دخولتسجيل الدخول

العيش مع الصحابة 20 | صهيب الرومي رضي الله عنه

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله على نبينا وقائدنا محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم. نكمل هذه السلسلة المتعلقة بأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، ومعنا اليوم صحابي جليل من الصحابة العظماء الذين إذا ذكر اسم هذا الصحابي يذكر معه التضحية، وليس أي نوع من أنواع التضحية، بل التضحية بعماد حياة الإنسان، التضحية بالسنوات، التضحية بالكد والتعب، التضحية بمال الإنسان. معنا اليوم بإذن الله قصة صهيب بن سنان الرومي.

هذا الرجل الذي أسلم قديماً في مكة، وصهيب نسب إلى الروم لأنه سبي وهو صغير. سبي وهو صغير ثم بعد ذلك جاءت بنو كلب واشترته وباعته في مكة، فاشتراه عبد الله بن جدعان وأعتقه. بعد ذلك كان يتاجر في مكة، فهو عاش في مكة لا أهل له ولا أقارب عنده، وكان من الضعفاء في مكة. ولكن هذا الضعيف كأجر حاول يثبت وجوده، فأخذ يعمل ويكدح ويكتسب حتى حصل شيئاً من المال، ثم بعد ذلك بدأ ينمي هذا المال، حتى طرقت أسماعه دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، فانطلق إلى دار الأرقم ولقي عمار بن ياسر بعد إسلام بضع وثلاثين رجلاً.

فقال لعمار: ماذا تريد؟ قال: أنت ماذا تريد؟ قال: أنا أريد أن أسمع من محمد عليه الصلاة والسلام. قال: وانا أريد ذلك. فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم في يوم واحد، فكان عمار وصهيب وبلال والمقداد وابن مسعود، وكذلك سمية. وقبل ذلك النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر أول من جهر بالإاسلام. النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر الصديق، ثم البقية كلهم كانوا من الضعفاء؛ بلال، صهيب، سمية، المقداد، خباب، هؤلاء أول من جهر بالإسلام. أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه ببني تيم، لكن البقية من يمنعهم؟ من يحميهم من هذا البلاء الكبير الذي وقع عليهم في مكة؟ وقع عليهم البلاء وثبت الجميع. عذب بلال، وعذب عمار، وعذب صهيب، والمقداد، وسمية، وخباب، كل هؤلاء عذبوا في سبيل الله.

وذكرنا لكم بأن النصر لا يأتي بذكاء العامل ولا بموهبة العامل فقط، إنما النصر في الإسلام يأتي بالضعفاء. ونحن نريد أن نقرر هذه المعايير عقلياً ونفسياً ﴿أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَدْعَوْنَ لِتُفْقِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، هل تنصرون أو ترزقون إلا بضعفائكم؟ فهذا البلاء الذي وقع على صهيب قرب النصر. يعني صهيب أحد من شكل نصر الإسلام. الانتصار في بدر كانت قبله سلسلة كبيرة، انتشار الإسلام في المدينة قبله سلسلة كبيرة، اصطلاء الأنصار بالنار التي اصطلي عليها المهاجرون في مكة كما يقول الأستاذ محمد قطب. فهؤلاء عذبوا؛ بلال وعمار وصهيب، هؤلاء القلة المستضعفة، هذا العذاب الكبير الذي وقع عليهم وصلت آثاره إلى المدينة النبوية إلى يثرب في ذلك الزمان، فاستضاء الأنصار بهذا البلاء.

إذاً، صهيب أحد من شكل انتصار الإسلام، وأحد من قرب ظهور الإسلام بهذا الثبات العظيم. النصر الكبير له كلفة، النصر الكبير له كلفة له تضحية، هذه التضحية تقسم على هؤلاء الصادقين. إذا لم يحقق الصادقون تكلفة النصر يفوزون هم بالثبات ولكن ما يأتي النصر. تقول لي: إيش يعني؟ أقول لك مثلاً: النصر تكون كلفته قيمتها مئة ألف، وعندنا ألف صادق، كل صادق يأخذ مئة أو أكثر أو أقل على حسب. لكن إذا ما كان عندنا هذا العدد يفوز فوز الصادق بصدقه الذي أدى كل ما عليه، هذا يفوز عند الله سبحانه وتعالى كما فاز كثير من الأنبياء بالقتل. فالنصر عند الله سبحانه وتعالى ليس كنصر في الدنيا، النصر عند الله سبحانه وتعالى أنك تكون ثابت على هذا الدين، مطبق لما يريد الله سبحانه وتعالى منك، هذا هو النصر في معيار الإسلام، هذا هو النصر الحقيقي.

ولكن النصر الآخر، الذي هو النصر الحسي والمادي وعلو أهل الإيمان، هذا له كلفة، له ثمن. الثمن هذا إذا ما حققه العاملون للإسلام لن ياتي. طيب، إذا لم يأتِ، ما الذي سيكون؟ يفوز الثابت، ثم بعد ذلك تاتي فرصة لجيل ثاني، هل هذا الجيل فعل ولا ما فعل؟ إذا ما حقق هذا الجيل يفوز الثابت منه، ثم يأتي الجيل الثالث، حتى متى يا رب؟ حتى ترجعوا إلى دينكم. هذه هي المعادلة، ليس بين الله وبين عباده نسب، العباد إذا ما امتثلوا أمر الله سبحانه وتعالى وقاموا بمثل ما قام به هذه الصفوة المختاره ما يأتي النصر هذا كله وهم. فتح بيت المقدس لن يكون على أيدي اناس يرجون الدنيا، مستحيل، بل حتى لن يكون على أيدي اناس لا يصل بهم العدد إلى أن ياتي النصر.

العدد مع الكيف، انتهينا من الكيف، لكن لا بد كذلك من العدد. فأهل بدر انتصروا على الكفار في معركة بدر على قريش، لكن أهل بدر لم يقاتلوا الرومان، إنما عدد من قاتل باليرموك عشرة أضعاف أصحاب بدر، فبدر ثلاثمئة والقتال مع الرومان كان ثلاثمئة يضرب هذا العدد بعشرة. لماذا؟ لأن القتال مع الرومان، لكن الفارق هو الفارق والعزيمة هي العزيمة. الله يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]، إذا ما وصلنا إلى الحد الذي ممكن ننتصر فيه يفوز الثابت في ثباته.

الان نريد أن ننتقل بالإسلام من مكة إلى بلد آخر، نريد أن نرتقي بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، لو ما كان صهيب موجود في هذه المجموعة ما يكون هذا الانتقال، لو ما كان بلال موجود ما يكون هذا الانتقال، لو ما كانت سمية موجودة ما يكون هذا الانتقال. لماذا؟ لأن هؤلاء هم الذين جاهروا بالإسلام، يعني هؤلاء هم الذين نقلوا الإسلام من حال الدعوة السرية إلى أن يكون متخفياً إلى أن يكون ظاهراً يسمع الناس على الدين. والعجيب أن هؤلاء جلهم من الضعفاء، يعني سبحان الله، الواحد لما يفكر بهذه المواقف يقول: كيف استطاع هو أن يقولها؟ يعني هو قال كلمة، هو يعرف أن نتيجة هذه الكلمات عظيمة، فالبلاء سيكون شديداً، وما توجد أسباب مادية يستطيع الشخص أن يتكئ عليها أو أن يلتفت إليها أو أن كذلك يبذلها، لذلك حل بهم البلاء العظيم.

