دخولتسجيل الدخول

العيش مع الصحابة 08 | عبدالله بن رواحة رضي الله عنه

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد؛ فحياكم الله شباب الإسلام وبياكم، وسدد على طريق الخير خطايانا وخطاكم. نكمل هذه السلسلة المتعلقة بالعيش مع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.

واليوم إن شاء الله تعالى سيكون معنا صحابي جليل من الأنصار، من الخزرج، وهو عبد الله بن رواحة. هذا الصحابي الجليل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين اختارهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى جعله من النقباء في العقبة. فلما التقى النبي صلى الله عليه وسلم بالأنصار في العقبة، اختار منهم اثني عشر نقيبا، تسعة منهم كانوا من الخزرج وثلاثة كانوا من الأوس. وهو أحد النقباء التسعة الذين كانوا من الخزرج، والنبي صلى الله عليه وسلم ما يختار رجلا إلا إذا تفرس فيه الصلاحية.

وهذه الوقفة الأولى المتعلقة بطريقة اختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأمراء أو للقاده، أو لمن يستخلفهم في المكان الذي يريد النبي صلى الله عليه وسلم أن يستخلفهم فيه، فهنا اختيار النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء الأشخاص لابد أن فيهم الصفات التي يصلح أن يقودوا فيها الناس. وهنا النقباء أن هؤلاء هم المسؤولون عمن يكون معهم، فهذا الشخص الذي هو عبد الله بن رواحة هو مسؤول عن ضبط المجموعة التي تكون تحت سلطانه. حتى أوضح لكم الصورة الآن، الشخص لما يكون في مقام القيادة في مقام التأثير وعند أشخاص هكذا متنوعين مناطق معينة أو كانوا كذلك منتسبين إلى قبائل معينة، الاختيار هنا لابد أن يكون بالشخص الذي يستطيع أن يجمع المجموعة التي تحتها.

والناس بطبعها تتعصب لأمور معينة محددة، فالشخص يتعصب لأبيه، يتعصب لقبيلته، يتعصب لمكانه وهكذا. هذا التعصب يزول لما يقوى الإيمان، كلما قوي الإيمان ضعف هذا التعصب، حتى يصل الإنسان في النهاية إلى أن يصبح مؤمنا خالصا، لكن هذا قليل في البشر، والإسلام يتعامل مع البشر على أنهم بشر. اختيار عبد الله بن رواحة يدل على أن هذا الرجل إيمانه صاف، بمجرد أن يلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم تفرس فيه النبي صلى الله عليه وسلم أمرين اثنين؛ الأمر الأول: أن هذا الشخص لن تغلب عصبيته، أي هو ليس كالعرب الذين كانوا يعيشون، إنما هو مباشرة بمجرد أن التقى بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم سيكون تعصبه للإسلام أعظم من تعصبه لأي شيء آخر.

لذلك انظروا كيف ظهر أثر هذا الموقف أو أثر هذا الاختيار لما وقع خلاف، أو لما قال عبد الله بن أبي عليه لعنة الله كذا وكذا للنبي صلى الله عليه وسلم، لما هكذا غبر حمار النبي صلى الله عليه وسلم، فغضب عبد الله بن أبي وقال ما قال، فقال: لا تخشانا في مجالسنا، إنما الذي يريد أن يأتيك فلياتك. فرد عليه عبد الله بن رواحة قال: لا بل يا رسول الله أغشنا في مجالسنا، وقال لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم: أطيب ريحا منك! انظروا كيف رد عليه، مع أن هو من خزرج وهذا من خزرج، عبد الله بن رواحة من الخزرج وعبد الله بن أبي من سادة الخزرج، لكن هنا الإيمان كان أقوى.

هذا الإيمان الموجود في مثل عبد الله بن رواحة رضي الله عنه وأرضاه، وعباد بن بشر وهذا الصحب من الأنصار عليهم رضوان الله تعالى، هو الذي منع عبد الله بن أبي من أن يسحب الخزرج أو أن يؤثر عليهم بمقتضى العصبية. وهذا الأمر لا يتهاون الإنسان فيه ولا يتشاهد الإنسان به، ومن يفهم الكلام الذي أقوله من يعرف الأعمال الإسلامية يعرف كذلك هذا المعنى، وسيصل إلى حقيقة أن المشكلة أو من ضمن المشكلات الكبرى الموجودة عندنا في العاملين الإسلاميين هو عدم التجرد التام والكامل. إلى الآن الكثير ما تجرد، ما وصل التربية الإسلامية فيه إلا أن يكون الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم حقيقة أحب إليهما مما سواهما، فيكون تعصبه لله سبحانه وتعالى والنبي صلى الله عليه وسلم.

عبد الله بن رواحة من الصنف النادر من البشر الذي بسرعة وصل إلى هذه الدرجة، يعني ما احتاج إلى وقت طويل حتى يتجرد هذا التجرد، إنما هكذا بمجرد أن رآه النبي صلى الله عليه وسلم علم بأن هذا الإنسان من الصنف الصافي من البشر، الذي بمجرد أن تختلط الدعوة فيه سيكون انقياده وتسليمه وتعظيمه لها أعظم من كل انتماء قبل ذلك، فيكون انتماء حقيقيا. وهذا المعيار يقيس الإنسان فيه قوة إيمانه، ويقيس الإنسان فيه مدى الدرجة التي وصل إليها في الولاء للإسلام ولنبي الإسلام، بأبي وأمي عليه الصلاه والسلام. عبد الله بن رواحة من الصنف السريع في الاستجابة، ومن الصنف السريع في استقرار الإيمان.

هذا الأمر الأول، الأمر الثاني الموجود في عبد الله بن رواحة العقل. تقول لي: طيب ايش علاقة العقل؟ أقول لك لو ما كان عاقلا أي يستطيع أن يوازن ويقدر الأمور، لما اختاره النبي صلى الله عليه وسلم نقيبا. القيادة من شرطها القوة ومن شرطها الأمانة؛ القوة بمعنى أن يكون قوينا في المكان الذي يستطيع أن يؤثر فيه، إذا ما كان قويا هنا ما يستطيع، حتى لو كان أمينا، حتى لو كان صالحا، لماذا؟ لأن الناس تنفض عنه وهو لا يعرف يقدر الأمور، فلذلك ما يحسن التعامل مع من معه، أو مع من هو محسوب عليه، فلذلك يخرج الأمر عن سيطرته، هذا ما يصلح أن يتم اختياره.

