دخولتسجيل الدخول

العيش مع الصحابة 24 | نسيبة بنت كعب (أم عمارة) رضي الله عنها

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد؛ فأحييكم إخواني جميعاً، وبيّاض وجوهكم، وسدد على طريق الخير خطا خطاكم.

نكمل هذه السلسلة المتعلقة بالصحابة الأجلاء رضي الله عنهم وأرضاهم، ومعنا اليوم صحابية جليلة من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، ألا وهي أم عمارة نسيبة بنت كعب الأنصارية رضي الله عنها وأرضاها. وقد تكون هذه الصحابية الجليلة هي أشهر صحابية أنصارية عند الناس؛ فإذا ذكر اسم أم عمارة، يذكر معه مباشرة التضحية وكذلك الشجاعة والبسالة والدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم.

هذه المرأة ليست كثيرة في جنس النساء، إنما هي قليلة، وأقصى من ذلك قوة إيمان أم عمارة رضي الله عنها وأرضاها، وكذلك صدق تضحيتها وبسالتها، وكذلك شجاعتها في الحق. هذا أمر نادر جداً وجوده في النساء، لذلك تم اختيار قصة أم عمارة رضي الله عنها وأرضاها، لعل وعسى أن يوجد النساء في هذا العصر من يتشبه بهذه الصحابية الجليلة.

فكنا قد ذكرنا قبل ذلك قصة بعدما ذكرنا قصص الصالحات في القرآن الكريم، وكذلك مررنا على بعض الوقفات مع سير أمهات المؤمنين رضي الله عنهن. ثم بعد ذلك في هذه السلسلة، تكلمنا عن أول شهيدة بالإسلام وهي سمية بنت خياط رضي الله عنها وأرضاها أم عمار بن ياسر، واليوم ستكون معنا قصة أم عمارة رضي الله عنها، وعن زوجها، وكذلك عن إخوانها، وكذلك عن أبنائها. هذه المرأة من النساء الصالحات النقيات الطاهرات، وسنقف معها عدة وقفات.

الوقفة الأولى المتعلقة بنساء الأنصار؛ وكما أن الله سبحانه وتعالى اختار الرجال من المهاجرين والأنصار لنصر الدين، كذلك الذي قام بحفظ الإسلام ونصره النساء المهاجرات وكذلك الأنصاريات. وهذه أول أنصاريات نتكلم عنها، أم عمارة رضي الله عنها وأرضاها من الأنصاريات اللاتي أسلمن على يد مصعب بن عمير، وكنا من أول من أسلم من الأنصار، بل شهدت أم عمارة مع امرأة أخرى وهي أم منيع بيعة العقبة الثانية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما طلب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار أن يحضروا حتى يبايعوهم البيعة الثانية -بعدما بايعهم البيعة الأولى وكانت بيعة الإيمان بيعة النساء، والبيعة الثانية كانت بيعة القتال- فبايع النبي صلى الله عليه وسلم في بيعة القتال، وحضر ثلاثة وسبعون من الأنصار فيهم امرأتان، وكانت المرأتان هما أم عمارة وكذلك أم منيع. فلما بايع النبي صلى الله عليه وسلم الرجال وصافحهم، قال له عمرو بن غزيّة: إن ههنا امرأتين يا رسول الله شهدتا البيعة، فبايعهن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «إني لا أصافح النساء» من غير مصافحة.

أثر هذه البيعة كان عظيم جداً على أم عمارة، إذا أرادنا أن نفهم سر شجاعة أم عمارة وتضحيتها الباهظة والثمينة، لابد أن نعرف هذه البيعة. هذه البيعة كانت بيعة القتال؛ بايع النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار على قتل الأحمر والأسود، وعلى أن ينصروا النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يمنعوه مما يمنعون أزرهم ونسائهم وأطفالهم. وسأل الأنصار: فما لنا إن فعلنا ذلك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لكم الجنة» ولم يعطهم أي شيء من الدنيا، إنما أعطاهم الجنة عليه الصلاة والسلام.