القصد أن الوقفة الأولى المتعلقة بقصة صهيب هي أن النصر لا يكون إلا بالعدد ونتحمل العدد تكلفة النصر. عندنا تكلفة للنصر تقسم على الصادقين، إذا لم يقم هؤلاء -إذا هؤلاء ليسوا بصادقين أو كان هناك صادقون لكن عددهم قليل- يفوزون بالثبات، لكن ما يأتي النصر. لماذا؟ لعدم وجود العدد، لكن هؤلاء يفوزون ماذا؟ بحفظ الإسلام، فالاسلام ما يموت، لكن أن ياتي النصر العام وينتشر الدين، لا، هذا لن يكون. لكن هؤلاء فازوا بأن الله ثبت بهم الدين، فالاسلام ما قضي عليه.

أضرب لكم مثالاً: الآن لو لم يكن عندنا عشرة ويقاتلون ألفاً، العشرة ما يستطيعون على الألف، لكن هؤلاء العشرة إذا استبسلوا ينقلون هذه الدعوة إلى عشرة آخرين، ثم إلى عشرة، طيب أصبح عددهم أربعين خمسين، الخسين بذلوا ولا ما بذلوا؟ ضحوا ولا ما ضحوا؟ إذا ما ضحوا ما يفوزون، والمعيار عندنا في الإسلام الواحد مقابل عشرة بالأصل، فلما نصل إلى مئة يأتي النصر، مئة مقابل ألف نعم هذا معيار الدين، غير المعيار المادي المتعلق بالانسان.

المعيار المتعلق بالدين هو عندهم قوة، ثم لما تصلون إلى درجة تستطيعون أن تنتصروا فيها والله سبحانه وتعالى ذكرها في سورة الأنفال واحد مقابل عشرة، ثم بعد ذلك الله خفف وجعل واحد مقابل اثنين، طبعا هذا في إذا فر من هذا العدد لا يسمى متولياً عن يوم الزحف. فالقصد أن هنا ممكن ينتصر الواحد مقابل عشرة، وهذا الذي وقع في اليرموك؛ ثلاثون ألفاً مقابل مئتي ألف، كان الواحد مقابل قريب من سبعة، يعني كل واحد يقابل من الكفار سبعة أشخاص، وجاء النصر.

فالقصد أن الإسلام له موازنة، أصبح العدد كبير لكن الكيف غير موجود. المشكلة الآن نحن في زماننا هذه ليست مشكلتنا بالعدد، كم عدد الشباب المبتدئين المحب للدين؟ أعداد مهولة جداً، لكن كم عدد المخلص من هؤلاء؟ كم عدد الصادق من هؤلاء؟ والصدق أخص من الإخلاص، المخلص هو الذي لا يريد من العمل إلا الله سبحانه وتعالى هذا مخلص، لكن الصادق هو الذي يبذل كل ما يستطيعه حتى ينجح عملاً. المخلصين قلة ليسوا كثرة، والصادقين أقل القلة، فهم قلة من القلة، فممكن الشخص يحقق إخلاصاً لكن ما يحقق الصدق. لماذا؟ لأن الإخلاص أنه لا يريد إلا ما عند الله، لكن هو يعيش حياته الطبيعية، لكن الصادق ما يعيش حياته بهذه الطريقة، الصادق هو عنده هم أن ينصر الدين، ولا يريد شيئاً غير نصرة الدين، فيبذل كل الذي يستطيع، هذا بذل كل الذي يستطيع صدق، هذا بذل الاجتهاد في تحقيق العبادة وانجاح المشروع إلى آخره، هذا صدق.

الإخلاص أن قلبه ما يلتفت لغير الله سبحانه وتعالى، ممكن قلبه ما يلتفت لكن مع ذلك هو غير صادق لعمله الصدق العالي، فما يأتي النصر ثم نقول: لماذا؟ أقول لك: ارجع إلى السيرة النبوية وانظر لماذا جاء النصر؟ لأن في الدعوة صهيب الرومي، لأن في الدعوة بلال، لأن في الدعوة عمار بن ياسر، هؤلاء أصلهم صادقين، هؤلاء ما كانوا يبون شيئاً ولا يريدون شيئاً، هؤلاء يريدون فقط الإسلام. إذاً هذه الوقفة الأولى المهمة جداً المتعلقة بسيرة صهيب.

صهيب أعظم من سعد بن معاذ، هذا صهيب الذي لما تقرأ في سيرته ما تجد إلا ترجمة يسيرة جداً موقف أو موقفين فقط، هذا أعظم من سعد بن عبادة، هذا أعلى من خالد بن الوليد، هذا أعلى من عمرو بن العاص، هذا أعلى من أكثر من تعرفون من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. لماذا؟ هذا من السابقين الأولين، هذا الرجل في المعيار الإسلامي فاز فوزاً كبيراً بتقريب النصر، لماذا؟ لأن هذا ثبت، لماذا؟ لأن هذا حقق العبادة، لماذا؟ لأن في الإسلام لا تنصرون أو ترزقون إلا بضعفائكم.

لذلك أهم جداً من يأخذ الإسلام بناءً على حسبته هو، معايير الإسلام مختلفة تماماً عن حسبتك أيها الإنسان، مختلفة تماماً، حتى لو كنت داعية أعلم، حتى لو كنت أنا أعلم، الإنسان لما يضغط تظهر معايير مختلفة أو تشكل عنده معايير معينة فيظن بأن هذه المعايير هي كل شيء، لا، هذه المعايير ليست هي كاملة، ليست هي شمولية، وهذا خطأ. إنما هنا معيار الإسلام هو أن تحقق العبادة لله سبحانه وتعالى كما يحب الله سبحانه وتعالى منك.

فهنا نفس هذا الثبات تعظيم عند الله سبحانه وتعالى، يعني هؤلاء هم الذين قامت عليهم دعوة النبي عليه الصلاة والسلام وانتشرت وعمت، وأول من جهر بإسلامه منهم هذا الرجل الضعيف، هذا جهر الآن بالدعوة وهو في حال ضعف، ليس من عليه اهل مكة وليس أصلاً من قريش ومع ذلك يجهر بإسلامه. كم كان في قلبه من الخوف لما قال هذه الكلمات؟ كم كان في قلبه من الحب والتعظيم لله سبحانه وتعالى لما جهر أمام صناديد قريش؛ الوليد بن المغيرة، أبو جهل، أبو لهب، هؤلاء صناديد قريش الذين حتى النبي عليه الصلاة والسلام وهو من ذروة أهل مكة من بني هاشم ما سلم منهم؟ طيب صهيب ما الذي سيفعلون به؟ صهيب ما الذي سيفعلون به؟ مع ذلك هو كيف قالها؟ يعني كيف استطاع كيف تحمل هذا؟ كم في قلبه من التعظيم؟ كم في قلبه من الحب؟ كم في قلبه من الإجلال لله سبحانه وتعالى حتى يفوز بهذه المقامات العالية المنيفة؟

القصد أنه صهيب رجل مختار، صهيب الذي أسر في الروم ثم جاءت بنو كلب وأخذته، ثم حملوه رغماً عنه. انظروا كيف المقادير تسلط على من يريد الله سبحانه وتعالى له الخير. عجيب، صغير تغير رومان على بلده وكان هو في العراق، والده أو عمه كان يعمل عند كسرى، فتغير الرومان عليهم ثم يؤسر هذا الطفل الصغير يأخذونه معهم، ثم يأتي أناس بنو كلب ويشترون هذا الطفل أو هذا الشاب ثم ياخذونه ويحملونه من العراق إلى بلاد الرومان الشام، ثم بعد ذلك إلى الحجاز إلى مكة، ثم يشتريه عبد الله بن جدعان ثم يعتقه. هذا كله لماذا يتم حمله قسراً؟ لماذا الاقدار هكذا تسوقه سوقاً رغماً عنه حتى يكون صهيب الرومي هو صهيب الرومي الذي نتكلم عنه اليوم؟

حتى يكون ربيح البيع أبا يحيى، حتى يذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم مثنياً عليه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: 207]. رؤوف بالعباد، شوف الرأفة هي أرق الرحمة، والله رؤوف بالعباد، كرامات إلهية، عطايا ربانية، الله يعلم بأن هذا الإنسان يصلح أن يكون تابعاً للنبي عليه الصلاة والسلام. فنظر الله سبحانه وتعالى وأطلع على قلوب الناس بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم، كما يقول ابن مسعود رضي الله عنه: والله فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد. يعني الله نظر إلى قلب صهيب هذا الذي في العراق ثم في الروم هذا يصلح أن.