عبد الله بن رواحة ليس من هذا الصنف، إنما هو من الصنف الذي يصلح للاختيار، لذلك اختاره النبي صلى الله عليه وسلم، وأثبت عبد الله بن رواحة صحة هذا الاختيار. يعني مواقف عبد الله بن رواحة التالية أثبتت مدى قوة النبي صلى الله عليه وسلم وحنكة النبي صلى الله عليه وسلم في اختيار الرجال، في اختيار الرجال، وهذه تحتاج إلى وقفة طويلة بالسيرة النبوية؛ كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يختار الرجال؟ ولماذا اختار هذا في المكان الفلاني؟ وهذا في الموطن الفلاني؟ هذا كله دليل على عمق الإدارة عند النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك عندي ولا ريب بأن النبي صلى الله عليه وسلم هو أعظم الرجال بمعرفة الرجال.

لا يوجد لا شاعر ولا عالم ولا مفكر ولا أديب إلى آخره ولا حاكم أعلم بالرجال من سيد الرجال، بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام. وهذا الأمر يحتاج إلى شرح طويل، خاصة لمن يريد أن يدير الأعمال الإسلامية الكبرى، لابد أن يكون عنده موهبة عالية في اختيار الرجال، لأن أي قرار يتخذه خطأ يتسبب بتدمير صنف معين ولابد، ومشاكل البشر كثيرة، والإنفساصل هو مركب من هكذا من من نزوات نفسية كثيرة، وكذلك طبيعة الحياة فيها تقلب، وكذلك الشيطان موجود، والنفس الأمارة بالسوء، هذه كلها ما تجعل الإنسان يستقر على شيء، إنما دائما يكون متغير. لذلك الإنسان كائن متغير وليس كائن ثابت، الإنسان كائن متغير، هذه كلمة لابد أن تحفظ؛ يعني ابنك في الثانوي ليس هو ابنك في الجامعة، هذا إنسان آخر، ابنك في الجامعة أو صاحبك في الجامعة ليس هو صاحبك بعد الزواج، هذا إنسان آخر، صاحبك بعد الزواج ليس كصاحبك بعد ما يرزق بأبناء، هذا إنسان آخر، فلا بد أن تجدد العلاقة بناء على نفس هذه المرتبه التي يصل الإنسان إليها.

إذا الاختيار الأول أو الوقفة الأولى المتعلقة بعبد الله بن رواحة هي نفس اختيار النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل الذي يصلح أن يكون في هذا المقام. فلما يريد شخص أن يختار أشخاصا حتى يكونوا في مقام التأثير لابد أن يكون تعصبهم للإسلام أعظم من أي تعصب آخر، ولما يقع التعصب الطبيعي بين البشر هو ينحاز إلى الإسلام ولا ينحاز إلى القبيلة ولا ينحاز إلى البلدة ولا إلى الوطن، إنما ينحاز إلى الدين، ينحاز إلى الدين فيكون ولاؤه حقيقة لله سبحانه وتعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام، ولو كان على حساب أقرب الناس إليه، ولو كان على حساب أقرب الناس إليه.

الوقفة الثانية المتعلقة بعبد الله بن رواحة؛ عبد الله بن رواحة كان أحد شعراء النبي صلى الله عليه وسلم. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان عنده أربعة مؤذنين، وكان عنده خطباء، وكان عنده كذلك ثلاثة من الشعراء؛ منهم حسان بن ثابت، وكذلك كعب بن مالك، وكذلك عبد الله بن رواحة. عبد الله بن رواحة ممن أثنى الله سبحانه وتعالى عليه في كتابه العظيم؛ فلما أنزل الله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الششعراء: 224] هنا تكلم عبد الله بن رواحة وذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أحدا من هؤلاء، فنزلت الآية التي تستثني أهل الإيمان والصلاح، فعبد الله بن رواحة ليس من الشعراء الذين يتبعهم الغاوون، إنما هو من الشعراء الذين ينافحون عن الإسلام ويذبون عن الدين.

وعبد الله بن رواحة لما ندخل هكذا في سيرته نجد عدة معاني بارزة فيه؛ المعنى الأول بارز جدا في الشعر، والمعنى الثاني بارز جدا في القيادة وجدناها هنا بالنقباء، وسنلاحظها كذلك بعد ذلك في إمارته في مؤتة، كذلك في إمارته في غزوة مؤتة مع الروم، وهو الأنصاري الوحيد المختار، هو الأنصاري الوحيد الذي اختاره النبي صلى الله عليه وسلم حتى يجابه الرومان، حتى يقاتل الرومان. وكذلك نجد الأمر الثالث البارز في سير عبد الله بن رواحة رضي الله عنه وأرضاه، الانتماء للإسلام، الانتماء للدين كان عاليا جدا فيه.

وكذلك نجد في سير عبد الله بن رواحة رضي الله عنه وأرضاه محبته لمجالس الإيمان ودعوته، يعني عبد الله بن رواحة تستطيع أن تقول هو داعية، وتستطيع أن تقول هو مجاهد، وتستطيع أن تقول هو شاعر، وتستطيع أن تقول بأنه هو رجل صالح. هذه الأربعة قد تكون موجودة عند الكثير من الناس، لكن بصورة هكذا تكون متساوية في الإنسان أو متقابلة في الإنسان هذا نادر جدا، الشخص يكون مثل خالد بن الوليد مشهور بالجهاد لكن ما تجد خالد مشهور بالدعوة رضي الله عنه وأرضاه.

تأتي عند مثلا شخص آخر مشهور بالععلم لكن ليس مشهور بكذا، مثل تأتي عند أبي هريرة مشهور بالحفظ وتبليغ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم لكن ما تجد مشهور في كذا وهك، حسان بن ثابت مشهور بالشعر بل هو شاعر النبي صلى الله عليه وسلم الأول لكن ما تجده موجود في الجهاد أو بارز في الجهاد وهكذا. عبد الله بن رواحة العجيب أن هذه المعاني كلها موجودة عنده، وما تستطيع لما تعيش في سيرته ما تستطيع تقول إن هذا أبرز من هذا ولا هذا أبرز من هذا، فهو كان مجاهدا جهادا عجيبا، وكذلك كان شاعرا ينافح عن الإسلام وعن نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام بقوة.

كذلك تجد انتماء للدين ومواقفه كثيرة فيها، كذلك تجد دعوته، عبد الله بن رواحة كان إذا مر على أبي الدرداء كان يضرب أعلى ظهره إذا راه مدبرا، وإذا كان مقبلا يضرب بين ثدييه ويقول: اجلس بنا نؤمن ساعة، اجلس بنا نؤمن ساعة. فكان هو هكذا يعني يتحرك حتى يبلغ الرسالة للناس، فكان يقول عنه النبي صلى الله عليه وسلم إن عبد الله بن رواحة يحب المجالس التي يباهي الله سبحانه وتعالى بها الملائكة، يعني هو حريص أن ينشئ المجلس الذي يباهي الله سبحانه وتعالى ملائكته فيه، هذا يعني هذه مرتبة إيمانية رفيعة جدا وعالية عالية جدا.

