الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله واله وصحبه ومن ولاه، ثم اما بعد فاحياكم الله اخواني جميعا وبياكم وسدد على طريق الخير خطاكم. نكمل هذه السلسلة المتعلقة بالعيش مع الصحابة رضي الله عنهم وارضاهم. ومعنا في هذا المجلس الذي هو المجلس العاشر صحابي جليل من الصحابة الذين لم يشتهروا إلا في موقف واحد فقط، وهو عبد الله بن أنيس رضي الله عنه وأرضاه.
هذا الصحابي الجليل برز في حادثة واحدة وكان لهذه الحادثة أثر عظيم جدا في حفظ الدولة النبوية؛ ألا وهي حادثة قتل خالد الهذلي خالد بن سفيان الهذلي. لما قاتل كفار قريش النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد وكانت النتيجة التي تعرفونها وأصيب الصحابه رضي الله عنهم وارضاهم بالقرح كما قال الله سبحانه وتعالى. ثم بعد ذلك جاءت معركة حمراء الأسد ولم يكن بها قتال.
انتشر الصيت بين العرب بأن قريش قد هزمت الدعوة الجديدة وانتصرت عليها. فلما أُشيع هذا الخبر بدأ الكفار يتجرؤون وبدات الأعراب تغزو المدينة وضعفت هيبة الدولة الإسلامية. وانظروا إلى أثر النكبات في السمعة، فكيف أن الخطأ الذي يقع من الآمنين للإسلام قد يترتب عليه تأخر كبير جدا في الدعوة الإسلامية. فهنا الذي وقع في أحد نستطيع أن نقول بأنه أضعف كثيرا من نتيجة بدر. فمعركة بدر معركة الفرقان الذي انتصر بها الاسلام انتصارا عظيما كان لها صوت وأثر كبير في جزيرة العرب وسمع الناس بانتصار النبي صلى الله عليه وسلم على قريش. وهذا أعطى من الدولة الجديدة الناشئة أعطاها قوة وسمعة وبدأت العرب تهاب هذه الدولة.
لكن بعد ذلك لما قامت قريش ووقع من الجماعة المؤمنة أو من بعضهم محبة الدنيا وقعت النتيجة التي تعرفونها والتي سماها الله سبحانه وتعالى بالقران الكريم بالقرح والبعض يعبر عنها بالهزيمة. والبعض لا يعبر عنها بالهزيمة، فبعض الكتاب يعبر عن أحد بأنها هزيمة والبعض لا يذكر هذا المصطلح، إنما يقول الله سبحانه وتعالى سماها بالقرح فنسميها كما سمى الله كما سماها الله سبحانه وتعالى وليست هي بالهزيمة. لماذا؟ لأن الله يقول: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ فلم يقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يستطيعوا أن يستبيحوا المدينة ولم يقضوا على الدعوة ولم يقتل عامة الصحابة، إنما الذي قتل عددا أقل من العدد الذي قتل من الكفار والذي أُسر يوم بدر. فالذي قتل من الصحابة رضي الله عنهم وارضاهم سبعون في يوم أحد، والذي أُسر من الكفار في بدر سبعون والذي قتل منهم سبعون وكذلك في أحد قتل جماعة من الكفار.
القصد من ذلك أن الذي كان يريده الكفار لم يحدث، لذلك البعض لا يسميها بالهزيمة والبعض يسميها بالهزيمة باعتبار الصيت الذي وقع وباعتبار أن الكفار رجعوا وقد انتصروا في الظاهر. القصد من ذلك أن هذا أثر يعني هذه نتيجة المعركة سواء سميناها بكذا أو كذا أثرت هذه النتيجة على سمعة الدولة المسلمه على سمعة الدولة المسلمة الناشئة، فبدأ الكثير من الكفار يفكرون بغزو المدينة؛ لماذا؟ راوا بأن هذه دولة مستضعفه وهذه دولة ضعيفة وليس معها أحد فالانتصار عليها سيكون سهل وكذلك به فوائد كثيرة مادية وعامة. المعارك والصراعات سببها المادة أي سبب الأصل اقتصادي. سبب الأصل اقتصادي إلا صراع أهل الإيمان سبب ديني من أجل نهدي الناس إلى الدين ومن أجل نفتح القلوب إلى الدعوة.
فالقصد من ذلك سيف الإسلام ممهد للدعوة، سيف الإسلام مزيل للموانع التي تمنع الناس من قبول الدعوة فالإسلام حريص على أن يمنع وأن يقشع هذه الموانع ثم بعد ذلك تصل الدعوة كما هي إلى هذا الشخص من غير أي تأثير خارجي عليه، فإما أن يؤمن أو يكفر. الله يقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256] فلا يوجد إكراه على الإيمان، والذي يكره على الإيمان أي يكره بالسيف أنه يؤمن هذا لا يعتبر إيمانه إيمانا معتبرا، وحتى لو بعد ذلك أعلن الكفر لا يعتبر مرتد لأنه لم يسلم أصلا. القصد من ذلك أن الآن الكفار بدأوا يفكرون. وفي هذه اللحظات أي في السنة الرابعة، وأحد كانت في السنة الثالثة من الهجرة في شهر شوال، في السنة الرابعة ظهر رجل في الجزيرة في مكة في عرفة اسمه خالد بن سفيان الهذلي، وهذا رجل كان مهيبا وكان رجل صاحب قوة ومكانة وكان يعبر عنه بأنه ألف رجل.
والعرب لما تطلق هذا اللقب أن فلان يساوي ألف رجل هذا أطلق الكفار وكذلك أطلق أهل الإسلام. فمثلا لما دعا واستنصر عمرو بن العاص عمر بن الخطاب بمدد لفتح مصر بعث وقال يريد أربعة آلاف، أو قال له عمر إني بعثت لك بأربعة آلاف وهو بعث أربعة لم يبعث أربعة آلاف فكل واحد من هؤلاء كان عند عمر يساوي ألفا، وكذلك اليهود كانوا يقولون بأن مرحب يساوي ألف رجل وقتل علي رضي الله عنه وأرضاه كما تعرفون. كذلك هنا خالد بن سفيان الهذلي هذا الرجل كان بالنسبة لعشيرته وقومه كان يساوي ألف رجل من قوته وشجاعته وبسالته وشجاعة قلبه.
