دخولتسجيل الدخول

العيش مع الصحابة 10 | أبو عقيل الأنصاري رضي الله عنه

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاي خطاكم. معنا في هذا المجلس صحابي جديد من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وستكون الكلمة حول صحابي من الصحابة الذين لا يعرفهم أكثر الناس، ألا وهو أبو عقيل البلوي الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه.

هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه لم يبرز من سيرته في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلا موقفين اثنين، وكان قد شهد المواقف كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما تقرؤون في كتب السيرة بأن هذا الرجل شهد جميع المواقف مع النبي صلى الله عليه وسلم، فشهد العقبة وشهد بدراً وأحداً والخندق والحديبية وكذلك غزوة تبوك، فهذا هو المقدم في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أي هذه الكلمة الشريفة لم ينلها من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا قليل، بل أقل القليل. فمجموع من شهد بدراً أحد وثلاثون، وهذا عدد قليل جداً بالنسبة لمجموع الصحابه الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم.

أبو عقيل الأنصاري هو أحد هؤلاء، أبو عقيل هو أحد هؤلاء الأصحاب الاجلاء الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وصدقوا بدعوته. وذكرنا في عدد من المجالس بأن ميزة الصحابة الكبرى المبادرة وكذلك التسليم وكذلك سرعة الاستجابة، فالصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم كانوا يتنافسون بتحقيق هذه المعاني القلبية، لذلك الله سبحانه وتعالى عظم من شأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى بلغوا ما بلغوا. فقد يأتي أناس بعد هذا الجيل الفريد وتكون عندهم عبادة أكثر، ولكن ما يصلون إلى ما وصل إليه هذا الجيل لصدق هذا الجيل ولقوة تمكن الإيمان في قلبه، فكان الواحد منهم يشعر بأنه مؤتمن على رسالة الإسلام، لذلك يضحي وبذل الغالي والنفيس حتى يثبت الله سبحانه وتعالى الصدق المذكور في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 23].

أبو عقيل الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه كان ممن آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وشهد بيعة العقبة، وكذلك شهد بدراً. ومعنى شهود العقبة وشهود بدر أي أن هذا الرجل كان من المبادرين، فشهود العقبة علامة على طهارة ونقاوة النفس، فالذي شهد العقبة مع النبي صلى الله عليه وسلم هم خيار الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم. وتعرفون بأن الإيمان دخل في قلوب الأنصار تباعاً، فبعض الأنصار آمنوا مباشرة، وبعضهم آمنوا بعد ما فشا الإسلام في الأنصار، وفرق كبير بين الذي يؤمن في البداية وبين الذي يؤمن بعد ما ينتشر الدين. نعم، الأنصار رضي الله عنهم كلهم معظَّمون، ولكن منهم من آمن بسبب من أسباب إيمان دخول الأنصار في الإسلام، وهذا مؤثر في طبيعة النفوس، لكن منهم من آمن كما آمن المهاجرون. لذلك ذكر ابن عباس رضي الله عنهما قال بأن من الأنصار مهاجرين، والمقصود بالمهاجرين من الأنصار هم الذين ذهبوا ورحلوا إلى مكة، أي الذين شهدوا بيعة العقبة، فهؤلاء أنصار وكذلك من المهاجرين لأنهم هاجروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، وهؤلاء هم علية الأنصار، ومن هؤلاء كان أبو عقيل الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه.

فهذا الرجل ممن هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن ينتشر الإسلام في المدينة النبوية وأن يعم الإسلام في المدينة النبوية، أي قبل أن ينتشر الإسلام في الأنصار. أي هذا الرجل كان من الأشخاص الذين تسببوا في نشر الإسلام في المدينة النبوية. ومثل ما ذكرت لكم، فارق كبير بين الذي يؤمن في البداية والذي يؤمن بعد ذلك، فالذي ينقاد في البداية هذا يدل على نقاوة نفس وعلى صفاء قلب، والاسلام يصيب قلوب الناس بقدر ما فيها من النقاء والصفاء، لذلك الله سبحانه وتعالى ذكر في كتابه العظيم مثل الإيمان وقلب المؤمن قال: ﴿نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ﴾ [النور: 35]، ثم ضرب الله سبحانه وتعالى المثل في سورة النور. فهنا نور الإيمان، نور الإسلام، نور القرآن، وكذلك نور هذا القلب الصافي، وضرب الله له مثلاً بعد ذلك، وذكرنا هذا وشرحناه في سورة النور.