فهو حريص أن يكون بهذه الطريقة، حريص أن يكون بهذه الصورة وأن يعقد مثل هذه المجالس. إذا عبد الله بن رواحة رجل كامل، وهذه التربية الاسلامية الشمولية فريدة هي موجودة في كل الصحابة وجميع الصحابة، ولكن الصحابة يتفاوتون بالنسب، يتفاوتون بالنسب، ولكن نفس التربية تجدها شمولية، وتجدها كذلك في علماء الإسلام الأوائل. هذه التربية الشمولية ضعفت جدا عند المتأخرين، ولم تعد بهذه الصورة ولهذه الطريقة، فممكن شخص يكون صالحا هكذا من البيت إلى المسجد ومن المسجد إلى البيت، لكن لا علاقة له بخارج المسجد، وشخص آخر ممكن يكون قويا في جانب معين لكن لا علاقة له في هذا الجانب، وهكذا.

الصحابة كانت التربية الإسلامية شمولية، وعبد الله بن رواحة نموذج يصلح أن نعيش مع شموليته، يصلح أن نعيش مع شموليته. عبد الله بن رواحة يعرف الموهبة الموجودة عنده في الشعر، إذا قال: أنا ساكون شاعر النبي صلى الله عليه وسلم وسأنافح على الإسلام، ساكون أنا من ضمن وزارة الإعلام. عبد الله بن رواحة من الأشخاص الذين عملوا في أكثر من وزارة، فهو عامل في وزارة الدفاع، وعامل في وزارة الإعلام، وعامل في وزارة الدعوة، يعني هو شمولي، هذا هو شمولي.

فعمله في وزارة الإعلام كان قويا جدا ومؤثرا، لذلك كان يقول بعض العلماء بأن شعر عبد الله بن رواحة كان فيه تعيير الكفار بكفرهم، وكان هو أشد شعر على أهل مكة على قريش، أما شعر حسان بن ثابت وشعر كذلك ابن مالك كان فيه المفاخرة؛ أنتم فعلتم كذا ونحن فعلنا كذا وهكذا ويذكرون الأيام، لكن شعر عبد الله بن رواحة كان في تعيير الكفار. وهذا يكشف لكم الانتماء، قوة الانتماء عند عبد الله بن رواحة، فكان مع النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة الجعرانة وكان يقول:

خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله

فكان يقول له عمر بن الخطاب: يا ابن رواحة.

تقول الشعر في حرم الله وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «خَلِّ عَنْهُ يَا عُمَرُ، لَهِيَ فِيهِمْ أَسْرَعُ مِنْ نَضْحِ النَّبْلِ»؛ يعني هذه الكلمات التي كان يطلقها عبد الله بن رواحة كانت تفت بالكفار أكثر من أثر السهام. انظروا إلى أثر الإعلام، انظروا إلى قوة الإعلام وأثر الكلمات. موسى عليه السلام لما قال للسحرة: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم بَعْذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى * فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ﴾ [طه: 61-62]. الكلمات لها تأثير عظيم جداً، بشرط أن تخرج من قلب صادق. الكلمة لما تخرج من شخص صادق، يعني قبل أن تخرج هذه الكلمة، هذه الكلمة قذفها مدفع الإيمان، بقدر وجود الإخلاص والصدق بهذه الكلمات يكون أثر هذه الكلمات. قد يؤلف الشخص المجلدات، لكن الله سبحانه وتعالى ما ينفع بها ولا يكون لها أي أثر، وممكن يسفك عمره كله بالتأليف، لكن هذا كله لا قيمة له؛ لماذا؟ لأنه عاري وخالي من الصدق، خالي من الإخلاص.

لكن لما كل كلمة معها إخلاص، معها صدق، خارجة من قلب لا يريد منها إلا ما عند الله سبحانه وتعالى، هذه الكلمة تعمل عملها بالكفار ويكون لها أثر عظيم جداً فيهم، وهذا هو سر تميز عبد الله بن رواحة، وسر تميز حسان بن ثابت، وسر تميز واختيار الكثير من الكتب الإسلامية. لماذا البخاري بقي كتابه؟ لماذا مسلم بقي كتابه؟ لماذا فلان بقي كتابه؟ هذا الكتاب معه إخلاص، معه صدق، معه تعظيم، معه محبة. فهو لما كتب الكتاب، هو ما كتبه وفي ذهنه أن هذا الكتاب سيقول الناس عنه كذا وكذا، أو في ذهنه بأن هذا الكتاب هو الآن خلاص أتقن إلى آخره، إنما هو كتب بميدان الإيمان، كتب بميدان الحب، بميدان التعظيم. فلما يطلق عبد الله بن رواحة رضي الله عنه وأرضاه مثل هذه الكلمات، هو يطلقها ويريد أن يثبت الله سبحانه وتعالى محبته، لذلك تجدون الشعراء الثلاثة كل واحد منهم كان لشعره أثر كبير في الدين. فأسحاق بن ثابت كان يقول عنه النبي صلى الله عليه وسلم: «هَاجِهِمْ وَرُوحُ الْقُدُسِ مَعَكَ»، وكعب بن مالك قال بيت حفظه الله سبحانه وتعالى له لما قال: زعمت سخينة أن ستغلب ربها، ولا يغلبن مغالب الغلاب. يقول له النبي صلى الله عليه وسلم: «هَذَا الْبَيْتُ حَفِظَهُ اللَّهُ لَكَ». انظروا كيف هذا البيت مسطر عند الله سبحانه وتعالى، مكتوب باسم كعب بن مالك. سخينة هي قريش، لكن هذا البيت فيه تعظيم كبير لله سبحانه وتعالى، فالله سبحانه وتعالى لم ينسَ له هذا البيت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

كذلك هنا عبد الله بن رواحة هذا كان يقول عنه النبي صلى الله عليه وسلم: «لَهِيَ فِيهِمْ أَسْرَعُ مِنْ نَضْحِ النَّبْلِ». لذلك من كانت عنده مثل هذه الموهبة، الشعر أو الإعلام أو القوة في البيان إلى آخره، لا يفرّط بها؛ استثمر هذه الموهبة، هذه الموهبة عظيمة جداً في إقرار الإسلام، وفي تثبيت الإسلام، وفي التأثير كذلك على الكفار، بشرط أن تكون مع هذه الموهبة إيمان، مع هذه الموهبة صدق، مع هذه الموهبة تعظيم لله سبحانه وتعالى. فكل من يفتح الله سبحانه وتعالى عليه في موهبة من المواهب، لا يفرّط بها، فيكون دور هذا الشخص في استثمار هذه الموهبة في نصر الدين، والسعيد من عرف مواهبه وعرف كيف ينصر الإسلام من خلال هذه المواهب. والوقفة الطويلة التي سأتكلم عنها إن شاء الله تعالى حول الشعر وأثره والإعلام وأثره، سأجعلها بإذن الله مع حسان بن ثابت، باعتباره هو أول شعراء النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه وظيفته بالأصل في نصرة الإسلام.