أم عمارة سمعت هذه الكلمات من النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك مواقف أم عمارة الشريفة والعالية إذا لم نفهم شهودها لهذه البيعة ربما ما نفهمها كثيراً؛ هي سمعت هذا الكلام من النبي صلى الله عليه وسلم، سمعت هذه المبايعة وهي قبلت بهذه البيعة، فكانت تقاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم لما يلزم الأمر. بالأصل هي لا تخرج للقتال، ولكن إذا لزم الأمر كانت تقاتل، فقاتلت يوم أحد رضي الله عنها وأرضاها، وكانت تنافح وتدفع عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان معها زوجها وكذلك أبناها عبد الله وزيد وحبيب بن زيد، وحبيب بن زيد.

القصد من ذلك أن الوقفة الأولى المتعلقة في قصة أم عمارة المتعلقة بنساء الأنصار؛ فلما ننظر في ثناء أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، نجد ثناءً عالياً لنساء الأنصار، فتقول أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها: والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار؛ أشد تصديقاً بكتاب الله، ولا إيماناً بالتنزيل. لقد أنزلت سورة النور: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾، فانقلب رجالهن إليهن يتلون ما أنزل فيهن؛ ما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها، فأصبحن يصلين الصبح معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان.

هذا هو سر اختيار الأنصار؛ انظروا إلى تضحيات رجال الأنصار وكيف أن الأنصار كانوا يبادرون إلى تنفيذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم إذا طلب منهم شيء، كذلك نساء الأنصار كانت إذا نزلت الآيات تكون الاستجابة بهذه القوة وهذه السرعة. من هنا، فالاختيار هنا ليس خاصاً للرجال، بل كذلك كان النساء بهذه الصورة وهذه الطريقة. أم عمارة كانت هي بالذروة من نساء الأنصار؛ إذا كانت نساء الأنصار بهذه الطريقة، أم عمارة كانت المقدمة فيهن رضي الله عنها وأرضاها، فكانت تخرج مع النبي صلى الله عليه وسلم مع أبنائها، وكذلك مع زوجها، وكلهم كانوا يقاتلون مع النبي صلى الله عليه وسلم.

كذلك قالت أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها في عن نساء الأنصار، قالت: إن أفضل النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء من التفقه في الدين. وكذلك لما وقعت حادثة الإفك، لم يقف مع أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها بعد أمها وقف ظاهراً بين جليّاً إلا امرأة من الأنصار؛ فجاءت هذه المرأة من الأنصار ودخلت على عائشة وأخذت تبكي معها. لماذا هذه المرأة بالذات هي التي فعلت هذا الشيء؟ لماذا هذه المرأة قامت من نفسها طوعاً بأن تتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بتثبيت أم عائشة؟ هذا فضل إلهي وهذا عطاء رباني، وهذا من أسرار اختيار هذا الجنس من الناس.

كل الأنصار والأنصاريات كانوا مبادرين، ولكن المبادرة تختلف من شخص إلى آخر، ومن امرأة إلى أخرى؛ هذه المرأة كانت مبادرة، فعلت شيئاً لم يفعله عامة النساء. وكذلك لما ننظر في قصة مثلاً أم أيوب، وكذلك أم سليم، وكذلك المرأة التي زوجها النبي صلى الله عليه وسلم من جليبيب وردت على والدها وقالت: أتردون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لما خطب النبي صلى الله عليه وسلم هذه المرأة، وقال الرجل: نعم ونعم عين، ثم ذهب إلى أمها وقالت كذلك، ولكن قال بعد ذلك إن النبي صلى الله عليه وسلم يريدها لجليبيب وليس لنفسه، فردت الفتاة وقالت: قبلت، ما قبله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذه الاستجابة وهذا المعنى إذا وجد في الناس، فلتبشر الدعوة الإسلامية بانتقال قوي وسريع كما كان في الزمان الأول؛ لكن إذا كان في صفوف العاملين للإسلام والدعاة إلى الله سبحانه وتعالى وكذلك الداعيات من ليس من هذا الصنف أو هذا الصنف قليل فيهم، تحظى الدعوة بإذن الله لكنها ما تنتقل الانتقال، ما يكون إلا مع الصدق، إلا مع الإخلاص، إلا مع المبادرة، إلا مع الاستجابة. وهذا المعنى مكرر معنا في قصص الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.

فانظروا إلى هذه الفتاه كيف أن الزواج -الذي هو ربما يعتبر أغلى شيء بالنسبة للمراه، وهي مخيرة وليست مخيرة كما هو الرجل مثلاً في الزواج من أكثر من واحدة، إنما تتزوج من شخص واحد بالأصل إلا إذا طلقها أو مات عنها- تقبل بذلك لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بذلك، خلاص ما دام النبي عليه الصلاة والسلام يقبل بذلك إذن أقبل بذلك. طيب العرف الآن كيف ستتزوجين رجل لا نسب له معروف ولا شهير، ونساء سيقول كذا وكذا؟ هذا لا يكون موجود عند النساء التي يريد ما عند الله سبحانه وتعالى ويخفن الله سبحانه وتعالى.

القصد، إذا وجد هذا النوع وهذه المبادرة وهذه الاستجابة من النساء والانقياد المباشر الطوعي لأمر الله سبحانه وتعالى، هنا سيكون الانتقال، هنا سيكون التأثير، أما قبل ذلك فلن يكون هناك تأثير حقيقي في الواقع الذي نعيش فيه. إذن الوقفة الأولى المتعلقة بنساء الأنصار كنا بهذه الصورة بالاستجابة والمبادرة، وكذلك التضحية.

الوقفة الثانية المتعلقة بأم عمارة؛ شجاعة أم عمارة. أم عمارة أظهر صفة فيها الشجاعة، ومثل ما ذكرت لكم بأن هذه الشجاعة نادرة وقليلة؛ فكانت أم عمارة تقاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، ويمر على النبي عليه الصلاة والسلام رجل فار من المعركة ومعه ترس، فيأمره النبي صلى الله عليه وسلم بأن يلقي ترسه لمن يقاتل، ففر الرجل وأخذت أم عمارة الترس وأخذت تتترس به رضي الله عنها وأرضاها.

وهي كذلك من أسرة مجاهده؛ أخوها عبد الله بن كعب كان من البدريين، وزوجها كذلك زيد بن عاصم كان من البدريين، وكذلك أخوها عبد الرحمن بن كعب كان من البكائين الذين بكوا لعدم قدرتهم على الذهاب مع النبي صلى الله عليه وسلم لقتال الرومان، ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: 92]. هذا أحد هؤلاء السبعة أخو نسيبه بنت كعب أم عمارة رضي الله عنها وأرضاها.

إذن هي من أسرة كانت مجاهدة، من أسرة كانت مضحية، من أسرة كانت قوية في الحق؛ وكذلك أبناؤها حبيب بن زيد الذي قتل مسيلمه الكذاب، وكذلك الابن الآخر عبد الله بن زيد الذي قطع رأس مسيلمه بعد ما قتله وحشي بن حرب، وقتل يوم الحرة، وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها إلا بدر، فشهد معه أحد، وكذلك بقية المشاهد إلا معركة بدر.

القصد من ذلك أن أم عمارة رضي الله عنها وأرضاها كانت من هذا القسم المضحي، من أسرة مضحية، من أسرة مجاهدة، من أسرة مبادرة في التضحية والعطاء. وأظهر مواقف أم عمارة رضي الله عنها وأرضاها موقفها يوم أحد، وعبر عنه الإمام الذهبي رحمه الله تعالى بقوله: وفعلت الأفاعيل. كناية عن شدة المواقف وعظمة المواقف التي وقفتها رضي الله عنها وأرضاها وقامت بها.

ولم تكن تقاتل هي بالأصل، إنما كانت تخرج من أجل أن تعالج الجرحى، وكان هذا دور النساء في المعارك فتخرج حتى تسقي وكذلك تعالج الجرحى؛ ولكن يوم أحد لما كشف الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم وفر من فر، وألقى سلاحه من ألقى سلاحه، قامت أم عمارة رضي الله عنها وأرضاها تنافح النبي صلى الله عليه وسلم، ومعها كان زوجها وكذلك معها كان ابناها الاثنان يقاتلون كلهم مع النبي صلى الله عليه وسلم. ولم يكن مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا عشرة من الرجال فقط، وفيهم بعد ذلك أم عمارة.

