الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد؛ فحيّاكم الله إخواني جميعًا وإياكم، وأسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم.
نكمل هذه السلسلة، والحديث عن خير الناس بعد أصحابي، بعد أنبياء الله سبحانه وتعالى؛ هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. واليوم إن شاء الله تعالى ستكون هذه الكلمة، وهذه المحاضرة، مع صحابي جليل من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؛ الذين هم بعيدون عن جزيرة العرب، أي لم يكونوا في المحيط الدعوي، الذي كان يقصده النبي عليه الصلاة والسلام ابتداءً. بل العجيب أن النبي عليه الصلاة والسلام دعا وبذل وضحّى، ومات قبل أن تصل الدعوة إلى المكان الذي فيه هذا الصحابي.
اليوم معنا إن شاء الله تعالى وقفات مع قصة سلمان الفارسي رضي الله عنه وأرضاه، هذا الصحابي الجليل، هذا الصحابي العظيم الذي اختاره الله سبحانه وتعالى من بين جميع أهل فارس، حتى ينقادوا إلى دعوة النبي عليه الصلاة والسلام. مع نكوص أقرب الناس إلى النبي عليه الصلاة والسلام نسبًا؛ جاء سلمان من الفرس، وأهل مكة لم يؤمنوا بالنبي عليه الصلاة والسلام، أقرب الناس إليه؛ عم النبي عليه الصلاة والسلام لم يؤمن، ويأتي رجل من فارس يؤمن بدعوة النبي عليه الصلاة والسلام، نعم. لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى يعلم بأن هذا يصلح أن يكون صحابياً، وهذا، أي أبو طالب، لا يصلح أن يكون من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، الله أعلم حيث يجعل رسالته.
دعونا نقف مع هذه القصة، قصة هذا الصحابي الجليل، عدة وقفات؛ الوقف الأولى المتعلقة بصدق سلمان رضي الله عنه وأرضاه، وإصابة سلمان للخير. سلمان بعيد غاية البعد عن موطن الرسالة، سلمان بعيد عن مكان الخير، بعيد عنه، ومع ذلك صدق سلمان العالي قاده إلى هذا المكان. لذلك من يعرف هذا المعنى يعرف بأن الله سبحانه وتعالى لا يظلم أحداً، وأن الشخص قد يكون بعيداً عن موطن الخير ومع ذلك يوفق له، وغيره يكون قريباً من موطن الخير لكن ما يوفق له لعدم صدقه، فالصدق هو الذي يقود الإنسان لمراد الله سبحانه وتعالى.
سلمان الفارسي كان في فارس، في منطقة في أصبهان، في منطقة يقال لها جي. وكان سلمان محبوساً في بيته، يعني زيادة على ذلك سلمان كان والده يحبه محبة عظيمة، وكان يخاف عليه فحبسه في البيت. ووالده كان دهقاناً، رئيساً، وكان هو الذي يوقد النار، وسلمان كان على دين المجوس ووالده كذلك. ثم عرض له شيء، وطلب من سلمان أن يخرج بدلاً عنه، فخرج سلمان، وفي الطريق استمع إلى صلاة الرهبان، فتأثر سلمان وقال: هذا خير من الذي نحن عليه، هذا الدين، دين النصارى خير من الذي نحن عليه. كيف عرف ذلك؟
كيف عرف ذلك في الوقفة الأولى المتعلقة بسلمان الفارسي؟ سلمان إلى الآن ما رأى الحق، إلى الآن سلمان الفارسي معذور بسبب بعده الكبير عن موطن الحق وعن مكان الحق، وهو محبوس في بيته ولا يعرف إلا دين المجوسية، لا يعرف إلا النار، وولد في بيئة المفترض أن يعظم فيه هذا المعنى، هذا الأمر. ومع ذلك بمجرد أن خرج من بيته وطرق سمعه دعوة هؤلاء تأثر بهم وقال: دين هؤلاء خير من ديننا. ما الذي رآه سلمان حتى يقول بأن النصارى خير من المجوس؟ سلمان لم ير بعيني بصره، إنما رأى بعيني قلبه، يعني إيش؟ القلب لما يكون صافياً ونقياً يتأثر بالحق فقط لأنه حق، فقط. ما يحتاج إلى آية، ما يحتاج إلى انشقاق القمر، ما يحتاج إلى أن ينظر إلى شيء هكذا عظيم وهائل حتى ينقاد.
أبداً، إنما يقوده قلبه النقي، أي نفس القلب الصافي لما يطرق الحق مباشرة يسلم له. وهذا هو الذي وقع لأبي بكر الصديق لما آمن وانقاد؛ لم ير من النبي عليه الصلاة والسلام شيئاً، لم يقرأ عليه النبي عليه الصلاة والسلام شيئاً من القرآن حتى انقاد له، إنما مباشرة بمجرد أن عرض له وقال له النبي عليه الصلاة والسلام بأني مبعوث من قبل الله انقاد مباشرة، لماذا؟ الصفاء. هذا هو الصفاء، سلمان كان من هذه النوعية، أي سلمان الفارسي من شدة صفاء قلبه ونفسه لم يتأثر أبداً بدين المجوس، لما رأى دين أفضل من هذا الدين، لماذا؟ لأن هذا القلب صاف نقي، ما علقت به رواسب البيئة.
البيئة طبيعي تؤثر على الإنسان، الإنسان لما يولد في مجتمع معين، في بيئة معينة، في فكر معين، في هكذا طرح معين، طبيعي جداً هذا الإنسان يتشبث بهذا الفكر، يتشبث بهذا الدين، بهذا المذهب، بهذا المعنى. ولكن أن يتنازل عنه مباشرة إذا رأى شيئاً آخر أفضل منه، هذا لا يكون إلا لأصحاب الصفاء، أبداً لا يمكن أن يكون هذا إلا لأصحاب الصفاء. فسلمان لما رأى بأن هذا أفضل ترك دينه الأول.
طيب، الآن هو قال هذا الشيء، الآن هو علم بأن هذا هو الحق وأن هذا أفضل من دينه، هل سيترك؟ هل ممكن ينقاد شخص للحق من غير أن يبتلى؟ هل ممكن شخص ينقاد إلى الخير ويزعم بأنه من أهل الخير ومن الدعاة ومن العاملين للإسلام من غير أن تصيبه اختبارات متتالية تثبت صدقه؟ لا يمكن، لا يمكن. الصدق الأول هو الصدق في إرادة الحق، أما الصدق الثاني في إثبات هذه الإرادة، وفارق كبير بين الصدقين. الأول يشتبه على الناس، لكن الثاني لا يشتبه على الناس.
الصدق الأول يشتبه على الناس، يدخل في حلقة، يدخل في مركز، في برنامج، في كذا، في كذا، يريد الحق، يريد، ويظن بأنه صادق، لكن لما تأتي الاختبارات الاختبارات هي الكاشف، هل أنت الآن صادق أو مجرد كلام؟ هل أنت تقول هذا الكلام سيصدق الفعل أو هي عبارات فقط تقال؟ هذا الذي يثبت الاختبار وليس الكلام، لابد من اختبار. سلمان أول اختبار عارض له أن والده قيده، وخاف عليه ومنعه بالقوة الآن، وقيده وجعل قيداً في رجله، ماذا فعل سلمان؟ أرسل إلى هؤلاء النصارى وقال لهم: إن علمتم بأن أناس سيأتون من الشام فأخبروني، ركب يأتي من الشام فأخبروني. فقدم الركب وأخبروه، فألقى القيد وخرج. إلى أين يا سلمان ستخرج؟ هذه الرحلة إلى المجهول، هذه الطريقة في التعامل ما يفعلها أكثر الناس، لكن سلمان فعلها.
