دخولتسجيل الدخول

العيش مع الصحابة 19 | أم أيمن رضي الله عنها

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وأسدد على طريق الخير خطاكم. نكمل هذه السلسلة المتعلقة بخير الناس بعد الأنبياء والمرسلين، وهم أزواج النبي وهم أصحابه النبي عليه الصلاة والسلام.

واليون معنا قصة من هذه القصة العظيمة، التي اختارها الله سبحانه وتعالى على عينه، حتى يجعل هذه المرأة الصالحة هي التي تحضن خير البشر على الإطلاق عليه الصلاة والسلام. والعجيب أن هذه المرأة لم تكن من مكة، بل لم تكن من جزيرة العرب، إنما أتي بها قسراً من بلادها حتى تفوز بحضانة وكفالة خير الأنبياء وخير البشر على الإطلاق بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام.

معنا اليوم قصة أم أيمن بركة الحبشية. هذه المرأة كانت في الحبشة وأصلها من الحبشة، ثم بعد ذلك انتقلت إلى اليمن مع من انتقل من أهل الحبشة، وتعرفون القصة الشهيرة في ذلك. القصد من ذلك أن أبرهة الحبشي بعد ذلك أراد أن يهدم البيت المعظم، وأخرج معه الجنود والحرس وكذلك الضعفاء والخدم، فكان ممن تم اختياره وإجباره على الذهاب إلى بيت الله المعظم حتى يأكل خير البشر على الإطلاق هذه الجارية الصغيرة.

هذه الجارية الصغيرة بركة الحبشية، انتقل هذا الجيش الكبير إلى بيت الله المعظم. وقبل أن يرسل الله سبحانه وتعالى طير الأبابيل، نامت هذه الجارية فرات في المنام رؤية عجيبة؛ رات في المنام رجلاً طويلاً مديد القامة وضيء الوجه، ويقول لها: لن تراعي، لن تراعي، لن تراعي، لن تراعي. حتى جاء هذا الرجل حقيقة ولم تكن قد رأته قبل ذلك إلا في المنام، فدخل على أبرهة، وكان هذا الرجل هو شيبة الحمد جد النبي عليه الصلاة والسلام عبد المطلب، فتعجبت بركة لما رات هذا الإنسان.

ثم بعد ذلك أرسل الله سبحانه وتعالى طيور الأبابيل وقضت على أبرهة وجنده، ولم تصب هذه الحجارة بركة، لم تصب هذه الحجارة بركة الحبشية. ثم بعد ذلك بقي من بقي من الحبشة من الضعفاء ممن كانوا مع جيش أبرهة، وكان ممن بقي هذه الجارية الصغيرة، وكانت في سهم عبد الله بن عبد المطلب وقيل آمنة بنت وهب. فتلقَت هذه الجارية هذا الخبر بالفرح والسرور، ومكثت في هذا المكان، وكانت تسأل عن عبد المطلب، تسأل عن عبد المطلب هذا الذي رأته في المنام، حتى قضى الله وقدر بأن تحمل أم النبي عليه الصلاة والسلام بالنبي عليه الصلاة والسلام.

فاستقبلته هذه المرأة بركة الحبشية، وهذه المرأة هي أطول الناس صحبة للنبي عليه الصلاة والسلام؛ فهي عاشت مع النبي عليه الصلاة والسلام منذ كان حملاً في بطن أمه حتى مات النبي عليه الصلاة والسلام. فهي عاشت مع النبي عليه الصلاة والسلام طيلة هذه السنوات، فتلقَت النبي عليه الصلاة والسلام وكفلته وربته وأصبحت هي الحاضنة له حتى ماتت أمُّه عليه الصلاة والسلام وهي مع النبي عليه الصلاة والسلام. من يعرف هذا يعرف سر العلاقة بين بركة وبين النبي عليه الصلاة والسلام، وكيف كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: أنت أمي بعد أمي.

قضى الله وقدر أن يموت عبد الله، فمات عبد الله في المدينة عند أخوال أبيه بني النجار، وانتقلت كذلك آمنة بعد ذلك ولد النبي عليه الصلاة والسلام، وعبد الله كان في رحلته إلى الشام، ثم لما رجع ذهب إلى المدينة ومات فيها. ثم بعد ما ولد النبي عليه الصلاة والسلام يتيماً تلقَتْه بركة مع آمنة، ثم انطلقت آمنة وبركة والنبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، وماتت آمنة هناك بالأبواء.

فلما ماتت آمنة بكى النبي عليه الصلاة والسلام عليها، ولم يكن معه في هذا المكان أحد من البشر إلا هذه المرأة، إلا بركة فقط. عجيب هذه المرأة، كيف أن هذه المرأة -يعني- لماذا يقضي الله سبحانه وتعالى ويختار هذه المرأة بالذات؟ لماذا يؤتى بها من بلاد بعيدة حتى تكون هنا فقط مع النبي عليه الصلاة والسلام؟ عجيب عجيب حال هذه المرأة.