يكون الآن مع النبي عليه الصلاة والسلام. إذا تسلط عليه مقادير معينة هو نفسه ما يعرفها، ولا يمكن أصلاً البشر أن يعرفوها، ثم يحمل رغماً عنه ويأتي ويؤتى به إلى مكة حتى يكون تابعاً لهذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام. اطلع إلى قلوب العباد هذه اطلع الآن الله يطلع إلى قلوبنا، هل نحن نصلح أن ننصر الإسلام أو ما نصلح؟ هل نحن نصلح أن نقوم بحمل هذه الدعوة أو ما نصلح؟

صهيب الرومي يصلح، تبون تعرفون الدليل؟ انظروا إلى موقفه بالهجرة هذه الوقفة الثانية. صهيب ثبت مع النبي عليه الصلاة والسلام وابتلي وعذب في سبيل الله وثبت ولم يتزحزع، لا فتنة التعذيب ولا التكذيب ولا الإغراء ولا الفتنة العقلية في الذهاب إلى بيت المقدس، ما تزحزح أبداً، ثابت ثبات الجبال الرواسي مع أنه ليس من أهل مكة، مع أنه ليس من الأقوياء، لكن الله سبحانه وتعالى ثبت، الثبات من الله سبحانه وتعالى، الثبات من الله، يقول: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا﴾ [الكهف: 14]. فالله هو الذي يربط على القلب. هنا ما تنفع الشجاع شجاعته ولا القوي قوته؛ لأن هذا فوق طاقة الكثير من الناس، إنما لابد أن يكون هناك تدخل إلهي لتثبيت قلب هذا الإنسان، وإلا كيف تثبت سمية؟ كيف تثبت سمية هذا الثبات؟

كرامات إلهية هذه، هذا الثبات هل ترى ما يستطيع عليه؟ هذه كرامات إلهية، عطايا ربانية هذه، استجابة الإيمان. القصد أن صهيب رضي الله عنه وأرضاه كان آخر من هاجر، هو وعلي رضي الله عنه وأرضاه، وفي طريق الهجرة عرض له الكفار وأرادوا منعه من أن يلحق النبي عليه الصلاة والسلام.

فلما اقتربوا ودنوا منه هذه الوقفة الثانية، لما اقتربوا ودنوا منه وقف إليهم واستخرج السهام من كنانته ثم قال لهم: يا معشر قريش، تعلمون أني من أرماكم، والله لا تصلون إلي حتى أرميكم بكل سهم معي، ثم أضربكم بسيفي ما بقي بيدي منه شيء. يعني لن تصلوا حتى أقتل منكم مجموعة. ثم قالوا له كما يقول الحاكم كما روي قالوا: أتيتنا عائذاً أي فقيراً فكثر مالك عندنا، يعني أنت الآن أتيت عندنا وأنت فقير لا تملك شيئاً، ثم اخذت تاجر وهذه التجارة كلها من أموالنا، فترید أن تذهب بهذا المال كله، ثم تريد أن تخرج بنفسك ومالك؟ والله لا يكون ذلك. فرد عليهم برد عجيب وقال: أرأيتم إن تركت مالي لكم هل تخلون سبيلي؟ قالوا: نعم. فدلهم على الموضع الذي خبأ فيه ماله فتركوه وسامحوا له بذلك.

الآن هذا الرجل يعمل في مكة عشرين سنة، ثلاثين سنة، حصل المال، تعرفون المال هو قوام الحياة، يعني الشخص إذا ما كان عنده مال كيف سيتزوج؟ كيف سيعيش؟ كيف سيحافظ على كرامته وعزته أنه ما يطلب من الناس ولا يذل عند الناس؟ فالمال يحفظ للإنسان كرامته، يحفظ الإنسان شرفه، إن الإنسان ما يذل الناس. من الذي يذل عادة؟ الفقير. الفقير إذا كان يعمل يحصل هذا المال، لكن إذا هكذا ما عنده شيء، هذا يطلب الناس، يسأل الناس، فهذا السؤال يذهب كرامة الإنسان، يذهب كرامة الإنسان. لذلك الإسلام حرص أن المسلم ما يصل إلى حال، الإسلام حرص أن المسلم ما يصل إذاك، جعل الزكاة فرض، تدفع الزكاة رغماً عنك وهذا ليس حقك إنما هذا حق الفقير، يعني ليست لك منة في إعطاء الزكاة، يزيد لك منة في إعطاء الزكاة، الإسلام دين عظيم عظيم يحفظ كرامه الإنسان وعزة الإنسان.

لما ما يكون عنده مال يكون فقير فقير مقع، هذا الإنسان يتكفف الناس ويسأل الناس، فتذهب كرامته، وهو انسان لما تذهب كرامته وعزته وشرفه ما يستطيع يفعل شيئاً، يعني خلاص يكسر هذا الإنسان، هذا الإنسان يكون مكسوراً. لذلك الشعوب الذليلة، الشعوب المطحونة إلى آخره عادة ما يخرج منها، لماذا؟ لأنهم أذلة، لماذا؟ لأن مكسورين، وهذا هو الفارق بين أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وبين العرب وبين بني إسرائيل؛ هناك ذلهم أذلهم فرعون وكسرهم، أما هنا لم يتعرضوا لهذا النوع من الذل، وعندهم كرامة، وعندهم عزة، وميزة العرب أنهم كانوا يجتمعون، يعني ما يتركون ابنهم، تترك عندهم الحمية هذه، فهذه الحمية تمنع كسرة، تمنع كسرة، فما يكسر.

أما لما جاء الإسلام بالزكاة وجاء الإسلام بتعهد الأصحاب وجاء الإسلام بتفريج الكربات إلى آخره، من غير الإسلام جاء بتفريج كربات أن هذه قربة عظيمة لك أنت ليس له هو، يعني الآن الشخص لما يعطي الفقير هو ما يعطيه ويستحضر بأن له فضل عليه، لماذا؟ لأنه يريد ما عند الله، والله فرج عنه كربة من كرب يوم القيامة، فهذا ما يجعل الفقير ينظر إليك نظرة أن لك فضل عليه وأنك أنت تنظر بأنك أنت الآن متفضل بهذا المال؛ لأنك أنت ما أعطيت هذا المال هكذا ترفعاً عليه، إنما أعطيت قربة لله سبحانه وتعالى. لذا بلال لما قال لأبي بكر: أتقنتني لنفسك أم لله؟ قال: بل لله. قال: إذن دعني وشاني. فتركه لما كان يريد الذهاب إلى الشام.