والله سبحانه وتعالى ينظر إلى صدق سلمان، وكيف أن هذا الرجل يتحرك في هذه البلدان بعيداً عن جزيرة العرب، ولا يعرف مكة ولا يعرف العرب ولا يعرف أن النبي سيبعث عليه الصلاة والسلام، هذا كله ما يعرفه سلمان، لكن هو يعرف أنه يريد الله، هو يعرف بأنه يريد ما عند الله سبحانه وتعالى. حاله مثل حال زيد بن عمرو بن نفيل، كيف أنه قال: يا ربي أنا ما أعرف كيف أعبدك، لكني أريد أن أعبدك، يبعث أمة بيني وبين عيسى عليه السلام. هذا هو الصدق، فسلمان خرج من فارس وانطلق إلى الشام.
انظروا الآن إلى الاختبار الثالث، الأول تقييد والده، الثاني الصدق في الخروج فخرج إلى المجهول ولا يدري أين سيذهب لكنه فقط يريد ما عند الله. الله سبحانه وتعالى ينظر إلى صدق هذا العبد بين هؤلاء الأعداد الكبيرة التي تعيش في ضلال وفي غي، إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، هؤلاء يعيشون كما تعيش البهائم إلا هذا وقلة مثله. عامة من يعيش على الكرة الأرضية في ذلك الوقت في قصة سلمان الآن قبل أن يبعث النبي عليه الصلاة والسلام؛ لذلك آخر راهب قال: هذا الزمان زمان نبي، ولما ذهب هو بعد ذلك إلى خيبر واقترب من المدينة وذهب إلى المدينة بعد ذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام في مكة، يعني إلى الآن ما هاجر.
يعني قصة سلمان الآن هذه غالباً تكون قبل أن يبعث النبي عليه الصلاة والسلام، قبل أن ينزل جبريل على النبي عليه الصلاة والسلام، غالباً تكون بهذه الطريقة، أو يكون النبي عليه الصلاة والسلام قد بعث لكن إلى الآن ما انتشر صيته ما انتشر ذكره عليه الصلاة والسلام. لذلك نفس هؤلاء الرهبان ما كانوا يعرفون، لكن يعرفون بأن هذا الزمان سيأتي فيه نبي، متى؟ الله أعلم، لكن اقترب.
فسلمان الآن يتحرك في هذا القطر، القطر الفارسي في فارس، وينتقل منها إلى الشام، ثم من الشام يذهب إلى الموصل في العراق، ثم يرجع بعد ذلك إلى الشام، ثم حتى في النهاية يذهب إلى أرض العرب. هذا التحرك كله الله سبحانه وتعالى ينظر إليه، لذلك الله هنا لما قال كما جاء في الحديث القدسي: إن الله نظر إلى أهل الأرض -حديث عياض بن حمار المجاشعي- فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا؛ هذه البقايا سلمان الفارسي، هؤلاء البقايا الذين ذهب إليهم سلمان ومعهم كان سلمان.
فالله سبحانه وتعالى نظر إلى أهل الأرض كلهم العرب مع العجم، كلهم يعيشون حياة البهائم، يعيشون من أجل لا شيء، وانسلخ الدين ولم يعد هناك ظهور لدين إبراهيم عليه السلام وعم الشرك حتى أطبق الكرة الأرضية إلا قلة قليلة منهم سلمان الفارسي، منهم سلمان. طيب، لماذا سلمان من الأفراد المعدودين؟ إلا بقايا، هذه كلمة بقايا، لماذا؟ لأنه صادق، لأنه صادق، والصدق العالي ما يظهر إلا عند المخالفة القوية، الصدق العالي ما يظهر إلا لما يكون الجميع يترك وأنت لوحدك باقي. هذا هو الصدق العالي، فالله ينظر، سبحان الله، هناك معيار في الأرض وهناك معيار في السماء، هناك نظر في الأرض وهناك نظر في السماء، نظر أهل الأرض أن هذا الإنسان متخلف، هذا الإنسان مختلف، نعم هو مختلف، لكن بماذا؟ في نظر الله سبحانه وتعالى وحكم الله سبحانه وتعالى هذا هو المستثنى بالخير، أما البقية كلهم من أهل الشر.
هذا سلمان يتحرك في هذه البلاد يبحث يبحث عن الحق، الله سبحانه وتعالى ما يترك هذا الباحث، الله سبحانه سيوصله إلى خير مخلوق خلقه الله سبحانه وتعالى، لأصدق الصادقين عليه الصلاة والسلام. فسلمان خرج الآن، الابتلاء الأول مثل ما ذكرنا أنه سلم للدين الذي مخالف لدينه، وما تريث، يعني انظروا كيف الآن سلمان هنا لم يتريث، لكن لما جاء ونظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام تريث. لماذا؟ لأنه يريد أن يتأكد، طيب، هنا لماذا ما كان يريد يتأكد؟ ما كانت عنده أدلة، فقط أن هذا حق، فالقاسم المشترك أن هنا سلمان رضي الله عنه وأرضاه نجح بالاختبار الأول، ثم جاء الاختبار الثاني والده منعه وقيده.
رحل إلى المجهول، انتهت الاختبارات، أتاه اختبار أصعب من الاختبارين الماضيين، وهو أن نفس هذا الرجل الذي ذهب إليه والذي يقال عنه بأنه أعبد أهل الأرض، وأنه أفضل أهل الأرض كان يسرق الأموال، أي هو شيخ عند الناس، لكن هو في الباطن كان سارقاً، لم يكن صادقاً، هذه تحدث هزة عنيفة في نفس الشخص، لما يكون القدوة نفسها والرمز العالي عند الإنسان يكتشف بأنه ليس الرمز بالحقيقة، إنما هو كذاب وإنما هو سارق، إنما هو كذا وكذا، هذه صدمة عظيمة عند الإنسان، ومع ذلك سلمان رضي الله عنه وأرضاه ما هزته الصدمة عن دينه أو عن طلب الحق أبداً.
إنما سلمان لما مات هذا وأرادوا أن يشيعوه بين لهم بأن هذا سارق وكان يسرق الأموال فرجموه، ثم ماذا فعل؟ سأل: من أعبد أهل الأرض؟ من تنصحون به؟ فأوصوه بشخص كذا وكذا، فذهب إليه وجلس عنده يعبده وكان من الصالحين. ثم هذا نقل إلى ثالث، وثالث نقله إلى رابع حتى وصل إلى آخر واحد من البقايا، إلى بقايا من أهل الكتاب، آخر واحد من هؤلاء البقايا من البقية الموجودة الصالحة، فذهب إليه سلمان، فلما حضرته الوفاة أشار على سلمان بأن يذهب إلى أرض العرب، وبين له بأن هذا الزمان زمان نبي، وبين له صفة المدينة النبوية.