القصد من ذلك أن هنا الشخص لما يصفو قلبه وينقى ما يحتاج إلى أدلة كثيرة حتى يستجيب إلى الحق، لماذا؟ لأن الحق يكون مصادفاً لصفاء ونقاء هذا القلب، لذلك الشخص إذا أراد أن يعرف الحق فمن ضمن أسباب ذلك العناية بتصفية القلب، العناية بتصفية القلب حتى ما يعلق بالقلب ما يعلقه به عادة في الزمان الذي يعيش فيه الإنسان. فمثلاً في زماننا هذا الشخص إذا كان عنده تعصب للوطن الذي يعيش فيه ولو كان هذا التعصب قليلاً سيؤثر في فهم الإسلام وقياده له ولا بد، لماذا؟ لأن هناك نوع تعصب، هذا الشخص يحتاج إلى تعصب من نفس جنس هذا التعصب حتى يضعف عنده. تقول لي كيف؟ أقول لك: نفس هذا البلد لما يكون أهله مؤمنين، لما تكون قيادته مؤمنة، لما يكون كذا وكذا وكذا، هنا سيصفو قلبه، أما قبل ذلك لن يكون صفاء القلب مثل صفاء الشخص الذي لا ولاء له ولاء عنده إلا للإسلام: أبي الإسلام لا أب سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم. هذا الولاء لما يكون بهذه الصورة هنا يتمكن إيمان القلب تمكناً عالياً جداً وليس عادياً.

فلذلك هنا الذين آمنوا مع النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين هؤلاء لم يتاثروا بما يتاثر به الناس في زمانهم، وكذلك الذين هاجروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار هؤلاء آمنوا قبل أن ينتشر الإسلام في الأنصار، بل لما جلسوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة لم يكن يعلم كبار الأوس والخزرج بذلك، يعني نفس القادة لم يكونوا يعلمون بذلك، لكن بعد ذلك لما فشا وانتشر هنا عم الإسلام في المدينة النبوية. لكن قبل ذلك كيف فشا وانتشر؟ من خلال مثال هذا عبد الله بن عقيل ومثال كعب بن مالك ومثال كذلك عبد الله بن رواحة وبقية الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم.

إذاً هذه ميزة شريفة جداً وعظيمة جداً في من شهد بيعة العقبة حتى كان كعب بن مالك يفضل العقبة على بدر. فهنا هذا الرجل ممن اختاره الله سبحانه وتعالى حتى يشهد هذا الموقف الشريف المنيف، وهنا جهوده في هذا الموقف لا توجد فيه أي مصلحة، بل خطر محفوف بمن شهد هذا الموقف. يعني منذ بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم وصافحوا النبي صلى الله عليه وسلم في هذه اللحظة التاريخية، هنا دخل الأنصار في الصراع الكبير مع العرب ثم بعد ذلك مع غير العرب. لذلك قال بعض الأنصار للانصار قال: أما إنكم قوم تصبرون، وإلا فدعوه فهو أعذر لكم عند ربكم. يعني الآن مبايعتكم لهذا الرجل أن تعضكم السيوف، ليست بيعة معها شيء من المصلحة، لا يوجد أي مصلحة أبداً، إنما خوف وخطر. طيب لماذا إذاً يؤمن الشخص وكان الواقع بهذه الصورة وهذه الطريقة؟ هذا هو النقاء والصفاء، هذا الإيمان لما يتمكن من القلب وهنا يكون قلب صافي، وياتي هذا النور العظيم الذي نزل من السماء فيصيب هذا القلب الصافي فيتمكن تمكناً عظيماً، وهذا الإنسان يكون مستعداً استعداداً تاماً للتضحية، مثل ما ذكرنا في قصة سعد بن الربيع رضي الله عنه كيف في ثلاث سنوات يصل سعد بن ربيع إلى هذه المرتبة، حتى الصديق رضي الله عنه وأرضاه يقول: إن أباها كان خيراً مني عن ابن سعد بن الربيع من أبو بكر! أبو بكر يقول هذه الكلمة، هذه غير موجودة في سيرة الصديق، لا تجدون في سيرة الصديق أن الصديق فضل أحداً على نفسه، لا تجدون هذا في سيرة الصديق، لكن هنا مع سعد بن الربيع قال أبو بكر هذه الكلمه رضي الله عنه وأرضاه.