القصد من ذلك أن الإسلام يوجه هذا الإنسان الذي تمت إعانته إلى آخره بأن ما ينسى صاحب الفضل، يعني هكذا تكون الموازنة حتى ما يكسر هذا وحتى ما حتى ما ينسى المعروف، حتى ما يعل الشخص كذلك الفقير على غيره، قد يعل حال الفقير على غيره. القصد من ذلك أن الإنسان لما يسلب ماله أول شيء ذهب عمره، يعني هذا الإنسان لما يعمل عشرين سنة ثلاثين سنة عمره هذا كله ذهب، هذه السنوات من يعوضني عنها؟ هذا الوقت الذي بذلته، هذا المال من أين أتى؟ من أيام صرفت في سبيل طلبه والتعب والكد إلى آخره، هذا كله يذهب هكذا هباء منثوراً، هباء منثوراً من غير لا شيء. طيب لماذا يذهب؟ لماذا يذهب؟ نعم، هذا لما يكون أمر دنيوي صرف أقول لك هذا الكلام صحيح، لذلك الإنسان هنا ممكن ما يتحمل، ممكن ما يحتمل هذا الشيء، فممكن يبذل الشيء الكبير حتى ما، لذلك الكثير يبيع يبيع أغلى ما يملك من أجل المال، فتنة المال فتنة عظيمة جداً. طيب هذا والمال ليس لك، كيف لما يكون المال لك؟ يعني هذا كله والمال ليس لك ومع ذلك الشخص يحرص أن يجمع المال بحله أو بحرمته، إذا ما كان دين عظيم ويتأول في ذلك أحياناً، وقد يفعل بعض الأشياء. طيب لما يكون المال لك مالك أنت ومع ذلك يؤخذ منك بهذه الطريقة، كيف يكون شعور الإنسان؟ شعور صعب، ليس شعوراً سهلاً، كيف سيستقبل الحياة الآن؟ يرجع من الصفر يبدأ يعمل.

القصد من ذلك أنه صهيب قال: أرأيتم إن دللتكم على مالي تخلون وشاني؟ قالوا: نعم، لا نريد إلا مالك. فدلهم على ماله، فأخذوا ماله كله، خلاص ذهب الآن إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقط هو من غير شيء، ليس معه شيء من الدنيا، يعني الآن هو استقبل الحياة من الصفر. انظروا إلى رد النبي عليه الصلاة والسلام العجيب الصادم لما بلغ النبي عليه الصلاة والسلام ما فعله صهيب -ويقال بأنه بلغ عن طريق جبريل؛ لأن صهيب أول ما التقى مع النبي عليه الصلاة والسلام كان في قباء قبل أن ينتقل إلى المدينه عليه الصلاة والسلام، أي أن هجرة صهيب كانت بعد النبي عليه الصلاة والسلام بيسير- فلما رآه النبي عليه الصلاة والسلام وهو لا يعلم أحد من أهل الأرض بأنه صهيب فعل هذا الفعل ما في أحد يعرف، فلما لقيه النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى». فقال: والله يا رسول الله، ما أخبرك بهذا إلا جبريل، ما أخبرك بهذا الموقف، أنا ما أخبرت أحداً ولا أحد يعرف به. لكن انظروا إلى رد النبي عليه الصلاة والسلام، ثم ترى بعد ذلك: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: 207]. ربح البيع أبا يحيى.

لماذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ربح البيع أبا يحيى»؟ لماذا لم يقل صبراً يا صهيب؟ لماذا لم يغضب النبي عليه الصلاة والسلام كما غضب على من طلب منه في مكة الدعاء بالنصر: ولكنكم تستعجلون، إنه كان في من قبلكم الحديث. لماذا لم يقل له كما قال لآل ياسر: صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة، صبراً صهيب فإن موعدك بإذن الله الجنة، والله سيعوضك عن هذا المال؟ لماذا قال: «ربح البيع أبا يحيى»؟ لماذا أوتي بهذه العبارات؟ العبارات لها أثر كبير في نفس الإنسان.

الانسان لما يستعجل الشيء هنا تشد عليه؛ لأنك تريد أن تصنعه. شخص يريد النصر بسرعة، يريد أن نفعل كذا، هنا لا تأتي بعبارات تشد عليه فيها أنك لازم تتحمل ولازم تصبر حتى يستنفذ طاقته، فإذا استنفذ طاقته بالصبر خلاص الآن الأول كان الطلب ترى فيه يعني كان الطلب طلب شخص لا يريد أن يعمل، لا يريد أن يتعب، بمجرد أن يمس شيء من البلاء يريد أن هكذا ينتقل من هذا البلاء، هذا الطلب الأول هذا القسم الأول من الناس، هذه الصفوة لابد من شدة عليهم إذا اردت أن تنصر الدين، لابد أن تبذل كل الذي تستطيعه، كل الذي تستطيعه. فهنا حتى لما تاتي وتربي تربية بهذه الطريقة تقول: أنت ماذا فعلت؟ إنه كان فيمن كان قبلكم يؤتى بالرجل فيصنع معه كذا وكذا، أنت ما فعلت شيئاً، بمجرد وقع عليكم بلاء يسير هكذا استعجلتم، لابد أن تنتظروا حتى تصنعوا الصناعة الشمولية أو الصناعة القوية التي تستطيع أن تتحملوا بعدها كلفة النصر أو تبعة النصر، أو تبعة النصر، النصر له تبعه، لما ننتصر ونحن ما وصلنا إلى الصناعة نفتن بالنصر، نفتن بالنصر.

القصد وهذا له شرح أن يكون في مواطن آخر، فالقصد أن هنا لابد أن يربى العامل، ولابد أن يصنع، وأن يتحمل، وأن يبذل، هذا شرط للوصول إلى النصر، وهذا شرط للقدرة على توجيه النصر أو تمكين الإسلام في الأرض، تمكين الإسلام في الأرض حتى ما يفتن الإنسان. أما هكذا تستعجل مباشرة، هذا ليس من الدين، هذا وهم، هذا وهم كبير، شخص لا يستطيع يحمل خمسة كيلو ويريد أن يحمل خمسين كيلو، ما تستطيع، يصيبه التمزق، النصر كلفتها ثقيلة، النصر لما تكون في موطن السيادة والقيادة وأنت ما صنعت قبل ذلك تفتن به، تفتن بالنصر، تنحرف البوصلة عندك، لكن لا، النصر يأتي بوقته المحدد الذي يقدره الله سبحانه وتعالى، ولا يكون إلا بعد تمحيص أهل الإيمان، لا يمكن الرجل حتى يبتلي.

القصد من ذلك أن صهيب رضي الله عنه وأرضاه النبي عليه الصلاة والسلام قال له: «ربح البيع». هناك كان يراد الصناعة، فلذلك يكون الرد بهذه الشدة. لما عذب آل ياسر، آل ياسر استنفذوا الطاقة، خلاص بذلوا كل ما يستطيعونه، فهم الآن في موطن صعب، فيحتاجون إلى تسكين، الآن هم يحتاجون إلى تصبير، إلى تسكين، مثل الشخص لما يموت له قريب، الشخص لما يموت له قريب تبدأ تعزيه تصبره، تذكره، تسكن حزنه، تسكن حزنه؛ لأن هو الآن في موت يحتاج إلى تسكين هذا الحزن. أما موقف صهيب رضي الله عنه وأرضاه مختلف، لماذا؟ لان الآن صهيب في موقف مزلزل، وهذا الموقف المزلزل كلما سكنته سيرجع ويتذكر، يعني تقول له: اصبر يا صهيب، هذا الطريق إلى آخره، ممكن يصبر ويتصبر ويحاول يسيطر على نفسه، لكن ما الذي سيقع بعد ذلك؟ بعد فترة يتذكر المال، يتذكر العمل، يتذكر الوقت الذي سفكه، يتذكر الوقت الذي بذله من أجل أن يحصل هذا المال، وهكذا، يعني يبدا الإنسان يفكر بهذه الطريقة، وهذا هو الإنسان من حيث هو انسان، لكن تصور لما تقول له: «ربح البيع أبا يحيى»، يعني تقلب الصورة، تقول: شفت عشرين سنة هذه كلها الثلاثين سنة هذه عملت بها الكدح والتعب إلى آخره هذا كله هنيئاً لك، «ربح البيع أبا يحيى». الآن نفس صهيب تفكر بماذا؟ تفكر بأنها ترجع وتتمنى لو زادت من العمل وزادت من الجهد وزادت من المال حتى يأخذ النصيب الأكبر من قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى».