ماذا فعل سلمان؟ انتقل بعد ذلك إلى أرض العرب، وقدم عليه أناس من قبيلة كلب، وأخذوه، وأعطاهم الأموال التي جمعها في البقرات والأغنام اللي كانت عنده، أعطاهم إياها فقط من أجل أن ينقلوه، فأخذوا منه المال وباعوه عبداً، واستمر بلاء سلمان يعمل عبداً عند اليهود، وانتقل من واحد إلى واحد حتى وصل وهو همه كله: أريد أن أصل إلى هذا الإنسان، هذا المخلوق العظيم الذي بعثه الله سبحانه وتعالى.
رحلة طويلة جداً خلفه الأهل والأسرة ومنزلة الوالد والجاه والسلطان، هذا كله ألقاه خلف ظهره، ويبحث عن الحقيقة، يبحث عن دين الله سبحانه وتعالى، يبحث عن الذي يحب الله سبحانه وتعالى، هذا هو صدق الطلب، هذا اختبار مع اختبار مع اختبار أثبت هذا الإنسان بأنه يستحق أن يكون صحابياً، أثبت هذا الإنسان بأنه يستحق أن يتم إيصاله، أثبت هذا الإنسان بأنه يستحق أن يعطى النور الذي لا يعطى إلا قليل من الناس، أثبت هذا الإنسان بأنه يستحق الهداية، بخلاف من يزعم بأنه يريد ثم بمجرد أن يأتي اختبار يسقط ولا يبالي بأنه سقط، ثم يقوم بعد ذلك ويقول: يلا نعمل كذا وكذا، خلاص سقطت، الآن رجوعك يكون أصعب من الأول، لأنك سقطت بالاختبار.
فالقصد أن الوقفة الأولى المتعلقة بسلمان رضي الله عنه الله يرضاه؛ الصدق في طلب الحقيقة، الصدق في إرادة الوصول إلى الله سبحانه وتعالى، والصدق هنا يكون معه دعاء، الصدق يكون معه بذل، الصدق يكون معه تضحية، والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا. يعني هل تظن بأن الوصول إلى الله سبحانه وتعالى ليس له ثمن؟ هل تظن بأن الوصول إلى الله سبحانه وتعالى وتحصيل الجنة سيكون بمجرد الكلام؟ هل تظن بأنك الآن تريد أن تكون عبداً مختاراً؟
من قبل الله سبحانه وتعالى، ويشرفك الله سبحانه وتعالى، حتى يقيم دينه العظيم في الأرض، هكذا. هكذا بمجرد كلام، من غير أي تضحية، من غير أي بذل، من غير أن تضحي بما لا يضحي به الناس؟
هذا إنسان واهم، واهم، يعيش في وهم كبير؛ هذا الدين دين الله سبحانه وتعالى، هذا الدين لا يقوم إلا على أكتاف الصادقين، والله سبحانه وتعالى يجمع أهل الصدق.
القصد من ذلك أن الوقفة الأولى الآن المتعلقة بالصدق بالطلب؛ وسلمان رضي الله عنه أثبت صدقه، تخلى عن جاهه، وعن سلطانه، وعن دينه القديم، وانتقل، ولم تهزه الفتن والبلاءات، ولا صورة الناس المعظمين عند الناس وعنده، عن أن يترك دينه أبداً، إنما كان مستمرا حتى أوصله الله سبحانه وتعالى، ومن عليه بأن يكون تابعا لهذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام. إذاً هذه الوقفة الأولى المتعلقة بقصة سلمان رضي الله عنه.
الوقفة الثانية المتعلقة بقصة سلمان رضي الله عنه: انظروا الآن إلى مشهدين اثنين في دعوة النبي عليه الصلاة والسلام؛ مشهد في مكة، ومشهد في فارس والشام وهذين البلدين. مشهد في مكة، الداعي عليه الصلاة والسلام يعمل ويدعو إلى الله سبحانه وتعالى، ويقصد أناس معينين في الدعوة، ثم ينتقل بعد ذلك من هذا المكان إلى مكان آخر الطائف، ثم ينتقل من هذا إلى المدينة.
ومشهد آخر يصنعه الله سبحانه وتعالى لا ينظر الداعي إليه ولا يعرف الداعي إلا وهو المشهد الغيبي؛ توطين الله سبحانه وتعالى الدعوة، تدبير الله سبحانه وتعالى لهذا النبي الكريم. فالنبي عليه الصلاة والسلام يصدق هنا، والله سبحانه وتعالى يدبر له هنا، النبي عليه الصلاة والسلام يعمل هنا فيما هو داخل دائرته في التقدير، والله سبحانه وتعالى يقدر فوق هذا التقدير لهذا الداعي لحسن استجابته لأمر الله سبحانه وتعالى.
لذلك إذا فهم الدعاة طريقة حفظ الله سبحانه وتعالى أو سنة الله سبحانه وتعالى في حفظ دينه، لن يخافوا على الدين، إنما سيخافون على أنفسهم من التبديل والتغيير. الداعية إذا فهم كيف الله سبحانه وتعالى يحمي دينه، كيف الله سبحانه وتعالى يقدر المقادير لهذا الدين، لن يخاف على الدين، إنما سيخاف عليه هو بألا يحمل واقع الضيق الذي يراه، بأن يغير مراد الله سبحانه وتعالى بحجة كذا وكذا وكذا.
الدين ما يحمى بعمل الدعاة ولا بتقدير الدعاة، إنما الدين يحمى بقدر الله سبحانه وتعالى الغالب على الدعاة. لذلك نفس هؤلاء الذين اختارهم الله سبحانه وتعالى حتى يكونوا أتباعا للنبي عليه الصلاة والسلام لو ما قاموا بالواجب عليهم ونكسوا ونكلوا، لا تخف أيها الداعية، لا تخف يا رسول الله، هؤلاء كلهم ولا حتى الوقت الذي بذلته، لا تظن بأن هذا ذهب، لا، لم يذهب ولن يذهب، والله يقول: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: 38]. أي لا تخف يا من تصنع المشاريع، يا من تدعو إلى الله، يا من تقيم الأعمال الإسلامية، هؤلاء أنفسهم إذا ما أعطوا الدين حقه وما قاموا بالذي يريد الله سبحانه وتعالى منهم، إياك ثم إياك ثم إياك أن تبدل الدين وأن تغير الدين بحجة هؤلاء، بل الله سبحانه وتعالى سيستبدل هؤلاء جميعاً وسيأتي بأناس ينصر بهم دينه العظيم.
لكن الصحابة ما غيروا ولا بدلوا، والكثير بعد الصحابة غيروا وبدلوا، والذي يغير ويبدل لابد أن يستبدل، هذه سنة الله سبحانه وتعالى.
القصد هنا، انظروا كيف الآن أهل الصدق والإخلاص يلتقون في منتصف الطريق؛ كيف الآن النبي عليه الصلاة والسلام، أبو بكر الصديق، هؤلاء الصحابة الأجلاء بعد ذلك في مكة يدعون ويواجهون كفار قريش وهكذا، والله سبحانه وتعالى يدبر دينه هناك، سلمان يبحث عن الحق، وسلمان يريد الوصول إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فينتقل بعد ذلك النبي عليه الصلاة والسلام ويجمع الله له من يصلح في ذلك الزمان أن ينصر الإسلام، يأتي رجل من أقصى الأرض من فارس في أصبهان، هذا حتى لو قصد دعاة أن يدعوه من الصعب أن يصلوا إليه، لا يمكن، لكن الله سبحانه وتعالى يبلغ دينه، الله سبحانه وتعالى يوصل رسالته إلى من يريد.
فهنا يكون قدر الداعية وتقدير الداعية شيئا، وقدر الله الغالب أكبر بكثير من قدر الداعية. قدر الداعية أمر مشاهد له يراه، لكن تقدير الله سبحانه وتعالى الغالب أمر غيبي لا يراه الداعية، ولا يدري كيف يكون، ولا يحتاج أن يعرف هو كيف يكون أي تفصيلا، لكن يكفي أنك أنت تستمر هنا، والله سبحانه وتعالى بقدرته الغالبة يدبر لك هناك. فالله يدبر القضاء على رؤوس الأوس والخزرج في يوم بعاث، يعني يوم بعاث هذا تقدير إلهي لحسن امتثال النبي عليه الصلاة والسلام في دعوته في مكة.
ثم ينتقل بعد ذلك إلى الطائف، والله سبحانه وتعالى يدبر له بأن يأتيه أناس من الأنصار، ويختلف الأوس والخزرج ويأتي أناس من الخزرج إلى المدينة ويريدون نصرة قريش على الأوس، والنبي عليه الصلاة والسلام يتلقاهم ويجلس معهم ويذكرهم ويحدثهم، فيؤمن إياس بن معاذ، ثم بعد ذلك يأتون ويجلس معهم النبي عليه الصلاة والسلام ويبعث مصعب بن عمير، ثم بعد ذلك ينتقل إلى المدينة، ويأتي بعد ذلك سلمان الفارسي ويسلم وينقاد، ثم يأتي بعد ذلك الأحزاب حتى يحاوطوا المدينة النبوية، والله سبحانه وتعالى يقدر الإسلام لنعيم بن مسعود وتفرق هؤلاء جميعا، ويقدر وجود سلمان في هذه اللحظة مع أن سلمان لم يشهد بدرا ولا أحدا بسبب الرق، ولما جاءت الأحزاب هو الذي أشار على النبي عليه الصلاة والسلام بحفر الخندق، وانتفع النبي عليه الصلاة والسلام بهذه المشورة وحفظ الإسلام أو جزء من الإسلام بمشورة سلمان رضي الله عنه وأرضاه.
التقاء أهل الإخلاص في منتصف الطريق يلتقون، هذا يأتي في السنة الثالثة، هذا في السنة الخامسة، هذا في السنة العاشرة، هذا في السنة التي وهكذا، يأتي أبو ذر الغفاري من غفار إلى مكة ويسلم وينقاد فينصر الله سبحانه وتعالى به الدين، وهكذا يقدر الله سبحانه وتعالى اجتماع هؤلاء المخلصين اجتماع أهل الخير والصلاح ثم يقيم مشروعه على هؤلاء.
إذا امتثل الداعية وصدق الداعية، كثير من الناس ما زال ينتظر صدق الدعاة؛ صدقك مع الله سبحانه وتعالى يتسبب بإتيان هؤلاء، وصدق أولئك كذلك في طلب الحق يتسبب بوصولهم إليك، وهكذا هكذا الله سبحانه وتعالى يحمي دينه. هذه الأمور الغيبية التي ما يدركها الدعاة ويغفلون عن هذه الحسبة الإلهية عن هذا التقدير الإلهي الذي هو أعلى بكثير من تقدير البشر، لكن البشر يعظمون الشاهد ويثقلونه ويغفلون عن هذه السنة، فلذلك يخطئون كثيرا كثيرا في تقدير العمل الإسلامي.
العمل الإسلامي لم يكن يوما بالطريقة التي يصنعها من لا يستحضر الغيب، لا تدخل في الغيب، لا يمكن أن تعرفه، لكن أنت المطلوب منك أن تمتثل أمر الله وأن تقوم وأن تفعل مراد الله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: 112]. والله سبحانه وتعالى هذا دينه وهو الذي سيدبر له. إذن الوقفة الثانية التي أريد من خلال قصة سلمان الفارسي رضي الله عنه أن نصل إليها: التقاء المخلصين، التقاء الصادقين؛ تعمل في مكان، شخص يبعد عنك ألف كيلو يأتيك، شخص يبعد عنك كذا وكذا، كيف هذا؟ ما ندري، لا نعرف.
طيب وأقرب الناس ما يوفقون؟ لماذا؟ حكمة بالغة، هذا أصدق من الذين هم عندك، هذا أصدق من أبي طالب، هذا أصدق من فلان وفلان وهم مقربون منك، فيأتي شخص من بعيد؟ نعم، يأتي شخص من بعيد، لأن هذا دين الله سبحانه وتعالى. إذن التدبير الغيبي لهذا الدين أقوى من تقدير الداعية المشاهد، لا يقدر، ولكن ما يخرج في دائرة التقدير عن نفس المراد الإلهي، حتى لو ضغط هو سيضغط كثيرا وسيختبر، ولا بد أن يبتلى الداعية في تغيير الطريق وفي تبديله، والكثير يغير لأنه ما يحتمل، لكنه ليس بهذه الطريقة، ليس بهذه الطريقة أبدا.
تقول لي طيب، كلامك هذا يحتاج إلى تفصيل أكبر، كيف نعرف؟ كيف نعرف الآن هل أنا الصواب أني أثبت في كذا أو أني أغير كذا إذا ما كان الضغط سيؤثر علي؟ طبيعي أن الإنسان يؤثر عليه الضغط، إذن كيف أنا أثبت في موطن الثبات؟ وكيف أني أقول لا ليس من الصواب الآن أن أفعل كذا وكذا إنما المصلحة تقتضي كذا وكذا؟
أقول لكم الجواب سهل وبين، ما هو؟ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: 153]. ارجع إلى القرآن الكريم والتحم معه، وادخل في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وعش معها، تكسب هذه البصيرة وتعطى هذه الهداية، فيبيّن الله سبحانه وتعالى لك الذي يريده، ثم الله سبحانه وتعالى يثبتك على الذي يريده.
أما الشخص إذا ما كان يريد أن يصدق فلن يثبت ولن يعرف، وسيتغير مع تغير الناس، وسيتأثر إذا تأثر أقرب الناس له أو حتى الناس الأبعدين، ممكن شخص بعيد يقول افعل كذا وكذا فيتأثر بكلامه، ويتأثر، خطأ، ليس هذا هو المراد الإلهي، فالله سبحانه وتعالى كفانا هذه المؤنة، أي مؤنة معرفة الطريق، الله سبحانه وتعالى هو الذي وضع الطريق، لكن امتثل الذي يريده الله سبحانه وتعالى، كيف تمتثل؟ ادخل في القرآن الكريم، تعرف عليه، تعرف على سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، وادع الله سبحانه وتعالى واصدق معه سبحانه وتعالى في البذل وتنفيذ المراد، تعطى هذه الكرامة الإلهية؛ الثبات على الدين، وامتثال أمر الله سبحانه وتعالى، والله يحمي بك دينه إذا تعاملت معه بهذه الطريقة، إذا تعاملت معه بهذه الصورة، إذا ما دخل عقلك ولا تدخلت نفسك في حرفك عن الطريق، إنما أنت عبد مستجيب، وتوطن نفسك دائما على الاستجابة، وتوطن نفسك دائما على فعل الذي يريده الله سبحانه وتعالى منك، وليس الذي يريده الناس، هنا تعان بإذن الله وتوفق لإصابة الحق وتثبت بإذن الله عليه، ولا تتأثر بالضغوطات الخارجية.