فالقصد من ذلك أن هذا بدأ يجمع الناس، من يجمع؟ يجمع مرتزقة، من يريد أن يققاتل معنا حتى يحصل من المال كذا وكذا وكذا والناس كانوا يعيشون على هذا الشيء، والعرب بالأصل فيها شجاعة فبدأ الناس يتوافدون على خالد بن سفيان الهذلي وكان يجمعهم في وادي عرنة في عرفة. بلغت الأخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأن هذا الرجل يجمع الناس من أجل غزو المدينة، فالتمس النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من أصحابه يقدر على قتل خالد بن سفيان الهذلي. وهذه هي الوقفة الأولى في هذه القصة.
الآن النبي صلى الله عليه وسلم علم بأن هذا الرجل أي خالد بن سفيان الهذلي يجمع الناس والناس يتوافدون إليه، هذا كله من وعي النبي صلى الله عليه وسلم وإحاطته بما يجري في المحيط الذي يعيش فيه عليه الصلاه والسلام. والذي يكون في مقام القيادة ومقام التأثير لابد أن يكون عنده ألمام وتجدد دائم في المعلومات، إذا كان يريد أن يقود بطريقة صحيحة وإلا سيخسر خسارة كبيرة إذا قصر في التحقق من المعلومة أو قصر في تجديد المعلومات. الواقع متغير ليس ثابت، يعني اليوم ليس أمس. اليوم الآن نحن الآن نعيش ليس الموازين اليوم مثل موازين أمس والمعطيات اليوم ليست مثل معطيات أمس، فتحتاج إلى تجديد دائم وبحسب حال الإنسان يكون تجديد للمعلومات. وهذه وقفة والله نفيسة ومهمة جدا في الوعي، وهي أن الإنسان لا يطلب منه أن يعرف ما يجري بالعالم كله لأنك لست أنت مؤثر في العالم كله، لكن المطلوب منك أن تعرف الواقع الذي تستطيع أن تؤثر فيه الواقع الذي تستطيع أن تؤثر فيه الواقع الذي لا تؤثر فيه خذه إجمالا.
يعني تعرف بالاجمال الفكر الغربي بالإجمال المشكلات الموجودة هكذا بالإجمال وليس بالتفاصيل، لأن هذه التفاصيل ستكون على حساب عيشك مع القرآن الكريم، على حساب عبادتك الخاصة، على حساب طلبك العلم، على حساب دعوتك إلى الله. طبعا أنا أفترض الآن كلامي هذا بشخص عامر وقتك كله أو أغلبه من أجل الإسلام، هذا لا يحق له أن يعبث بوقته وبحجه الوعي الكلمة العامة هذه يترك عبادته الخاصة ويترك ما يريد الله سبحانه وتعالى منه.
تقول لي نريد ضابط الوعي؟ اقول لك ضابط الوعي هو الذي تستطيع أن تؤثر فيه. هل أنت الآن في موطن القيادة؟ هل أنت الآن حاكم البلد؟ إذا كنت في موطن الحكم موطن الحكم قائد البلد أنا أقول لك تحتاج إلى وعي وليس قليل، لأنك أنت الآن ستؤثر في هذا الشعب كله ستؤثر في هذا المحيط كله في هذا المجتمع كله. طيب أنا لست في هذا المقام، هل أنت في مقام العالم الكبير الذي مطلوب منه أن يذكر أو يوجه هكذا الناس على اختلاف بلدانهم ومشاريبهم وقدراتهم؟ أقول لك تحتاج كذلك إلى وعي.
طيب أنا لست بهذه الطريقة، أنا أعمل في محضن تربوي، أقول لك تحتاج إلى وعي إجمالي مع الوعي الخاص في نفس عملك أنت. يعني وعي إجمالي تتكي على ثلاثة أربعة تثق في دينهم وإيمانهم ووعيهم وإدراكهم وتستند إليهم، ما يحتاج أنك تفصل في ليس هو من تخصصك لأن هذا وقت وأنت لا تستطيع عليه. هذا إذا ضبط يضبط عندنا باب الوعي ونعرف حد الوعي الذي نحتاج إليه ونعرف أن الدعاء أعظم من الوعي والوعي من الدين وليس من غير الدين، لكن نعرف نضبط الحدود بين هذه الحقائق الشرعية فلا يتسع عندنا الوعي على حساب نفس الدعاء. فشخص بحجه الوعي ما يدعو إلى الله سبحانه وتعالى أو ما يدعو الله سبحانه وتعالى بحجه الوعي ما يصلي بحجه الوعي ما يذكر الله سبحانه وتعالى هذا لا وجود له بالإسلام.
النبي صلى الله عليه وسلم هو القائد الأكبر، انظروا إلى ثقل هذه المعلومة من حيث نفس المعنى ولما نقيس أنفسنا نجد الفارق كبيرا جدا. النبي صلى الله عليه وسلم هو القائد الأول يعني هو الآن يقود الدولة الإسلامية، ومن كان في هذا المقام يحتاج إلى تجديد دائم للمعلومات، ومع ذلك انظر إلى دعاءه كيف كان يدعو، انظروا إلى صلاته كيف كانت صلاته، انظر إلى ذكره كيف كان ذكره عليه الصلاة والسلام. إذا هذا الباب أي باب العبادة أوسع بالاصل بالشريعه من باب الوعي. فمن المضيعة الكبيرة لو قالت إن الشخص هكذا يتابع الأخبار باليوم أربع ساعات ثلاث ساعات، هذا ليس من وعي في شيء هذا كله يوم القيامة لن تستفيد منه شيئا وستصدم بأن هذا سيكون يوم القيامة هباء منثورا لأنه ما أثمر شيئا بالحقيقة.
هل معنى هذا لن نغلق؟ أنا قلت نريد نضبط الموازين ومن فتن العصر وفتن ليس هذا العصر فقط بل في كثير من العصور التي ينتشر بها الجهل الكبير أخذ الكلام هكذا على عمومه وعدم التدقيق فيه، فيأخذ كلمة الوعي من غير لا يضع لها أحد، يأخذ من كلمة العبادة من غير لا يضع لها أو العبادة الخاصة من غير يضع لها هكذا حد، يأخذ كلمة كذا الله يريد منك في كل لحظة عبادة معينة. لكن هذه العبادة هل هي الوعي؟ هذه العبادة هل هي الصلاة؟ هذه العبادة هل هي بر الوالدين؟ هذه العبادة هل هي كذا؟ هذا نحتاج أن نستوعبه من خلال نفس الدين وهذه المجالس تقرب هذه الحقائق.
فإذا عندنا الوقفة الأولى المتعلقة بالوعي. الوقفة الأولى المتعلقة بالوعي الشخص لما يكون في موطن القيادة يحتاج من الوعي أكثر من غيره. طيب يحتاج التفاصيل أو الإجمال؟ أقول لك على حسب الشيء على حسب الشيء. لذلك في عند الحكام كل يوم أول نصف ساعة ياتيهم التقرير الأمني يعني ما الذي يجري في البلد. طيب من الذي يقوم بهذا التقرير؟ المخابرات. فالمخابرات هي التي بعد ما هكذا يعني في كل يوم يختصرون الذي يعرفون بورقات معدودة وتوضع عند الحاكم والحاكم يكون عنده مستشارين والمستشارين كل واحد متخصص في شيء معين، ثم هو بعقله الكبير لا أقصده الحاكم أقصده القائد لا أقصده حاكم معين أقصده من يكون في هذا المقام لأن هذا المقام لا يصلح له كل أحد، إنما يصلح له أفراد معينين وهم قلة وليسوا كثرة.
ممكن في المجتمع الكامل في المليون ما يصلح إلا خمسة، ما يصلح إلا أربعة فقط لأن هذا مقام صعب ليس مقام عادي، هذا مقام عالي. فهنا تاتي الموازنات بعد ذلك عند الحاكم، انظر مثلا وقعت لما وقعت كورونا مثلا الأطباء بدأوا هكذا يشيعون المرض وأن المرض خطير وأن الناس ستموت إلى آخر هذا الشيء، في المقابل الناس ستموت من عدم العمل والناس أكثر الناس رزقهم يومي هم يعملون كل يوم وهذا عمل اليومي ياخذون من خلال الأجر الذي يشترون فيه الطعام والشراب وكذلك الدواء إذا كانوا مرضى. طيب الآن إذا أوقفْت العمل بحجه كورونا النتيجة الثانية سيموتون من الجوع سيموتون من عدم العمل.
الطبيب ما يستوعب هذا الشيء الطبيب ما يستوعب هذا الشيء، من الذي يستوعب؟ يستوعب الذي يستطيع أن يقدر هذه الأمور أن يقدر هذه الأمور، فهذا الان ما قد لا يسمع كلام الأطباء ولا يلتفت إليه وإن كان حق. لماذا؟ لان هناك موازين أخرى، فالميزان هنا ليس خاص فقط في نظر الأطباء وليس خاص في نظر الاقتصاديين وليس خاص في نظر هكذا، إنما هو نظر شمولي عام ثم بعد ذلك يتخذ القائد بعد الشورى القرار المناسب. لذلك جاء الاسلام بنظام الشورى وبين الإسلام بأن الإنسان مهما كان عالي لا يستطيع أن يتخذ القرار من غير أن تكون معه هداية من الله سبحانه وتعالى لأنه بشر ضعيف أقصر وأقل من إدراك الواقع كله، والواقع لا يدركه إلا الله سبحانه وتعالى فقط أي الواقع كما هو كما هو بشموله لا يعرف إلا الله سبحانه وتعالى.
أما الذي يستطيع الإنسان أن يدرك من الواقع هذا يذل فيه السبب ثم يستشير ثم يتخذ القرار ومع الاستشارة والاستعانه بالله تكون البركة ويكون التوفيق. هذا هو هذا فيه بيان نفس الإنسان وضعفه وحد الوعي وكذلك أهمية الالتجاء بالله سبحانه وتعالى وأثر تدخل إلهي في توجيه الإنسان في اتخاذ القرار. وهذا معنى الله نفيس وعظيم والله يقول.
وشاورهم في الأمر ويقول أمرهم شورى بينهم، حتى لما استشار النبي صلى الله عليه وسلم ووقع ما وقع يوم أحد الله سبحانه وتعالى ذكر قال وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله، لا ترجعوا باللوم إلى الشورى، ليست المشكلة بالشورى إنما المشكلة في منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة. لا تخلطوا في سبب النتيجة، سبب النتيجة الخطأ ليس من الشورى إنما من الإرادة نفس القصد، قصد منكم لم يكن يريد ما عند الله سبحانه وتعالى إنما كان يريد يريد الدنيا، إذا النتيجة ما تنزل النتيجة الإلهية أو تدخل إلهي جبريل عليه السلام معه من الملائكة يرتفعون بسبب وجود إرادة الدنيا. إذا صفوا النوايا، صف النوايا، القصد هنا.
النبي صلى الله عليه وسلم كان مدرك، هو الآن في موطن القيادة فكان يعرف لما كان في مكة أن في الحبشة رجل صالح لا يظلم عنده أحد، رجل عادل، فيأمر الصحابة بالهجرة إليه، ولم يكن يوجد في جزيرة العرب من هو مثل النجاشي بالعدل وبالقوة، لذلك بعث الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم إلى الحبشة. هنا الآن النبي صلى الله عليه وسلم عنده كذلك هو رئيس الدولة، هو القائد عليه الصلاة والسلام، فتاتيه الأخبار من خلال عيون الدولة الإسلامية، فتاتيه الأخبار بأن في مكة هناك رجل يجمع الناس، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وتأكد النبي صلى الله عليه وسلم من هذه المعلومات. الآن تأكد النبي صلى الله عليه وسلم بأن هناك رجل يقال له خالد بن كبير الهذلي يجمع الناس ويحشد الناس حتى يغزو المدينة النبوية.
طيب ما الحل؟ الآن نريد أن نقضي على هذه الفتنة، انظروا الآن إلى فراسة النبي صلى الله عليه وسلم وإلى دقة النبي صلى الله عليه وسلم في اتخاذ القرار. الآن هذه الفتنة، هذه الفتنة لو تمت، يعني هذا الجيش هم إلى الآن ما تحركوا، هذا الجيش لو كمل ممكن يصير ألف مقاتل، ممكن ألفين مقاتل، يعني سندخل معه في معركة كبيرة جدا ولن تكون معركة عادية، والنتيجة الله أعلم كيف ستكون، إذا هنا لابد من الاستعجال باتخاذ القرار حتى ما يستتم هذا الأمر. فالنبي صلى الله عليه وسلم رأى بأن الحل السريع الذي يؤد هذه الفتنة ويقطع هذه الفتنة ويكفي الله سبحانه وتعالى من خلاله المؤمنين قتال هو أن يقتال هذا الرجل، أن يقتل خالد بن كبير الهذلي، خالد بن سفيان الهذلي الذي يريد أن يغزو المدينة.
طيب الآن اتخذنا هذا القرار، من الرجل المناسب؟ هذا الرجل خالد بن سفيان الهذلي المشكلة التي فيه أكثر من مشكلة؛ المشكلة الأولى أنه معه عدد كبير ليس عدد قليل، المشكلة الثانية أنه هو رجل قوي، يعني هو شوف يا إخوان لنتعامل مع الواقع كما هو لا كما نحن نريد ولا نتعامل معه تعامل عاطفي يعني مرحب رجل شجاع ليش ضعيف قد علمت خيبر أني مرحب شك السلاح بطل مجرب، هذا رجل شجاع هو عربي هو يهودي عربي، هو يهودي عربي، وعرب يهود خيبر عرب ليسوا مثل يهود المدينة بن النضير وقينقاع وقريظة، فهو أصلا شجاع يعني هو ليس ضعيف. كذلك لما تاتي مثلا عند عمرو بن ود العامري لما قال هل من مبارز؟ هذا رجل قوي ليس رجل عادي، فهذا لابد أن تحسن اتخاذ القرار، لابد أن تحسن اختيار الرجل المناسب.
الان هذا خالد بن كبير الهذلي في مشكلتين؛ المشكلة الأولى أن عنده عدد ليس عدد قليل، عدد كبير، إذا نحتاج رجل يعرف كيف يتعامل معه، المشكلة الثانية أنه شجاع وقوي ومهيب يعني مشكلة شخصية فيه، يعني حتى لو اخترنا رجل قوي هذا رجل قوي، إذا نحتاج نختار رجل أقوى منه أو نختار رجل يعرف كيف يقتله من غير لا يهزم، ولابد أن يكون هذا الفدائي صاحب شجاعة فطرية قوية جدا ليست عادية، وكذلك لابد أن يكون هذا الإنسان عنده القدرة على الخداع والمكر. تقول لي لماذا تذكر هذا كله؟ أقول قد يكون الرجل شجاع، أنا لا اريد أن أُفصل بأسماء الصحابة رضي الله عنهم، لكن هنا النبي صلى الله عليه وسلم لما اختار عبد الله بن أنيس هذا اختيار مقصود، هذا اختيار عالي وليس عادي، هذا اختيار عالي جدا. في الصحابة شجعان وكثير من الصحابة شجاع والصحابة رضي الله عنهم فيهم أقوياء وفيهم ربما من هو أقوى من خالد الهذلي، لكن ما اختاره النبي صلى الله عليه وسلم، يعني لم يختار النبي لم يختار النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب مع أن علي من أشجع الصحابة وأقوى الصحابة.
طيب لماذا ما اختاره؟ وقلبه ما يتحرك سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه، طيب لماذا ما اختار علي؟ لماذا لماذا اختار عبد الله بن أنيس؟ لابد الآن أن نبحث وأن ننظر في الأسباب التي من خلالها أو بسببها اختار النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أنيس. يعني ما اختار عباد بن بشر؟ شوف عباد بن بشر كذلك صحابي أمين وذكرنا عباد رضي الله عنه وأرضاه، عباد أمين يعني سينفذ المهمة، لماذا ما اختارها النبي؟ لماذا اختار عبد الله بن أنيس بالذات؟ لماذا؟ لابد أن ننظر في صفات عبد الله بن أنيس أو ننظر في صفات الرجل الذي نحتاجه الآن في هذه المهمة.
هذا الرجل إذا أحتاجه في هذه المهمة لابد أن يكون معه مكر، عباد بن بشر ليس مكر، يعني صفة المكر ليست موجودة عند عباد بن بشر، عباد بن بشر عنده صفة الأمانة وعنده صفة الشجاعة وعنده القوة لكن المكر غير موجود. طيب لماذا نحتاج المكر؟ هذا الرجل لما تقابله هكذا وتقول أنا أريد أن أقتلك ممكن يقتلك هو، يعني ممكن يذهب هذا الإنسان ويرضي في نفسه ويكون أمين ويقتل لكن ما تحققت النتيجة، المهمة التي نريد من خلال بعثنا لهذا الرجل أن تتحقق هي ما تحققت، صح هو قتل في سبيل الله وفاز إن شاء الله تعالى عند الله، لكن هنا يكون خطأ في اختيار، لأن ليس القصد هو أن يموت إنما القصد أن ينفذ المهمة، ليس القصد أن يقتل هذا الشخص، طيب قتل ثم بعد ذلك ما الذي سيكون؟ سيحتاط خالد بن سفيان الهذلي سيحتاط احتياط كبير ولن يكون بهذه الطريقة.
إذا لابد أن يكون الرجل المختار يحسن يحسن التعامل مع هذه المشكلة ويعرف كيف يتعامل معها وينفذ المهمة على أتم وأكمل وجه وإلا خسارتنا ستكون أكبر من فائدتنا، نعم ويقتل إحنا ما نتكلم عن الشجاعة، الشجاعة وصف معين نحتاجه لكن ليس فقط الشجاعة، لابد مع الشجاعة يكون عندنا القوة ولابد مع الشجاعة يكون عندنا المكر ولابد مع الشجاعة أن يكون الرجل ليس اسمه قريش حتى ما يعرف خالد بن سفيان الهذلي. فالآن هذا يجمعهم في مكة، وهل مكة يعرفون المهاجرين؟ لكن ما يعرفون الأنصار ولا يعرفون من كان غير المهاجرين.
هنا عبد الله بن أنيس قيل من الأنصار وقيل من جهينة، قيل من جهينة نزل عند الأنصار وقيل هو بالأصل من الأنصار وليس من جهينة، والمشهور أنه من جهينة، أنه من قبيلة جهينة ولكنه نزل في الأنصار ودخل مع الأنصار وأصبح من الأنصار. فالقصد من ذلك أن هذا الرجل بعيد عن مكة فلا يعرفونه أهل مكة، أهل مكة لا يعرفونه، فلم يأت هذا الإنسان لن يعرفه الكفار، فهنا النبي صلى الله عليه وسلم يضيق الدائرة، إذا اختيار رجل من المهاجرين ما يصلح، لابد أن يكون رجل من غير المهاجرين يعني من غير أهل مكة. من موجود من هؤلاء؟ ننظر في صفات هؤلاء، عبد الله بن أنيس هنا برز بهذا الموقف فقط، يعني اختيار النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل عجيب عجيب.
بعض الناس بعض الصحابة رضي الله عنهم تجدونه فقط يبرز في موقف واحد ثم يغيب في التاريخ يعني ما يكون له ظهور، أضربكم مثال الآن في معركة الأحزاب نعيم بن مسعود الأشجعي، هل تعرفون له موقف غير موقف الأحزاب؟ هو عاش بعد ذلك سنوات، طيب ما الذي وقع؟ ما ندري، فموقف واحد يعني في بعض الصحابة يبرز هكذا بالتاريخ في موطن واحد موقع واحد ثم بعد ذلك يغيب عن المشهد، وهذه تكون الوقفة الثالثة.
لكن دعوني الآن بالوقفة الثانية المتعلقة باختيار النبي صلى الله عليه وسلم للرجل، فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا اختار عبد الله بن أنيس لوجود هذه الصفات فيه. فعبد الله بن أنيس رضي الله عنه وأرضاه صحابي شجاع وكذلك صاحب قوة وثبات قلب وليس من أهل مكة، وكذلك هو غير معروف، وكذلك عندها مكر، عندها مكر وهو كذلك به صفة الأمانة والصدق وسينفذ المهمة. فلما طلب منه النبي صلى الله عليه وسلم ودعاه عليه الصلاة والسلام وذكر له بأن خالد بن سفيان الهذلي يجمع الناس لقتلي وأريدك أن تقتله فقال: فاته فاقتله.
فقال: فقلت يا رسول الله صفه لي حتى أعرفه أنا ما أعرفه، فانظروا إلى وصف النبي صلى الله عليه وسلم العجيب، قال: هذا الرجل إذا رأيته وجدت له قشعريرة، وجدت له قشعريرة هذا الرجل إذا رأيته وجدت له قشعريرة، وفي رواية إذا رأيت هيبته، يعني رجل مهيب، وهذه الهيبة أم فطرية غريزية تكون مع الإنسان، بعض الناس هي كذلك دينية، بعض الناس يكون مهيب هكذا خلقه مثل عمر بن الخطاب رجل مهيب خلقه، وبعض الناس يأخذ صفة الهيبة هذه من الإيمان فيكون هو صاحب إيمان عظيم فيهاب الناس كما قال.
كما قال أحد الحكام لأبي حازم -أظن سليمان بن عبد الملك- فقال أو والي المدينة -نعم والي المدينة- قال: ما لي إذا رأيتك هبتك؟ فقال له: إن الرجل إذا هاب الله هاب منه كل شيء، إذا خاف من الله هاب منه كل شيء، وإذا لم يخف الله هاب من كل شيء.
فقال له عبد الله بن أنيس: وكنت رجلا لا أهاب الرجال، فقلت يا رسول الله ما فرقت من شيء قط. انظروا الآن إلى الشجاعة، يعني النبي عليه وسلم يقول إن هذا الرجل من صفة الهيبة إذا رأيته ستهابه وإذا رأيته في رواية أخرى كأنك نظرت إلى الشيطان، وهنا يقول له النبي صلى الله عليه وسلم ستجد له قشعريرة يقشعر هكذا جلدك من الخوف منه، فهو رد قال: يا رسول الله أنا ما هبت، ما فرقت من أحد قط، ما فرقت من شيء قط وكنت لأهاب الرجال، يعني الرجل بلغ الغاية في الشجاعة.
لكن فعلا هذا الرجل لما رأى عبد الله بن لما رأى عبد الله بن أنيس خالد بن سفيان الهذلي يقول: لما رأيته هبته، فكان هذا وصف النبي صلى الله عليه وسلم، يعني رجل ليس إنسان عادي إنما رجل قوي ورجل شجاع ورجل مهيب، ومثل هذا يجتمع الناس حوله. الرجل لما يكون بهذه الطريقة يكون مثل المغناطيس، لأن هذا كاريزمي، هذا الشخص الكاريزمي خطير لما يكون عدو، لأن هذا سيجمع الناس وليس من السهل بعد ما يصل إلى درجة التأثير أن يتم القضاء عليه، لكن في البداية قبل أن يجمع الناس وقبل أن يستتم أمره من السهل أن يقضى عليه بمثل ما فعل هنا النبي صلى الله عليه وسلم معه.
إذن هذا الأمر الثاني، الأمر الثالث المتعلق بعبد الله بن أنيس رضي الله عنه وأرضاه، انظر الآن إلى عبد الله بن أنيس كيف أنه تم اختياره من بين الجميع وكيف أن عبد الله بن أنيس كانت به هذه الأوصاف يعني كان شجاع وقوي وكذلك لما ذهب إليه وسأله قال له: إني رجل من العرب سمعت بالذي تفعله فأحببت أن أكون معك فيه. الآن هو يهابه وفي نفس الوقت مع وجود الهيبة وتحرك القلب يقول له هذا الكلام ما يستطيع عليه الناس عادة، لأن في مثل هذه المواقف يضطرب الإنسان، ولما يضطرب يفتضح، وهذا أمر قد يراه الشخص في المواقف العادية لما تقع معه، كيف في المواقف هذه التي يكون بها قتل والتي يكون شخص يحمل أمانة كبيرة أمانة الإسلام على عاتقه الأمر يكون أثقل وأثقل بكثير؟
والقصد من هذا أن هنا عبد الله بن أنيس رضي الله عنه وأرضاه لما أتاه قال له هذا الكلام حتى استأمنه، فلما استأمنه قتله، فلما استأمن استطاع أن يقتله ويرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويقول له: يا رسول الله قتلت خالد بن سفيان الهذلي. فلما راه النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفلح الوجه».