لكن هنا فقط أريد أن أُبين وأظهر ميزَة عبد الله بن رواحة، بأن عبد الله بن رواحة كان يضرب بسهم في كل مكان. وعبد الله بن رواحة في يعني هكذا في انطباعي عنه رضي الله عنه وأرضاه، هو مثال الإنسان الذي يريد أن يلج إلى الجنة ويدخل الجنة بالطريق الذي يفتح الله سبحانه وتعالى عليه فيه. فإذا كان من الشعر سيتكلم بالشعر، إذا كان بالجهاد سيكون مع المجاهدين، إذا كان يعني عبد الله بن رواحة كان هو الوحيد الذي يصوم مع النبي صلى الله عليه وسلم بالسفر، وما في من الأنصار صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة. تقول: طيب كيف هذا الانسان يصوم في يوم شديد الحر وفي سفر ولا يصوم إلا هو فقط؟ أي هو يريد أن يدخل الجنة. هذا الشعور كان غالب عنده رضي الله عنه وأرضاه، فإن كان بالعبادة سيكون سالك العبادة وسيفعل العبادة التي ما يفعلها أكثر الناس، وقد يكون بالدعوة، وهو ما يدري ممكن هذا الموقف الذي الآن حدث لأبي الدرداء فيه، وذكر أبا الدرداء أو ذكر فلاناً من الصحابة، ممكن هذا الموقف يكون في باطنه الرضا، في باطنه البركة، في باطنه القبول.

القبول يا شباب ما نعرفه، احنا ما نعرف، ممكن شخص يعلم عشر سنوات، ويدرس عشر سنوات، ويتكلم عشر سنوات، لكن الموطن أو الكلمة التي سيدخل بها الجنة إلى الآن ما أتت. لذلك عبد الله بن مبارك لما قيل له رحمه الله تعالى: الرجل يدخل المسجد والامام ساجد، أيسجد معه أم ينتظر؟ قال: يسجد، لا تدري لعلها هي التي تنجيك من النار. لذاك الشخص لا يفرط بأي موقف يعرض له، ما تدري يمكن هذا الموقف الذي تنصح فيه فلاناً ويكون لقاءً عارضاً في سفر أو لقاءً عارضاً في منطقة أو ذاهباً من أجل شيء معين، لكن هكذا الله سبحانه وتعالى يبعث لك شخص، ممكن يكون هذا الموقف هو الذي به الرضوان، ليس الكلمات ولا الدروس ولا البرامج ولا المحضن التربوي ولا الحلقات، هذه كلها ممكن ما يكون فيها الرضوان. طيب كيف أعرف؟ هكذا ما قال لك أنك ستعرفه، لا يمكن أن تعرفه، لكن كن مبادراً، وهذه ميزة الصحابة، يعني كن ممن يتعامل مع الموقف على أنه هذا آخر موقف وهذا أول موقف. أول موقف باعتبار أنه ما عمل شيئاً قبل ذلك، حتى يضع قيمته في البيان والبلاغ، وآخر موقف حتى يصدق فيه ويخلص فيه، فلعل وعسى يكون هذا الموقف هو الموقف الذي يرضى الله سبحانه وتعالى بك ويوصلك عنده ويرقيك عنده. لذاك لا تتخلف عن أي موطن من مواطن النصرة، ولا تتخلف عن أي عمل تستطيع أن تعمله، لا تتخلف أبداً، لأن قد يكون به رضوان الله سبحانه وتعالى.

إذاً، هذه الوقفة الثانية المتعلقه بشمولية عبد الله بن رواحة رضي الله عنه وأرضاه. الوقفة الثالثة المتعلقة بعبد الله بن رواحة رضي الله عنه وأرضاه: الجهاد. عبد الله بن رواحة كان مجاهداً، وجاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم، وشاهد المشاهد، وحضر بدراً. إذاً، لما نقول بأنه حضر بدراً وحضر العقبة، إذاً هذا ليس من الدرجة الثانية، إنما هو من الدرجة الأولى. فبدر أصحاب بدر هم أعظم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، إذاً هذا من خير ثلاثمئة صحابي، هذا الرجل من خير ثلاثمئة صحابي شهد بدراً، وقبل ذلك كان في العقبة وشهد كذلك أحداً، وكذلك استعمله النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يزل يستعمله، هذا الاستعمال لعبد الله بن رواحة أوصله إلى أن يصيب المراتب العالية عند الله سبحانه وتعالى.

ولما ثبت عند النبي صلى الله عليه وسلم باليقين بأن هذا الرجل ليس من الرجال الذين يتخلفون عن المواقف الكبيرة. شوفوا يا شباب، بعض الناس ممكن يقوم بالموقف العادي، لكن ما يقوم بالموقف الثقيل؛ يعني هو لما تقول له: عندنا دعوة مثلاً لكن ما يترتب فيها شيء ولا ضرر، يذهب معك، لكن لا تقول: هذه الدعوة ممكن يترتب عليها ضرب مثلاً، وممكن معها مساءلة، ممكن سجن، ممكن يتردد ويخاف ويتراجع. قسم لا، قسم ممكن يكمل، لكن لما تقول فيها قتل، لا، هنا ما يبقى إلا القليل. ذهاب الصحابة في غزوة مؤتة هي عملية أشبه ما تكون بالاستشهاد، خلاص، يعني الذي ذهب هو المفترض أن يكون متصوراً بأنه لن يرجع؛ لماذا؟ لأن هنا المعركه ليست متكافئة، هنا ثلاثة آلاف مقابل مئتي ألف، هنا مع من؟ مع الرومان، يعني ليسوا مع قبيلة من قبائل العرب، إنما الآن القتال سيكون مع أعظم إمبراطورية في ذلك العصر.