لماذا؟ ما هو السر؟ كيف فهم الصديق؟ لأن هذا الرجل هو ليس خيراً منه لا شك أن الصديق أعظم، ولكن لماذا هو قال هذه الكلمة وأطلق هذه الكلمه؟ لأن هذا الرجل لم يكن من قريش، أي لم يوجد عنده أي شيء يدفعه إلى أن يؤمن، ومع ذلك رحل من المدينة إلى مكة وامن بالنبي صلى الله عليه وسلم وانقاد له عليه الصلاه وضحى بنفسه رضي الله عنه وأرضاه. فالقصد من ذلك أن أبو عقيل، أن أبا عقيل الأنصاري هو من هذا الجنس من هذا الصنف من الأصحاب رضي الله عنهم الأصحاب جميعاً، فهو رحل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبايع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه البيعة التاريخية العظيمة التي سينتقل بها العالم كله. لماذا هذا الرجل بالذات مختار من هذه الثلة القليلة من أنصار النبي صلى الله عليه وسلم؟ لعلم الله سبحانه وتعالى بأن هذا الرجل يصلح أن يكون ممن يشهد هذا الموقف، ولعلم الله سبحانه وتعالى بأن هذا الرجل ليس لغيره من الرجال، هذا إنسان مختار في هذه البيئة كلها في هذا الواقع كله، أصابت رحمة الله سبحانه وتعالى هذا الرجل الشريف.

ثم لما ناتي وننظر في سيرة أبي عقيل الأنصاري لا نجد له كبير ذكر، لكن يخرج هكذا موقف واحد يثبت كيف عاش هذا الرجل في السنوات التي عاشها في الإسلام. ياتي موقف مثل موقف تبوك، ويدعو النبي صلى الله عليه وسلم الناس ويحث الناس على الصدقة، فيقوم أصحاب الأموال وينفقون ويفوز من يفوز بهذه المواقف العظيمة، وياتي هذا الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر ما عنده ما يملك. ولما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يحث الناس على الصدقه هو رجل فقير استعظم ألا ينفق، فبات الليل يجر الجرير كما يقول على ظهره. ويجر الجرير أي كان يسحب الماء أو الزر على ظهره، فعمل بأجره الليل كامل مقابل ماذا؟ مقابل صاعين من تمر، أبقى صاعاً لأهله وأنفق بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصاع الثاني. فلمزه المنافقون وقالوا: إن الله عن صدقة هذا لغني، وما فعل هذا أي عبد الرحمن بن عوف إلا رئاءً! لما جاء بمال كبير أربعة آلاف، ولما جاء هذا بصاع من تمر قالوا إن الله على صدقة هذا الغني، فانزل الله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: 79]. هذا أبو عقيل، لا يجدون إلا جهدهم، ما يملك إلا ينفق صاعاً من تمر، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم فيما أنفق وفيما أبقى، كما دعا لعبد الرحمن أو دعا لعبد الرحمن وفيما أنفق وفيما أبقى، وكذلك دعا لأبي عقيل رضي الله عنه وأرضاه.