إذاً، هذه هي الوقفتان المتعلقتا بقصة سلمان رضي الله عنه وأرضاه.
الوقفة الثالثة المتعلقة بقصة سلمان رضي الله عنه وأرضاه: المتعلقة بالصحبة؛ سلمان آخى النبي عليه الصلاة والسلام بينه وبين أبي الدرداء رضي الله عنه وأرضاه، وأبو الدرداء كان محاطا بأخوين؛ بعبد الله بن رواحة، وهو أخوه لأمه، وبسلمان الفارسي، وهو أخوه بالإسلام. عبد الله بن رواحة كان كثيرا ما ينصح أبا الدرداء وكان يقول: معاذ الله، أعوذ بالله أن يمر علي يوم أنسى عبد الله بن رواحة. وكذلك كان محاطا بسلمان الفارسي رضي الله عنه وأرضاه، فآخى النبي عليه الصلاة والسلام بينه وبين أبي الدرداء، فكان سلمان يذهب ويتفقد أبا الدرداء.
فجاء يوم من الأيام ورأى أم الدرداء وهي هكذا متبذلة، فقال لها: ما شأنك؟ فقالت: أخوك أبو الدرداء، لا شأن له بنا. فعلم بأن أبا الدرداء قد غلب عليه شيء على حساب شيء، يعني نفس الموازنة ما كانت قوية، وأراد سلمان الآن أن يقوم بواجب النصيحة، وهذا هو حق الأخ على الأخ.
فكثير من الشباب المتدين لا يضبط الموازنة في تطبيق الإسلام بالعمل، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يبين لأصحابه هذا المعنى، وسلمان من الموفقين، أي من أصحاب العقول الكبيرة الواعية والمدركة لنفس هذه الموازنات الشرعية. سلمان رضي الله عنه وأرضاه كان يسمع من النبي عليه الصلاة والسلام وينظر إلى أفعال النبي عليه الصلاة والسلام، فيجمع بين قول النبي عليه الصلاة والسلام وبين رؤية فعل النبي عليه الصلاة والسلام. فلما يبين النبي عليه الصلاة والسلام أهمية الآخرة ومركزية الآخرة والزهد في الدنيا، ومع ذلك كان متزوجا النبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك كان ينام بالليل، ومع ذلك لم يكن يصوم كل يوم، لم يكن يصوم الدهر؛ إذن هو جمع بين نفس الخطاب النظري وفهم تكييف هذا الخطاب في العمل في التطبيق، فلم يكن الخطاب نظريا على حساب نفس التطبيق العملي.
فهو فاهم عليه الصلاة والسلام، ففهم سلمان موازنة الإسلام في ضبط هذه الأمور وأن الإسلام مختلف عن الرهبانية، مختلف عن النصرانية الدين الذي كان عليه. فلما ذهب إلى بيت أبي الدرداء ودخل عنده وأراد أن ينام عنده قدم الطعام، فقال سلمان: كل. قال: إني صائم -أي أبا الدرداء-. قال: لن آكل حتى تأكل، فأكل.
ثم لما جاء الليل أراد أبو الدرداء أن يقوم، قال: نم. فأراد أن يقوم، قال: نم. ثم أراد بعد ذلك، ثم بعد ذلك قال له: قم، الآن قم. فقام وصلى. فذهب بعد ذلك إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: صدق سلمان.
وقبل ذلك قال له سلمان بعدما وجه عملياً: إن لربك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، أي لا تختل عندك هذه البوصلة. هذا نفس الكلام هو الذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمرو بن العاص، لما زوج والده عمرو بن العاص ابنه عبد الله بن العاص امرأة نسيبة حسيبة في قريش وذهب بعد ذلك يتفقد ابنه، وكان يعرف بأن ابنه عابد وصالح ولم يلتفت إلى زوجته كثيرا وسأل زوجته فقالت: نعم الرجل عبد الله، لكنه لم يكشف لأهله كنفا، فغضب وشد عليه، ثم انطلق بعد ذلك وشكاه للنبي عليه الصلاة والسلام، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام مثل قول سلمان: «إن لربك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه». هذه موعظة.
فأعط كل ذي حق حقه. هذا حق الأخ على أخيه، وسلمان رضي الله عنه وأرضاه من خلال هذه القصة نكتشف وعي سلمان وعقل سلمان، لذلك اختاره عمر الفاروق بعد ذلك وولاه المدائن. وأنا سبحان الله في السيرة النبوية أو في قصص الصحابة يلفت انتباهي كثيراً من كان يحكم في العراق يعني المدائن؛ ولي المدائن سلمان، وكذلك ولي المدائن حذيفة بن اليمان.
طيب وماذا سلمان وحذيفة؟ كلا الرجلين كان يتمتع بعقل عالٍ جداً. تقول لماذا؟ أقول لك أهل العراق بهم صعوبة بخلاف أهل الشام، فنفس القائد هناك لابد أن يكون بصورة معينة، لذلك نفس سعد بن أبي وقاص لما ولاه عمر وهو أهل للإمارة رضي الله عنه وأرضاه، ولاه العراق كلها، ليس على فقط يعني ولاه على الكوفة.
ولما مات سلمان وحضرت الوفاة، حضر سعد وفاته، وكذلك ابن مسعود رضي الله عنهما وأرضاهما، ثم بعد ذلك ولاه المغيرة بن شعبة، وكذلك جرير بن عبد الله البجلي خطب بهم رضي الله عنه وأرضاه، فالقسم بذلك نفسه ولاة الذين كانوا بذلك المكان على هذا الشعب كانوا مختارين من عمر الفاروق رضي الله عنه وأرضاه، فعمر كان يعرف من يختار.
واختار سلمان هنا، اختار سلمان رضي الله عنه وأرضاه هنا، لماذا يصلح أن يحكم؟ يصلح أن يحكم. فسلمان رضي الله عنه وأرضاه معناه كان كبيراً في السن لما ولي سلمان، كان كبيراً في السن، لكن كان يصلح، كان يصلح أن يحكم. وقسم من ذلك أن سلمان رضي الله عنه وأرضاه كان صاحب علم وصاحب عقل.
لذلك لما حضرت معاذ بن جبل وهو في الشام الوفاة، أوصى بأربعة، منهم سلمان، وكذلك أخوه أبو الدرداء، فأوصى بسلمان. لماذا؟ لعلم سلمان ورفعة سلمان رضي الله عنه وأرضاه. فكان سلمان مع أن إسلامه قد تأخر ولم يصحب النبي عليه السلام كما صاحبه من كان معه في مكة، لكن سلمان رضي الله عنه وأرضاه كان واعي، وكان مدرك، وكان من عقول الأمة الإسلامية.
لذلك تمت الاستفادة بموهبة سلمان ومن طاقة سلمان رضي الله عنه وأرضاه، وعرف الصحابة رضي الله عنهم قيمة سلمان. وسلمان لما كان ينتسب، يقول سلمان رضي الله عنه وأرضاه: إذاً الصحبة عن سلمان كانت عالية، واجب الأخوة عن سلمان كان عظيماً.
ثم كذلك سلمان تفقد صاحبه وأخوه أبا الدرداء، وانطلق بعد ذلك إلى الشام، وسأل عن أبي الدرداء فقيل له: هو بالثغر، فانطلق إلى أهل الثغر، ونصحهم كذلك بأهمية الرباط وعظمة الرباط. وكذلك سلمان رضي الله عنه وأرضاه كان بصيراً جداً وفقيهاً بأن الواجب على الإنسان أن يقوم بالذي يريده الله سبحانه وتعالى لا الذي يريده الإنسان.
تقول لي كيف؟ أقول لك: سلمان لما أرسل له أبو الدرداء كما جاء في موطأ الإمام مالك، قال: كتب إليه وقال أن أقدم إلى الأرض المقدسة، يعني لماذا تجلس في العراق وتترك الشام؟ والشام هي الأرض المباركة، الأرض المقدسة أفضل من العراق. فكتب إليه سلمان رضي الله عنه وقال: إن الأرض لا تقدس أحداً، إنما يقدس الإنسان عمله.
إنما يقدس الإنسان عمله، فعمل الإنسان هو الذي يقدسها، أما الأرض نفسها لا تقدس أحداً. قد يكون شخص في خير البلاد ومع ذلك هو فاسد، وقد يكون شخص في شر البلاد ومع ذلك هو صالح، فالأرض ما تقدس أحداً. هذه الكلمة ذهبية والله من سلمان وما أحوجنا لهذه الكلمة في هذا الزمان الذي غلا الناس فيه كثيراً في مثل هذه المعاني، ولم يفهموا سبب إطلاق الإسلام لتفضيل البلدان، فظنوا بأن مجرد وجود أن البلد هكذا مبارك إذاً كل شخص عليه يكون مبارك وإلى آخره، هذا الكلام غير صحيح وليس بصواب.
بل الأرض لا تقدس أحداً، إنما يقدس الإنسان هنا عمله، يعني عملك هو الذي سينجيك، عملك هو الذي سيرفعك، عملك هو الذي سيطهرك، أما نفس الأرض ما تقدس أحداً. فهنا بين سلمان لأبي الدرداء أن ليس وجودك في هذا المكان في الشام بدليل على انعكاس هذا الأثر عليك، أو أن وجودك في الشام يعني عبارة عن شيء سيشفع لك يوم القيامة، هو أمر سيشفع لك يوم، أبداً.
إنما الذي سينفعك يوم القيامة هو نفس العمل الذي تقوم به، أما كون هذه الأرض مباركة لكونها أرض المحشر والمنشر، ولكونها مبعث الأنبياء، ولكون فيها بيت المقدس، إلى آخره من هذه الفضائل العظيمة، ليس معنى هذا أن كل من سيعيش عليها سيكون صالحاً. لا، ليس معنى هذا الشيء، ولا علاقة أصلاً بين هذا وبين هذا، لا علاقة بين هذا وبين هذا.
فنفس فهم هذا المعنى مهم جداً أتصور بأن نأخذه من سلمان رضي الله عنه وأرضاه، وانظروا كيف يصحح هو لصاحبه وأخيه أبو ذر هذه المعاني، وهذه المعاني يخطئ فيها الناس، يعني مثل هذه المعاني الدقيقة تشتبه عند الناس، فبعض الناس حتى من طلاب العلم ومن المشايخ أحياناً يفهمون بعض المعاني بطريقة ما تكون دقيقة جداً.
هنا أبو الدرداء هو المرسل، والذي يبين له من؟ سلمان رضي الله عنه وأرضاه، فبين له بأن الذي تفعله الآن تضخم هذا الأمر، تضخم وزيادة الأمر مع وجود الأحاديث العظيمة في فضل الشام، ليس معناه هذا الذي تقوله، وليس معناه أن نترك نحن ثغور الإسلام وننتقل إلى الشام ونترك بقية الثغور بحجة أن الشام كذا وكذا وكذا، أبداً.
بل أعطيكم أبلغ من ذلك، المدينة أعظم من الشام، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: «والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، تفتح اليمن، تفتح العراق، تفتح الشام، فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم وأموالهم»، أي يتركون المدينة ويذهبون إلى العراق، ويذهبون إلى اليمن، ويذهبون إلى الشام، «والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون». طيب، هذا الحديث صحيح، لكن تطبيق الصحابة كيف كان؟ كثير من الصحابة، بل أكثر الصحابة ما ماتوا في المدينة، إنما خرجوا.
طيب، لماذا خرجوا من المدينة لتبليغ الرسالة؟ طيب، هنا لماذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: «المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون»؟ لأنهم ما خرجوا لتبليغ الرسالة، إنما خرجوا من أجل الدنيا. انظروا إلى الموازنة، فنفس أفضلية البلد شيء، ونفس المراد الإلهي منك شيء آخر، يعني قد يكون هذا المكان أفضل، مكة أعظم البلاد وأحب البلاد إلى الله سبحانه وتعالى، ومع ذلك النبي عليه الصلاة والسلام خرج منها.
لماذا؟ لأنه أخرج، لم يكن يريد الخروج، لأنها أحب البلاد إلى الله، لكن أراد الله سبحانه وتعالى منه وقدر الله عليه أن يكون في المدينة، فأصبحت المدينة مباركة، فتح مكة ورجع إليها؟ ما رجع إليها. لماذا؟ لأن هذا مراد الله سبحانه وتعالى، مع أن قلبه في مكة ويريد مكة، لكن الله سبحانه وتعالى يريد منه أن يبقى في المدينة، ومكث مع الأنصار، واستمر عليه الصلاة والسلام مع الأنصار، وأصبحت المدينة مباركة ببركة النبي عليه الصلاة والسلام.
إذاً فهم هذا المعنى مهم وضبطه، يعني لابد أن نستوعبه حتى ما نخطئ في تطبيق الإسلام وامتثاله، فتفضيل البلاد شيء وتنفيذ المراد الإلهي شيء آخر. إذا كنت مخيراً واستوى عندك الأمران، نعم، ابق في المدينة أفضل من الشام ومن غيرها من البلدان، ولكن إذا ما استوى الأمران، إنما أراد الله سبحانه وتعالى منك أن تدعو إلى في الهند مثلاً، كما فعل أحد مشايخ الهند المشهورين، والذي من ذريته كان الشيخ أبو الحسن الندوي.
هو حسني، يرجع نسبه إلى الحسن بن علي رضي الله عنه وأرضاه، هاجر جد من أجداده إلى الهند حتى يدعو إلى الله سبحانه وتعالى، فانتشرت الدعوة في الهند وإلى اليوم هذه الدعوة منتشرة، هذا أفضل من البقاء في المدينة، يعني ذهب في هذا التبليغ للرسالة أعظم بكثير من بقائه في المدينة. وهكذا قبور الصحابة، كيف أن أبا أيوب الأنصاري قبره في تركيا، وقبر خالد بن الوليد في حمص، وقبر أبي عبيدة بن الجراح، وقبر فلان وفلان، الصحابة خارج المدينة.
إذاً هذا هو المراد، فالمراد لما يكون بهذه الطريقة نعم نمتثل، والأرض هنا لا قيمة لها، لا قيمة لها، سواء كانت هذه عظيمة أو غير عظيمة، الله يريد مني أن أكون في العراق، خلاص، العراق أعظم، ليس لأن أرض العراق أفضل من أرض الشام، ولكن لأن وجودي هنا هو الذي يريده الله سبحانه وتعالى مني، لأن وجودي هنا هو الذي يريده الله سبحانه وتعالى مني.
فسلمان يبين هذا المعنى، يكشف هذا المعنى العظيم والجليل لأبي الدرداء، ثم بعد ذلك نصحه وعرض له بأنك متطبب أو طبيب، يقصد هنا أنك حكم قاض بين الناس، فانتبه أن تحكم بحكم تؤدي به بحياة إنسان وتدعو عليه بحكم جائر فتدخل النار. فكان أبو الدرداء رضي الله عنه وأرضاه إذا قضى بين اثنين بعد ما ينصرفان يدعو الرجلين، يقول: ارجعا إلي وأعيدوا علي ما قد قلتموه، ثم يقول: متطبب والله. يعني عملت نصيحة سلمان في قلب أبي الدرداء بهذه الطريقة.
فكان أبو الدرداء رضي الله عنه وأرضاه يحرص أكثر من حرص الأول مع حرصه، لكن بعد قول سلمان ونصيحة سلمان كان يزيد في التأكد حتى ما يحكم بحكم مخالف لحكم الله سبحانه وتعالى، أو ما يعتاد على الحكم فيحكم هكذا بتسرع فيخطئ في الحكم، فكان يخاف رضي الله عنه وأرضاه.
وهذه وهذا حق الأخ على الأخ، وكان سلمان رضي الله عنه وأرضاه ناصحاً، وهذا يكشف نصح سلمان. هو في الحديث: «الدين النصيحة»، قلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». فالصحابة كانوا أصحاب نصيحة رضي الله عنهم وأرضاهم، وسلمان كان حريصاً على نصيحة إخوانه، خاصة أخوه أبو الدرداء رضي الله عنه وأرضاه.
كذلك من ضمن الوقفات المهمة المتعلقة بسلمان رضي الله عنه وأرضاه، تطبيق سلمان العملي للإسلام. يعني الآن تكلمنا عن صدق إيمانه وبحثه عن الحق وكذلك النصح لإخوانه إلى آخره، طيب، هو كيف طبق الإسلام؟ هو مع نفسه مع نفسه كيف طبق الإسلام؟ سلمان رضي الله عنه وأرضاه كان حريصاً أن يفعل كل الذي يستطيعه حتى يدخل الجنة، حتى ينجو من النار.
فكان سلمان رضي الله عنه وأرضاه يتصدق بالعطاء الذي يعطاه، كان يعطى خمسة آلاف فكان يتصدق بها كاملة ما يأخذ منها شيئاً، وكان يعمل الخوص هو وال على أصحاب المدائن، ويعمل الخوص ويبيع ويشتري الخوص بدرهم، ويعمل به ثم يبيعه بثلاثة دراهم؛ درهم يعيده فيه، ودرهم ينفق على أهله وعياله، ودرهم يتصدق به، وهو والي المدائن.
ولم يكن عنده بيت، حتى بعد ذلك لما صنعوا له بيت قال: كيف صفة البيت الذي تريدون تصنعونه لي؟ فقال: إذا قمت تطأطئ رأسك، وإذا جلست لا يمكن أن تمد قدمك، ويكون على مقدار هكذا طولك. فالمقصود أن البيت يكون صغيراً وليس كبيراً، فقبل بذلك.
ثم مع ذلك لما حضرته الوفاة بكى، وزاره ابن مسعود، وزاره سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم الصحابة أجمعين. فبكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: والله ما أبكي على واحدة من اثنتين، ما أبكي على محبة البقاء في الدنيا، ولا على لقاء الله سبحانه وتعالى، ولكني أبكي أني خشيت أن أكون خالفت وتعديت قول النبي عليه الصلاة والسلام لنا: «ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب». وأخاف أني زدت على هذا زاد الراكب، شخص يريد أن يسافر كم يأخذ من المال، من الطعام، من الشراب؟ يأخذ الذي يكفيه في سفره. فيقول: أخاف بأننا قد زدنا لما فتحت علينا البلاد وحكمنا هذه البلاد أننا زدنا. ولم يكن عنده إلا دريهمات، كان عنده مال يسير لم يكن عنده مال كبير، قليل.
فكان يبكي خوفاً من أن يكون قد تعدى وصية النبي عليه الصلاة والسلام ونصيحة النبي عليه الصلاة والسلام. هذا زهد سلمان، هذا زهد سلمان، وتصدق سلمان وحسن عبادة سلمان رضي الله عنه وامتثال سلمان للإسلام بنفسه، امتثال سلمان للإسلام بنفسه، وهذا هو الذي يبارك فيه.
هذا الإنسان الذي يقوم أولاً بامتثال الإسلام، ثم بعد ذلك لما يوجه الناس الله سبحانه ينفع بتوجيهه، ينفع بإرشاده. أما أن شخصاً ينصح غيره وهو آخر من ينصح نفسه، يعني هنا سلمان لما وجه أبا الدرداء هذا التوجيه هو قام به قبل أن يوجه، يعني مثل هذه التوجيهات ليست توجيهات هكذا يعني متجاوزة عن نفس تطبيق الإنسان، إنما هو كان يمتثلها مع نفسه، هو كان يمتثل هذه الأوامر مع نفسه ويفهم الإسلام بهذه الطريقة.
هو لما بين لأبي الدرداء انتبه من القضاء، هو نفسه قبل ذلك كان يخاف، فهو أصدق من نفس الشعب الذي كان يحكمهم، يعني الشعب نفسه كان ينظرون إلى سلمان ممتثل الإسلام، لذلك انتشر الإسلام بوجود هذه النماذج. فالنماذج كانت مضيئة، والشعب والناس ينظرون إلى القائد، ينظرون إلى الموجه: هل هو صادق؟ هل يظهر عليه الخشية؟ هل يظهر عليه الصدق؟ هل هو انتفع بعلمه قبل أن ينتفع الناس به؟
إذا كان هو بهذه الطريقة الناس يتأثرون، والناس يتأثرون بالأفعال أكثر من الأقوال، الناس يتأثرون بالأفعال أكثر مما تؤثرهم بالأقوال. هو كان فعله مصدقاً لقوله، وكان فعله أبلغ من قوله رضي الله عنه وأرضاه، لذلك فتحت هذه البلاد، ولذلك ثبت الإسلام فيها. الصحابة لما فتحوا البلاد لم يسلم أهلها مباشرة، يعني لما فتحت الشام، فتحت.
العراق، هذه البلاد، هذه البلاد بها شعوب، وكانوا نصارى. هؤلاء لم ينقادوا للإسلام مباشرة، إنما دخلوا تدريجياً في الإسلام. كيف ذهبوا في الإسلام؟ بالقوة؟ القوة غير موجودة في الدين، أي في إدخال الإسلام أو في إجبار الناس، لا إكراه في الدين، ديننا يمنعنا من إجبار الناس على الدخول فيه. لا إكراه في الدين، لكن ديننا يأمرنا بأن نبلغ الرسالة، وأن نقشع جميع الحواجز عنها. الصحابة فتحوا البلاد.
ثم هؤلاء الفاتحون هم الذين حكموها، هؤلاء هم الذين حكموها. نفس أصحاب هذه البلاد هم تعودوا على النصارى، اعتادوا على الظلم، على البغي، على الفجور، على الطغيان. ثم لما جاء هؤلاء نظروا إليهم بصورة مختلفة، كيف هؤلاء الحكام لا يظلمون؟ ولا يفجرون، ولا يأخذون أموالنا عنوة، ولا يفعلون كذا وكذا، وكيف هذا الشيء؟
فرأوا إلى هذه الأخلاق العظيمة التي رباهم النبي عليه الصلاة والسلام عليها. فانقادوا طوعاً إلى الدين، وبدأوا يذوبون في الإسلام، ويذوبون حتى عم الإسلام هذه البلاد. وأصبحت هذه البلاد بعد ذلك هي موطن الخلافة الإسلامية، فخلافة بني أمية كانت في الشام، وخلافة بني العباس كانت في العراق.
فأصبح هؤلاء أهل هذه البلاد من أهل الإسلام، وقامت المعارك العظيمة، وبدأت هذه البلاد تصدر علماء، وتنتج أهل الخير والصلاح، وهذه البلاد هي التي حملت الإسلام بعد ذلك. وأصبحت قوة الإسلام بها، وما زالت هذه البلاد تحمي الإسلام، وهي أصبحت بعد ذلك هي من أقوى البلدان التي تحمل الإسلام.
حتى الغرب لما قسم البلدان الإسلامية قسمها إلى ثلاثة أقسام. القسم الأول جزيرة العرب بما فيها اليمن مع مصر والعراق والشام، هذا أصبح قوة الإسلام هنا، ثم بعد ذلك يكون أضعف فأضعف. لماذا هذا كله؟ لأن هذه بلدان بلدان هذا السر أن هذه البلدان حكمها الصحابة.
تقول لماذا ما أصبح الإسلام قوي في تلك البلاد مثل قوته في الشام أو العراق؟ أقول لك الصحابة هم الذين حكموها، والصحابة هم الذين فتحوا. تقول لي كيف؟ أقول لك الصحابة هم الذين قرروا الإسلام في نفوس هؤلاء الناس الذين كانوا بها حتى استقر الإسلام فأصبح الإسلام الفطري قوي فيها، كما أن الإسلام في الجزيرة كان عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام عن الصحابة، فلذلك أصبح الإسلام قوي فيها.
من الصعب أن يتم تغيير الشعوب تغيير جذري، صعب جداً، خاصة الشعوب التي تمكن الإسلام منها، التي تمكن الإسلام منها تمكن قوي، هذا لا يمكن تغييره بسهولة، إنما يحتاج إلى جهد. هذا التدين الفطري التدين الفطري أقوى من التدين المتعلق بالدعوة العارضة، أقوى بكثير. التدين الفطري يكون على مر القرون، على مر السنوات الطويلة، هذا صعب اجتثاثه، وصعب جداً تغييره.
فالقصد من هذا أن هذه البلدان حكمها الصحابة، فلما حكمها الصحابة وتتابع بعد ذلك العلماء أصبحت الخلافة بها، أصبحت هي بلاد الإسلام. حتى أن في العراق في القرن الثاني، في القرن الثاني أصبح عامة علماء الإسلام في العراق، نصف علماء الإسلام كانوا في العراق، نصفهم. واثنان من الأئمة الأربعة هم في العراق؛ أبو حنيفة وأحمد بن حنبل. وعامة علماء الحديث الذين تقرأون سيرهم في كتب التراجم في القرن الأول والثاني والثالث كانوا في العراق.
فتمكن الإسلام تمكن عظيم. طيب هذا منين كله أتى؟ أتى من ابن مسعود، أتى من سلمان الفارسي، أتى من حذيفة بن اليمان، هؤلاء الذين فتحوا البلاد وحكموها، هؤلاء هم الذين بثوا هذا الخير حتى أصبح هؤلاء بهذه الطريقة، حتى أصبح هؤلاء بهذه الصورة وبهذه الطريقة.
فالقصد من هذا الكلام كله أن سلمان رضي الله عنه هو ذاك الممتثل للإسلام. هذه الوقفة الأخيرة، كان ممتثل للإسلام بنفسه، وهذا الامتثال نفس العالم، نفس القائد، نفس الحاكم لما يكون هو نفسه ممتثل للدين قبل غيره، يعني هو يدعو الناس بفعله قبل أن يدعوهم بقوله، هنا الناس يتأثرون، هنا الناس ينقادون، هنا يتمكن الكلام من القلوب والنفوس، أما قبل ذلك ما يكون تمكن قوي، يكون تمكن عارض.
غير ذلك الله سبحانه وتعالى يبارك بهذا الشيء، والعبرة كلها بالبركة، العبرة كلها بالعطاء الإلهي، العبرة كلها بحفظ الله سبحانه وتعالى وتمكين الله سبحانه وتعالى لدينه. الله يبلغ عن هؤلاء، الله سبحانه وتعالى يبلغ عن هؤلاء الدين، ويصنع لهم الله سبحانه وتعالى ما لا يستطيعون صنعه، ويدبر الله سبحانه لهم ما لا يستطيعون تدبيره.
لذلك أختم هذه القصة بقولي: اصدق مع الله سبحانه وتعالى، يدبر الله سبحانه وتعالى أمر الدين لك، اصدق مع الله فقط، اصدق مع الله، وقل: يا ربي أنا لا أريد إلا الذي تريد. ثم لما تأتي الاختبارات أثبت صدق هذه الإرادة، واستعن بالله سبحانه وتعالى بها، هنا الله سبحانه وتعالى يصنع لكلماتك ولأقوالك ولمشاريعك ولأفعالك ما لا يمكن أن تعرفه، وقد يكشف لك شيء منها، وأشياء كثيرة ما تكشف لك.
كم من الناس، من العلماء، من الصالحين ماتوا وما كان يخطر في بالهم بأن علومهم تنتشر بهذه الطريقة، وأن علومهم سيفتح لها بهذه الصورة، ما كانوا يتصورون ولا يخطر في بالهم، لماذا؟ لأنهم صدقوا مع الله. الله سبحانه وتعالى تكفل بحفظ هذا التراث، تكفل بحفظ هذا الدين. لذلك كان أهم من تقديرك لنفسك، واهتمامك المبالغ فيه بأمور التقدير، اهتم بتوجيه قلبك لله سبحانه وتعالى، واحرص أنك ما تقول كلمة ما يحبها الله سبحانه وتعالى، ولا تفعل فعل ما يحبها الله سبحانه وتعالى.
هذا أعظم بكثير من نفس التقدير الذي تظنه أعظم، والإسلام له حسبة، له تقدير، ولما تدخل في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، تقول للشخص الباحث عن تقدير الإسلام وموازنات الإسلام ستعرف هذه المعاني، وستعرف أن الدعاء وأن الصلاة وأن نفس الامتثال وأن بقدر ما تستطيع هذا هو المراد.
هذا بعض ما يتعلق بهذه الكلمة وهذه القصة الجميلة والعظيمة قصة عمر رضي الله عنه وأرضاه، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري