دخولتسجيل الدخول

العيش مع الصحابة 11 | أسامة بن زيد رضي الله عنه

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاي خطاكم.

نكمل هذه السلسلة المتعلقة بصحابة النبي عليه الصلاة والسلام. ومثل ما ذكرنا لكم في المجالس الماضية، القصد من هذه السلسلة هو النظر إلى تربية النبي عليه الصلاة والسلام، وفهم الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم للدين؛ وليس القصد من هذه السلسلة العرض التاريخي المجرد لسيرة الصحابي، إنما القصد منها هو استنطاق هذه السيرة والنظر إلى معالم الإسلام وطريقة صنع الإسلام لهذا الجيل الفريد الذي أبهر الناس، وأصبح هذا الجيل هو أفضل جيل وجد على وجه الأرض.

اليوم بإذن الله سيكون معنا قصة صحابي جليل، هي قصة الصحابي أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنه وعن أبيه. هذا الصحابي الجليل كان النبي عليه الصلاة والسلام يحبه، وأحب النبي عليه الصلاة والسلام وابنه, فكان النبي عليه الصلاة والسلام يحبه، وكذلك يحب والده زيد بن حارثة رضي الله عنه وأرضاه.

أسامة بن زيد ولد في مكة، أي لم يعش عيشة الجاهلية، إنما ولد في الإسلام، ووالده زيد بن حارثة هو أول مولى أسلم، وقيل: هو أول من أسلم على الإطلاق. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يفضله حتى على جماعة من أهل بيته. ولما جاءت معركة مؤته جعلها النبي عليه الصلاة والسلام هو القائد الأول, زيد بن حارثة رضي الله عنه وأرضاه، وسياتينا الحديث عنه إن شاء الله تعالى في المجالس القادمة إذا الله سبحانه وتعالى مد بالاعمار.

أسامة بن زيد صحابي صغير بالسن، ولكن الملفت للنظر أن هذا الصحابي أبرزه النبي عليه الصلاة والسلام في عدد من المواقف مع صغر سنه، وهذا الأمر ملفت للانتباه. يعني أسامة بن زيد المعنى الملفت للانتباه فيه جداً؛ تأميره على أبي بكر وعمر وعلى جماعة من الصحابة الكبار. فإذا قلنا أبو بكر وعمر فالبقيه لا شك بأنهم أقل من هذين الرجلين العظيمين، كيف يؤمر الرجل في سن الثامنة عشر على أبي بكر الصديق وعلى عمر الفاروق؟! هذا أمر يحتاج إلى وقفة حقيقية وإلى نظر عميق في سبب وسر اختيار النبي عليه الصلاة والسلام لهذا الرجل.

اختيار النبي عليه الصلاة والسلام أسامة بن زيد من الصعب جداً أن يطبقه الشخص بعد ذلك، وسيكون عنده تأولات كثيرة. بل هذا حتى في نفس زمان النبي عليه الصلاة والسلام، لما بلغ النبي عليه الصلاة والسلام بأن بعض الناس يطعنون في إمارة أسامة ولا يقبلون بها، فغضب النبي عليه الصلاة والسلام وصعد المنبر وقال: «إن يطعنوا في إمارته فقد طعنوا في إمارة أبيه من قبل». إذاً ليس الكل قابلاً بإمارة أسامة ولا بإمارة زيد، ومع ذلك أصر النبي عليه الصلاة والسلام بان يجعل زيداً هو القائد وأسامة هو القائد. لماذا هذا الإصرار مع أن القائد بالعاده يختار الشخص الذي يرضى الناس به؟ لكن هنا لم يقبل النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الاعتراضات. لماذا؟ لأن مصدر هذه الاعتراضات ليس دينياً إنما شخصي محض، أو نفسي – أحسن من كلمة شخصي -.

فكيف يكون زيد بن حارثة هو الأمير وكيف يكون أسامة هو الأمير؟! ولما مات النبي عليه الصلاة والسلام وكان قد عقد اللواء لاسامة بن زيد حتى يغزو بلاد الروم ويغزو شمال الجزيرة العربية، وكان تحته في سلطان أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وجماعة من كبار الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، لما مات النبي عليه الصلاة والسلام توقف جيش أسامة في أطراف المدينة.