وكان يقول لها النبي صلى الله عليه وسلم: «من يطيق ما تطيقين يا أم عمارة؟» وكان يقول عليه الصلاة والسلام: «مقام نسيبه بنت كعب اليوم خير من مقام فلان وفلان». وجرحت رضي الله عنها وأرضاها في هذه المعركة ثلاثة عشر جرحاً، حتى أنها قاتلت في هذه المعركة حتى أصيبت بجراح وأثخنت رضي الله عنها وأرضاها.

ثم بعد ذلك لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ثم بعد ذلك استنهض الصحابه الذين قاتلوا يوم أحد حتى يخرجوا إلى حمراء الأسد؛ قامت هي كذلك لما سمعت منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد، قامت وشدت عليها ثيابها لكنها ما استطاعت من نزيف الدم. وطلبت من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لها ولابنائها في يوم أحد بأن يكونوا معه في الجنه عليه الصلاة والسلام، فدعا لها النبي صلى الله عليه وسلم ولابنائها بأن يكونوا معه في الجنة، فرحت بذلك وقالت: والله ما أبالي بعد ذلك بأي شيء من أمور الدنيا.

ولما علم النبي صلى الله عليه وسلم صدق هذه المرأة وقوة هذه المرأة بالحق وعدم تأثرها إذا فقدت أبناءها في سبيل الله، اختار النبي صلى الله عليه وسلم ابنها حبيب بن زيد وبعثه إلى مسيلمه الكذاب. وغالباً ستكون نتيجة هذه السفارة قتل هذا الرجل؛ ومسيلمه كما تعرفون ادعى النبوة في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى في المنام سوارين على كفيه، قال: «قد أهمني شأنهما فنفخت فيهما فطارا، فولّيتهما كذاب اليمامة -أي مسيلمه- وكذاب اليمن -إلى الأسود العنسي-».

اختار النبي صلى الله عليه وسلم حبيب بن زيد بالذات من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لماذا؟ لأن أمه أم عمارة، ولعل هذا بعض سبب الاختيار والله أعلم، ولا شك أن حكمة النبي صلى الله عليه وسلم أبلغ من هذا، لكن هذا الذي يظهر، بأن من أسباب اختيار النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل هو أن أمه هي أم عمارة رضي الله عنها وأرضاها. يعني ايش؟ يعني هذا الرجل متربي تربية قوية.

فهنا وقفة: ابن المرأة القوية دائماً يكون قوي ودائماً يكون حليم. هذه وقفة عظيمة في فهم الإنسان؛ المرأة لما تكون قوية يعني طبيعتها هكذا قوية وهذا موجود في النساء مثل ما ذكرت، دائماً ابنها يكون لين ويكون شجاع. صعب جداً صعب جداً أن توجد امرأة قوية ويكون ابنها غير ذلك.

ابنها ضعيف، أقصد ضعيف يعني جبان، وليش ضعيف؟ يعني هادئ بالأصل، يكون هادئًا لأن أمه شديدة. لأن والدته شديدة، فبالأصل هو ما يكون طبع الشدة، إنما يكون طبع الهدوء. هذا من حيث الأصل، ولكن تكون معه شجاعة عاده مفرطة، عادة تكون معه شجاعة مفرطة، لماذا؟ ما السبب؟ لأن تدفعه، والأم أقوى من الابن في التربية على الشدة.

بمعنى الأصل بالأم أنها ما تربي ابنها على الشدة، إنما تربيه على اللين، هذا هو الأصل؛ لأن طبع المرأة بالأصل اللين، وطبع المرأة بالأصل الضعف وليس القوة، هذا بالأصل. فهنا يأتي دور الأب فتكتمل الأسرة بهذه الطريقة، فيكون الأب يربي على قوة وعلى شدة، والأم تدفع إلى المكارم فيكتمل بنيان البيت؛ فالأم تلين والأب يشد، وهكذا حتى تكتمل يعني الأسرة وتصنع بطريقة متوازنه.

لكن لما تكون أم شديدة وقوية وتدفع الابن، الابن مستحيل يخالف، لا يستطيع. فهنا لما تكون الأم بهذه القوة وهذه الشدة، الابن يكون لينًا ولكنه يكون شديد لين، بسبب شدة والدته، بسبب شدة والدته، فهو يكون هادئًا ولا يكون شديدًا ولا يكون ثقيلًا. بخلاف البنت، البنت البنت تكون شديدة، الأم إذا كانت شديدة كذا بنتها بالعاده تكون شديدة، ما تكون لينة بالعادات، إلا ما يستثنى، إلا من يكون طبعه أقوى من نفس طبعا نفس التخلق ونفس التربية، هذا قد يكون، لكن هذا ليس هو الأصل.

فذكرت لكم مرارًا وتكرارًا أن الإنسان يصنع من خلال عدة أمور، من ضمنها التربية، ومن ضمنها البيئة، وكذلك نفس الأرض التي خلق منها الإنسان، أي نفس الطبع الموجود معه بالأصل أصل الخلقه، وكذلك الدين، هذه أربعة هي التي تشكل الإنسان. التربية التربية مؤثر قوي جدا، التربية مؤثر قوي جدا، فإذا لم تكن نفس الأرض قوية التي يصنع منها الإنسان، أقصد قوية بنفس الخلق، إنما هي ابعدية، التربية هنا ستصنع الإنسان ولابد. التربية هنا بل كثيرًا ما تكون التربية أقوى من المجتمع، إذا كانت الأم هي المربية وليس الأب.

الأب لوحده ما يستطيع، لكن لما تكون الأم دائما ملازمة لابنها، فالابن يرضع منها هذه الأخلاق وهذه القوة. لذلك صفية، انظر لابن الزبير كيف كانت هذه القوة مع أن والدها مات وهو صغير، إنه ابن صفية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لقوة صفية رضي الله عنها وأرضاها. كذلك هنا أم عمارة رضي الله عنها وأرضاها بها هذه القوة، بها هذه الشدة، هذه القوة وهذه الشدة تصنع الشدة في أبنائها. لا يستطيع الابن أن يعيش من غير شجاعة إذا كانت أمه شجاعة، مستحيل لا يمكن.

طيب، هل ممكن يكون الأب شجاع والابن غير شجاع؟ ممكن، لماذا؟ لأن الأم تكون معه، فهو ما يشعر بفقد كبير إذا فقد والده، لكن لما يفقد والدته ما يستطيع الابن يعيش، من حيث بالأصل طبعا، إلا إذا كانت والدة غير معتنية بابنها يعني غير مربية له، نعم هو ما يشعر في قيمتها كثيرا ربما لما يكبر. لكن لما تكون الأم هكذا ملازمة ودائما مع الابن، لا يكون أثرها عظيم جدا وأثر الاب بكثير وأقوم الأثر الاب بكثير.

فأم عمارة ها قوتها وشجاعتها نادِرة، وابنها هذا يقاتل معها، ابنها شهد بيئة العقبة، أبناها الاثنان شهدوا بيئة العقبة مع أمهم وأبيهم. ثم لما جاءت معركة أحد يقاتل زوج أم عمارة طبعا، أم عمارة تزوجت زيد بن عاصم وكذلك عمرو بن غزية، وكلا الرجلين شهدا أحد، كلا الرجلين شهدا أحد. هل كانت أم عمارة في ذمة زيد بن عاصم يوم أحد ثم بعد ذلك تزوجها عمرو بن غزية؟ أو كانت في يوم واحد تقاتل مع عمرو بن غزية زوجها الثاني ومعها أبنائها من زيد بن عاصم؟ لكن كذلك ولدهم كان يقاتل، سواء كانت أم عمارة على ذمة الرجل الأول أو لم تكن على ذمته سواء طلقها أو مات عنها، لأن هذا فيه خلاف.

وبعضهم يقول بأنه مات عنها، وبعض المعاصرين يقول إنه لم يمتها إنما طلقها، لقول أم عمارة: كنت أقاتل أنا وزوجي عمرو بن غزية، لكن أنا هو زوجي. قد يكون قصد أم عمارة هي حكت هذا بعد ذلك فزوجي باعتبار الحاضر، وليس باعتبار ذلك الوقت أنه كان معها زوجها وكانت على ذمته أي زوجها الآخر. القصد من ذلك كلا الرجلين قاتل يوم أحد، لا ندخل بالتفاصيل هذه، كلا الرجلين قاتل يوم أحد، كلا الرجلين قاتل يوم أحد، ومع أم عمارة أبناها الاثنان قاتلا بعد معها يوم أحد.

هؤلاء الأبناء ينظرون لأمهم تقاتل وإلى والدهم يقاتل، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لأحد أبنائه يقول: «أمك أمك»، ويذهب الابن إلى أمه ثم يضرب هذا الكافر أحد أبناء أم عمارة، وتقوم أم عمارة وتدفع عن ابنها، فيضحك النبي صلى الله عليه وسلم ويبتسم ويقول: «أخذت حقك يا أم عمارة» أو «اقتصصت يا أم عمارة». فالقصد أن الابن هنا يترربى بهذه الطريقة طبيعي جدا أن يكون بصاحب قوة نادرة وبصاحب شجاعة مفرطة.

وأشجع الشجعان مع حمزة الذي يقوم أمام جائر، ليس الذي يقاتل في المعركة، القتال في المعركة يفعل كثير من الشجعان، لكن أشجع الشجعان اللي يقوم أمام جائر. الآن هذا حبيب بن زيد سيقوم أمام مسيلمة الكذاب وهو معزول السلاح، فهذا ما الذي سيفعل به هنا؟ الأمر صعب، ليس أمر عادي. لذلك هنا السفارة اختار النبي صلى الله عليه وسلم لها رجل يستطيع أن يثبت، ولن تحزن والدته عليه كثيرا، أي الحزن الذي يحملها على اليأس.

وهي قالت قبل ذلك لما بايعت النبي صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة بأنها قد ضحت بكل ما تملك، خلاص هي قبلت بذلك، وشهدت بيعة العقبة الثانية بيعة القتال بيعة العقبة الكبرى، وكذلك يوم أحد لما قالت لا أبالي بأي شيء بأي شيء من أمور الدنيا. هذه الكلمات لا تذهب سدى، تاتي الاختبارات التي تصدق أو تكذب هذه الإطلاقات. لذلك الشخص إذا كان يعرف من نفسه عدم القوة لا يحمل الحماس على قول كلمات سيفتن بها، لا تقل إلا إذا كنت تعلم نفسك أنك مثل أم عمارة مثل هذه الشريحة من الناس، أما غير ذلك نصيحتي لا تقل كلمة تبتلى بها وتفتن فيها.

وهذا كثير يقع عند الشباب، إذا كنت مثل أنس بنظر وتعرف نفسك الإيمان والصدق نعم، لكن إذا لم تكن بهذه الطريقة لا تفعل لأنك ستفتن وتبتلى وتختبر بالكلمات التي تقولها. هي قالت: ما أبالي بأي شيء من أمور الدنيا، إذا الآن تأتي البلاءات يا أم عمارة، ماذا ستفعلين لما يأتيك خبر قتل ابنك؟ وليس يقتله، قتله مسيلمة إنما قطعه إربا إربا، وانظروا إلى شجاعة هذا الابن المفرطة لما قاله مسيلمة الكذاب عليه لعنة الله: أتشهد أني رسول الله؟ فقال: إن في أُذني صممًا لا أسمع ما تقول.

فقال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ فقال: نعم. فقال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: إن في أُذني صممًا لا أسمع ما تقول. فقال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد أن رسول الله؟ قال: إن في أُذني صممًا لا أسمع ما تقول. فهنا لما رأى مسيلمة إلى صلابة وقوة هذا الرجل، أمر بقطعه وسؤاله، تقطيعه إربا إربا وسؤاله. فكان يقطع منه عضو ويسأل: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ فيقول: نعم، يقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: إن في أُذني صممًا لا أسمع ما تقول. حتى قطعه حتى أتى إلى آخر قطعه فيه، خلاص سيموت بعد هذه الضربة، فقال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ فقال: نعم. قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: لا. فقتل رضي الله عنه وأرضاه.

ووصل الخبر إلى أم عمارة، ففرحت رضي الله عنها وأرضاها بقتل ابنها في سبيل الله. إذا أم عمارة امرأة بكل ما تملك وأغلى ما تملك، وأغلى ما تملك المرأة في الحياة أبنائها، هذه المرأة ضحت بحياتها وضحت بابنها وكانت مستعدة بأن تضحي بابنها الآخر، بل خرجت هي في القتال في قتال مسيلمة الكذاب، ولم الجراح التي أصابتها يوم أحد لم تقعدها عما تستطيع أن تقوم به، وهذا هو الصدق.

انظر لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم الصحابه للقتال في حمراء الأسد، قامت وشدت عليها ثيابًا، يعني ما جلست وقالت أنا ما استطيع، لا، هذه نفس القيام هذا ثم السقوط هذا مقصود في الدين، وهذا قد يكون أعظم من عبادة مئة سنة؛ لأن هذا موقف صدق، هذا موقف صدق، ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ الله يتقبل من الصادقين صدقهم ويتقبل من هذا القسم من الناس أعمالهم. فالثانية التي يقوم بها هذا الشخص في هذا الموقف تكون أعظم بكثير من الأعمال التي ما يوجد معها صدق وإخلاص.

القصد من ذلك أن أم عمارة رضي الله عنها وأرضاها استمرت مع النبي صلى الله عليه وسلم، وشهدت كذلك بيعة الرضوان وهي تدخل في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: 18]. فعلم ما في قلوبهم فانزل السكينة عليهم، هؤلاء كلهم عمارة داخل بها، داخل بها رضي الله عنها وأرضاها. ثم بعد ذلك لما مات النبي صلى الله عليه وسلم خرجت قتال أمه الدين فكانت مع خالد بن الوليد في الجيش وشهدت معركة اليمامة، فقطعت كذلك يدها في هذه المعركة.

انظروا الآن كم جرح أصيبت به يوم أحد، ثم بذلك تستمر وتستمر في التضحية والبذل والعطاء حتى ياتي يوم اليمامة، وهذا اليوم هو يوم الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم، وهذا آخر موقف عظيم كبير قام به الأنصار. فالأنصار قبل ذلك في يوم حنين ثبتوا الإسلام، فانتصر الإسلام بسيوف الأنصار، ثم بعد ذلك لما جاء يوم اليمامة ومات النبي صلى الله عليه وسلم قام الأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم وثبتوا الإسلام في جزيرة الإسلام، وكانت مع وكان مع المهاجرين والأنصار كانت أم عمارة معهم وكذلك ابنها عبد الله، ابنها عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري.

فقاتلت أم عمارة وانكشف الجيش المسلم كما تعرفون، فلما انكشف الجيش قاتلت رضي الله عنها وأرضاها، وهي لم تقاتل بالأصل، وهذا هو الأصل بالمراه أنها ما تقاتل، لكن إذا اضطر الأمر وألزم فهو ممكن تقاتل. لكن قبل ذلك هي لا تخرج من أجل القتال، إنما تخرج من أجل الإعانة وكذلك السقاية وكذلك تضميد الجرحى، وهكذا. فخرجت هي مع هذا الجيش، وانكشف الجيش المسلم في البداية، وصل الكفار إلى خيمة خالد بن الوليد ودخلوا على زوجته.

وقطعت يد أم عمارة قطعت يد أم عمارة رضي الله عنها وأرضاها، واستمرت حتى قتل وحشي بن حرب مسيلمه الكذاب، ثم جاء ابنها وقطع رأس مسيلمة الكذاب، فانتصر الله سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم بأم عمارة وكذلك بابنها عبد الله بن زيد رضي الله عنهم جميعا وأرضاهم. ثم بعد ذلك ماتت في السنة التي ماتت في السنة الثالث عشر من الهجرة رضي الله عنها وأرضاها ودفنت في البقيع، ودفنت في البقيع رضي الله عنها وأرضاها.

إذا نستطيع الآن أن نلخص سيرة أم عمارة بعدة أمور: الأمر الأول المتعلق بالمبادرة، المتعلق بالمبادرة وشهود أم عمارة للمشاهد وكذلك سرعة الاستجابة عندها، وهذا يدل على صفاء كبير جدا في هذه المرأة، فهذه المرأة كانت صافيه صفاء عالي من الداخل. لذلك بمجرد انطلقتها الدعوة آمنت وانقادت وضحت واستسلمت لله سبحانه وتعالى، هذا المعنى الأول الذي يتفاضل الناس فيه، هذا المعنى الأول المتعلق بالمبادرة والاستجابة الذي يتفاضل الناس فيه.