أنا أقول هذه الكلمة لمن ضحى في سبيل الله، لمن فاتته الدنيا، وهذا نراه وموجود أشخاص ضحوا في سبيل الله وماتوا أو ليس ماتوا، إنما ذهبت أعمارهم، ذهبت أعمارهم من أجل عمل الإسلام، ثم بعد ذلك لم يحصلوا شيئاً كبيراً من الدنيا، أشخاص تركوا الدنيا ما تعلقوا بها، ثم لما كبرت الأسنان أقرانهم حصلوا المال، حصلوا المناصب، حصلوا الجاه، ثم هؤلاء لما تزوجوا رزقوا بأبناء، أبنائهم هكذا عندهم شيء من يعني شيء من الترف بالحياة، بينما أولئك ما عندهم شيء، بينما أولئك ما عندهم شيء، لكن الفارق بين الرجلين أو بين الشخصين كالفارق بين السماء والارض، هذا ضحى، هذا يعني يعرف أن بعض الأشخاص تركوا الجامعة من أجل الإسلام وضحوا، ثم بعد ذلك وقعت عليهم بلاءات وعقوبات، منعوا من تحصيل الأموال، فهم في حالة مادية صعبة، بينما آخرين من أقرانهم، من أقرانهم أصبحوا الآن ياتيهم تاتيهم الأموال الكثيرة والطويلة، وبعضهم أصبح حتى مشهور، وله حظوة عند الناس، وناس يذكرونه، بينما ذاك الشخص غاب في التاريخ، غاب عند الناس ولما يدخل في المجالس الناس ربما ما يلتفتون له كثيراً، لكن فارق كبير والله بين الرجلين. ناس ينظرون دائماً إلى الظاهر، ناس كثيراً ما ينظرون إلى الظاهر، لكن ميزان الإسلام أو عيار الإسلام مختلف تماماً، هذه السنوات التي عملتها في الإسلام وضحيت فيها بالدنيا ولم تأخذ منها.

الدنيا كما أخذ غيرك، هذه عظيمة عند الله، هذه ربح البيع. هذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ربح البيع أبا يحيى». هذا الدين كشباب له كلفة، وواهم من الظن بأنه سيأخذ الدنيا والآخرة، الإسلام ستضحي من أجله إن أردت أن تكون من الصادقين، ممكن تضحي بمالك كله، ممكن تضحي بأقرب الناس إليك يعني تهاجر من بلدك وتترك والدتك ووالدك وأخوتك، ممكن تترك هذا كله، ممكن تضحي بالوظيفة ذات الراتب العالي.

كان عندي أحد الأصحاب، توفرت له وظيفة ذات راتب عالي جداً، وبعد ذلك ترك هذه الوظيفة وتوظف بوظيفة أخرى راتبها بنصف الراتب، بنصف الراتب، فكان والده منصدم يقول: لماذا تفعل هذا؟ فيقول: يعني أنا أريد أن أتفرغ من أجل الدعوة، رضي الله، من أجل العمل الإسلامي، فوالده ما كان يفهم يعني هذا، فوالده ما كان يصدق، يقول: مستحيل أن تكون إنسان طبيعي، ولو كان حتى يريد أن يرقيه، يكلم بعض الرقات حتى يرقونه، انظر إلى طريقة، لكن هذا يفكر بالآخرة، هذا يفكر.

الناس يتفاوتون، والتضحية مراتب؛ هذا الأول الذي ضحي بكل ما يملك، خرج من كل شيء خلاص، الآن إنسان عادي، إنسان يعتبر عادي عند الناس، وابتلي بلاءات عظيمة، ولم يحصل شيء كبير من المال، أقران يملكون الآن بيوت، يملكون سيارات، يملكون، هو ما يملك، لكن هو فاز بالتضحية، الإسلام، فاز بنصرة الدين، ثم بعد ذلك غاب في مشهد الناس. هذا هو ربيح البيع، هذه خسارته لما ينظر إلى غيره، يعني هذه النوعية من الناس وأنا أوجوه نصيحة لهؤلاء الأبرار الأتقياء الصالحين هؤلاء الصفوة، أنتم الصفوة، أنتم الصفوة المختارة.

أتمنى يعني أن يصل هذا الكلام إلى هذه المجموعة الطيبة الصالحة النقية التي يستحي الشخص لما يجلس معها وينظر إلى نفسه بأنه صغير أمام هؤلاء. هؤلاء يعني الآن لما نأتي مثل صهيب، صهيب هذا شأن عظيم عند الله، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 207]. يعني كيف نظر الله إلى صهيب؟ ماذا قال الله سبحانه وتعالى في الملأ الأعلى عن صهيب؟ ربح البيع أبا يحيى. انظروا إلى عبدي، انظروا إلى عبدي، باهى الله سبحانه وتعالى.

الله يباهي ببعض خلقه الملائكة، انظروا إلى هؤلاء، من الذي يباهي الله سبحانه وتعالى بهم عند الملائكة؟ هم هكذا الذين يفعلون الأفعال التي ما يفعلها أحد، يضحي من أجل الله سبحانه وتعالى، ويكون تضحيتها بينه وبين الله، يعني هو هنا صهيب ما علم أحد، ما أخبر أحد، لكن النبي عليه السلام أخبر جبريل أو بلغ ذلك، «فقد ربح البيع أبا يحيى». تضحيات عظيمة ونظر الله هو المقصود، ليش نظر الناس؟ نظر الله سبحانه وتعالى هو المقصود.

القصد أن هذه النوعية من الناس الطيبة الصالحة التي قام عليها مشروع الإسلام وقامت عليها دعوات الإسلام والتي ما يعرفها أكثر الناس، والكثير من هؤلاء لا يعرفهم إلا الله سبحانه وتعالى، أقول: ربح البيع، ربح البيع. هذه الحياة تعيشون أنتم الآن فيها شيء من الضيق إلى آخره مع التضحية التي بذلتموها، أنتم الذين تغبطون، لا يغبط الإنسان الذي ما ضحى، لا يغبط الإنسان الذي ما بذل، لا يغبط الإنسان الذي ما قدم للدين، لا يغبط الإنسان إذا يريد الدنيا مع الآخرة هكذا كلها من غير لا يقدم الآخرة، من غير لا يضحي، هذا ما يغبط، هذا ما يغبط، إنما الذي يغبط هو الذي ضحى من أجل الإسلام، الذي بذل.

هؤلاء ربما غربوا في البلدان وهجروا في سبيل الله، ثم لما رجعوا الناس ينظروا إليه نظرة فيها نوع من الازدراء، لماذا؟ ما عندهم منصب، ما عندهم جاه، ما عندهم مال، وكانوا يستطيعوا لو أرادوا أن يحصلوا، لكن تركوا هذا كله لله. انتبه، انتبه أن تقيس نفسك على غيرك، انتبه، بل احمد الله سبحانه وتعالى على هذه المنة العظيمة، هذه عطية، هذه كرامة إلهية اختصك الله سبحانه وتعالى بها.

ومن يريد الإسلام الحق، من يريد الإسلام الحق، من يريد أن يصيب مراتب الصادقين لابد أن يتشبه بأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. أما أن شخص يريد أن يأخذ الدين عبارة عن كلمات من غير تضحية، من غير توكل على الله، من غير بذل، من غير ترك ما لا يترك الناس عادة، أقول لك: كن مع عامة الناس، لكن دع عنك المراتب الخاصة، دع عنك الحديث عن الصدق، دعك الحديث عن هؤلاء العلية، هؤلاء مختلفون، هؤلاء جنس مختلف من البشر، هؤلاء جنس مختلف من البشر.

هؤلاء أعطوا الله سبحانه وتعالى وقدموا لله سبحانه وتعالى، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ﴾ [الليل: 5-6]، هؤلاء أعطوا واتقوا وصدقوا بالحسنى، الله يقول: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ [الليل: 7]. والله اشترى من المؤمنين أموالهم وأنفسهم، هؤلاء خلاص باعوا المال والنفس، هم ليس هم يعيشون فوق الأرض فقط من أجل راية واحدة وهي تحقيق العبادة بس، ما عندهم شيء آخر.

لذلك هذا القسم من الناس ما يعني عادي يضحي، عادي، بالعكس، يعتبرها قربة، يعني ممكن هو يدرس خمس سنوات في الجامعه ولا أقول هذا كلام عام، إنما أقول لناس خاصين، وبعد ذلك يأتي الموقف الإسلامي يضحي بهذا كله. كان عندنا أحد مشايخنا درس ثلاث سنوات في كلية الهندسة في أمريكا، ثم مات والده، هو درس من أجل والده، ثم مات، أول ما مات الولد ترك هذا كله ورجع بعد ذلك وسلك في طريق الدعوة، هو بر بوالده حتى مات الوالد، ثم ما تحسب على السنوات هذه، ترك هذا كله وسلك طريق آخر، الطريق الذي يريده.

وليس مع هذا أن شخص هنا يفعل هذا، لكن أنا أقصد الجمع، أقصد التضحية، هذا قصدي فقط من هذا، ثم أصبح من أشهر مشايخ الإسلام المعاصرين يعني في الجيل الماضي ومن أشهر المضحين، ليسوا مشهورين فقط بل هو من اعظم المضحين في سبيل الله، نحسبه نُسكي على الله، ضحى في أشياء كثيرة، ضحى بمنصبه، ضحى بسنوات كثيرة من دراسته. هذا هو الدين، الدين معه تضحية، والتضحية معها فرح.

الذي لا يستطيع لا يضحي، يعني الذي لما يأتي شخص بالمال ثم نفسه ستلوم ويعرف نفس الضعف أقول لك: لا ضح بقدر قدرتك على التعمد، لكن أبو بكر الصديق جاب كل عدة مرات، صهيب الرومي ضحى بهذا المال كله من أجل أن يذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فهذه مراتب لا تطلب من الناس إنما نفس الشخص هو الذي يفعلها، يعني لا ترسل إلى أحد المشايخ تقول: أنا كذا وكذا هل أفعل كذا؟ لن يجيبك، وليس مصاب أن يجيبك، لماذا؟ لأن هذه المواقف نفس الشخص هو الذي اختارها، الشخص يعرف نفس القدرة فهو يضحي ويرى بأنه فاز بهذه التضحية، يعني يعيش هو فرح بأنه ضحى في سبيل الله، بخلاف شخص يضحي ثم بعد ذلك يندم ويتحسر هذا يفسد عمله.

لذلك لما جاء صديق بكل ماله قبله النبي عليه الصلاة والسلام، ثم لما جاء آخر بكل ماله لم يقبلها النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «يأتي أحدكم بكل ماله ثم يجلس يتكفف الناس». فارق كبير، وهذه المقامات الصفوة والناس يتفاوتون باتخاذ هذه القرارات، قسم الناس يتخذ هذا القرار ويغتبط به، يغتبط ويستشعر ويعيش مع هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 207]. قسم ممكن يفعل من هذا، وتاخذ الحماس، والحماس شيء والدين شيء، ياخذ الحماس ثم يندم بعد ذلك ويتحسر ولماذا، ثم يحاول أن يرجع ثم يفسد عمله بسوء نيته وبتراجعه بندمه.

فيخسر تعطى الله ثم بعد ذلك تندم على عطائك، تقرب لله ثم تندم على هذه القربة، لا، لا تفعل قربة بالقدر الذي تستطيعه، لكن الذي عنده الإيمان وكل واحد أعلم بنفسه، وهذا الباب ليس باب فتوى، أن هذا الباب باب اختيار ليس باب فتوى، هذا الباب لا يأتي الشيخ يفتي فيه شخص، لا، إنما هو تأصيل عام، ثم الناس يتفاوتون باتخاذ قرار، يتخذ هذا القرار ويرتبط به، يتخذ هذا القرار ويقول: أريد ما عند الله سبحانه وتعالى، يتخذ هذا القرار وفرح بأن الله منّ عليه باتخاذ هذا القرار ثم يصبر بعد ذلك جراء هذا القرار، يعني لا يتحسر ولا يتحسف لما تقع عليه البلاءات، بالعكس، يرى بأنه فاز.

وقسم آخر ما يحتمل مثل هذه القرارات، ما يحتمل مثل هذه الكلفة، ثم لما يلام من والده أو والدته أو أقاربه يبدا هكذا يدخل في حالة نفسية صعبة، ويبدا يرسل المشايخ ويبدا يتذمر على القدر. أقول لك: لا تفعل هذا، خلاص أنت إلى ما وصلت إلى المرتبة الإيمانية التي تقوى فيها على هذه القرارات، هذه قرارات صفوة، هذه صهيب صنع سنوات وصهيب يعرف نفسه أن الآن لو ضحيت بكل مالي ما عندي مشكلة، هو لن يتحسر، لكن قسم الناس شيء يسير يحدث معه، يبدا يسأل ويتحسر وكأن وقعت عليه بلاءات، بلاءات الأنبياء وقع عليه بلاء عظيم، وهو ما واقع شيء، فقط والدتها قالت له كلام أو والده قال لها شيء، ومن أجل هذا ما يصلح، يعني هذا يصلح لضح بقدر ما تستطيع وهي مراتب بالنهاية.

هي مراتب هي مقسمة على البشر بقدر تضحية البشر وصدق البشر مع الله سبحانه وتعالى قبل ذلك، فالايمان هو الذي يحمل الإنسان، والإيمان يغير النظرة، يعني قسم من الناس يقع عليه بلاء فيجزع إيمانه ضعيف جداً، قسم من الناس يقع عليه بلاء فيصبر ويتصبر، وقسم من الناس يقع عليه بلاء فيشكر. كيف هذا يشكر وهذا يصبر ويتصبر وهذا يجزع؟ الفارق فقط الإيمان، هذا يشكر لأنه يعيش مع أن هذه قربة، يعيش بأن الله يحب مني هذا الشيء، يعيش وصل لدرجة عالية، فهو الآن مثل نوح عليه السلام: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ [الإسراء: 3].

هذا العبد الصابر والصبر العظيم شكور لله سبحانه وتعالى، عبد مستشعر: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِي الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13]. أليس الله بيعلم بالشاكرين منها؟ والصهيب الله يعرف بأن هذا سيشكر، يعني يضحي والنبي عليه السلام يقول: «ربح البيع أبا يحيى»، فيغتبط صهيب ويعيش حياة هكذا مسرور بأن ضحى في سبيل الله، وأن له قربة له عمل يستطيع أن يتقرب الله سبحانه وتعالى به.