القصد أنها مكثت معه في هذا المكان بعد ما ماتت آمنة، وتأثر النبي عليه الصلاة والسلام ولم يكن له حضن إلا حضن أم أيمن. ثم انطلقت معه بعد ذلك إلى المدينة وكفله جده عبد المطلب، وكانت كذلك بركة في هذا المشهد، واستمرت بركة مع النبي عليه الصلاة والسلام وأصبحت من رقيقِهِ عليه الصلاة والسلام أي عند النبي عليه الصلاة والسلام، حتى تزوج خديجة -يعني- انظر عن هذه المرأة كيف كان النبي عليه الصلاة والسلام بالنسبة لها كالابن، تلقته قبل أن أو ما ولدت ثم استمرت معه حتى تزوج، وبعد ما تزوج رق لها النبي عليه الصلاة والسلام وأعتقها، وتزوجت من رجل يقال له عبيد.

الوقفة الأولى المتعلقة ببركة قبل ما ننتقل الآن إلى زواجها وقصتها مع أبنائها؛ الوقفة الأولى المتعلقة بها: كرامة بركة. أنا أعلم بأن الكثير ممن يقرأ هذه السيرة يقف عند كرامة نزول الدلو عليها في هجرتها، ولكن هذه كرامة دون هذه الكرامة بكثير! كرامة صحبة النبي عليه الصلاة والسلام، واختيار الله سبحانه وتعالى الإنسان حتى يصحب بهذه الطريقة ويستمر معه بهذه الصورة، ثم تكون هي أول من أسلمت من النساء بعد خديجة.

هذه الكرامة هي أعظم كرامة على الإطلاق، لزوم الاستقامة أعظم كرامة، الهداية أعظم كرامة: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: 58]، وهذا امتثلته بركة؛ فلما مات النبي عليه الصلاة والسلام بكت، فلما سالها الصديق والفاروق عن ذلك فقالت: أنا لا أكي، إني لأعلم أن ما عند الله هو خير لرسوله، ولكني أبكي لأن الوحي قد انقطع من السماء!

إذاً هذه المرأة كانت تعيش مع قول الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: 58]. هي كانت تفرح بنزول القرآن، تفرح بأن الله سبحانه وتعالى اختارها من بين الجميع حتى تفوز بهذا الشرف الذي لا يستطيع الإنسان أن يدركه بجهده ولا بكده ولا بعقله ولا بعلمه ولا بمعرفته ولا بنسبه إلا بتوفيق الله سبحانه وتعالى فقط.

القصد أن الوقفة الأولى وقفة الاختيار الإالهي، هذه الوقفة التي تتكرر معنا كثيراً في هذا النفر المختار من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؛ لماذا هؤلاء؟ لماذا بالذات هذه المرأة وهي لا قيمة لها في نظر الناس؟ أبرهة كان يسود الجزيرة، أبرهة الحبشي كانت عنده من القوة والسلطان ما لم تستطع قبائل العرب منعه، فيقتل بهذه الطريقه المهينه ويتفسخ جسمه، وتبقى هذه المرأة حتى تكون حاضنة لخير البشر.

لماذا لم تكن من مكة؟ هل لم يكن يوجد في مكة من يستحق هذا الشرف؟ الله سبحانه وتعالى هو الذي يختار: ﴿يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: 13]، وربك يخلق ما يشاء ويختار. لا شك بأن الله سبحانه وتعالى علم بأن هذه المرأة تصلح أن تكون في هذا المقام فاختارها الله سبحانه وتعالى.

ذكر أبو نعيم في الحلية أن الله سبحانه وتعالى قال لموسى عليه السلام، قال: يا موسى اتدري لماذا اصطفيتك على الناس بكلامي وبرسالاتي؟ فقال موسى عليه السلام: لما يا ربي؟ فقال: إنه لم يتواضع لي أحد تواضعَك. إذاً موسى عليه السلام قبل أن يصطفى قبل أن يختار كانت فيه هذه الصفة؛ صفة التواضع. لماذا اختار الله سبحانه وتعالى إبراهيم عليه السلام من بين الجميع؟ قال: أتدري يا إبراهيم لماذا اصطفيتك واتخذتك خليلاً؟ قال: لما يا ربي؟ قال: لأنه لم يحبني أحد من خلقي كحبك! فاختار الله سبحانه وتعالى حتى أصبحت خليلاً لله سبحانه وتعالى.

إذاً نفس هذا الصفاء الذي يوجد مع الإنسان والذي يسأل الإنسان جاهدًا أن يصفِّي نفسه وأن يكون من الأنقياء الأطهار، هذا سبب قوي جداً لإصابة الخير. بركة كانت من أطهر النساء قلباً في ذلك الزمان، فاختارها الله سبحانه وتعالى وساق لها المقادير، وهذا أمر متكرر يا شباب مع كل من يريدها الله سبحانه وتعالى من الأشخاص والأعمال لابد أن تقدر عليه مقادير تخالف ما يريد هو؛ هو يخطط ويريد شيئاً لكن يأتي عليه أمر قدري خارج عن طاقته فيسوق هذا الأمر القدري إلى شيء يحبه الله سبحانه وتعالى.

لا يستطيع هو بعقله وبعلمه وبخبرته إلى آخره أن يصيبه، أمر قدري يصيب هذا الإنسان. هذه المرأة وقعت معها أمور قدرية؛ الآن الاتيان بها من بلاد بعيدة إلى مكة، وهذه الرؤيا، وتنظر إلى عبد المطلب بالذات وتبقى في هذا المكان، ثم تصبح في سهم عبد الله ثم تتقبل وتكون في بيت النبي عليه الصلاة والسلام. هذا كيف الإنسان يخطط له؟ وكيف الإنسان يقدر له؟ حتى لو خطط وقدر لا يستطيع، لكن هذا صنع الله سبحانه وتعالى في من يحب من أوليائه.