ثم بعد ذلك يأتي الصدق، يأتي الصدق، أم عمارة ضحت بأبنائها وكذلك ضحت بنفسها، فجرحت كل هذه الجراحات وقطعت يدها في سبيل الله سبحانه سبحانه وتعالى ونسال الله أن تكون سبقتها إلى الجنة. وكذلك الوقفة الثالثة المتعلقة بأم عمارة: دور المرأة القوية، وهذه وقفة خاصة، وهي أن ليس كل النساء يملكن هذه القوة، فالقوة شيء والمبادرة والاستجابة شيء آخر، بعض النساء يملكن قوة معينة والمراه القوية تستطيع أن تربي أبنائها بطريقة مختلفة.

لذلك دور الرجل مع المرأة القوية ما يكون قوي، دور الرجل مع المرأة القوية ما يكون قوي، ولا يصلح المرأة القوية في الزواج إلا الرجل الهادئ وليس الرجل القوي. ليس معنى الهادئ أنه ليس قوي، لكن معنى الهادئ أنه يتنازل عن بعض الأشياء لها في التربية، لماذا؟ لأن هي ستقوم بها، هي ستقوم بها. وجاء بعض السلف أظن عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: إن المرأة المذكرة لا يصلح لها إلا الرجل المؤنث، والرجل المذكر لا يصلح له طبعا المرأة الأنثى وهذا هو الطبيعي.

لكن المقصود هنا بالمراه المذكرة والعرب كانوا يمدحون يمدحون المرأة الرجلة وليس المسترجلة التي تفعل ما يفعل الرجال، إنما المرأة القوية إنما المرأة القوية مثل هند بنت عتبة، مثل هنا أم عمارة، مثل صفية، وهذه طبعا أبنائها يكون بقوة نادرة ليست قوة عادية بالأصل. القصد من هذا أن المرأة القوية المرأة القوية لا يصلح للزواج منها إلا رجل هادئ، ليس رجل شديد، الرجل الشديد المرأة الشديدة لا يمكن أن يستقيم البيت معه، لا يمكن أن يستقيم البيت معه.

فالمراه القوية التي يكون من طبعها القوة، ليست القوة التي تتكلفها المرأة، إنما تكون هكذا هي يعني من طبعها الشدة الموجودة، كيف عمر بن الخطاب من طبع الشدة هكذا، فبعض النساء وهذا قليل طبعا ليس كثير يكون من طبعها الشدة، يكون من طبيعتها هنا، لابد أن يكون الرجل حليمًا وليس شديدًا، ليس مع هذا أنه ما يفرض طوله، يفرض ولا يسمح هذا ولاية تنزع منه، ما تنزع منه، ولكن لابد أن يتعامل معها بناء على طبيعتها فمساحة معينة تترك لها وهو.

يلين في موطن شدتها مع الأبناء حتى يستقيم البيت، وهذا النوع من النساء موجود حتى في هذا العصر. وأكرم الله سبحانه وتعالى هذه النساء بالتضحيات العظيمة للإسلام، فأذكر أني سمعت إلى امرأة من أكثر النساء تأثيراً علي في حياتي، وهي امرأة كانت قد ضحت بابنائها الثلاثة في سبيل الله، ولا أذكر إن ذكرت هذا في سيرة سمية، وكذلك بزوجها سجن، وكذلك أزواج بناتها حكم عليهم بالسجن المؤبد.

فتم عمل مقابله معها كبيرة بالسن عمرها قريب من الثمانين، فقال لها المقدم: لماذا كل هذا؟ لماذا كل هذه التضحيات؟ لماذا؟ ماذا دمرت الأسرة بهذه الطريقة؟ فقالت له كلمة عظيمة جداً، قالت: يا بني، الإسلام غالي، الإسلام غالي، فالاسلام يستحق هذا الشيء، وهذا قليل كثيراً في حق الإسلام أصلاً.

وكذلك امرأة أخرى تزوجت، وكان هدفها بالحياة هو أن يقتل كل أبنائها في سبيل الله. طبعا هذا القسم لا يمكن منافسته، هذا قسم صعب جداً جداً أن يتم منافسته.