ليس مثل الشخص اللي ما تكون عنده أعمال، أعماله كلها عامة، ما عنده تضحيات، ما في ما في يوم من الأيام هكذا ضحى تضحية يستطيع أن يخبئ هذا العمل. والصديق حياته كلها تضحيات، وأصحابه كلهم، لكن صديق أكثر الصحابه مواقف، وكل صحابي عنده مواقف. طيب، ما هو الموقف الذي عندك أنت إذا كنت تريد من الصادقين؟ أتكلم الآن عن الصفوة، أنا ما أتكلم عن العامة، كل واحد يضحي بقدر ما يستطيع، لكن أنت تريد أن تكون من العلية ممن يحمي الله بهم الإسلام في الأرض، ممن يقرب النصر.

ما هو الموقف الكبير العظيم الذي فعلته ولم يفعل الناس؟ ارجع على نفسك وانظر: هل عندك بر عظيم؟ أليس بر عادي؟ هل عندك مثل ما كان عند أويس القرني؟ طيب، هل عندك صدقات مثل عثمان بن عفان هكذا بذل عظيم؟ هل عندك تضحية مثل صهيب هنا، مثل بلال، مثل عمار، مثل سمية؟ ما هو العمل الذي عندك؟ هل عندك جهر مثل عمر بن الخطاب وثبات مثل ثبات عمر الفاروق؟ ما هو العمل الذي عندك تستطيع أن تقول بأن هذا عمل ما فعله، ما يفعله الناس عادة إنما هو عمل عظيم وأين هي التضحية التي فعلتها في حياتك؟

المضحي مثل ما ذكرت يغتبط بالتضحية، الصادق يرتبط بهذه التضحية، لكن الشخص لما ما يكون صدق قوي ممكن يتاثر ويعود عليه هذا الاثر فيفسد عمله. والناس يتفاوتون وتعرفون الشيخ عبد الرحمن السميط رحمه الله تعالى كان يقول بأن جميع طلابي أصبح عندهم أموال طائلة وعمارات وأموال كثيرة، يقول: أما أنا ما عندي من هذا الشيء، وزوجتي ما عندها إلا لبستين فقط. مع زوجته امرأة غنية ورثت من والدها مال كثير، لكن كل هذا المال سلطته في الدعوة، بيت مبارك، هذا بيت مختار، ثم بعد ذلك يقول: لكن لو قارنت بين سعادتي وسعادتهم لن أقبل بما هم فيه.

هم عندهم سيارات، وعندهم سيارات كانت قديمة جداً، وكان حتى بيته كان متواضع، وكان يربي أبنائه على التضحية، وكان يحرص حتى على أموال يسيرة جداً، أن هذه ما، أن هذه شخص بإفريقيا يعيش بهذا المبلغ الزهيد الذي أنتم ما تنظروا إليه مبلغ، فعاش حياته كلها حتى كان كنا معه مرة في لقاء، كان يقول: أنا الشباب ما يتحملون الذهاب معي. 40 سنة، 40 سنة من عمرها كلها بإدعاء إفريقيا وابتلي ببلاءات كبيرة، وتعرفون يعني قصص الشيخ وهو مشهور طبعا في في هذا.

لكن قصد أمر إلى الكرامة الإلهية، قسم على يديه 11 مليون، 11 مليون! هذا العدد في الإسلام، هذا يكون تضحية مستحيل. هو ضحى تضحية كبيرة، لما رجع بعد ما كبر سنه ونظر إلى طلابه إلى أصحابه المقربين منه كيف عندهم أموال طائلة هو ما عنده شيء من هذا وكان يستطيع لو أراد أن يكون عنده هذا ومع ذلك يقول: إن سعادتي غير سعادتهم، ولو خيرت لفعلت مثل ما فعلت، يعني لو يرجع في العمر لن أغير طريقي ساسلك هذا الطريق، ساسلك هذا الطريق الذي به نصره الدين.

فهو تضحية مع شكر، هذا هو الجمع بين التضحية والشكر، ليس تضحية مع النظر أني فعلت، لا، هذا خطر، لا، التضحية مع الشكر لله سبحانه وتعالى بأن الله هو الذي أكرم، مثل ما قال الله سبحانه وتعالى ليوسف عليه السلام، أو لما قال يوسف عليه السلام: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَ مِج السِّجْنِ﴾ [يوسف: 100].

خرجني من السجن شكر لله، خرجني من السجن. طيب، هو لماذا دخل السجن؟ من أجل الله سبحانه وتعالى، لكن هو ما نظر إلى عمله، إنما نظر إلى رحمة الله سبحانه وتعالى؛ لأنه يعرف بأن عصمته من الوقوع بالذنب ودخول السجن هذه كرامة إلهية، وكذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين. فمعيار يوسف مختلف، يوسف يعرف بأن دخول السجن هذا الذي ما وقعت بالمعصية هذه هي الكرامة، هذه هي الكرامة. ثم لما يخرج يقول: قد أحسن بي، هو الذي عصمني من المعصية، وهو الذي رباني في السجن ورفع من مقامي، وهو الذي بعد ذلك أخرجني من السجن وأوصلني إلى هذا المقام، وقد أحسن بي أخرجني من السجن.

عبد صالح يعرف هذه المعاني. والإمام أحمد لما كان يحكي بعض ما وقع عليه من بلاء، بكى بعض من كان عنده، فقال: ما يبكيك أليس لم أكفر؟ أليس لم أكفر؟ ما أبالي لو تُلفت. يعرف المعيار؛ كرامة إلهية، يعرف بأن الحمد لله أنني أنا الله ثبتني، ما كفرت، ما أبالي لو تُلفت. فالقصد أن هذه المعايير هي معايير الصادقين، هذه هي معايير الإسلام.

هذه هي معايير الإسلام، فالتضحية لا بد منها، ولكن هنا في شخص يضحي بقدر إيمانه. ولا تنتظر الفتوى، هذا الباب ليس باب فتوى. اسمع مني يا شباب، هذا الباب ليس باب فتوى، هذا باب متعلق بقدرة الإنسان ومعرفة الإنسان نفسه. إذا كنت تأثر بكلمة تقال لك عارضة وتجعلك تجزع من أجل هذا الكلام، يقول لك اترك هذا الباب كله، رقِ نفسك إيمانيا حتى تصل.

لكن إذا كنت تغتبط، ياتيك الناس ويتكلمون عن الدنيا إلى آخره، وأنت بينك وبين نفسك تشعر بسعادة أنك تعمل الإسلام، أنك لم تفتن بمثل ما فتنوا به، بأنك محفوظ، أقول لك: نعم، الآن أنت دخلت هذا الباب العظيم، لكن لا تكون تأثر، تأثر لماذا هؤلاء عندهم كذا وأنا ما عندي؟ لا. أقول لك: اترك هذا الكلام كله، ليس الآن، في المستقبل ممكن تصل، لكن الآن الشخص الذي يريد ما عند الله، الذي يملأ قلبه بتعظيم الله، حب الله سبحانه وتعالى، والعيش مع الدار الآخرة والجنة، هو يريد الجنة، مالنا؟ قال: الجنة، خلاص، ما يفكر الآن بالدنيا، ما يفكر كم عنده من المال، إنما يريد الجنة.

هذا يضحي، هذا يضحي بماله، يضحي بشهادته، يضحي بمنصبه، يضحي بتضحيات عظيمة؛ لماذا؟ لأن عنده أن الآخرة أعظم، يعلم أن هذه التضحية كرامة إلهية، هذه التضحية عطية من الله، يكرم الله من يشاء من عباده.