فلما ذهبوا رضي الله عنهم وأرضاهم، فاختار النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة، واختار جعفر بن أبي طالب، ثم اختار عبد الله بن رواحة، واختار هؤلاء القادة الثلاثة، اثنان من المهاجرين والثالث من الأنصار. لما وصلوا وصلوا إلى مؤتة واقتربوا منها وعلموا بعظم جيش الرومان، كأنهم ترددوا، من الذي ثبتهم؟ عبد الله بن رواحة. قال: إن الذي تكرهون هو الذي خرجتم له تطلبون، هذا الذي تكرهون الشهادة، أنتم خرجتم من أجلها، إذاً لماذا تتراجعون؟ بعضهم كان يقول: لا نرجع، بعضهم يقول: نخاطب النبي صلى الله عليه وسلم ونرسل له حتى نعلم النبي صلى الله عليه وسلم بثقل الموقف. فالذي ثبتهم عبد الله بن رواحة رضي الله عنه وأرضاه، ودفعهم إلى الاستمرار، فاستمروا، فاستمروا حتى بدأ الصراع وبدأ القتال، والآلاف الثلاثة مقابل المئتي ألف، كيف سيكون القتال؟

هنا القائد لابد أن يكون استثنائياً، لا يكون قائداً عادياً، استثنائياً بجميع المقاييس. زيد بن حارثة، انظروا الآن إلى الثلاثة حتى تعرفوا قيمة عبد الله بن رواحة. زيد بن حارثة كان من أول من أسلم من الموالي، أول من أسلم أربعة: من الصبيان علي، ومن الرجال أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد بن حارثة. إذاً هذا سابق، هذا قديم، هذا قبل كل العشرة المبشرين بالجنة إلا علي وأبو بكر، الله أعلم من كان قبل الآخر. إذاً هذا كان قبل عمر وقبل أبي عبيدة وقبل فلان وفلان. هذا ثبت بالدليل القاطع بأن هذا الإنسان ما يتخلف، إذاً موقف مثل هذا ثقيل، يستحق أن يكون هو القائد الأول فيه، وهذا لعله سبب تقديمه على جعفر بن أبي طالب. لماذا رتبه النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الطريقة؟ الأول ثم الثاني ثم الثالث. لماذا زيد أول واحد؟ لأن زيد بن حارثة كان أول من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم، وزيد بن حارثة ترك والده وترك أقاربه واختار النبي صلى الله عليه وسلم لما أتوه إلى مكة وبقي مع النبي صلى الله عليه وسلم، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في زيد أنه يستحق أن يكون قائد هذه المعركه وهو أولى من يقودها، مع أنه كان موجوداً من ضمن المقاتلين خالد بن الوليد. ولم يكن اختيار خالد لنقص خالد، لكن لم يتم اختيار خالد الآن حتى نتاكد من قوة إسلام خالد، فكانت مؤتة هي اختبار لخالد بن الوليد، كانت مؤتة اختباراً.

وذكرنا لكم مراراً وتكراراً يا شباب بأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يختار أحداً إلا بعد ما يختبره، لا يختار أحداً إلا بعد ما يختبره حتى ما، وهذا لا وجود له أصلاً، اختيار شخص من غير اختبار هذا لا وجود له، إلا ممكن عند الأشخاص الذين ما يفقهون طريقة العمل، لأن عند الاختبار يثبت الإنسان، يثبت صدقه، قبل ذلك الكل يدعي الصدق والكل يدعي المحبة للدين والكل يدعي هكذا نصرة الإسلام، لكن الاختبار هو الذي يكشف نسبة وقوة هذا الإنسان. زيد بن حارثة أقدم هؤلاء بالإسلام وأسبقهم، إذاً هذا لا يمكن أن يتخلف، وثبت في مكة ثلاثة عشر عاماً، والآن في المدينة كذلك ثماني سنوات، يعني واحد وعشرون سنة زيد بن حارثة مع النبي صلى الله عليه وسلم، إذاً يكون قائداً.

من الثاني؟ جعفر بن أبي طالب. لماذا تم اختيار جعفر؟ لأن جعفر كذلك من السابقين، وججعفر هاجر إلى الحبشة وبقي هناك وكان هو المتحدث، وستكون عندنا وقفة خاصة مع جعفر رضي الله عنه وأرضاه، وجعفر أسبق من عبد الله بن رواحة بالإسلام. وثبت كذلك بالدليل القاطع أن هذا الرجل لا يتخلف، وأن هذا الرجل من أشجع الناس. ولما جاءت المعركة وقتل زيد، وأخذ الراية جعفر، وتعرفون كيف البلاء العظيم الذي وقع عليه وكيف تكسرت النصال على جسده وكيف طعن هذه الطعنات الكثيرة وقطعت يده اليمنى ثم اليسرى ثم أخذ الراية بين عضديه حتى استشهد رضي الله عنه وأرضاه ورآها النبي صلى الله عليه وسلم يطير في الجنة بجناحيه.

الثالث عبد الله بن رواحة. زيد بن حارثة حتى نعرف قيمة عبد الله بن رواحة لازم نعرف زيد ولازم نعرف جعفر. عبد الله بن رواحة بعد هؤلاء بالإسلام، ولم يختر النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار كلهم إلا هذا الرجل بالذات، إذاً هذا الرجل يصلح أن يكون في هذا المقام الثقيل جداً، وهذه منزلة عظيمة عظيمة جداً لعبد الله بن رواحة رضي الله عنه وأرضاه. فلما أخذ الراية زيد وقتل، ثم أخذها جعفر وقتل، أخذها عبد الله بن رواحة رضي الله عنه وأرضاه. لما أخذ الراية تردد هنيهةً، ثم بعد ذلك ثبت نفسه وقال: أقسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلِنَّهْ لَتَنْزِلِنَّ أَوْ لَتَكْرَهِنَّهْ أَجْلَبَ النَّاسُ وَشَدُّوا الرِّنَّةْ مَا لِي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الْجَنَّةْ؟ هَلْ أَنْتِ إِلَّا نُطْفَةٌ فِي شَنَّةْ؟ ولما جرح أصبعه قال: هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبعٌ دَمِيتِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ

تمنيتي فقد أعطيت، هذا حمام موت قد صليتي، إن تفعلي فعله فما هديتي.

فتقدم حتى قتل رضي الله عنه وأرضاه. وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يقص على الصحابة رضي الله عنهم وهم في المدينة شأن هؤلاء الثلاثة، فقال: أخذ الراية زيد فاصيب، ثم أخذ الراية جعفر فاصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فاصيب، وعيناه تذرفان عليه الصلاة والسلام. ثم رأى عليه الصلاة والسلام منازلهم في الجنة، فكان زيد ثم جعفر وعبد الله كلهم على أسرّة من ذهب، إلا أن في سرير عبد الله بن رواحة ازوراراً. ازورار يعني نقص ميلان.