فالقصد من ذلك أن هذا الرجل استعظم ألا ينفق، هذه ميزة الأصحاب رضي الله عنهم، واحد منهم لما يأتي الموقف لا يمر عليه الموقف من غير أن يسجل اسمه فيه، وهو يعرف بأن الله سبحانه وتعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها. فهو إذا ما كان يملك الشيء ما يترك ولا يقول: لا خلاص على ما أستطيع الآن، عثمان يملك، عبد الرحمن عوف يملك، أبو بكر يملك، عمر يملك، أما نحن ما نملك مثل ما يملكون! لا، هو يدخل معهم ولو بصاع من تمر، ولو بصاع من تمر، لأن الصاع عند الله سبحانه وتعالى العظيم هو لا ينظر إلى حسبة هذه هذا المبلغ في أعين الناس، لكن كيف سيتقبلها الله سبحانه وتعالى؟

هؤلاء الاقوام كانوا يفهمون الإسلام وكانوا يتعاملون مع الله سبحانه وتعالى كما يحب الله سبحانه وتعالى أن يتعامل العبد معه: سبق درهم مئة ألف درهم! يعرفون هذا الحديث ويعيشون معه، ويعرفون أن هذا الدرهم الذي صاحبه ما يملك إلا درهمين أتى بنصف ماله درهم، أما الثاني انطلق لعرض ماله. العبرة ليست بالدرهم ومئة ألف درهم، الله سبحانه وتعالى غني عن هذه الأموال كلها، والله سبحانه وتعالى قادر أن ينصر عباده ممن يعملوا، لكن هم يعرفون بأن هذا اختبار، هذا اختبار، حسبتهم ليست حسبة مادية، إنما حسبتهم حسبة ربانية، حسبة إسلامية حقيقية، كما أنزل الله سبحانه وتعالى هذا الميزان في القرآن الكريم، يتعاملون بميزان القرآن وميزان الإسلام، لا بميزان النفس الذي للأسف انتشر بين الناس اليوم وأصبح الواحد يتعامل مع الله وليعوذ بالله كما يتعامل التاجر مع التاجر هكذا، أو كما يتعامل الناس فيما بينهم من غير استحضار لهذه المعاني التي يحبها الله سبحانه وتعالى والتي الله سبحانه وتعالى ما ينظر إلى الظاهر إنما ينظر إلى القلب: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». هذا لما انفق الدرهم كيف أنفقه؟ وهذا لما أنفق الألف درهم كيف أنفقه؟ وهذا على من أنفقه وكيف كان تعاملهم مع الله سبحانه وتعالى؟

أبو عقيل كان ممن أنفق صاعاً من تمر فقط، والله سبحانه وتعالى نظر إلى جهد أبي عقيل، ونظر إلى الساعات التي عمل بها في الليل، ونظر إلى أن أبا عقيل في هذه الليلة لم ينام، لماذا؟ لأنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الناس صدقة فاستعظم أن ينام. هذا الاستحضار، هذا الاستحضار هو الذي يبلغ بالإنسان، هذا الإنسان الذي يعيش بينه وبين نفسه ويقول: كيف الناس تنصر الدين وانا ما أنصر؟

الدين أيُنقص الدينُ وأنا حيّ؟ هذا الاستحضار هو الذي يبلغ الناس عند الله سبحانه وتعالى، وكم ما تظهر المواقف ولا تسجل عند الناس لكنها عند الله سبحانه وتعالى مسجلة، لذلك قد يكون كثير من الناس اليوم من المغمورين لا يعرفهم أحد، لكنهم عند الله سبحانه وتعالى من الأولياء، وقد يكون هم في مصاف الصديقين وبلغوا مراتب عالية عند الله سبحانه وتعالى؛ هم مغمورون بين الناس لكن بينهم وبين الله سبحانه وتعالى حسن قصد، حسن نية، صدق نية، والله يبلغ بهؤلاء ما لا يعرفهم أحد، ولا يثني عليهم أحد، ولا يذكره أحد، وغير مشهورين في وسائل التواصل، ولكنهم عند الله سبحانه وتعالى تذكرهم الملائكة وتعرفهم الملائكة وترفع لهم عند الله أعمال صالحة كثيرة.

القصد أن أبا عقيل الأنصاري لم يبرز في التاريخ كمواقف خاصة، لكنه كان بارزاً في جميع المواقف وكان حاضراً فيها كلها، أقصد لم يبرز مواقف خاصة أي لم يكن له ظهور في نفس المعارك خاص، لكن هو من ضمن من كانت سيوفه تقاتل في الدفاع عن النبي الإسلام عليه الصلاة والسلام وعن إقرار هذا الدين، وصدق مع الله سبحانه وتعالى في جميع المواقف، ولم يتخلف، ولم يكن من عباد الظهور، إنما كان من عباد الله سبحانه وتعالى أي هو يريد الذي يريد الله سبحانه وتعالى ويفعل الذي يريد الله سبحانه، حتى في الموقف الذي ظهر فيه لمز، يعني حتى في الموقف الذي خلد التاريخ لم يسلم منه؛ انظروا إلى ثقل مثل هذه البنات، حتى هذا الموقف لما جاء بصاع من تمر هو والله يعلم بأنه صادق، والله يعلم بأنه عمل الليل كله حتى ما يتخلف عن موقف دعا النبي صلى الله عليه وسلم فيه الناس إلى الصدقة حتى لا يتخلف عن موقف الله يحب أن يرى اسمه مسجل في هذه الأسماء التي سترفع عند الله سبحانه وتعالى وإلى الله سبحانه وتعالى الناصر لدين الإسلام.

في هذا الموقف الذي مر عليهم هو استعظم ألا يذكر اسمه، استعظم ألا يسجل له موقف يذكر ويذكر فيه عند الله سبحانه وتعالى فعمل الليل كله يعني هذه الليلة نام أبو عقيل رضي الله عنه وأرضاه، وقد يعمل وهو مستمتع في هذا العمل لأن هذا العمل في قرب الله سبحانه وتعالى ثم رزق بصاعين فأبقى نصف المال وأنفق نصف المال، هو مسؤول عن أهله مطلوب منه أن يكفي أهله فأبقى نصف المال، كما فعل هنا أبو عقيل هو مع عبد الرحمن بن عوف مع عمر بن الخطاب في نفس المرتبة، عمر جاء بنصف ماله وعبد الرحمن بن عوف جاء بنصف ماله وأبو عقيل الأنصاري جاء بنصف ماله، لكن هذا نصف ماله كذا وهذا نصف ماله كذا وهذا كذلك نصف ماله كذا، العبرة بنصف المال، ليست العبرة بهذا صاع من تمر أو هذا أربعة آلاف، هذا نصف المال، فقدم هذا نصف ماله.

ومع ذلك لم يزه المنافقون ولم يتركوه وتكلموا وطعنوا به، فانزل الله سبحانه وتعالى الثناء عليه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: 79]. إذا هذا الموقف الذي برز لأبي عقيل الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه الذي يكشف عن صدق هذا الرجل العظيم في تعامله مع الله سبحانه وتعالى، والله يحب من العبد أن يتعامل معه بهذه الصورة وبهذه الطريقة.

هذه المعاني لا نغفل عنها يا شباب، هذه المعاني هي التي تبلغ بالإنسان، ولا يغلبنا الواقع، نحن الآن في واقع فتنة واقع فيه تنافس كبير على ظهور وعلى حضور في وسائل التواصل إلى آخره، وشخص لا يكاد يكتب شيئاً إلا نفسه تنازعه هل هذا الكلام سينتشر؟ هل هذا الكلام سيقبل الناس؟ إلى آخره، لا تلتفت إلى هذه المشاعر ولا بد أنك تقضي عليها، ولا بد أنك تزاحمها بنظر الله سبحانه وتعالى حتى يغلب نظر الله سبحانه وتعالى.

فانظر هل الله سيقبل هذا الكلام أو لن يقبله؟ هل الله سبحانه وتعالى سيقبل هذا العمل أو لن يقبله؟ هل الله سبحانه وتعالى سيصطفي هذا العمل ويختاره ويكون هذا العمل من الأعمال التي اختارها الله سبحانه وتعالى حتى يحمي بها دينه، أو أن هذا العمل ليس مكتوب في السماء أن الله سبحانه وتعالى قد اختاره؟ ثم بعد ذلك عاش أبو عقيل ناصراً للدين في طيلة هذه السنوات منذ بيعة العقبة حتى مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتخلف عن مشهد من مشاهد الإسلام أبدا، إنما شهد جميع المشاهد وضحى وبذل وأثبت صدقه في جميع هذه المشاهد.