ثم نقف في الوقفة الأخيرة في قصة صهيب في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ربح البيع». هنا ربح البيع، مثل ما ذكرت لكم الآن، ذكرتها قبل قليل، متعلق بنفس المضحي. أما الآن الموجه، الموجه هنا لابد أن يحسن التعامل مع هؤلاء؛ يعني شخص يضحي في سبيل الله ويبذل ويقع عليه بلاء، إما أن تقول له صبراً صبراً، هذا على حسب البلاء، أو تقول: ربح البيع، هنيئاً لك هذه الكرامة، والله الواحد هكذا يغبطك على ما تقوم به من الأعمال، هذه الكرامة كم تسوى هذه الكرامة؟ هذه التضحية كم قيمتها؟ هنيئاً لك، هنيئاً لك إذا جاء يوم القيامة وعرضت الكتب وتطايرت الصحف وعرضت الأعمال، سيكون من أعمالك هذا العمل العظيم، هنيئاً لك! هذا يؤثر، وهذا حق المسلم على المسلم؛ شيخ ابتلي في سبيل الله، عالم، شخص يضحي إلى آخره فيقع عليه شيء من هذا، يذكر بمثل هذه الطريقة، فيقال: «ربح البيع ربح البيع».

وكل الذي فعل يستشعر بأنه لو زاد، انظروا كيف الإنسان، كيف العبارات تؤثر بطبيعة الإنسان. الإنسان كان متأثراً فالعبارة تؤثر في طريقة التفكير والتعامل معها، فلما تأتي وتقول له: صبراً تسكيناً، وهذا في مواطن نعم، تقول بها: صبراً، مات له قريب تقول: اصبر واحتسب، وهكذا، تذكر بما عند الله سبحانه وتعالى وتسكن حزنه، تخرج منه الحزن. لكن تضحية المال هكذا، تضحية بالشهادة، تضحية بالمنصب إلى آخره، هذا تقول له: «ربح البيع»، هذا تقول له: «ربح البيع»؛ لماذا؟ لأن هذا لما يفكر يقول: لو أني رجعت الآن، وهذا المال ممكن أفعل به، أحياناً يتأول حتى نصرة الدين بهذا الشيء، لكن لما تقول: «ربح البيع»، هو الآن خلاص يعيش بسعاده أني عندي عمل الله أكبر، يعني بدل أن يتصدر لا يفرح، فرق كبير بين الحالين، يعني بدل أن يسكن حزنه، يغالب هذا الحزن حتى يقوى عليه، لا، هو الآن ما في حزن، والآن كله فرح، لماذا؟ نضحي، يعني هذا بحد ذاته قربة، هذا الله يحب مني هذا العمل، الله سبحانه وتعالى يحب مني: انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي ورهبة مما عندي حتى آتي قدمه، انظروا إلى عبدي يباهي به الملائكة.

ثلاثة يحبهم الله: رجل أتى قوماً فسألوهم بالله ولم يسألوهم بقرابة بينه وبينهم، أسألكم بالله أن تعطوني، وما قال: أنا ابن فلان، أنا من قبيلتكم، لا، ما قال هذا، إنما ذكر الله، فتخلف رجل باعقابهم سرا. هذا انسان قام بالسر خفية وأعطاه مال، جمع بين تعظيم الله سبحانه وتعالى وبين محبة إخفاء العمل، ما يعرف أحد، ما أعطى أمامهم حتى ما يراعي، وكذلك تحرك فيه الإيمان فقط، هذا الذي قام فقط، البقية ما قاموا، فتخلف باعقابه فأعطاه سرا، لا يعلم بعطيته إلا الله، هو الذي أعطاه. انظر هذا الإنسان، كرامة إلهية أعطاه هذا، ضحى بالمال الآن بسر من غير لا يعرف أحد، هو لم يكن عنده حظ نفسي، هذا الله يحبه، الله سبحانه وتعالى يحبه.

فقصد من هذا الكلام كله أن الإنسان من المهم أن ينتقي عباراته في التوجيه؛ فما تأتي عند شخص بذل وضحى وتعب ووصل إلى حال يعني حزن كبير، وتقول له: إنه كان فيمن كان قبلكم، لا، إنما تقول له: صبراً فإن موعد الجنة، اصبر واحتسب، هكذا. شخص آخر ضحى وهو الآن يفكر بالماضي، هؤلاء الآن سيموتون، لكن هذا الآن يفكر بالماضي وضحى بماله، والماضي هكذا تحرك، تتحرك نفسه لأنه إنسان فأحياناً ممكن تغلب نفسه، فتقول له: «ربح البيع»، خلاص، تنطق التفكير كله، ينتقل من كونه حزن إلى كونه فرح، انتقل، اعرف كيف تخاطب الناس، اعرف كيف تخاطب العاملين.

شخص ما ضحى ولا بذل ولا فعل شيئاً، ثم يقول لك: الله المستعان، ألا للأمة وما أدري إيش، تقول: أنت ماذا فعلت حتى تقول الأمة؟ أنت ماذا فعلت؟ ثم هو لما يقع عليه شيء يسير لا يرى بالعين المجردة بالمجهر، يرى هذا البلاء لا شيء، لا شيء، يقول: الناس فيها كذا وناس فيها كذا. هذه تبدأ تشد عليه، تقول له: أنت ما تفعلت؟ إيش هذا الكلام؟ هذا الكلام لا يقوله من يحب الله، وتبدأ تعنف هذا الإنسان حتى يتأادب، حتى يتأدب حتى يربع، ففارق بين هذا الخطاب وهذا الخطاب وهذا الخطاب، فارق كبير بين هذه الخطابات، من المهم أن نعرف كيف كان النبي عليه الصلاة والسلام يربي أصحابه، كيف كان يوجه أصحابه، فما تأتي عند شخص ضحى بكل ماله وتقول له: ماذا فعلت؟ ترى غيرك لا، غير صحيح هذا الكلام، هذا ضحى، يعني فرق بين المضحي وغير المضحي، وفرق كذلك بطبيعة تفرق بين نوع التضحية؛ فالذي مات له قريب، الذي ابتلي ببلاء معين بالسجن مثلاً بالضرب إلى آخره والحزن الغالب عليه، تبدأ تسكن هذا الحزن، لكن شخص تفكر بالماضي تبدأ تقلب الحزن تجعلها فرح، وتذكر بأن ما عند الله خير وأبقى وأن الله وأنك الآن فست بهذه القربة، فهكذا تبدأ تعامل، تتعامل معه، فهذا الإنسان يبدأ ايش يعمل؟ عمل أقوى من العمل الأول، فنفسها ما تسحب إلى الماضي، ما تجذب النفس، ما تؤثر عليه.

طبعا هذا حق الصاحب على الصاحب، حق العامل على العامل في الدين. إذاً ثم بعد ذلك عاش صهيب وشهد جميع المشاهد مع النبي عليه الصلاة والسلام ولم يتخلف عن أي مشهد من المشاهد، بل شهد جميع المشاهد مع النبي عليه الصلاة والسلام حتى بعد ذلك مات عمر الفاروق رضي الله عنه وأرضاه، ولما حضرته الوفاة أمر صهيب بأن يصلي بالناس، فصلى صهيب بالناس، ثم بعد ذلك عاش حتى قتل عثمان ومات بعد ذلك في المدينة النبوية رضي الله عنه ورحمه.

وكان من الصفوة المختاره في هذا الدين، واختاره الله سبحانه وتعالى حتى يعز به الإسلام، ولكن يعلم قلب صهيب بأنه صالح أن يقوم بهذه المقامات والله يقول: ليس بأعلم الشاكرين. الله يعلم بمن سيشكره بمن لن يشكره، صهيب ممن علم الله سبحانه وتعالى بأنه سيشكره، فاختاره الله سبحانه وتعالى حتى ينصر به الدين. نسال الله العظيم رب العرش العظيم أن يستعملنا وإياكم وألا يستبدلنا، وأن يهدينا لما يحبه ويرضى، إنه ولي ذلك والقادر عليه. هذا والله أعلى وأعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.