعل الله قدر بأن يموت أسعد بن زرارة بهذه الطريقة حتى يصفي الناس، وكذلك حتى ينتقل الأنصار بالإيمان، فالايمان ما ينتقل صاحبه من مرتبة إلى مرتبة إلا بالبلاء والاختبار، وكذلك حتى يعلم الناس من هو النبي عليه الصلاة والسلام، حتى ما يظن الناس بأنه إله، بشر هو بشر ولكن رسول. فبين النبي عليه الصلاة والسلام بأنه لا يغني عن نفسه شيئاً فضلاً عن صاحبه.

ثم بعد ذلك مات أسعد، وققبل أن يموت أوصى ببنياته الثلاث إلى النبي عليه الصلاة والسلام: كبشة وحبيبة وفارعة. أوصى بهن إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكيدرن مع النبي عليه الصلاة والسلام حيث ما. فربي أبناء أو بنات أسعد بن زرارة في بيوت النبي عليه الصلاة والسلام، وكان النبي عليه الصلاة والسلام هو الكافل لهن.

وطبق النبي عليه الصلاة والسلام كفالة اليتيم على أتم وأكمل وجه. كفالة اليتيم هو أن يكون معك، ليس فقط أن تنفق عليه كما يظن الناس اليوم، نعم، هذا جزء من الكفالة، ولكن ليست هذه الكفالة كاملة، إنما الكفالة مع الإنفاق، التربية مع التربية، التعليم مع التعليم، العناية مع العناية، اختيار الزوج، ثم النظر في الأصلح، إلى آخره، إلى آخره، هذه كلها تدخل في كفالة اليتيم.

فالنبي عليه الصلاة والسلام اعتنى بهن وزوجهن بأمره عليه الصلاة والسلام، وكانت تأتيه الحلي عليه الصلاة والسلام، يأتيه اللؤلؤ والذهب، ولم يكن يعطي أزواجه عليه الصلاة والسلام ولا بناته، إنما كان يعطي بنات أسعد بن زرارة. انظروا كيف كان يقدمهن على زوجاته وعلى بناته عليه الصلاة والسلام. وحتى كذلك قال لعائشة في القصة التي تعرفونها المشهورة في الزواج، وهي في زواج ابنة أسعد بن زرارة فارعة: هل غنيتم؟ قالت: لا. فقال: ألا قلتم؟ وذكر الله عليه الصلاة والسلام، يعني ماذا تقول: أتيناكم أتيناكم، حييونا نحييكم، لولا الحنطة السمرا ما سمنت عذاريكم وعذراكم. والأنصار قوم يحبون له الغناء، أو نساء الأنصار والغناء، هذا هو المقصود به، وذكرنا هذا في مجالس.

القصد من ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام كان حريصاً حتى على هذا. فكفل النبي عليه الصلاة والسلام بنات أسعد بن زرارة رضي الله عنه وأرضاه.

إذاً، قام النبي عليه الصلاة والسلام بكفالة بنيات أسعد، وأدى عليه الصلاة والسلام الأمانة كما أمرها الله سبحانه وتعالى. وكان هذا الرجل الشريف أسعد بن زرارة ممن اختاره الله سبحانه وتعالى حتى تنتقل به الدعوة الإسلامية. وأسعد الناس باسعد بن زرارة هم أصحاب الصدق، الذين لا يملكون المنصب الاجتماعي العالي، الذين هم عامة الناس. عامة الناس ما عندهم مناصب، عامة الناس ما يملكون منصب قوي بتأثير، ولكن يبقى الأمر معلقاً على الصدق، يبقى الأمر معلقاً على الصدق.

فأسعد الناس بأسعد رضي الله عنه وأرضاه هم من كان هذا وصفه. فإذا قوي الصدق عند الإنسان وعظم نقاء النفس وصفاء القلب مع التضحية والبذل لله سبحانه وتعالى، سيكون هذا الرجل شبيهاً بأسعد بن زرارة في الزمان الذي يعيش فيه، ويكون عند الله سبحانه وتعالى أعظم بكثير ممن قد يشتهر عند الناس، وقد يعرف الناس، ويظن الناس بأن الإسلام محمي به، ولم يكن لأن يقوم هذا الرجل أو هذا الآخر المشهور بهذه الدعوة لولا وجود هذا الرجل الصالح في طريقه. هذا هو أسعد الناس بأسعد بن زرارة رضي الله عنه وأرضاه.

وأختم بأننا نريد من خلال هذه المجالس أن نقيم معايير الإسلام، حتى ما يتمنى بعضنا على بعض، ولا يطلب أحد أن يكون مثل معاذ بن جبل أو مثل فلان أو فلان أو فلان، إنما افعل الذي تستطيعه، إنما اصدق مع الله سبحانه وتعالى، ثم الله سيبلغك، ثم الله هو الذي سيعينك، الله هو الذي سيعطيك. إذا دخل أو إذا اشترطت على الله سبحانه وتعالى في شيء، ستنقص مرتبتك، لابد أن تعرف، لابد أن تعرف أن الذي يبلغ الشخص هو الصدق مع الله سبحانه وتعالى، ليست الشهرة ولا القياس على فلان أو فلان، إنما كيف يصدق العبد ربه سبحانه وتعالى في دعوته، هذا هو الذي يبلغ الإنسان.

إذاً، هذا بعض ما يتعلق بسيرة هذا الرجل الشريف، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.