فسأل الأنصار: لماذا يا رسول الله؟ الأول والثاني كلهم من المهاجرين، لماذا الأنصاري هكذا فيه ازورار؟ فذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن سبب ذلك هو التردد. تردد هنا الميزان دقيق، الميزان دقيق لازم تعرف هذا الشيء، فالتردد هذا ينزلك. تقول لي طيب كيف ما أتردد؟ أقول لك: لا تسمح للتردد أن يسيطر على قلبك.

كان يحدثني أحد الأشخاص، كان عندنا أحد الأشخاص من الكبار في السن جداً، عمره تجاوز 80 سنة، سبحان الله، ما يجتمع هو والمنكر أبداً، فيُنكر المنكر مباشرة مع وقعت له مشكلات كثيرة وهكذا، ترى بلاءات عظيمة لكن لا يجتمع هو مع المنكر. فسألت مرة أحد أبنائه، قلت له: كيف والدك يُنكر بهذه الطريقة يعني ما يسكت وعنده استمرارية بالانكار مع عظم المخالفة، مع عظم مخالفة الناس له وعدم تقبلهم منه إلى آخره؟ فقال: سألت أبي فقلت له: يا أبتي أنت ما يمر عليك تردد؟ ما يمر عليك أنك هكذا تخاف وتتوجس؟ قال: أنا أبادر قبل أن يصل التردد إليّ. يعني هو يُنكر من غير أن يُفكر، إذا فكرت لن تُنكر.

وكان حج شخص آخر كذلك من المربين المحبين، يقول: عندي مشكلة كبيرة. قلت: ما هي؟ قال: ما أنكر المنكر. قلت: كيف؟ قال: مثلاً أُصلي بجانب شخص يخطئ. قلت: طيب؟ قال: أقول أريد أن أكلمه، بعدين أقول لا، بعدين أكلمه وهو ما يعرفه، يقول حتى يذهب. يقول: ما أستطيع، ما أستطيع. لكن هو مفتوح عليه بالتربية.

القصد من ذلك انظر الآن كيف أن شخصاً إذا فك هذه قاعدة: إذا فكرت لن تفعل في الأمر الواضح، طبعا ليس مع هذاك ما تفكر، لكن في الأمر البين الواضح في المنكر، إذا فكرت لا تُنكر. لماذا؟ ماذا ستُقول؟ ستأتي الاحتمالات، ويجتمع عليك الشيطان والنفس الأمارة، خلاص لن تفعل. وفكر في المواقف التي مرت عليك، ستلاحظ أن عامة المواقف ما أنكرتها بسبب هذا الشيء. إذاً المبادرة المبادرة المبادرة.

وعبد الله بن رواحة مبادر، لكن هنا وقع التردد هذا يسير جداً منه رضي الله عنه وأرضاه، وهذا الميزان دقيق. الميزان يوم القيامة دقيق، فاللي يتردد في موقف مو مثل الذي ما تردد في أي موقف، والذي يتردد في موقفين ليس مثل الذي لم يتردد إلا في موقف واحد، وهكذا.

أنظروا إلى أنبياء الله سبحانه وتعالى، تجدون بأن أنبياء الله سبحانه وتعالى ما عندهم تردد. أنظروا إلى سيرة الصِّديق، الصِّديق في حياتها كلها ما فيها تردد. كل رجل عُرض عليه النبي عليه السلام تردد أو عنده كانت كبوة، أبو بكر ما عنده أبداً: إن كان قالها فقد صدق. أناس يرتدون، هو يقول: إن كان قالها فقد صدق. هذه هذه منازل يتنافس، هذه هذه شوفوا يا شباب، هذه هذا النوع بالمنافسة خاص بالأولياء، يعني هنا المنافسة بين الأولياء ليست مع عامة الناس، لا، هذه بين الأولياء أنفسهم.

فهنا واحد من المشايخ المعاصرين المشهورين جداً ولا أُريد أن أسميه الآن -أسأل الله أن يفرج عنه- يقول بأني رايت في المنام، هو شيخ فاضل وعظيم والكل يعرفه، يقول بأني رايت فيما بين النائم واليقظان بأن شريط حياتي عُرض عليّ، وقيل لي: هذا الموقف لماذا لم تنكره؟ هذا الموقف لماذا ما تكلمت فيه؟ هذا المنكر لماذا ما يقول مر عليه كله. مر عليه هذا. فهو بعد ذلك أصبح من أشهر المنكرين، هو معروف عند عامة الناس ومن أشهر مشايخ العصر، الله سبحانه وتعالى يثبته ويفرج عنه.

القصد من ذلك أن الإنسان لا يسمح لقلبه بأن يتردد، حاول بقدر ما تستطيع أن تضيق دائرة التردد عندك بالمبادرة. وذكرت لكم بأن ميزة الصحابة كانت في الاستجابة والمبادرة. أنظروا في القرآن الكريم الصدق الصدق كيف تكون مع الاستجابة ومع المبادرة، وأعظم الصحابة وأكثرهم وأسرعهم استجابة هؤلاء تجدون في عليه الصحابة. أنظروا إلى الصِّديق، أسرع شخص للاستجابة. أنظروا إلى الصِّديق، أول واحد مبادر. فالاستجابة مع المبادرة كانت ظاهرة وقوية جداً في الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.

وعبد الله بن رواحة من هذا القسم من الناس، إلا أن هنا عرضت له هذه هذا التردد اليسير، ثم ثبت نفسه واستمر وفاز عند الله سبحانه وتعالى بهذا المقام العظيم. وكذلك لعل هذا التردد المقصود منه بيان منزلة زيد وجعفر بأنها أعظم؛ لأنهم أسبق بالإسلام وبالتضحية، وهذه السنوات التي مرت عليهم الدعوة إلى الله والإسلام والثبات في مكة، وكذلك في الحبشة لها اعتبارها في الدين.

فالسابق بالخيرات لا شك بأنه أعظم إذا لم يتخلف، أعظم بأنه إذا لم يتخلف، ويصعب جداً أن يأتي شخص متأخر ويسبق السابق بالإسلام، صعب جداً. يعني واحد يبدأ بطلب العلم والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى بعمره مثلاً 20 سنة أو من أول بلوغه، ثاني يدخل عمره 30 عمره 40 سنة مثلاً، صعب أن يسبق ابن 20، إلا إذا كان بـ 20 إنسان عادي، لكن إذا كان 20 إنسان دائماً ينافس نفسه، يعني قوي، صعب صعب أن يسبق هذا لا يمكن أن يسبق بالعاده، لأن هذه السنوات محسوبة، هذه السنوات وهذه الأوقات محسوبة، إلا إذا كان الشخص هذا يعني ابن 20 كانت كان تدينه عادي مثل تدين المعاصر عند الكثير من الناس، تدين عام، ليس تدين كبير ولا قوي، وكذلك ابن 40 يعمل عمل صادق عمل قوي، لا، هنا ممكن يحصل بالسنة ما يحصل الشخص بـ 20 سنة.

فالصحابة بست سنوات كان الواحد يس فردوس الأعلى، وقد يكون أقل من ذلك. وذكرنا لكم قصة سعد بن ربيع ثلاث سنوات فقط ووصل إلى ما وصل إليه وصاب المراتب العالية، حتى كان الصِّديق يقول: هذه ابنة رجل خير مني، يقص سعد بن ربيع رضي الله عنه الصحابه أجمعين.

الوقفة الرابعة المتعلقة بعبد الله بن رواحة رضي الله عنه وأرضاه: شعوره بأهمية الدعوة أو أهمية حضور مجالس الذكر. شوفوا يا شباب، الكثير من الناس قد يكون عنده مسجدين؛ مسجد قريب ومسجد بعيد. البعيد قد يكون في مجلس كل يوم بعد الفجر أو بعد العصر مثلاً هكذا قراءة من رياض الصالحين، هذا موجود في كثير من البلدان، مجلس سياسية ثلاث دقائق أربع دقائق، هو يستطيع أن يصلي في هذا المسجد هذا، لكن هو لا يصلي فيه، يصلي المسجد الذي أقرب منه، فتفوته مجالس الذكر كل يوم. يعني هو يستطيع أنه كل يوم يحصل مجلس مجالس الذكر، أو يكون في مجلس مجالس الذكر، لكن هو ما يكون هذا الأمر عنده كبير فيخسر خسارة عظيمة جداً.

عبد الله بن رواحة يعلمنا أهمية إنشاء مجالس الذكر، ويعلمنا أهمية حضور مجالس الذكر، ويعلمنا أهمية أن تكون مجالسنا فيها ذكر. فكان عبد الله بن رواحة بهادس: تعال بينا نؤمن ساعة، تعال بينا نؤمن ساعة. فكان ما يترك أبو درداء، خلاص ينظر، طبعا أبو درداء هو أخيل لأمه، فكان إذا رأى مدبراً قال: يا أبا درداء، تعال أمن ساعة، طيب يعني إيش؟ لما نذكر الله سبحانه وتعالى ونتذكر شيء من الخير، وهكذا.

فكان عبد الله بن رواحة بهذه الصورة، لذلك عبد الله بن رواحة في رصيده مجالس ذكر كثيرة كثيرة جداً. وأذكر يعني أحد المشايخ المعاصرين كان حديثني أحد مشايخي -أسأل الله أن يحفظه يا رب العالمين ويبارك به- كان يدرسنا ويعلمنا، وكنا مجموعة من الطلبة نحضر عنده، وكان عددنا قليل، وهو كان دروسه طويلة وثقيلة يعني في الطرح إن صحت العبارة، يعني يصعب أن يستمر الشخص فيها، وكان هو حريص جداً أن يتقن ويجود دروسه، وكان عنده درس بعد العصر، وكان عنده درس بعد العشاء، طبعا غير الدروس العلمية التي يعني من يريد أن يطلب العلم، هو عنده هكذا يعني الجدية كانت عالية جداً، فما كان يسمح أن يطلب أحد عنده العلم إذا ما كانت جديته عالية جداً.

وكان عنده مجالس عامة، اللي هي عامة الناس في المسجد، فكان بعد العصر عنده هكذا تعليق خمس دقائق هكذا رياض الصالحين أو شيء عام لأهل المسجد، وكان عنده بعد العشاء كل يوم مجلس في التفسير لمدة ثلث ساعة فقط. هذه المدارس العامة كان يحضرها عامة الناس، كان يحضرها عامة الناس، وبعضهم هو إمام مسجد، بعضهم ليسوا كانوا مصلين في مسجده هو ما كان يعرفهم، هو ما كان يعرفهم.

فكان يحدثنا ويقول: إني مرة من المرات بعد ما توقفه عن بعد ذلك الإمام بسبب أحداث معينة بالأمة الإسلامية، القصد من ذلك أن هذا الإنسان بعد ما أوْقَفوه، يقول بأني كنت في مكان في هكذا في السوق، وأتاني شخص علي إنسان عامي (يعني ما يظهر عليه ظاهر هكذا اللحية وكذا) يقول: فسلم علي وقال: يا شيخ لماذا توقف درس العصر؟ فقال: ما وقفت بس يعني خلاص تم منعي. فقال: أنا كنت آتي من مكان ليس من مسجدي، مسجدي آخر، لكن كنت فقط أصلي العصر عندك حتى تحضر هذا المجلس، أصلي العصر عندك فقط حتى أحضر هذا. فهو كان يقول لنا، يقول: سبحان الله ما كنت مستحضراً أن شخصاً يأتي هكذا ومجلس، وعادة الأئمة ما يستشعرون هذا الشيء، لأن هو يكون يسير ويكون هناك اعتياد، فيقول لك: خلاص أنا خمس دقائق كل يوم هكذا، ما كان يستشعر لكن هي عظيمة جداً عند الله سبحانه وتعالى، لعل هذا الإنسان الله سبحانه وتعالى يهدي قلبه ويغير يعني حاله من حال إلى حال.

ومرة ثاني شخص عمره 70 سنة، عمره 70 سنة وأخذ يحدثني، والله يعني أعطاني درس إيماني عقدي ونادر أن يقوله شخص متخصص بالعقيدة، لكن إيمان حقيقي، إيمان الصحابة، إيمان عملي، إيمان تطبيقي، ليس إيمان نظري. فقلت له: يعني من أين أتيت بهذه المعلومات؟ أنا تعجبت. فقال: مرة كنت في طريق، وقفت في المسجد وسمعت إمام المسجد يقول كذا، فحفظت من الحديث، ثم في موقف ثاني في مسجد ثاني، ثم في مسجد ثالث. يعني كل كلامه جمعه من دروس المساجد التي ربما الإمام نفسه ما استحضرح أنه سيبلغ أثر هذه الكلمة في رجل عمره 70 سنة وتثبيته في المواقف.