واستأذن بعض الصحابة عمر الفاروق بأن يطلب من الصديق أن يعزل أسامة أول شيء، لا يبعث الجيش لأن الواقع تغير. فلم يقبل الصديق بذلك. ثم بعد ذلك طلبوا منه بأن يعزل أسامة، ولا يكون أسامة هو القائد إنما يكون قائد رجل آخر كبير في السن. فلما ذهب عمر ونقل – ليس عمر هذا رأيه إنما هو نقل كلام من طلب منه ذلك - غضب عليه الصديق غضب شديداً، وذهب أبو بكر وقال: استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم وتريد مني أن أغيره؟! وقال له ما قال، فرجع عمر رضي الله عنه وأرضاه وغضب عليهم.

إذاً، هنا إصرار النبي عليه الصلاة والسلام على استعمال أسامة بن زيد وجعل الصديق والفاروق تحت سلطان أسامة، هذا هو المدخل إلى معرفة نظام الإسلام في الإمارة، ونظام الإسلام في التوجيه، ونظام الإسلام في الصناعة. لماذا النبي عليه الصلاة والسلام أصر أن يكون أسامة بن زيد ابن الثامنة عشر أن يكون هو القائد على هذا الجيش؟ ما السر في أسامة؟! السر في أسامة بن زيد رضي الله عنه وأرضاه أنه قادر على قيادة الجيش، أي أن أسامة بن زيد يستطيع أن يسوس هذا الجيش وأن يقود هذا الجيش إلى النصر بإذن الله. أي أن أسامة بن زيد يملك هذه الموهبة، موهبة القيادة. وهذا المعنى المهم أن نستوعبه، القيادة موهبة وليست صناعة بالأصل، الصناعة تكون بعد الموهبة، يعني شخص توجد عنده أصل الموهبة ثم يطور هذه الموهبة ويعمق ويحسن من هذه الموهبة، لكن هي بالأصل قيادة – أسف - هي بالأصل موهبة، أسامة يملك هذا الشيء ووالده زيد يملك هذا الأمر، والنبي عليه الصلاة والسلام كان واثقاً من دين أسامة، ويقين أن هذا الرجل لا يجبن ولا يتزحزح ولا يتغير بإذن الله. فلذلك أمر عليه الصلاة والسلام هنا.

هذا المعنى الأول والذي يحتاج منا إلى أن نعيش معه كثيراً، فليست العبرة بما يقوله الناس، وليست العبرة بما يريده الناس، إنما العبرة بموافقة هذا الشيء لنفس الأمر. الله سبحانه وتعالى قص لنا قصة طالوت وجالوت في سورة البقرة، وفيها أن بني إسرائيل ذهبوا إلى نبيهم وطلبوا منه بأن يبعث لهم ملكاً نقاتل معه في سبيل الله، فاختار الله سبحانه وتعالى طالوت، فلم يقبل جماعة كبيرة منهم. لماذا؟ ليس صاحب نسب، ليس من فرع الملوك، إذن ما يصلح أن يكون هو النبي وما يصلح أن يكون هو القائد! طيب، من قال بأن القائد لابد أن يكون صاحب نسب؟ إذن ما علاقة النسب بالقائد؟

كذلك هنا، الإسلام يريد أن يقر نظامه، النبي عليه الصلاة والسلام كان يريد أن يقر نظام الإسلام عند هذا الجيل - أشرف جيل - حتى بعد ذلك ينقاد الناس إلى هذا النظام. ليست العبرة بكون هذا الشخص ابن فلان، ليست العبرة بأن يكون هذا الشخص الناس معه، لا، إنما العبرة أن يكون هذا الإنسان قادراً على أن يسد هذا المسد – حتى لو وجد شخص آخر غير أسامة بن زيد يصلح لهذا الأمر نريد أسامة - لماذا؟ حتى يعرف الناس بأن صاحب الموهبة أو صاحب القدرة بمعنى أدق هنا أولى من غيره في هذا المكان، فلا ناتي بشخص لا يملك ولا يستطيع ولا يعرف مع وجود من يستطيع ويعرف ويقدر ونؤمره هذا المكان، هذا خطأ، إنما نجعل نفس القائد هو الذي نجعل كل شخص في المكان المناسب من القوي الأمين أسامة بن زيد.

إذاً، نجعل أسامة بن زيد هو القائد في هذا المكان، من الذي يملك القوة؟ من الذي يملك القدرة؟ هذا هو نظام الإسلام، من الذي يملك القدرة أن يسد هذا المسد؟ فلان، إذن نضع فلاناً. طيب، البقيه لا يريدونه، لماذا ما يريدونه؟ ما السبب؟ ما السر؟ هل عندهم سبب معتبر أو لا؟ إذا كان سبباً معتبراً ممكن، وإذا لم يكن معتبراً لا.

طيب، هذا الكلام بإطلاقه؟ أقول: لا، ليس بإطلاقه، كيف يعني؟ الأمر إذا كانت هناك سعة في عدم تأميره ممكن، وإذا خشينا بأن الناس لن تقبل به وسيصنعون ثورة مثلاً نعم ممكن أن يعزل هذا الأمير ويجعل أمير آخر يستطيع أن يسوس الناس، ممكن. لكن فرق – وركزوا معي جيداً في هذا الكلام - بين حالتين اثنتين: بين نفس إقرار النظام، وبين نفس التكيف مع الواقع أو التعامل مع الواقع وفق الضغط الموجود فيه. فرق بين هذا وبين هذا، فرق كبير جداً، فرق بين أناس يريدون نصر الإسلام وضحوا وبذلوا، هؤلاء ما يقبل منهم تأولاتهم، لماذا؟ لأن هؤلاء ينبغي أن لا يتأولوا أصلاً، إنما هؤلاء يفرض عليهم الأمر ويفعلون وينقادون له، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يعرف بأن الصحابه سينقادون ولن تؤثر بهم، وهذه تربية لهم، كذلك كانت تربية لهذا الجيل بأن الذي يطعن بإمارة أسامة سبب الطعن نفسي، إذاً هذا النفسي لابد أن يتربى هذا الإنسان وسنجعل أسامة ولن نزيل أسامة ولن نغير أسامة.

بخلاف الذي صنع عمر بن الخطاب لما عزل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، سعد وهو بالعشرة المبشرين بالجنة ويعزل من العراق، يعزل من العراق لماذا؟ لأن أهل العراق لا يريدونه أو طعن به بعض أهل العراق. طيب، هل عزل عمر هنا لأنه اقتنع بما يقول أهل العراق فيه؟ لا. إذاً لماذا عزل عمر بن الخطاب؟ عمر بن الخطاب عزله رضي الله عنه وأرضاه حتى يستقر الأمر، وأهل العراق ليسوا هم الصحابة في المدينة، فهنا الأمر يكون مختلفاً، هناك لا يكون فرضاً لأن المجموعة مختلفة.

حتى أقرب لكم الصورة: الخطاب في مكة للصحابة ما كان فيه مراعاة، لماذا؟ لأن هؤلاء هم الذين سيحملون الإسلام على أكتافهم، فالمراعاة ما تكون كبيرة معهم، متى تكون المراعاة؟ لما يصل الأمر إلى مداه: «صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة». قبل ذلك، ألا يغضب النبي عليه الصلاة والسلام لما يطلبون منه الدعاء؟ طيب، لماذا؟ لأن هؤلاء ينبغي أن يصبروا: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَٰكِن قَسَت قلوبهم﴾ [الأنعام: 42-43]، أو كما قال: «ولكنكم قوم تستعجلون» أو «كان الرجل فيمن قبلكم». هذا الخطاب كذلك ها هنا.

لما يأتي لما يؤمر النبي عليه الصلاة والسلام أسامة بن زيد وهو يصلح الإمارة، خليق للإمارة، يقدر عليها، إذن لماذا ما تقبلون به؟ ما هو سبب عدم القبول؟ سبب عدم القبول أنه ابن زيد، ليس صاحب نسب شهيد وعالي. عندكم هذا غير معتبر في الإسلام: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. لا يبالي النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الاعتراضات، ولا يبالي الصديق بهذه الاعتراضات، ويصر بأن يبعث جيش أسامة، ويبعث جيش أسامة حتى تتم التربية للمجتمع المسلم كله، ويعرف الناس بأن صاحب الموهبة، صاحب القدرة، القوي الأمين هو الذي يؤمر في هذه المواطن، وهو الذي يستحق أن يكون بهذه في موطن القيادة.

وكذلك يربى البقيه بأن هذه الاعتراضات ليست إيمانية، إذن لن نقبلها، لن نقبلها. ويستجيبونهم في النهاية، ويستجيبون، لماذا؟ عندهم إيمان، فالايمان يقوى على النفس، لما يتصارع الايمان مع النفس الايمان هو الذي يقوى وليس النفس. بخلاف البلدان التي فتحت بعد ذلك الأمر كان مختلفاً وممكن ألا يستجيب، وممكن الحكم ما يتم تثبيته ولا يوطد، فهنا تكون مسألة مسألة المصالح والمفاسد، ويقدر الوالي والحاكم المصلحة والمفسدة في هذا الأمر، فيمكن يعزل شخص ويجعل آخر مكانه وإن كان أقل منه من أجل مصلحة أعظم وهكذا، ممكن هذا الأمر يحدث بخلاف الأمر الأول.

أتمنى أن تكون هذه الوقفة واضحة وبينة. لماذا أقول هذا الكلام؟ أقول هذا الكلام لأن حتى في المحاضن التربوية عندنا، حتى في المراكز العلمية، حتى في الأنشطة الدعوية، لابد أن نفهم هذا الشيء، وأن شخصاً قد يكون قديماً وأكبر في السن لكن يأتي آخر صغير بالسن يكون أفضل منه ويملك الموهبة، لا يجد في نفسه حرجاً، أن كيف يكون هذا العمر كذا وكذا يكون أميراً علي؟ هو أمير لأنه يصلح أن يكون أميراً. والوالي أدنى إلى الفتنة، لماذا تعلقت بالإمارة ولماذا اعترضت عليه؟ اعتراضك لسنه غير معتبر في الدين، اعتراضك لنسبه غير معتبر في الدين، وهذا الكلام مع من؟ مع هذه المجموعة التي تريد أن تنصر الإسلام.

إذاً، هنا ما يقبل مثل هذه الاعتراضات، وهذه والله من أكبر مشكلات التيار الإسلامي، أن شخصاً يكون كبيراً في السن وخلاص ما يقبل أي شخص أصغر منه، أو يكون هو قديماً في الدخول في العمل، وياتي شخص جديد بعد بسنوات في المشروع مثلاً أو في العمل ويكون أفضل منه بكثير في سد هذا المسد ما يقبل. لماذا؟ لأنه هو أكبر، فما يصل العمل إلى النتيجة إلى النتيجة العالية، لماذا؟ لأن نفس القائمين على العمل ما تجردوا التجرد الكافي، ولا تعاملوا مع العمل التعامل الذي يحب الله سبحانه وتعالى.

خالد بن الوليد متى أسلم؟ متأخراً في السنة السابعة من الهجرة، أصبح قائداً على الجيوش الإسلامية وتحته العشرة المبشرون بالجنة، وفتحت البلدان لأن صاحب موهبة، صاحب قدرة، يستطيع بإذن الله، هكذا هو نظام الإسلام. لو خالد ما أصبح القائد، لو خالد بقي هكذا لأنه أسلم متأخراً إذاً خلاص ما يصبح القائد فقط يكون تابعاً، هل ستفتح بلاد الشام؟ هل ستفتح بلاد العراق؟ لن تفتح بنص الصديق رضي الله عنه وأرضاه، فالصديق فتح العراق بسيف خالد وقيادة خالد، وكذلك فتح الشام بقيادة خالد، مع أن هناك أفضل من خالد بالديانة، لكن ما استطاعوا، لماذا؟ موهبة قدرة والله تعبدنا بهذه الطريقة.

نعم، هناك شق متعلق بالإخلاص والبركة هذا قطعاً، وخالد لا يستطيع أن ينتصر من غير وجود الإيمان مستحيل، بل خالد أصلاً عجز في كثير من المعارك، وهذا لابد أن يحدث أن نصل إلى النهاية لكن بعد ذلك يأتي قدر الله سبحانه وتعالى الغالب بعد ما نبذل الذي نستطيعه، فخالد يعتبر ضمن حد الاستطاعة، وكذلك هنا أسامة.

فتحرير النبي عليه الصلاة والسلام لأسامة له عدة مقاصد فيما يظهر لي والله أعلم منه؛ بيان أن هذا الرجل يصلح، إذاً السن غير معتبر، السن غير معتبر.

السن غير معتبر دائما. لا نأتي ونقول دائما السن، السن لا، السن ليس معتبر. الله سبحانه وتعالى قال عن الكفار، بأنهم... قال عن إبراهيم عليه السلام: سمعنا فتى يذكرهم. قاله إبراهيم وهو على صواب وهو فتى، وكلهم على خطأ. وغير كان عمر إبراهيم هنا في سن السادسة عشر عليه السلام. فالسن ليس خطأ، قد يكون سببا نعم، ولكن ليس هو خطأ أحدثه الشاب بالضرورة أن يكون هو مخطئ. لا، لا، قد لا يكون مخطئ، قد يكون حق معه.

وهنا أسامة قائد عسكري، وهو يملك الموهبة والقيادة مثل ما ذكرت. بالاصل غريزية، بالاصل هي موهبة غريزية. والذي يدل على أن أسامة ليس كغيره من الأشخاص، وهذا موجود ونراه لكن قليل. أنا ما رايت في حياتي إلا قلة، افراد معدودين يعني في الحلقات وفي المراكز، الشخص لما يبلغ، في قسم من الناس يفز هكذا ب... يعني يفرق كثير عن أقرانه.

وهذا نادر لكن موجود. أسامة من هذه الشريحة بل من الذروة من هذه الشريحة، بدليل أن النبي عليه الصلاة والسلام استشار في حادثة الإفك. والله هذا... يعني هنا استشارة النبي عليه الصلاة والسلام أسامة بن زيد، بماذا؟ بموقف مثل هذا! استشار علي واستشار أسامة. طيب، الان لما استشار النبي عليه الصلاة والسلام علي بن أبي طالب أمر واضح وبين. طيب، استشارته لأسامة بن زيد كيف؟ كم عمر أسامة في حادث الإفك؟ حادثة الإفك على المشهور بينها كانت في السنة السادسة من الهجرة، وأسامة مات النبي عليه الصلاة والسلام وعمره ثمانية عشر عاما، عمر أسامة. طيب، هنا في السادسة عشرة... يعني ومات في السنة الحادية عشرة، خمس سنوات.

خمس سنوات هذه يعني كان عمر أسامة في السن الثالث عشر أو الرابع عشر. طيب، الآن في الثالث عشر أو الرابع عشر يستشيره في مثل حادثة الإفك؟ لماذا هنا الاستشارة؟ إذا هذا الإنسان عنده قدرة أن يبدي رأي، وأبدى رأي، وكان مع أم عائشة وبرا عائشة قبل أن يبر الله سبحانه وتعالى. وكان هذا رأي كذلك والدته.

من والدة أسامة بن زيد؟ تنصدمون إذا عرفتوا من والدة أسامة؟ أسامة هذا... هذا الفتى، كيف خرج؟ والده زيد بن حارثة. طيب، من والدته؟ والدته هي أم أيمن بركة الحبشية، حاضنة النبي عليه الصلاة والسلام. هذه والددة أسامة بن زيد، وأسامة والده زيد بن حارثة، والدته أم أيمن رضي الله عنها وأرضاها، وستكون عندنا وقفة إن شاء الله تعالى مع هذه الصحابية الجليلة العظيمة، عظيمة القدر، كيف أنها جاءت مع أبرهة، ثم بقيت في مكة، وأصبحت في سهم عبد الله بن عبد المطلب والد النبي عليه الصلاة والسلام، وكيف كانت مع النبي عليه الصلاة والسلام في صغره وكانت هي حاضنة النبي عليه الصلاة والسلام، وشرفت بهذا الشرف العظيم أم أيمن الصحابية الجليلة رضي الله عنها وأرضاها. وبعد ذلك شرفت بالزواج من زيد بن حارثة مولى النبي عليه الصلاة والسلام، وأصبحت أما لهذا الرجل العظيم أسامة بن زيد.

فالقصد من هذا، أن هنا أسامة رضي الله عنه وأرضاه استشاره النبي عليه الصلاة والسلام في حادث الإفك. تصوروا يا إخوان الآن تكون عندك هكذا موقف عصيب مثل هذا، تذهب إلى مستشارين كبار أسريين، ويأتيك شخص يقول لك: استشر شخص عمره 13 عاما أو 14 عاما، ايش تقول؟ مستحيل، كيف هذا؟ فعله النبي عليه الصلاة والسلام. طيب، لماذا فعله؟ لأن هذا الإنسان مختلف. يعني ايش؟ يعني هذا صح أنه عمره 13 أو 14، لكن ليس عقله عقل ابن 13 أو 14. ومثل ما ذكرت لكم، بعض الأشخاص، وهذا نادر ورايت في حياتي لكن قليل، تكون فزته مختلفة، يعني بلوغه ينقل نقلة سريعة فيكون هو في سن صغير، ولكن عقله وتفكيره وتصرفاته كأنه عمره 40 سنة. هذا يكون، وقليل لكن يكون.

ومثل هذا مثال أسامة. مثالها كذلك عتاب بن أسيد، لما استعمل النبي عليه الصلاة والسلام وجعل أميرا على مكة، وهو شاب صغير. على من؟ على مكة، لماذا؟ يصلح. فالسن هنا... نعم ما تكون معه خبرة، ولكن الشخص قد يكون عنده هكذا مزية يسد، أو الخبرة يكون... لما تكون عنده خبرة يكون أعلى من هذا بكثير، يعني هو في هذا السن يستطيع أن يحصل أشياء كثيرة ويكون عقله أوفر وأعلى بكثير من غيره، فلما يستشار يعطيك ويفيدك. أسامة من هذه الشريحة القليلة من الناس، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام استعمل أسامة وأمر أسامة، فإذا كان يستشير في حادثة مثل هذه كبيرة وهو في سن الرابعة عشرة أو الثالث عشر، فكيف بتأميره في سن الثامن عشر؟ واضح هذا الأمر.

فالقصد أن أسامة بن زيد رضي الله عنه وأرضاه اعتنى به النبي عليه الصلاة والسلام، وكان يحبه عليه الصلاة والسلام محبة عظيمة، وكان هو حب النبي عليه الصلاة والسلام. ولما وقع وسقط وخرج الدم من وجهه، قام النبي عليه السلام بنفسه وغسل أسامة، وأمر عائشة كذلك بأن تغسل وجه أسامة بن زيد، وكان النبي عليه السلام يجلسه على فخذه ويجلس الحسن كذلك، ويقول: «اللهم إني أحبهما فأحبهما»، كما يروى عنه عليه الصلاة والسلام. وكذلك اعتنى النبي عليه الصلاة والسلام بتربيه أسامة، وتوجيه أسامة، فأسامة كان قريب من بيت النبي عليه الصلاة والسلام، وكان يقال عنه لما كان في مكة أنه حفيد النبي عليه الصلاة والسلام ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان زيد بن حارثة يقال عنه بأنه زيد بن محمد قبل أن ينسخ الله سبحانه وتعالى أحكام التبني في سورة الأحزاب، وأسامة بن زيد، فكان يقال: أسامة بن زيد بن محمد.

أسامة بن زيد بن محمد، إذا هو قريب جدا من بيت النبوة، هو قريب جدا من بيت النبوة، والنبي عليه الصلاة والسلام هو الذي يزوج زيد، وهو كذلك الذي زوج أسامة. فلما جاءت فاطمة بنت قيس إلى النبي عليه الصلاة والسلام واستشارته في الزواج من معاوية ومن أبي الجهم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «انكحي أسامة». فقالت أسامة... كأنها... يعني تعجبت، ثم قالت: سمعا وطاعة لله ورسوله عليه الصلاة والسلام. ثم بعد ذلك اخذت تثني على أسامة، فاختار النبي عليه الصلاة والسلام لها أسامة بن زيد، ولم يخطر لها معاوية ولا الرجل الآخر أبو الجهم. إذا هذا يدل على أن أسامة يصلح أن يكون زوج لهذه المرأة، وأن هذه المرأة ستشعر بزواجها من أسامة، ونفس النبي عليه وسلم هو الذي يسعى في تزويج أسامة، وهذا نفسه... يعني تزويج النبي عليه وسلم لبعض الصحابه... أتصور من هذا كذلك يحتاج إلى وقفة، لماذا بالذات... يعني زيد وأسامة وجليبيب؟ كان النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي يسعى في تزويجهم، ويختار لهم من يتزوج منهم. هذا أتصور بأن هذه كذلك تحتاج إلى وقفة.

القصد من ذلك أن هنا النبي عليه الصلاة والسلام أمر فاطمة بنت قيس بأن تتزوج من أسامة بن زيد، وأنه يصلح أن يكون زوجا لها رضي الله عنه وأرضاه، وهذا يدل على كبر عقله. فكم كان عمر أسامة لما زوجه النبي عليه السلام؟ إذا كان سنه لما مات النبي عليه وسلم في سن 18، وقبل ذلك... فالقصد أن أسامة بن زيد رضي الله عنه كان رجل وافر الرجولة، ولم يمر بمرحلة المراهقة التي... يعني التي هكذا الناس يعني وسعوا كثيرا من الحديث حول المراهقة، فأسامة ما كانت عنده المراهقة قوية، إنما انتقل مباشرة، فأسامة من الشباب المميزين، هو نعم في سن صغير، ولكن أكبر بكثير من سنه الذي هو فيه.

لذلك النبي عليه الصلاة والسلام ما فرط بهذه الموهبة، ما فرط. وهذه عبقرية النبي عليه الصلاة والسلام، فما كان النبي عليه وسلم يفرط بأي شخص يلتمس أن عنده قدرة على شيء معين، وكل إنسان ينظر إلى موهbته ويوجه إليها مباشرة. فزيد بن ثابت صاحب موهبة كبيرة بالفهم والعقل والحفظ والتعلم، إذا يؤمر زيد بأن يكون من كُتّاب الوحي، وزيد يكون كذلك من يتعلم السريانية. وهكذا، معاذ بن جبل كذلك صاحب ذهن قوي وعالي، فيأتي النبي عليه وسلم المدينة وينظر لهذا الغلام الصغير في السن ويملك هذه الموهبة العقلية، إذا يقرب النبي عليه وسلم منه ولا يفرط به، ويعلمه في لحظات الانتقال: يا معاذ بن جبل، يا معاذ بن جبل، اتدري ما حق الله على العباد؟ الله ورسوله أعلم. وهكذا يبدا يعلمه عليه الصلاة والسلام، ويصنعه، ويصنعه من أن وقت النبي عليه وسلم ضيق، لكن كان لا يفرط بالثواني، ويعرف عليه الصلاة والسلام من يعطي هذا الكلام وكيف يصنع هذا الشخص.

أسامة كان من أقرب الناس إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكان يحبه عليه وسلم محبة عظيمة وكبيرة، وكان يختار له زوجته، وكذلك يستشيره، وكذلك هنا يؤمره. أسامة صاحب موهبة مثل ما ذكرت. ولما أخطأ أسامة، انظروا الآن إلى تربية النبي عليه الصلاة والسلام لأسامة: بعث النبي عليه الصلاة والسلام أسامة بن زيد مع جماعة من الصحابه إلى الحُرَقَة من جهينة، قال أسامة: فصبحنا القوم فهزمناهم، فلحقت أنا ورجل من الأنصار من الأنصار رجلا منهم. قال: حتى وصل هذا الشخص إلى شجرة، قال: وحمل الأنصاري عليه وحملته عليه، قال: فلما دنونا منه، قال: لا إله إلا الله، أو قال: أسلمت لله، قال: فكف عنه الأنصاري، فطعنته برمحي حتى قتلته. ثم رجعنا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فذكر له الأنصاري ما وقع، فغضب النبي عليه الصلاة والسلام غضبا شديدا وقال: يا أسامة، أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ قال: قلت يا رسول الله، إنما كان متعوذا، أي قال هذه الكلمة حتى يحمي نفسه. قال: يا أسامة، أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ قال: قلت يا رسول الله، إنه قد قتل فلان وفلان وفلان. قال: يا أسامة، أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله، إنما كان متعوذا. قال: هلا شققت عن قلبه حتى تعرف أقالها أم لا؟ قال أسامة: يا رسول الله، استغفر لي! يا رسول الله، استغفر لي! وقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ماذا تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ ماذا تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ قال: يا رسول الله استغفر لي.

وكان أسامة يقول: وددت أني لم أسلم إلا قبل ذلك اليوم، من شدة معاتبة النبي عليه الصلاة والسلام له. المعاتبة بهذه الطريقة كانت مقصودة، لماذا؟ حتى ما يتساهل أسامة، حتى ما يتساهل، هو شاب متحمس، فانتبه يا أسامة أن تقتل أحدا يقول لا إله إلا الله. هذه الكلمة أثمرت، أثمرت في حياة أسامة أنه لم يقاتل أي شخص يقول لا إله إلا الله، لذلك لما دعاه علي رضي الله عنه وهو قريب من علي، هو قريب من آل البيت أسامة بن زيد، فلما دعا علي لم يذهب، وقال: يا أبا الحسن، والله لو كنت في شدق الأسد لأحببت أن أكون معك فيه، ولكن هذا أمر لم أره.

فكان علي رضي الله عنه وأرضاه يقول: لله در أسامة! لله در أسامة! إن كان خطأ فهو صغير، وإن كان صواب فهو كبير. فالقصد أن أسامة بن زيد رضي الله عنه وأرضاه لم يقاتل بعدما قال له النبي عليه السلام هذه الكلمات: أحد يقول لا إله إلا الله، فلم يقاتل أحدا يقول لا إله إلا الله. وسيرة أسامة بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام لم تكن كثيرة ولا كبيرة، إنما كان الظاهر على أسامة رضي الله عنه وأرضاه بأنه كان قريب من الصحابة في المدينة، فكان أسامة رضي الله عنه وأرضاه قريب من عمر، وكان عمر إذا لقيه كما يروى، كان يقول: مرحبا بأميري، فكان يسميه بالأمير.

وكذلك في زمان عثمان، لما عثمان كثر الناس، كثرت الانتقادات عليه، واخذ الناس يذهبون إلى أسامة ويطلبون من أسامة أن يدخل على عثمان، فكان أسامة يغضب عليهم ويقول: أترون بأني لا أنصحك؟ فكان أسامة يدخل على الأمراء، وكان قريب من الخلفاء، قريب من أبي بكر وقريب من عمر وقريب من عثمان وكذلك قريب من علي، فكان علي يحبه محبة عظيمة، وكان هو مثل ما ذكرت قريب من آل البيت. وبعد ذلك أسامة انتقل إلى الشام، وعاش في منطقة المزة في سوريا في دمشق، ثم بعد ذلك انتقل إلى وادي القرى، ومات رضي الله عنه وأرضاه في سنة... في سنة 54. وكان أسامة يكثر من الصوم، فكان أسامة بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام يكثر من العبادة، فكان يكثر من الصوم حتى لو كان... إذا أفطر في شوال، يصوم شوال، يفطر أول يوم العيد ثم بعد ذلك يبدا ويصوم، ويكثر من الصوم، وكذلك كان أسامة رضي الله عنه وأرضاه يكثر من العبادة. وكذلك كان يكثر من التحديث، فروى عن أسامة جماعة كبيرة من الصحابة، وكذلك من كبار التابعين، فكان أسامة رضي الله عنه وأرضاه يتعبد الله سبحانه وتعالى بمثل هذا النوع من العبادات، ولم يقاتل المسلم، فلما جاءت الفتنة كف أسامة واعتزل مع من اعتزل، مع سعد بن أبي وقاص، وكذلك عبد الله بن عمر، محمد بن مسلمة، اعتزلوا المشهد حتى استقر الأمر بعد ذلك لمعاوية، ولم يدخل في هذا الباب، ونفعته كلمات النبي عليه الصلاة والسلام وتربية النبي عليه الصلاة والسلام لأسامة.

إذا، هذا بعض ما يتعلق بسيرة هذا الصحابي الجليل الذي كان النبي عليه السلام يحبه ويظهر حبه، حتى أن عمر الفاروق رضي الله عنه وأرضاه كان إذا أعطى الصحابة من الفيء

كان يعطي أسامة ثلاثة آلاف وخمسمائة، ويعطي عبد الله بن عمر ابنه ثلاثة آلاف. فكان ابن عمر يقول: لماذا يا أبتِ؟ ولم يشهد أسامة مشهدًا لم أشهده، ما سبقني أسامة إلى مشهد قط.

فرد عليه عمر بكلمات عظيمة تدل على ديانة هذا الرجل العظيم رضي الله عنه وأرضاه، فقال: إن أسامة كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك. يعني كان حب أسامة شهيرًا، ويعرف الصحابة منزلة أسامة عند النبي عليه الصلاة والسلام. فقال: إن أسامة كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، وإن والد أسامة كان كذلك أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك. والذي يحبه النبي عليه الصلاة والسلام يقدم على الذي يحبه.

فكان يعطيه هذه الزيادة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قدم عليه. هذا من تمام الإيمان بقول الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: 6]. وعمر هو الذي قال له: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي! قال: لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك. فقال: الآن يا عمر.

فعمر كان يعيش مع هذا الحديث ويعيش مع هذه الآية، فكان يقدم ويقرب الذي يحب الله سبحانه وتعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام على الذي يحب نفس الإنسان. ومثل هذه الأمور ما يعني هذه الأشياء عادة ما يراها الإنسان؛ يعني نفس السن نفس العمر، إذا لماذا أفضل هذا على هذا؟ يعني حتى لو ما فضلت ابنك، تساوي.

لا، عمر ليس بهذه الطريقة، فكان يقدم، حتى سبحان الله هذه أمور دقيقة ما يعني ما يراها الشخص إلا بإيمانه، ما يراها الشخص إلا بإيمانه رضي الله عنه الفاروق وأرضاه. وكذلك عن أسامة بن زيد وعن بقية الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم.

إذا، هذا بعض ما يتعلق بهذه الكلمة وهذه القصة الشريفة، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.