إذا حب الله سبحانه وتعالى هذا الشخص قدر عليه هذه المقادير التي لا يملكها هو، واهم من ظن بأنه بعقله سيصيب هذه المقادير. قدر الله دائماً أقوى من تقدير العبد، قدر الله دائماً لا يستطيع عليه تقدير العبد؛ تقدير العبد يصيب بعض القدر، ولكن القدر الشمولي الكامل هذا لا يستطيع عليه حتى خير الناس، بل هذا يكون لخير الناس حتى يعلموا منِّة الله عليهم، حتى ما يتاكدوا على عقولهم. الله سبحانه وتعالى يقدر على هؤلاء مثل هذه المقادير حتى يصفوَ عندهم الإيمان، حتى يخلص التوكل، حتى ما يلتفت الإنسان إلى علمه أو إلى عقله أو إلى أي معنى من هذه المعاني أو شيء من هذه الأشياء، حتى فقط يتكئ على الله سبحانه وتعالى فقط، وما يكون في قلب أحد غير الله، ويصيب التوكل كلَّ عالٍ فيخلص القلب للإيمان.

القصد أن هذه المرأة الصالحة كانت بدايتها بهذه الطريقه، قدر يسوقها سوقاً إلى مكة، ترى في المنام هذه الرؤيا، تكون في هذا البيت، ثم الله يمن عليها ويقذف في قلبها محبة هذا النبي المختار عليه الصلاة والسلام وتعيش معه طيلة هذه السنوات. من يعرف هذه العلاقة يعرف لماذا كانت أحياناً تمازح النبي عليه الصلاة والسلام وأحياناً هكذا ترد وتتعامل مع تعامل الأم مع ابنها. الذي لا يفهم هذا يأخذ الكلام مجرداً عن طبيعة العلاقة، فلا يفهم كثيراً مما يقع في السيرة، بل ما يقع بين الناس؛ فطبيعي أن الأم لما تخاطب ابنها تخاطبه أحياناً بهذا.

هي كانت ترى بأنها قريبة منه إلى هذه الدرجة، وكان هو عليه الصلاة والسلام يزورها، وهذا الشيء الذي يحتاج إلى وقفة؛ من كان يزورها؟ النبي عليه الصلاة والسلام! النبي عليه الصلاة والسلام قائد أمة، والنبي عليه الصلاة والسلام رجل عابد، والنبي عليه الصلاة والسلام داعية، والنبي عليه الصلاة والسلام مجاهد، وكذلك هو متزوج من تسع نسوة -يعني- من كان حاله ليس مثل هذا الحال بل حتى قريب منه لا يستطيع أن يزور أحداً إنما هو يساق سوقاً -يعني- هو وقته لا يكون ملكه، وقته لا يكون ملكه!

لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان يخص أشخاصاً معينين بالزيارة، كان يخص صويحبات خديجة بالاعطيات، كان يخص الرميصاء، كان يخص أم أيمن. لماذا؟ ما السر؟ السر هو هذا، أن النبي عليه الصلاة والسلام هو سيد الأوفياء، سيد الأوفياء! فكان يعرف النبي عليه الصلاة والسلام كم مرة جبرته أو جبره الله سبحانه وتعالى ببركة -يعني- لما ماتت أمه كم كان الحزن في غشي النبي عليه الصلاة والسلام؟ لا شك أنه عظيم.

طيب، لماذا بالذات هذه المرأة كانت معه؟ ما الذي قالته للنبي عليه الصلاة والسلام لما مات لما ماتت أمه؟ لما ماتت آمنة ثم لما انتقلت معه إلى مكه ثم لما رعته حتى كبر عليه الصلاة والسلام ثم تزوج وهي قريبه منه؟ من يفهم هذا يعرف لماذا النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: من سره أن يتزوج امرأة من أهل الجنة فليتزوج أم أيمن.

فتزوجها مباشرة حب النبي عليه الصلاة والسلام زيد بن حارثة، ولدت له أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن محبته. وهذا الرجل العظيم أسامة، كان يحبها النبي عليه الصلاة والسلام لأبيه وكذلك لأمه؛ فأبوه هو زيد بن حارثة الصحابي الجليل الوحيد الذي ذكر باسمه في القرآن الكريم، وأمه هذه المرأة العظيمة أم أيمن، وهو أسامة بن زيد، وهو كذلك أسامة بن زيد يستحق هذه المحبة النبوية.

القصد أن الوقفة الأولى المتعلقة بهذه المرأة: الاختيار الإلهي؛ الاختيار الإلهي لهذا القسم الذي سيكون قريب جداً من سيد الأولياء، سيد الأصفياء، سيد الأنبياء عليه الصلاة والسلام. الوقفة الثانية المتعلقة بها: الزواج. فهي هي تزوجت من رجلين، الأول كان رجل يقال له عبيد الخزرجي وأنجبت منه أيمن، ثم تزوجت بعد ذلك من زيد بن حارثة وأنجبت منه أسامة؛ أسامة بن زيد.

أم أيمن كانت قريبة من زيد بن حارثة ومكثت معه حتى قتل، حتى قتل زوجها وكذلك قتل ابنها أيمن في معركة حنين -أي في عام واحد في مؤتة وفي حنين- قتل زوجها وكذلك ابنها، ولم يبق معها إلا أسامة، لم يبق معها إلا أسامة بن زيد! فهذه المرأة تزوجت وضحت بنفسها وبأبنائها في سبيل الله، فلم تهاجر إلى المدينة إلا مع بنات النبي عليه الصلاة والسلام.

وأرسل النبي عليه الصلاة والسلام كما تعرفون زيد بن حارثة حتى يأتي ببنياته، ولم يرسل النبي عليه الصلاة والسلام رجلاً إلا وهو يؤتمنه، فأرسل هذا الرجل العظيم زيداً، وكانت معه أم أيمن معه زوجته بركة، معه زوجته بركة! فاتمن الله سبحانه وتعالى بيته، فاتمن الله سبحانه وتعالى بنياته بزيد وكذلك بأم أم أيمن، فرحلت هي مع زوجها.

وبنات النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، وفي هذا الطريق وقعت لها كرامة، وهي أنها عطشت في هجرتها، فنزل عليها دلو من السماء وشربت منه، ولم تعطش بعد ذلك فكانت تصوم الهواجر، أي الأيام شديدة الحرارة طويلة النهار، ومع ذلك لم تكن تعطش. وهذه كرامة يمن الله سبحانه وتعالى بها على من يشاء من عباده.

وهذه كرامة لهذه المرأة تثبت هذه المرأة وتدل كذلك على فضلها، فالله سبحانه وتعالى يبعث الكرامات تثبيتا وبيانا. تثبيت لهذه المرأة الصالحة، وكذلك بيان لعلو درجة هذه المرأة لمن يقرا سيرتها. ثم بعد ذلك استمرت هذه المرأة الصالحة في دفاعها عن الإسلام، وكانت تخرج مع النبي عليه الصلاة والسلام في الجهاد في سبيل الله فخرجت معه في غزوة أحد فكانت تسقي الجند، وكذلك تداوي الجرحى، حتى رماها أحد الكفار بسهم.

فلما رماها بسهم سقطت وانكشفت عورتها، فغضب النبي عليه الصلاة والسلام ونثر كنانته لسعد بن أبي وقاص، وقال له: «ارم فداك أبي وأمي». فرماه سعد فسقط وانكشفت عورته، فما أسرع دفاع الله سبحانه وتعالى واقتصاص الله سبحانه وتعالى لأوليائه من أعدائه. القصد من ذلك أن سعد رمى بسهم -والكل يعرف هذه القصة، قصة رمي سعد: ارم فداك أبي وأمي، وكذلك قصة إصابة هذا الرجل الكافر- ولكن ربما الكثير لا يعرف بأن هذا الرجل الذي رماه سعد هو الذي رمى أم أيمن. فاقتص الله سبحانه وتعالى لأم أيمن من هذا الرجل بسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وعنها.

القصد من ذلك أن هذه كانت تستمر مع النبي عليه الصلاة والسلام في الجهاد والنصرة له بابي أمه عليه الصلاة والسلام. فخرجت معه كذلك في حنين، ولم يثبت مع النبي عليه الصلاة والسلام في هذه المعركة -معركة حنين- إلا أقل القليل، كان ثقيف وهوازن قوم رماه فمكثوا واختبأوا خلف الجبال، فلما دخل جيش النبي عليه الصلاة والسلام بين الجبلين، خرج الرماه ورموا الجيش، فانفض الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يبق إلا هو ومعه تسعة وقيل عشرة، وأكثر ما قيل مئة! أي من الجيش الكبير هذا الذي بلغ اثني عشر ألفا، لم يكن مع النبي عليه الصلاة والسلام إلا تسعة.

وتتعجبون بأن من بين هؤلاء التسعة هو أيمن بن أم أيمن! كان معه أقاربه ومعه العليا من الصحابه وشجعان منهم، وكلهم شجعان، لكن أعلى الناس شجاعة هو الذي يثبت في هذه المواطن، بل عادة ما يثبت في هذه المواطن إلا أصحاب الشجاعة الإيمانية؛ يعني نفس أصحاب الشجاعة الفطرية الغريزية يصعب عليهم الثبات في هذه المواطن، لكن أصحاب الشجاعة الإيمانية هم الذين يثبتون. فلم يبق من هذا الجيش الكبير إلا تسع أشخاص فقط، من هؤلاء التسعة أيمن بن أم أيمن، وقطف في هذه المعركة شهيدا سعيدا.

وصبرت واحتسبت، وكان قبل مقتله بعدة أشهر قتل زوجها زيد بن حارثة؛ أي في عام واحد قتل زوجها وابنها، وهي صابرة محتسبة مضحية فرحة بهذا الاصطفاء الإلهي، ولم تجزع. اختيارات الله سبحانه وتعالى ومنن الله سبحانه وتعالى وكرامات الله سبحانه وتعالى تتتابع على هذه المرأة حتى ماتت رضي الله عنها وأرضاها. فان يموت زوجها شهيد وتصبر وتحتسب، ثم يقتل ابنها شهيد وتصبر وتحتسب، هذه أعظم الكرامة! أعظم كرامة: نزول الدلو من السماء، أو أن يحدث لشخص شيء من هذه الخوارق التي ما تحدث عند الناس عادة إلا عند الأصفياء الأولياء، هذه الكرامة هي أعظم الكرامة على الإطلاق.

فاستمرت رضي الله عنها وأرضاها، وكان ابنها قريب من النبي عليه الصلاة والسلام هو أسامة بن زيد كما تعرفون، هو حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه. القصد من ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام بين بأنها من أهل الجنة، وكان يثني عليها، ويقول: «أم أيمن أمي بعد أمي». وكان يقول عليه الصلاة والسلام: «من سره أن يتزوج امرأة من أهل الجنة فليتزوج أم أيمن». وكان يقول عليه الصلاة والسلام كذلك لها: «أنت بقية أهلي، أنت بقية أهلي». فكان يحفظ لها عليه الصلاة والسلام هذه المواقف، لذلك كان يزورها النبي عليه الصلاة والسلام، وكان يتعاهدها بابي وأمي عليه الصلاة والسلام، وهذا من الوفاء، هذا من الوفاء.

فكان النبي عليه الصلاة والسلام يعرف ويتذكر المواقف التي لم يكن معه هو أحد من البشر إلا هذه المرأة. والرجل الكريم ما ينسى الموقف، فكيف لم يكن هو أكرم الأكرمين من البشر عليه الصلاة والسلام؟ هذا هو السبب الذي جعله كان يتعاهدها، والإنسان الوفي لا يقوى على ترك وفائه، الوفي لا يستطيع ترك وفائه، الرجل الكريم لا يستطيع على مكارم الأخلاق أقصد لا يستطيع أن يردها، إنما هي تلزمه وتجبره اجبارا، وتلزم وتقصر قصرا على أن يفعل هذا الشيء. الكل يقول له: ليس منصبا لأن تفعل كذا، المصلحة تقتضي كذا، ولكن هو لا يستطيع أن يفكر بهذه الطريقة، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يحفظ لها هذه المقامات العظيمة يحفظ لها هذه المقامات العظيمة.

وذكرنا لكم بأن هذه السلسلة، شق نتكلم فيه عن النبي عليه الصلاة والسلام وتربيتها وتعليمها وتوجيهها، وشق آخر نتكلم فيه عن طريقة الاستجابة وسبب الاختيار وميزة الأصحاب رضي الله عنهم وأرضاهم. فالنبي عليه الصلاة والسلام هو سيد الأوفياء. لماذا أقول هذا الكلام؟ أقول هذا الكلام لأن بعض الناس بمجرد أن ينشغل، أو يصبح حتى ربما ينشغل بالدين -أمور متعلقة بالدين- فينسى وفاءه، وينسى من كان له فضل عليه، ولا يتعامل معه التعامل الذي ينبغي أن يتعامل معه، ويحتج بعد ذلك بأنه مشغول، وأنه لا يستطيع إلى آخره، وينتظر من الآخر أن يعذره. هو ممكن يعذرك، لو كان الشخص من الشرفاء ما استطاع أن يقول هذا الكلام؛ يعني لو كان الشخص من أصحاب المعادن النقية الصافية ما يستطيع أن يفعل هذا الشيء مع نفسه، لماذا؟ لأن النفس هنا تجبر الإنسان، لأن هنا نفس هذا الغالب، نفس هذا الضغط النفسي يقع عليه يلزمه أن يتعامل مع هذه المرأة على أنها أم له، يتعامل مع هذا الرجل على أنه كان له فضل عليه فلن أنساه.

لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال بعد بدر: «لو كان المطعم بن عدي حي ثم سالني في هؤلاء الننتى لتركتهم له». لماذا يطلق هذه الكلمه؟ لماذا؟ هذا يدل على أن هناك شيئا في جوف النبي عليه الصلاة والسلام بأنه يريد أن يرد للمطعم إجارته له. لم يُجرِ النبي عليه الصلاة والسلام من أجل دينه، إنما أُجير من أجل القربى والنسب، فالمطعم من بني عبد مناف. رجع النبي عليه الصلاة والسلام من الطائف إلى مكة، ودخل عليه الصلاة والسلام في حلف أو في جوار في جوار المطعم بن عدي، فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يرد له هذا الجوار أو هذا الفعل فقال هذه الكلمة الغالية: «لو كان المطعم بن عدي حي ثم سالني في هؤلاء النتنا لتركتهم له»، لم أقبل بالمن ولا بالفداء المجرد، يعني لن أخذ المال عليهم، ولكن سأمن عليهم، أو سأعطيهم المطعم بن عدي جزاء له، جزاء له.

هذا كله تعليم، هذا كله تعليم للوفاء. نعم هو كافر ولا نحب الكفار، بل نبغض الكفار، ولا يجوز أن تحب الكافر من أجل دينه، بل هذا كفر، لكن الوفاء لا علاقة له بهذا! جاءت أم أسماء ابن أبي بكر قالت: يا رسول الله إن أمي قدمت علي وهي مشركة أفأصل أمي؟ قال: «صلي أمك». هذا وفاء، هذا الإحسان، له فضل نرد له، لكن ليس الإحسان حساب الدين. هنا لابد أن نضبط هذا الميزان، نضبط هذا الميزان، فلا يدخل هذا بحق الله سبحانه وتعالى؛ يعني لا ياتي شخص صاحب فضل ونقول لا لن نجاهد في سبيل الله، لن نفعل الذي يريد الله لأن هذا فعل كذا. هذا اقول لك الآن انت خرمت هذا الباب الذي هو باب الولاء والبراء، فهذا ليس من الولاء والبراء، ولكن القصد والضبط، قصد من ضبط الميزان. فنعم نرد له ما أسداه لنا، ولكن ليس على حساب ديننا، ليس على حساب ديننا، فالله سبحانه وتعالى هو صاحب الفضل، هو صاحب النعمة سبحانه، سبحانه وتعالى.

القصد من ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يزور هذه المرأة، وكان يحض الناس على تزويجها. والله أنا -يعني شوف يا شباب- مثل هذه القصص لا تقرونها قراءة معلومات، لا تقرونها من -مثل ما يفعل كثير من الشباب عن طريق الذكاء الاصطناعي ويقسم لها ذكاء اصطناعي مواقف أم أيمن إلى آخره- هذا ما ينفع، والله ما ينفع كثيرا هذا، هذه قراءة ذوقية، هذه قراءة عارضة. لا، إنما انظر إلى كيف النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من سره أن يتزوج»، يعني هذا الحديث يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام ينظر لهذه المرأة كأنه مسؤول عنها، كأنه مسؤول عنها.

وهذه المرأة ربما ما تكون يعني هي ليست جميلة وليست صغيرة بسن، فهي ليست، وعدد من أسلم في ذلك الزمان قلة في مكة، عدد المسلمين ليسوا كثرة، فمن الذي سيتزوج من هذه المرأة؟ من الذي يتزوج من هذه المرأة؟ فياتي النبي عليه الصلاة والسلام ويعظ الناس بهكذا بحديث مثل هذا الحديث: من سره أن يتزوج امرأة من أهل الجنة، تريد أن تكون عندك زوجة امرأة مجزوم لها بأنها بالجنة فليتزوج أم أيمن! هذا كله لماذا؟ هذا كله من أجل أن يجبر النبي عليه الصلاة والسلام، يخاطر هذه المرأة، من أجل أن يرد النبي عليه الصلاة والسلام لها بعض ما كانت تفعل معه عليه الصلاة والسلام.

هنا مباشرة بادر زيد بن حارثة وتزوج بعد ذلك زينب ابنة عم النبي، أمهات المؤمنين كما تعرفون، ولكن لم يترك هذه المرأة. وهذه المرأة -مثل ما ذكرت لكم- ليست محط الرجال، أن الرجل يريد أن يتزوج لماذا يتزوج امرأة كبيرة بالسن وليست بجميلة إلى آخره، لكن لما يأتي النبي عليه الصلاة والسلام يقول إنها من أهل الجنة، هنا الحسبة كلها تتغير! هنا الآن يظهر الإيمان، فالشخص يريد امرأة من أهل الجنة، يريد امرأة من أهل الجنة. هذه تنجب له ابن، كيف سيكون هذا الابن؟ سيكون هذا الابن هو أسامة بن زيد. أسامة بن زيد أبوه زيد بن حارثة وأمه أم أيمن، كيف سيكون؟ سيكون هو أسامة القائد، سيكون هذا أسامة الصالح، أسامة الذي يحبه النبي عليه الصلاة والسلام، وكان يقول: «لو كان جاريا لحليته ولفعلته».

ولما سقط وعثر عليه أسامة رضي الله عنه وأرضاه وتصببت الدماء منه، النبي عليه الصلاة والسلام بنفسه يقوم ويمسح الدماء عنه، ومسح هذه الدماء، وتذكر ما كانت تفعله أم أيمن معه لما كان صغير عليه الصلاة والسلام. هذا كله من الوفاء، هذا كله من الوفاء. القصد أن هذه المرأة الصالحة عاشت بهذه الصورة، وضحّت بحياتها من أجل النبي عليه الصلاة والسلام، وهي اطول من صحب النبي عليه الصلاة والسلام، لم يصحب النبي عليه الصلاة والسلام أحد كما صحبته، بأبي وأمي! وكانت قريبة منه جدا حتى كانت عائشة رضي الله عنها تعجب من طريقة خطابها للنبي عليه الصلاة والسلام. وكان يلين معها بابي أمه عليه الصلاة والسلام، وكان يمازحها أحيانا فتاتيه وتقول: يا رسول الله احملني! فيقول: «إن حاملوك على ولد الناقة»، تتعجب، يضحك النبي عليه الصلاة والسلام ويقول: «وهل تلد الإبل إلا الناقة؟».

لا شك أن لأم أيمن مواقف كثيرة لا تذكرها الكتب، هذا طبيعي، قبل أن يبعث النبي عليه الصلاة والسلام كثير ما كان يقع له في يومياته هذه ما تذكر، لكن هذه المرأة كانت من يوميات النبي عليه الصلاة والسلام، وأسلمت بعد خديجة مباشرة. يعني شوف يا شباب ترى ليس كل شيء يذكر بالسيرة بإبراز، انتبهوا! ليس كل شيء يذكر بإبراز، خديجة يتم إبراز قصتها رضي الله عنها وأرضاها، لكن بعض الناس ما يبرز بالسيرة، لماذا؟ لأنه ما يكون حاضرا في المشهد مثل حضور خديجة، لكن مع ذلك هو مؤثر تأثيرا عظيما في حياة الإنسان.

تعرفون أنتم الآن لما تقرون قصص الملوك والرؤساء إلى آخره، من الذي يبرز معه؟ يبرز معه الوزير، يبرز معه هكذا قائد الجيش، لكن هل يبرز معه الذي يكون ملازم له، الخادم مثلا، أو القريب منه؟ هذا ما يبرز عادة، هذا عادة ما يبرز مثل ما يبرز هؤلاء. أم أيمن كانت هي قريبة جدا من النبي عليه الصلاة والسلام، ولما شعر النبي عليه الصلاة والسلام بأنها فقدته بعد ما تزوج، وكانت متعلقه به تعلق عجيب، كيف وهي حاضنة النبي عليه الصلاة والسلام؟ كيف وهي عاشت معه، عاشت معه من أول ما ولد، بل من أول ما حملت أمه بل كان في صلب أبيه؟ فطبيعي أنها تكون بهذه الطريقة، لذلك يقولون: الأم هي التي تربي وليس التي تلد، الأم هي التي تربي وليس التي تلد، هي ربت النبي عليه الصلاة والسلام وكانت معه. فلما تزوج النبي عليه الصلاة والسلام الآن، النبي عليه الصلاة والسلام استقل فبقيت لوحدها، فلما بقيت لوحدها وأعتقها النبي عليه الصلاة والسلام بعد زواجه كما قلنا.

ثم بعد ذلك حث على تزويجها، فلما تزوجت من الرجل الأول وبعد ذلك إما هو طلقها وفارقها؛ حث النبي عليه الصلاة والسلام لم لم يكن يريد عليه الصلاه والسلام أن تبقى لوعدها، شق عليه عليه الصلاة والسلام أن تبقى هذه المرأة هكذا لوعدها، فتزوجها بعد ذلك زيد بن حارثة رضي الله عنه وأرضاها. قصد من ذلك أن هذه المرأة استمرت مع النبي عليه الصلاة والسلام حتى مات بأبي أمي عليه الصلاة والسلام وهي امرأة كبيرة في السن.

فلما مات انظروا إلى هذا المشهد العجيب؛ أبو بكر الصديق أخذ الخلافة أصبح خليفة والجزيرة منفضة، يعني هو أصبح الآن في موطن القيادة في حال صعب جدا، يعني خلافة الصديق ما ما كان معها وقت، ما كان معها عوق عند أبي بكر، حتى لما أراد أن يتاجر قال له عمر وأبو عبيدة: إلى أين يا أبا بكر؟ إلى أين يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: إلى السوق حتى أعين أهلي. فقالوا: كيف ستتجَر وتعمل بالسوق وأنت الآن الخليفة، من الذي سيدير أمور الدولة، من الذي سيدير المجتمع المسلم؟ ثم قسموا لها بعد ذلك من بيت المال كما تعرفون.

فالقصد أن الصديق هذا الرجل العظيم الذي ما كان عنده وقت أبدا حتى يجعله هنا أو هنا، هو الآن يدير الدولة، يدير الأمة رضي الله عنه وأرضاه. استلم القيادة الأسود العنسي في اليمن وققتل بعد ذلك كما تعرفون طبعا في آخر حياة النبي عليه الصلاة والسلام، لكن بقية من ادعى النبوة كذلك من ارتد، بدات الناس هكذا تنفض عن الدين، حتى كان يبعث الناس فياتون ويخبرون بأن الناس قد ارتدت، لم يعد هناك أحد مسلم، خلاص ارتد الناس، فكان الناس يخافون، ويقول: حتى يأتيكم أمرائكم بما هو أعظم من ذلك.

وجاءه عمرو بن العاص وقال: الناس من هنا إلى هنا، من خرجت منكم إلى أن وصلت إليكم قد ارتدوا، لم يبق إلا مكة والمدينة وبعض أهل الطائف وقرية صغيرة تسمى هجر، الباقي كله ارتد. ومع ذلك هو جيش الجيوش ويبعث جيش أسامة بن زيد الذي اختاره النبي عليه الصلاة والسلام، ويدير هذه الأمة ولا يوجد عنده وقت، ويقول لعمر بن الخطاب: ما رأيك أن نزور أم أيمن كما كان يزورها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ طبعا هذا اتباع عالي من أبي بكر، فهو حتى من كان يزوره النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يفعل كما كان يفعل.

فذهب أبو بكر مع عمر إلى أم أيمن وهي امرأة كبيرة في السن بعدما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت رضي الله عنها وأرضاها، فلما بكت بكى أبو بكر وبكى عمر وتذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم. يعني هذه زيارة كانت قريبة، فيقال بأنها ماتت بعد النبي عليه الصلاة والسلام ستة أشهر، يعني هذه الزيارة كانت في حروب الردة، يعني عند اشتداد الأمر عجيب أمر، كيف! لكن هذا اتباع عالي من أبي بكر، فالقصد أن الصديق زار هذه المرأة، ولم يكن الصديق ليفعل هذا، هو يعرف قيمة الزمن وقيمة الوقت، إلا لأنه يعرف بأن النبي عليه الصلاة والسلام كان لهذه المرأة شأن مختلف عنده، ما كان الصديق يضيع وقته بهذه الطريقة أن يذهب يزور أحد عش دقائق أو ربع ساعة، وهو من هو في منزل ورفعة، وهو في الديانة وكذلك في المنصب الذي هو فيه، إلا لأنه يعرف أن هذه المرأة لها شأن عظيم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إذا كان لها شأن عظيم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي لها شأن عظيم عند الله سبحانه وتعالى، فذهب إليها، ولما بكت وتذكرت النبي عليه الصلاة والسلام وتذكر هو كذلك عمر، خرجت ودخلت وذهبت مع أبي بكر وعمر، فقال لها أبو بكر: فما تعرفين بأن ما عند الله هو خير لرسول الله؟ فقالت رضي الله عنها وأرضاها: بلى، ولكني أبكي لأن الوحي قد انقطع من السماء. تبكي لأن جبريل لم يعد ينزل، تبكي لأن القرآن لم يعد ينزل من السماء، قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا.

إذا هذه المرأة كان في قلبها حب عظيم لهذا الدين، هي لم تكن تحب النبي عليه الصلاة والسلام فقط لأنها ربته، وإن كان هذا يغلب الإنسان خاصة الإنسان الطيب النقي يغلب عليه هذا الشيء، ولكن هنا تبين وتبرز، انظروا كيف الآن يأتي هذا الحديث حتى يبرز هذا المعنى الشريف العالي المنقي، وهو أن أم أيمن رضي الله عنها وأرضاها تبكي ليس لموت النبي عليه الصلاة والسلام فقط، إنما تبكي لأن جبريل لم يعد ينزل، لأن القرآن الكريم لم يعد يتنزل من السماء، تبكي على هذا، وهذا كله دليل على فرح هذه المرأة بالقران الكريم، فرح هذه المرأة بمنه الهداية منة الإسلام، والناس يتفاوتون تفاوت عظيم في استشعار هذه المنن.

هم يقفون عند الكرامات الحسية، ولكن أقل القليل من يقف عند هذه الكرامات، كرامة الإيمان، كرامة طلب العلم، كرامة العبادة، كرامة حب الله سبحانه وتعالى وحب النبي عليه الصلاة والسلام، وبهذا يتفاوت الناس. لذلك يقول ابن القيم: إني رأيت ابن تيمية في المنام فذكرت له أحد أعمال القلوب قال وعظمته، قال فاطرق ثم قال لي: أما أنا فعادتي هو الفرح بالله، هذه الفرح بالله والسرور به. قال بعد ذلك ابن القيم: وكذلك كانت حاله في حياته، هذا هو الفرح بالله. يعني شخص يذهب إلى أي مكان يدعو فيه إلى الله، هو يستحضر فضل الدعوة، لكن قبل فضل الدعوة وأعظم منه يستحضر بأن الله سبحانه وتعالى اختاره، ليس أن الله سبحانه وتعالى أعطاه هذه المنة، يعني يعيش مع هذه الكرامة يعيش مع هذه المنة، كما كان يقول بشر الحافي؛ كان جالس يوم من الأيام وبكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: تفكرت ببشر اليهودي، تفكرت ببشر المجوسي، تفكرت ببشر النصراني، لماذا اختارني حتى أكون مسلماً؟ قال: فحمدت الله، تذكرت هذه النعمة أني لست نصراني ولا يهودي ولا مجوسي، إنما عبد له سبحانه وتعالى. طبعا هذه عظيمة جدا، والذي يعيش.

عم الصحابة رضي الله عنهم قبل ذلك الأنبياء بهذا كانوا يتفاوتون، باستحضار عطاءات الله سبحانه وتعالى التي هي عبارة عن حب لله، عبارة عن الأنس بالله، هكذا العيش مع الله سبحانه وتعالى. إذا هذا بعض ما يتعلق بسيرة هذه المرأة الصالحة، وكان أحد الدعاة إلى الحبشة وحضر ملتقى من الملتقيات هناك، وكان الحضور خمسمائة ما بين عالم وطالب علم وداعية، فجلس معهم وطلبوا من يتكلم فقال: مستر بينكم وبين الله حتى يأتمن الله سبحانه وتعالى أمكم على نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام.

ثم ذكر لهم قصة موت آمنة أم النبي عليه الصلاة والسلام وبقاء النبي عليه الصلاة والسلام مع أم أيمن، لماذا بالذات لم يكن معه إلا هذه المرأة؟ قال: فضج المجلس بالبكاء، وبكى أهل الحبشة، والحبشة هذه عجيبة، الحبشة هذه عجيبة، منها النجاشي هذا الملك العادل، ومنها بلال بن رباح هذا العبد الصالح، هذا السيد الذي يقول عمر: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا، الذي ثبت وضرب أروع الأمثلة في الثبات في مكة ما خلى بلال، بس بلال هو ثبت، هانت نفسه عليه وهان على قومه. وهذه المرأة الصالحة أم أيمن هذه المرأة الصالحة أم أيمن رضي الله عنها وعن بقية الصحابة أجمعين.

ملك عادل هناك، وخادمة صالحة مربية حاضنة للنبي عليه الصلاة والسلام هنا، ومؤذن يرقى البيت العتيق يأتي من الحبشة حتى يرقى هذا البيت العتيق ويؤذن، وكذلك لقمان من الحبشة لقمان كذلك من الحبشة. القصد أن هذه البلاد غريب شأنها وعجيب أمرها، ولا شك بأنه باذن الله ما زال فيها خير، وسيبقى فيها من ينصر الله والرسول عليه الصلاة والسلام، ويحبذا لو يفعل الدعاة يأخذون مثل هذه القصص، قصة النجاشي وقصة بلال وقصة أم أيمن وينشرونها بين الناس هناك، لعل يوجد من أبناء هذه البلاد من يتشبه بهؤلاء العلياء من أصحاب نبينا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذا هذا بعد ما يتعلق بقصة أم أيمن رضي الله عنها وأرضاها، وجزاكم الله خيرا.