وهو كان يحكي لي قصة هكذا ثقيلة عليه، لكن الذي ثبته هذه الدروس الإيمانية هذه المجالس الإيمانية، لذلك مجالس الذكر مهم جداً أن نعقدها في كل مكان نكون فيه. وقدر المجلس يعني إذا كان العدد أو كان الجمهور من العوام ليكن المجلس عام، إذا كان من الخواص ليكن كذلك المجلس متعلق بشيء معين مهم لهم، لكن لا أُريد أن أتكلم عن المجالس الخاصة هذه واضحة وبينة ولها أهلها، لكن التذكير العام التذكير العام في البيت، في المدرسة، في الجامعة، في العمل ولا تشدد على الناس، لكن يكون مجلس خفيف، هذا كذا خمس دقائق كل يوم، عشر دقائق فقط قراءة قراءة من كتاب الصالحين أو عيش مع القرآن الكريم أو هكذا من السيرة النبوية، وهكذا.

هذه المجالس مهم جداً نعيدها، مهم جداً أن نحرص عليها وأن لا نقصر فيها، لا نقصر فيها فلا نقول: نجتمع الآن نريد أن نقرأ من كتاب، وكانت هذه عادة عند المدينيين في الجيل الماضي أنهم كانوا إذا اجتمعوا يفتحون كتاب ويقرأون منه، وهذا أمر حسن، هذا مثل ما ذكرت يعني أمر حسن.

ولا شك أن هذه المدارس عظيمة الخير، عظيمة البركة، ويكفي أن الله سبحانه وتعالى يذكرك: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152]. تصور بأنك كل يوم تذكر عند الله سبحانه وتعالى، والله والله عظيمة. كل يوم الله يذكرك، كل يوم الله سبحانه وتعالى يقول: انظر إلى عبدي، والملائكة تعرفك خلاص. هذا الشخص الذي يعيش مع مجالس الذكر، والذي ينشر مجالس الذكر، والذي يكون هكذا دائماً يذكر الله سبحانه وتعالى، يذكر الناس بالله سبحانه وتعالى، هذا يذكر عند الله سبحانه وتعالى، وهذا الملائكة تعرفه، وهذا الملائكة تعرفه، وهذا بعد مدة طويلة أو قصيرة تنزل عليه البركة وتصيبه بإذن الله الرحمة، فيكون هذا الإنسان مبارك مبارك أينما كان، يأمر بالخير أينما كان، خلاص البركة تعجبه فيكون لهذا الإنسان أثر يختلف عن غيره.

ورأيت هذا القسم في حياتي، من نساء ومن رجال، تكون تشعر فيه البركة لما تدخل فيه السر فقط الذكر. السر فقط الذكر، يعني عنده ذكر نادر، سواء كان ذكر عام أو ذكر خاص. عام يعني ايش؟ يعني هو يذكر الناس، خاص يعني هو عنده ذكر، عنده سبحان الله، عنده الحمد لله، عنده اللهم صل وسلم على نبينا محمد، ما يسقط ما لسانه ما يفطر من ذكر الله، لا يفطر لسانه من ذكر الله.

فهو يذكر الله ذكر خاص بينه وبين نفسه، وهذا من ذكرني في نفسي ذكرته في نفسي، هذا الذكر في النفس. ومن ذكرني في ملا هذا المجلس العام ذكرته في ملا خير منهم، يعني يذكرك الله سبحانه وتعالى عند جبريل وعند ميكائيل وعند ملائكة أعظم من الذين يحضرون عندك والذين يستمعون إليك، فلذلك لا

فتفرط مجالس الذكر. عبد الله بن رواحة يعيش مع هذه الأحاديث، لذلك كان حريصاً أن يبث هذا الخير بين الناس، وأن يثبت الإيمان في نفسه أولاً ثم في نفوس الناس، ويكفيه والله ثناء النبي صلى الله عليه وسلم أن عبد الله بن رواحة يحب المجالس التي يباهي الله سبحانه وتعالى بها الملائكة. إذاً هذه كذلك فائدة عظيمة ناخذها من هذا الصحابي الجليل.

فالعبد يكون هكذا؛ يسير بين الناس مذكراً للناس معلماً للناس، وينتقل من مكان إلى مكان ومن شخص إلى آخر، هكذا يثبت الإيمان في قلوب الناس، ويكون هذا شعلة من الشعل التي يضيء الله سبحانه وتعالى بها قلوب الناس. إذاً هذا بعض ما يتعلق بسيرة عبد الله بن رواحة رضي الله عنه وأرضاه.

وجزاء هذه الأعمال الكبيرة التي قام بها عبد الله بن رواحة، أن يختم الله سبحانه وتعالى له بشهادة، وأن يكرمه الله سبحانه وتعالى بشهادة، بل إن الله سبحانه وتعالى يمن عليه ويلحقه بمن آمن قبله بأكثر من عشر سنوات. يعني عبد الله بن رواحة الله سبحانه وتعالى قربه من أناس أسبق منه بالعمل بعشر سنوات هم قبله، ومنهم من هاجر هجرتين مثل جعفر بن أبي طالب، ومنهم من هاجر إلى المدينة مثل زيد بن حارثة، وهو ماكث في المدينة هو ما هاجر عبد الله بن رواحة. فأجر الهجرة عظيم جداً، يعني انظروا في الآيات والنصوص الواردة في الهجرة عظيمة جداً، الأنصار ما هجروا، عبد الله بن رواحة اختير من الأنصار حتى يكون في صف المهاجرين، وحتى يكون قريب من المهاجرين، وحتى يكون مع المهاجرين.

طبعاً هناك قسم من الأنصار من المهاجرين كما قال ابن عباس رضي الله عنهما هم الذين هاجروا إلى مكة ومنهم عبد الله بن رواحة، لكن القصد من ذلك أن الله سبحانه وتعالى اختار عبد الله بن رواحة وقربه من منزلة المهاجرين الأوائل، من منزلة السابقين بالخيرات، مع أن مدة إيمان عبد الله بن رواحة أقل من نصف مدة إسلام زيد بن حارثة. تصوروا زيد بن حارثة واحد وعشرون سنة، عبد الله بن رواحة ممكن كان تسع سنوات هكذا وعشر سنوات إسلامه. زيد أعلى وأكثر وأسبق، لكن مع ذلك لصدق عبد الله بن رواحة ومسابقته ومبادرته الكثيرة اقترب جداً من هذه المنازل العالية الرفيعة المنيفة.

نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يحشرنا وإياكم مع عبد الله بن رواحة رضي الله عنه وأرضاه، ومع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقبل ذلك مع الأنبياء عليهم السلام. هذا بعض ما يتعلق بسيرة عبد الله بن رواحة، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.