القصد من ذلك الآن أن هذه الوقفة الثالثة المتعلقة بعبد الله بن أنيس؛ صفة عبد الله بن أنيس رجل غير معروف ورجل يملك هذه الصفات، واختاره النبي صلى الله عليه وسلم من بين جميع الموجودين، من بين جميع الموجودين. هذا الاختيار مثل ما ذكرت أحيانا يكون عندنا في الأعمال أو في الأنشطة بعض الشباب ما يكون له دور إلا في موقف واحد يكون هو جيد في أشياء معينة وتجتمع فيه صفات معينة محددة، فيأتي موقف ما يصلح لها إلا هذا الإنسان، لذلك كلما كان الشخص أبصر بالرجال وأعلم بالإنسان كان أقدر على اتخاذ القرارات بعد الاستعانة بالله سبحانه وتعالى والتوكل عليه، فهنا يعرف أن هذا أنسب واحد في هذا المقام والذي يقود يكون مسؤول أكثر.
من غيره الذي يقود يكون مسؤولاً أكثر من غيره، لذلك كثيراً ما يقع الخطأ بسبب القائد أكثر من التابع. التابع إذا لم يكن صادقاً -وذكرنا هذا في بعض المواطن ونظرية الأبطال- لما ذكرنا قصة سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه بأنه كان قائدآ كاملاً وتاماً، لكن المشكلة كانوا بالاتباع أحياناً يكون كذا وأحياناً يكون كذا. لكن الآن في السياق الذي نتكلم نحن فيه، يكون رجل موجود، لكن هذا الإنسان ما يتخذ القرار الصحيح، وهذا موجود كذلك في كثير من الأعمال، لذلك لا يصلح لقيادة الأعمال الكبرى إلا أفراد قلة من التيار الإسلامي.
وسبب ذلك أن من السهل عند الذي يقود أن يستبدل العامل، وهذا غير صحيح في الإسلام، وهو غير صحيح في الإنسان أصلاً ليس في الإسلام، والاسلام يخاطب الإنسان ما يخاطب الملائكة، فسهل جداً أي واحد يقع به خطأ يستبعده ويضع ثاني مكانه. طيب ما يصلح الثاني، هل مباشرة بمجرد أن يخطئ تستبعده؟ هذا الإنسان هو الوحيد الذي يصلح لهذا المقام ولا يصلح غيره أصلاً، لذلك إذا كان شخص بصيراً بالرجال هنا يكون قادراً بإذن الله على اتخاذ القرارات بطريقة صحيحة وسليمة ومناسبة.
إذاً هذا الأمر المتعلق باتخاذ القرار واختيار الرجل عبدالله بن أنيس وجدت به هذه الصفات، وهذا الرجل ما لم يشتهر إلا بهذا الموقف رضي الله عنه وأرضاه، لم يشتهر إلا بهذا الموقف، وفاز عند الله سبحانه وتعالى بوقت هذه الفتنة، التي لو قدر الله سبحانه وتعالى بأن تستمر لربما أودت بالعمل الإسلامي أو أثرت فيه تأثيراً كبيراً جداً. وهنا كذلك في حسن اتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم لوقت القرار، النبي صلى الله عليه وسلم ما أجل، إنما اتخذ القرار المناسب في الوقت المناسب.
هنا التأجيل يوم واحد قد تكون نتيجته وثمرتها كبيرة جداً، وهذه وقفة كذلك مهمة متعلقة بالفتن التي تنشأ، بعض الفتن قد يستطيع الداعي البسيط أن يقضي عليها، العالم يستطيع في بداية نشأتها أن يميتها، لكن السكوت بحجة أنها تنصلح، بحجة أن عدوك، إذا أميت الباطل بالسكوت عنه وهكذا، قد يصل الحال بهذه الفتنه أن تنتشر حتى تاكل ما شاء الله من شباب الإسلام. وتعرفون كثير من الفتن التي نحن نعيش فيها اليوم في زماننا هذا والتي والذي قبل كذلك، كيف أن بعض الفتن تكون سهل القضاء عليها من الشيخ الموجود في ذاك العصر أو العالم المؤثر، فيستطيع بكلمة واحدة أن يميت هذه الفتنة بإذن الله، لكن هو يسكت بحجة جمع شمل، بحجة أن هذا خلاف شخصي، بحجة كذا وكذا، هذه حجة بسيطة وتكبر وتكبر حتى تصل إلى حال لا يمكن القضاء عليها إلا بعمل كبير ومشقة كبيرة إن أذن الله سبحانه وتعالى بأن يقضى عليها، ربما لا يقضى عليها إلى قيام الساعة، ربما لا يقضى عليها حتى إلى قيام الساعة.
لذلك الذي يكون في موطن تأثير وعنده قدرة على اتخاذ القرار، ليحذر من السكوت في موطن الكلام، وليحذر من التأخر، التأخر هنا كذلك مؤثر. الفتن في بدايتها القضاء عليها يكون سهل وبسيط وبأيسر الأسباب يقضى عليها بإذن الله، لكن لما تكبر وتعم يكون القضاء عليها صعب جداً، يكون القضاء عليها صعب جداً.
لذلك الإمام أحمد رحمه الله تعالى لما غضب على العلماء في زمانه في فتنة خلق القرآن، كان غضباً مقصوداً، وكان يقصد الإمام أحمد بأنهم لو ثبتوه لرجع الرجل، لكن تركوه لوحده، فلما تركوه جرؤوا المأمون على أن يستمر بإقرار هذه الفتنة، لكن لو المأمون رأى بأن العلماء كلهم قاموا بوجه رجل واحد سيهاب على ملكه وسلطانه، فسيتراجع بالتقدير وسيتراجع باتخاذ هذا القرار، لكن لما العلماء لم يفعلوا هذا الشيء إنما بقي لوحده، هنا تجرأ المأمون وتجرأ من جاء بعده بالاستمرار بالفتنة، وما زالت آثار الفتنة إلى اليوم في زماننا. أحمد كان واعي وبصير لهذا الشيء، لكن كان حريصاً على إغلاق هذه الفتنة، وقال: من قال لفظي بالقران مخلوق فهو كذا، ومن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو كذا، بخلاف قول البخاري -لا اريد أن أطفصل الآن ليس هذا مقصوداً رحمه الله تعالى- لماذا؟ لأنه كان داخل في هذه المشكلة، كان واعي ومدرك لخطورتها، فكان يريد أن يغلق الباب، يريد أن يغلق الباب، ولم يكن هو يغفل عن المعنى الذي ذكره البخاري، لكنه كان يريد أن يغلق هذا الباب كله وأن تستمر ولا تستمر هذه الفتنة عند الناس، لذلك قال إن هؤلاء أول من ثلم هذه الثلمة عن العلماء الذين أجابوا بفتنة القرآن، أي قبل ذلك لم يكونوا العلماء بهذه الصورة ولا هذه الطريقة، فغضب رحمه الله تعالى ولم يصلي حتى عليهم ولم يحضر جنازتهم.
وكان يرى بأن هذا باب خطير الذي سلكوه، وأن فعل هذا سيمنع طلاب العلم بالمستقبل من أن يفعلوا هذا الفعل، فكان شديداً رحمه الله تعالى من أجل إغلاق هذا الباب حتى ما يتساهل الناس بالاقتداء بهؤلاء الأعلام. لذلك من البلاء الكبير أن شخصاً ما يشتهر الاشتهار الكبير إلا إذا أخرج الله سبحانه وتعالى، أما هو يدعو ويطلب هذا الأمر أمر خطير ليس أمراً سهلاً، لأنه يكون عليه حمل كبير ويسأل عن أشياء كثيرة، ربما يسأل عنها لو ما كان بهذه الصورة.
طيب، إذا هذه الوقفة الثالثة أو الرابعة، الوقفة التي تليها والمتعلقة بقصة خالد بن سفيان الهذلي مع عبدالله بن أنيس رضي الله عنه. عبدالله بن أنيس و أرضاه هو أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما أتى عبدالله بن أنيس، أخذه النبي صلى الله عليه وسلم ودعا له، وقد أفلح الوجه، وأدخله بيته عليه الصلاة والسلام، ثم أعطاه عصاته، ثم خرج عبدالله بن أنيس رضي الله عنه وأرضاه، فلما راه الناس سالوه، فلما رأوها الناس سألوه عن هذه العصا لماذا أعطاك إياها النبي صلى الله عليه وسلم؟ فرجع هو بعد ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «تخصر بها فإن المتخصرين في الجنة قليل».
فهنا النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه هذه العصا حتى يتخصر بها، حتى يعتمد عليها. هنا المراد بهذا التخصر والمقصود منه والله أعلم الأعمال الصالحة، أي أن هذه العصا هي علامة آية بيني وبينك أعرفها، أعرفك بها يوم القيامة.
فهذا الموقف العظيم الذي قام به عبدالله بن أنيس بلغ به إلى أن يكرمه النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكرامة، وأن يعطيه النبي صلى الله عليه وسلم هذه العصا، حتى أصبح بعد ذلك عبدالله بن أنيس يربط هذه العصا مع سيفه، ولما مات أمر بأن تدفن معه. ومات بعد هذا الموقف بقريب من خمسين سنة رضي الله عنه وأرضاه، مات بعد هذا الموقف بقريب من خمسين سنة، أربعة وخمسين رضي الله عنه وأرضاه من الهجرة. هذه الخمسون سنة التي عاش بعد ذلك لا ذكر كبير له رضي الله عنه، لكن هو من أصحاب بيعة العقبة، وهو كذلك من قاتل يوم أحد، يعني هو كان مختبراً بإسلامه وإيمانه وكان بايع النبي صلى الله عليه وسلم مع الأنصار في بيعة العقبة، وكذلك قاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم في يوم أحد، فهو من خيار الناس رضي الله عنه وأرضاه.
لكن ما جاء الموقف الذي يتم إبرازه فيه إلا في هذه اللحظة، وقام وفاز بهذه الكرامة العظيمة، وأعطاها النبي صلى الله عليه وسلم هذه العصا حتى تكون آية بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم، وأن أقل الناس المتخصرون يوم القيامة، فهو سيعتمد على عمله الصالح. فهنا قام عبدالله بن أنيس بعمل صالح جليل وليس عظيم، وهذه وقفة كذلك بأن الإنسان يرتقي عند الله سبحانه وتعالى بالأعمال الثقيلة مع استمراره بالعبادة اليومية التي يحبها الله سبحانه وتعالى منه، فتعمل وتعمل وتعمل كل يوم، تصلي، تذكر الله، تبر والديك، وهكذا، حتى ياتيك موقف، هذا الموقف الذي ياتى هو الذي سيقفز بك، هذا الموقف الذي سياتي هو الذي سيصل بك بإذن الله.
لما تاتي المواقف حذاري أن تفوتها، مواقف الإيمان انتبه من تفويتها. الله سبحانه وتعالى يقدر الفتن العامة والخاصة حتى تظهر هذه المواقف، فلما تأتي فتنة من الفتن عظيمة تستطيع أن تتخذ فيها موقف، لا تؤجل الموقف، افعل الذي يريد الله سبحانه وتعالى منك، واياك أن تتأول فيه، لأنك قد تموت قبل أن ياتيك موقف آخر، بل حتى لو أتاك موقف آخر لن تصل إلى الدرجة التي ستصل إليها لو اتخذت الموقف الأول، لماذا؟ لأن الله كان يريد منك في الموقف الأول أن تفعل كذا وكذا وكذا، وأنت ما فعلت إلا إذا تبت إلى الله سبحانه وتعالى توبة نصوحاً ممكن تحصل هذا الشيء، لكن غير هذا لا يمكن، لا يمكن، لماذا؟ لأن فاتك الموقف.