هل توقف أبو عقيل؟ لا، لم يتوقف، إنما استمر بعد ما مات النبي صلى الله عليه وسلم وارتدت جزيرة العرب قاطبة، مرت هذه الفتنة العاصفة العظيمة الكبيرة موت النبي صلى الله عليه وسلم فتنة عظيمة، ثم ارتداد الناس هذه كذلك فتنة، وما أثقل هذه الفتنة على الناس، ولم تمر فتنة والله أعلم إلى المسيح الدجال ستكون مثل هذه الفتنة؛ موت النبي صلى الله عليه وسلم القائد الأعظم ثم ارتداد جزيرة العرب قاطبة إلا مكة والمدينة وبعض أهل الطائف وقرية هجر فقط، والناس كلها ترتد والكل يريد أن يغزو المدينة وهمت القبائل في غزو المدينة حتى إن نفس الأصحاب ترددوا في طريقة التعامل، ومنهم من عزم على ترك القتال وأن يعبدون الله حتى يأتيهم اليقين، حتى قام الصديق بمقوفه التاريخي العظيم والكبير وحمل الأصحاب كلهم على القتال وقسم الجيوش وبعث الجيوش حتى توطد حكم الاسلام في هذه الجزيرة المحمدية.

وكانت تشد المعارك على إطلاق معركة اليمامة التي كان يقودها مسيلمة الكذاب عليه لعنة الله هذا المجرم الكبير هذا داعي النبوة، كانت معاركه أشد المعارك على الإطلاق، وكان في هذه المعركه جماعة من المهاجرين وجماعة من الأنصار ومعهم جماعة كبيرة من الطلقاء، وكان يقود هذه المعركة خالد بن الوليد بعدما بعث الصديق أكثر من جيش ولم يستطيعوا الانتصار على أهل اليمامة، بعث بعد ذلك خالد بن الوليد بعد ما قضى خالد بن الوليد على بني تميم وكذلك من ارتد من بني تميم أو من منع الزكاة، وكذلك على طلحه بن خويلد الأسدي، ثم بعد ذلك بعثه الصديق إلى مسيلمة الكذاب، وقام مسيلمة وحث الناس وحرض بني حنيفة على القتال وكان رجلا خطيبا واستنصر بأتباعه فقاتلوا قتالاً شديداً.

فكانت أول ما بدات المعركة انفض الجيش المسلم انفض وفر من فر من الطلقاء، فأصاح المهاجرون والأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم وقالوا: اخلصنا يا خالد، اخلصنا يا خالد، فبقي المهاجرون وبقيت الأنصار وأثبتوا لله سبحانه وتعالى الصدق العظيم في هذا الموقف العظيم والكبير.

وكان من أول من أصيب في هذه المعركة كان أبو عقيل الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه، أصيب بجرح بسهم في ظهره فأصاب هذا السهم في ظهره حتى أوهنه وأسقطه ولم يعد يستطيع المسير، فحمل رضي الله عنه وأرضاه إلى خيمة الجرحى، فلما حمل إلى خيمة الجرحى وكان الجيش قد انفض وكان الجيش قد اختل وكان الجيش قد أتوزع ووصل الكفار إلى خيمة خالد رضي الله عنه وأرضاه حتى دخلوا على زوجته ومعها مجاعة، كان خالد قد أسر من بني حنيفة فهموا بزوجه خالد حتى وقف مجاعة بن مرارة الحنفي، ثم قام بعد ذلك مثل ما ذكرت المهاجرون والأنصار وقام القراء رضي الله عنهم وأرضاهم وقالوا يا معشر القراء زينوا القرآن بالفعال القرآن ليس مجرد كلام يتلى إنما أفعال تطبق وهكذا كان القراء رضي الله عنهم حتى استحر الموت في القراء حتى خاف الصديق على القرآن الكريم بعد ذلك وأمر زيد بن ثابت بأن يجمع له القرآن.

القصة من ذلك أن صاح المهاجرون وصاحت الأنصار حتى كانت الصيحة في الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم، فقام معاذ البلوي الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه وصاح في الناس وقال: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار، كرّوا كرة حنين، فسمع هذا النداء أبو عقيل وهو كذلك من بلي رضي الله عنه وأرضاه أي من قضاعة وحليف للأنصار وحليف للأوس، فسمع بكلمة الأنصار اسم الأنصار مصطلح ديني إسلامي صرف، الذين سماهم بالأنصار هو الله سبحانه وتعالى، الأوس والخزرج هذه كانت قبائلهم لكن الأنصار هذا اسم ديني مصطلح ديني.

فسمع أبو عقيل بهذه الصيحة رضي الله عنه وأرضاه فتحامل على نفسه، حتى قال له ابن عمر: إلى أين يا أبا عقيل؟ قال: قد نوّه المنادي باسمي، قال: إنما الأصحاء للجرحى، فقال: قد نوه المنادي باسمي، وامرؤ من الأنصار والله لأجبنه ولو حبواً، ثم قام رضي الله عنه وأرضاه وشد على جرحه وكسر غمد سيفه وصعد وقال: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار، أنا أبو عقيل، كرّوا كرة حنين، كرّوا كرة حنين.

فاجتمع الأنصار وقام كذلك عباد بن بشر رضي الله عنه هؤلاء الثلاثة وعن بقية المهاجرين والأنصار، وقال كذلك عباد بن بشر رضي الله عنه وأرضاه وصاح هؤلاء بهذه الصيحة حتى تذامر الأنصار واجتمع الأنصار واستطاع الأنصار أن يدفعوا بني حنيفة إلى حديقة الموت، ثم الجاؤوهم إلى الحديقة، حتى بعد ذلك قاموا الأنصار كذلك في مواقف البطولية العظيمة ودخلوا كذلك في حديقة الموت منهم البراء بن مالك وكذلك كان أبو دجانة سماك بن خرشة وسقط أبو دجانة على رجله حتى كسرت، وكذلك البراء أتم حتى فتح باب الحديقة، وكان أول ما دخل خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه ودخل المهاجرون والأنصار وقتل بعد ذلك الكذاب مسيلمة.

وأصيب أبو عقيل الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه وكان في النزع، فاتاه ابن عمر وقال: يا أبا عقيل، يا أبا عقيل، فاجابه بصوت ضعيف، فاجابه بصوت ضعيف وقال: لبيك، بصوت يلتاث هو الآن في النزع، فلما آتاه ابن عمر قال له أبو عقيل: لمن الدبرة؟ من الذي انتصر ومن الذي هزم؟ فبشره عبد الله بن عمر بأن الكذاب قد قتل، لأن صيحته وموقفه لم يذهب سدى هو لم يذهب عند الله سبحانه وتعالى، حتى لو ما كانت هذه نتيجة، لكن بشره قبل أن يموت بأن الكذاب قد قتل، فرفع إصبع إلى السماء وحمد الله سبحانه وتعالى على هذا الموقف، ثم مات رضي الله عنه وأرضاه.

انظروا منذ مبايعة هذا الرجل أو دخوله الإسلام إلى أن مات في هذا الموقف، هو يرفع بصره إلى السماء أو يرفع أصبعه إلى السماء ويحمد الله سبحانه وتعالى، لا شك بأن الإيمان تمكن تمكناً كبير من قلب أبي عقيل الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه، وأثمر هذا التمكن هذه المواقف الجليلة، هذه المواقف التي يظهر منها أحياناً القليل، يعني لا يشترط أن شخص يظهر في حياته مواقف كثيرة، هو بينه وبين الله أسرار قطعا، لكن لا يظهر، لا يشترط أن يظهر، لكن هذا الذي يظهر هذا الشيء اليسير الذي يظهر هذا يدل على شيء عظيم في نفس الإنسان وعلى إيمان كبير وجليل، لأن هذه المواقف لا تتصنع، هذه المواقف لا يمكن تصنعها، فشخص يكون في النزع ومع ذلك لا يفكر إلا بالإسلام ولا يوجد عنده تفكير إلا من انتصر، ويقوم وهو مصاب ومعاني مما يعاني من آلامه ومع ذلك يتعامل على جرحه وعلى جراحه ويدعو الناس لنصره الدين ويذكر الأنصار ويستثير نفوس الأنصار وهمم الأنصار، لا شك بأن هذه مواقف تدل على حماية إلهية كبيرة وعلى عطاء رباني عظيم وعلى كرامة، وهذه هي الكرامة والله.

إنسان يستمر في نصرة الدين منذ أن يعرف الإسلام إلى أن يلقى الله سبحانه وتعالى وفي كل مرحلة تزداد قوته ويزداد عطاؤه وبذله وليس يضعف هذا الرجل منذ آمن إلى أن مات هو بهذه الطريقة يشهد المشاهد كلها وما يتخلف حتى في آخر لحظة من لحظاتي، هذه كرامة إلهية، هذا عطاء رباني، هذا لا ينالها الإنسان إلا لم يكن بينه وبين الله أسرار، هذا لا ينال الإنسان إلا بعد المواقف، هذا لا يناله الإنسان إلا بعد إثبات الصدق، أما غير ذلك تصيب رياح الفتن وتسقط ولا بد.

ولكن لما يكون شخص هكذا يتعامل مع الله في كل موقف يشعر بأن هذا الموقف الوحيد، وفي كل موقف يكون نظره فقط من الذي يحب الله؟ كيف الآن أفوز برضوان الله سبحانه وتعالى؟ هذا هو الذي يحمى، هذا هو الذي يوفق، هذا هو الذي يسدد، وأهم يا شباب من ظن بأن عمل الإسلام قائم على قوته وعلى ذكائه وعلى حفظه وعلى معرفته وعلى أي اعتبار آخر، عمل الإسلام ليس بهذه الطريقة، عمل الإسلام عطاء، عمل الإسلام اصطفى برحمتنا من نشاء كذلك لنصرف عنه السوء الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب، العمل الإسلام عطاء رباني، العمل الإسلام اصطفاء اختيار ثم هذا العبد أما أن يثبت أنه أهل لهذا بالاختيار والاصطفاء أو لا بد أن تكون النتيجة الأخرى ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: 38]، اختاركم الله، طيب الآن تستمرون أو لا تثبتون الله سبحانه وتعالى بأنكم أهل لهذا الاختيار أو تنكصون؟ إذا انكصتم سيتم استبدالكم لغيركم ولا بد، وهذا ترونه في كل مرحلة من المراحل؛ كم واحد كان معنا قبل سنة؟ كم واحد كان معنا قبل سنتين؟ كم واحد كان معنا في السنوات الماضية؟ لماذا ذهبوا؟ لماذا لم يستمروا؟ لماذا لم يبقوا؟ ما هو السر؟ ما هو السبب؟ لأن هؤلاء ما تعاملوا مع الله سبحانه وتعالى التعامل الذي يحب الله سبحانه وتعالى الإنسان، هذا الدين إذا ما أخذ الشخص بحقه وما تعامل مع الله سبحانه وتعالى كما يحب الملك، كما يحب الرب سبحانه وتعالى يتعامل معه العبد هنا.

تصيب الفتنة وتسقط الفتنة وتضعفها على حسب نسبة تخلفه، أما الشخص الذي دائما يتعامل مع الله سبحانه وتعالى تعامل العبد، كما كان يتعامل هنا أبو عقيل الأنصاري، وكما يتعامل بقية الأصحاب أصحاب من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم، هؤلاء هم الذين يستمرون في هذا العمل، هؤلاء هم الذين تختم لهم بالخاتمة الحسنة، وهؤلاء هم الذين يسطر التاريخ مواقفهم وتعرفهم الملائكة وتذكرهم الملائكة؛ لأن عملهم مع الله سبحانه وتعالى موافق لما يحب الله سبحانه وتعالى منهم.

إذا هذا بعد ما يتعلق بسيرة هذا الرجل العظيم الجليل أبي عقيل الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.