حتى أنس بن النضر رضي الله عنه وأرضاه الذي أثنى القرآن الكريم عليه، هو فاته يوم بدر لأنه فاته الموقف، لكن هو صدق رضي الله عنه لما جاء يوم أحد قاتل حتى قتل، فقال الله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 23]، صدق مع الله سبحانه وتعالى، لكن هل هو الآن رضي الله عنه ياخذ أجر بدر أو أجر الصدق هنا؟ أجر الصدق، لكن أهل بدر فازوا بموقف أعظم، يعني حتى من رجع يوم أحد من أهل بدر هم بالاصل أعظم من النضر الذي قاتل حتى قتل في يوم أحد وهو ما رجع، انظروا، لأنه موقف، هذا موقف، فاتك هذا الموقف، فات، وبعض المواقف قد لا تعوض وبعض المواقف قد لا تعوض، لذلك احرص حرصاً كبيراً ألا تفوتك المواقف التي يحب الله سبحانه وتعالى منك.
فهذا الموقف حتى لو قتلت فيه وحتى لو حدث معك ما حدث، قد تعمل بعد أربعين سنة خمسين سنة ما تصل إلى هذا الموقف، ما تصل إلى الذي يريد الله منك سبحانه وتعالى، أو تصل الدرجة التي كنت تستطيع أن تصل إليها في هذا الموقف. طبعا هذا يحتاج إلى صدق مع الله كبير، ويحتاج إلى دعاء عظيم، ويحتاج كذلك إلى توفيق إلهي حتى يعين الله سبحانه وتعالى الإنسان في الفوز بالمواقف التي تعرض لها في حياته. كم موقف سيعرض لك في الحياة؟ ربما موقف واحد فقط، ربما موقفان الكبار، ربما خمس مواقف، هذه المواقف الخمس هي التي ستبلغ بك بإذن الله، هي التي ستوصلك، وبقدر عبادتك اليومية بقدر صدقك مع الله وذكرك لله سبحانه وتعالى وصدقتك وهكذا، عملك اليومي الذي يعتاد الناس عليه يكون فوزك بالموقف، فالموقف كاشف، الموقف كاشف، فقد تكون عندك عبادة معينة يومية، يأتي الموقف تفوز بنسبة معينة، لكن ما تفوز بالنسبه الكبيرة، لماذا؟ لأن عبادتك اليومية ودعائك إلى آخره ما كان ثقيلاً وكبيراً، فالموقف على حسب العمل هذا اليوم يكون بإذن الله الفوز بالموقف مع المجاهدة فيه.
مع المجاهدة فيه كذلك، من ضمن الوقفات التي نريد أن نقف عندها في هذه القصة حرص عبدالله بن أنيس على الصلاة، هو لما رأى خالد بن سفيان الهذلي كان وقت صلاة العصر، وخشي أن يتقاتل معه وتكون بينه وبينه مصاولة فتفوت صلاة العصر، فصلى إيماءً، وخشي إن صلى وراءه يصلي أن يعرف بأنه مسلم، أو أن يتاخر عن إدراكه، فأخذ يصلي ويركع ويسجد إيماءً، أي يومي برأسه، وهذه الصلاة عرفت بعد ذلك بصلاة الطالب والمطلوب، بصلاة الطالب والمطلوب. وانظروا هنا إلى حرص الصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم على عبادة الصلاة في موقف مثل هذا الموقف، هذا يدل كله على تمكن هذه العبادة تمكناً عظيماً من نفوس الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم وأرضاهم، أن الصلاة كانت ثقيلة جداً وعظيمة بالنسبة لهم، مقصدي هنا ثقيلة أي عظيمة بالنسبة لهم، ويعرفون قيمة هذه العبادة الكبيرة في الدين ولم يكونوا يتساهلون بها التساهل الذي قد يقع كثيراً في الأزمنة التي تلت زمن الصحابة رضي الله عنهم ورضاهم وزمن السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم.
وكان عبدالله بن انيس يكمن في الليل وكان يكمن في النهار ويسير في الليل حتى ما تراه العيون أنه خارج من المدينة، وهذا كذلك من ذكائه وحنكته وكذلك ودهاءه. إذاً عبدالله بن أنيس رضي الله عنه وأرضاه صحابي جليل اختاره النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك، اختاره الله سبحانه وتعالى حتى يفوز بموقف عظيم من مواقف الإسلام التي يحمي الله سبحانه وتعالى بها هذه الدعوة النبوية، وكله أثر كبير فيما يأتي بعد ذلك، وفاز بهذا الموقف ثم بعد ذلك أصبح من ضمن عامة العاملين وليس من ضمن المبرزين في العمل الإسلامي.
ومثل ما ذكرت، بعض الناس لا يشترط أن يكون دائماً بارزاً، إنما يكون في موقف معين يبرز في هذا الموقف ثم بعد ذلك يكون من ضمن العاملين والمساهمين المساهمة العامة، لكن لا يكون في المشهد، وليس مقصوداً أن الشخص دائماً يكون ظاهراً للناس، هذا غير مقصود في الدين، إنما يظهر الشخص لما يريد الإسلام منه أن يظهر، لكن إذا ما كان الإسلام يريد منه أن يظهر فلا يقصد، فليس مقصوداً بأن هذا الشخص يظهر، ولا يقصد هذا الإنسان الظهور الدائم وأنه يكون موجوداً دائماً أمام الناس، بل أحياناً يكون عمله في الخفاء أعظم بكثير من عمله في العلن، وليس دائماً أحياناً كذا وأحياناً كذا، كيف نعرف هذا؟ نعرفها من خلال.
الإسلام، نعرف هذا من خلال الإسلام، فبعض الناس يكون مطلوباً منه أن يكون دائماً ظاهراً مع وجود عمل السر عنده، وبعض الناس يكون مطلوباً منه أن يكون بالأصل غير ظاهر، إنما يعمل الأعمال في الخفاء، لا يشترط الناس يعرفون بأنك أنت الذي تعمل كذا، أو أنك أنت الذي قمت بكذا، بل كلما استطاع الإنسان أن يخفي عمله كان هذا أعظم له يوم القيامة، وفيه صدق وإخلاص أكبر من العمل الذي يظهر، إلا إذا كان واجب على الإنسان ظهوره، وإنسان يجاهد نفسه، فهو نعم إن شاء الله تعالى يأخذ هذا الأجر الذي يقوم بإظهار هذا العمل؛ لأن الله يحب منه هذا الشيء مع مجاهدته لهذا الأمر.
إذاً، هذا بعض ما يتعلق بقصة عبد الله بن أنس رضي الله عنه وأرضاه. والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري