الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاكم. نكمل هذه السلسلة وهذا البرنامج المتعلق بالعيش مع الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.
ومعنا اليوم بإذن الله قصة صحابي من أشهر الصحابة، صحابي فريد وصحابي وحيد، وصحابي ناصر الإسلام بنصرة مختلفة. هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه هو أبو ذر الغفاري. أبو ذر الغفاري هذا الصحابي الجليل بودي أن أوقف معه عدة وقفات. وهذا الصحابي ظلم في الجيل الماضي من بعض الكتاب، حيث زعموا بأن أبا ذر كان على مذهب الاشتراكية، حتى ألف بعضهم ما قال: أبو ذر الشيوعي! وألف بعضهم كذلك كتاباً بعنوان: أبي ذر الاشتراكي!
أبو ذر الغفاري رجل من الصحابة العظماء، هو من أول من آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام. كان يقول بأنه الرابع أو الخامس ترتيبه في الإسلام. أبو ذر الغفاري رضي الله عنه وأرضاه ربما هو الصحابي الوحيد الذي قصد النبي عليه الصلاة والسلام في مكة. ولا أدري الآن ولا استحضره، هل وجد صحابي أو رجل قصد النبي عليه الصلاة والسلام في مكة وآمن؟ أم أن أكثر بل كل من آمن ممن ليس هو من أهل مكة، ذهب إلى مكة من أجل قصد معين ولكن الله سبحانه وتعالى ساق إلى الهدى؟
أما أبو ذر فقصد النبي عليه الصلاة والسلام لما أتاه أخوه أنيس وأخبر بأن في مكة رجل على مثل دينك. فانطلق أبو ذر إلى النبي عليه الصلاة والسلام في مكة، وقصد النبي عليه الصلاة والسلام حتى يسمع منه. أبو ذر الغفاري رضي الله عنه وأرضاه صحابي من الصحابة الذين ضحوا كثيراً وبذلوا كثيراً، وحياتهم كلها كانت تضحية، ولكن تضحية أبي ذر كانت مختلفة في بعض تفاصيلها.
أبو ذر اعتزل في زمان الخلافة الراشدة، اعتزل الناس ولم يطق الناس أبا ذر ولم يحتمل الناس ما كان يقوله أبو ذر رضي الله عنه وأرضاه، فاعتزل أبو ذر الغفاري. من هو أبو ذر؟ وأقصد هنا: من هو أبو ذر؟ من هو هذا الرجل الذي قصد النبي عليه الصلاة والسلام في مكة؟ ما طبعه؟ ما وصفه؟ ما شخصيته؟ كيف كانت حياته رضي الله عنه وأرضاه؟
أبو ذر كان قاطع طريق. أبو ذر كان يهجم على الناس في الصباح، من يقطع الطريق؟ من يسلب؟ كان يهجم في الليل. أبو ذر كان يسلب الناس في الصباح وكان يغزو الناس في الصباح هكذا جهاراً نهاراً. وأبو ذر لا يعرف الخوف، طريقي إلى قلبه، وأبو ذر من الشخصيات الصلبة جداً، الصلبة جداً، الشخصيات القوية التي لا تباري، التي لا تبالي ولا تماري ولا تداري؛ لا تبالي بأحد ولا تماري ولا تداري.
أبو ذر من طبعه قوة الشخصية، وأبو ذر رضي الله عنه وأرضاه صادق اللهجة بل هو من أصدق الناس لهجة، لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما أظلت الخضراء ولا قلت الغراء أصدق لهجة من أبي ذر». أبو ذر من الشخصيات الصريحة جداً. تعرفون، بعض الناس ما يعرف يجامل ولا يعرف يداري الناس ولا يأخذ بخاطر الناس، إنما هو صريح فيما يعتقده، كل ما في جوفه يكون على لسانه، أبو ذر من هذه الشريحة.
أبو ذر من هذا الشيء، وهو زاهد زهد عالي وليس حتى عادي، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال له: «إني أراك ضعيفاً، ما تصلح للإمارة، الإمارة لابد فيها من المداراة، لابد فيها من أخذ خاطر الناس»، أما أبو ذر ليس هذا وصفه ولم يطبع على هذا. وأتمنى أن لا نخرج من هذه المجالس إلا بفهم الإنسان، إلا بفهم الصحابي الإنسان، حتى نعرف كيف ساس النبي عليه الصلاة والسلام هؤلاء، وكيف نحن نقوم بتوجيه الناس؟ كيف نوجه الناس؟ وكيف الشخص لما يكون هو قريب من هذا الصحابي، كيف يقتدي به؟
انظر الآن إلى شخصية أبي ذر، أبو ذر رضي الله عنه وأرضاه كان صادق اللهجة وصريح، ولا يحتمل الكلمه الواحدة تعكر عليه مزاجه وخاطره، يعني هو من النوعيات التي إذا أُقفت لا ترجع، وهذا موجود في البشر؛ بعض الناس إذا أهنت بكلمة أو قلت له أو جرحت بكلمة، هذه كلمة تهدم كل ما فعلته، فيعرض عنك، ربما ما يأخذ بحقه لكن خلاص يعرض.
أبو ذر الغفاري لما انتقل مع أخوه وأمه إلى بيت خاله، وكان الخال يكرم هؤلاء الثلاثة، بعض من كان في هذه المدينة وهذه القرية حسدوا هؤلاء، فقالوا للخال: إنك إذا خرجت، أنيس أي أخو أبي ذر، يختلف إلى زوجتك إلى أهلك. فرجع هذا الخال قال ونثى أخبر أبا ذر ووالدة أبي ذر بما يقوله الناس، يعني فقط هكذا كلمة. فقال أبو ذر: قد أفسدت ما سبق من، قد كدرت ما سبق من معروفك.
ثم لم يساكن ولم يجتمع معه وخرج هو وامه وأخوه، قال: وتركنا خالي يبكي! لماذا هو هكذا؟ شخصيته هو هكذا، هو من النوعية التي يستعظم أن يقول مثل هذه الكلمه، فلما يقولها شخص له ما يحتملها، ما يحتملها، شخصية صريحة جداً واضحة ولا يأخذها بالحق لومة لائم، والذي في قلبه على لسانه ولا يبالي بأحد أبداً.
لذلك لما نعرف طبيعة هذه الشخصية ما نتعجب لما ذهب إلى مكة وصدع بكلمة التوحيد وضرب حتى كأنه نصب أحمر، ثم عاد مرة ثانيه وفعل مثل فعلتها الأولى، لأنه هو من هذه النوعية، هو ما عنده مشكلة بالموت وهو صريح جداً. وهذه الشريحة من الناس التعامل معها يحتاج إلى هدوء، لذلك لابد أن نعرف كيف تعامل النبي عليه الصلاة والسلام مع أبي ذر؟ كيف وجه أبا ذر؟ كيف رَبَّى وهذّب أبا ذر؟
دعونا أن ندخل في الحديث عن أبي ذر ونظر إلى، أو نقف معه عدة وقفات. الوقفة الأولى المتعلقة بطبع أبي ذر؛ أبو ذر مثل ما ذكرنا صريح جداً، شجاع، صاحب نفس قوية، وصادق، لا يماري ولا يداري ولا يبالي بأحد، ما في قلبه على لسانه، يفعل الفعل مباشرة إذا اعتقد بأنه صواب، ويقوله ولا يرد على أي أحد إذا كان معتقد بأن هذا حق.
وكذلك مع هذا هو صافي القلب، تقول لي كيف؟ اقول لك: أبو ذر كان ينص ويقول بأنه كان يعبد الله ثلاث سنوات قبل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا هو سبب وسر التقاء أبي ذر بالنبي، النبي عليه الصلاة والسلام. تقول لي كيف؟ اقول لك: هذا هو التقاء الصادقين. الداعية يخطئ كثيراً لما يظن بأنه بتخطيط أو تدبيذه سياتي بكل أحد، الله هو الذي يأتي بهم، الواجب عليك أن تفعل الذي يريد الله منك، ثم الله سيجمع لك الصادقين، سيجمع لك الله سبحانه وتعالى الصادقين. أبو ذر صدقه دفع إلى النبي عليه الصلاة والسلام فانطلق مباشرة إلى مكة.
فلما انطلق إلى مكة وتعرفون القصة، لا اريد أن أطيل الآن بالحديث عن التفاصيل، حتى التقى مع النبي عليه الصلاة والسلام، لما التقى معه مباشرة قال: ما أنت؟ قال: أنا رسول. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. مباشرة شهد بكلمة التوحيد وأسلم وانقاد لدعوة النبي عليه الصلاة والسلام.
كيف يسلم رجل من غفار، قاطع طريق وهو من غفار؟ وسمعة غفار سيئة عند العرب، هذه قبيلة من القبائل التي كانت تعيش على قطع الطريق، تعيش على هكذا، يعني ليست من من القبائل العربية العالية مثل قريش، مثل هوازن، ثقيف إلى آخره. فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم: من غفار؟ وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على جبهته قال: كأنه كره أني انتسبت إلى غفار. فأراد أن يأخذ بيد النبي عليه الصلاة والسلام فضربها أبو بكر، قال: فقذعني صاحبه وكان أعلم به مني.
أسلام هذا الرجل، ثم أرجع النبي عليه الصلاة والسلام وبين له بأنه أنه سيهاجر إلى الأرض ذات نخل ولعلها تكون يثرب، فرجع بعد ذلك إلى إلى غفار، وقد يدعو اهل غفار. القصة من ذلك قبل أن نعود الآن إلى دعوتي، الوقفة الثانية؛ الوقفة الأولى الآن من هذا الرجل؟ هذا الرجل من طبعه الشدة، من طبعه الصراحة، من طبعه القوة، من طبعه الإقدام، من طبعه عدم التفكير بالعواقب.
قد يكون شخص شجاع لكن يفكر، يدبر، أبو ذر لم يكن من هذه الشريحة، إنما هو شجاع شجاعة مفرطة، ويقول الكلمه ولا يبالي ما الذي سيحدث بعد ذلك، لا يبالي ما الذي سيحدث بعد ما يقول هذه الكلمه. إذا فهمت طبيعة هذه الشخصية ستفهم مواقف أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه التي وقعت منه بعد ذلك.
انظروا كيف لما ينطلق مع النبي عليه السلام إلى تبوك ويتعب بعيره ويسقط بعيره، يحمل متاع على ظهره ثم ينطلق ماشي إلى النبي عليه الصلاة والسلام، تقول له كيف يمشي؟ يقول لك هذا أبو ذر، أبو ذر يمشي حتى تنتهي طاقته، هو هكذا رضي الله عنه وأرضاه. لذلك لما راه من بعيد النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كن أبا ذر!».
أبو ذر لما ذهب إلى الشام ووقع بينه وبين معاويه ما وقع، وكان يرى بأنه لا يجوز كنز المال، ويتاول آية التوبة وأن هذه ليست خاصة باهل الكتاب، بل نزلت فينا وفيهم، استمر مع معاويه بذلك، وكان يشق هكذا القرب التي يجمع فيها المال رضي الله عنه وأرضاه حتى راس معاويه إلى عثمان، رجع إلى المدينة.
كان ينكر على أهل المدينة حتى دخل مرة في مجلس، وكان جالس الأحنف بن قيس، فأخذ ينكر عليهم كنز المال، وكان الناس كرهوا ذلك. فلما قام للحنف يقول: أنا لم أعرف من هو هذا الرجل. فانطلق وجلس معه فقال: من أنت؟ قال: حد أخبرني خليلي. قال: قلت من خليلك؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر الحديث. قال: قلت من أنت؟ قال: أنا أبو ذر. قال: كان الناس قد كرهوا ذلك. قال: إنهم لا يحقلون شيئاً، إنهم لا يحقلون شيئاً.
القصد من ذلك أن شخصية أبي ذر هي بهذه الطريقة، حتى بعد ذلك طلب من عثمان أو قال لعثمان رضي الله عنه وأرضاه، قال: وشك له ما يلقاه من الناس، قال: إن شئت تنحيت فتنحى رضي الله عنه وأرضاه في الربذة كما تعرفون. هذه الشخصية لها طريقة معينه في التعامل، هذه الشخصية لها طريقة معينه في في التعامل.
النبي عليه الصلاة والسلام لما أسلم أبو ذر، نصح بأنه ما يجهر بالكلمة، كلمة التوحيد. أبو ذر فهم أن النبي عليه الصلاة والسلام لم ينصح من أجل الدعوة، إنما من أجل نفسه هو، يعني النبي عليه الصلاة والسلام خاف عليه أنه إذا قال هذه الكلمه ممكن يقتل، وهو من غفار يعني هو لا يوجد من يحميه في مكة. فقام وجهر بكلمة التوحيد فضربه الكفار حتى كأنه نصب أحمر، فألقى العباس بنفسه عليه وحماه منهم وقال: إنه من غفار.
ثم رجع بعد ذلك وحمد إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو مصاب، وهكذا الدماء تتصبب منه. فرآه النبي عليه الصلاة والسلام رق له وقال: «الم أقل لك؟». فقال: يا رسول الله، تريد مني أن أعود؟ يعني أنا مستعد أقولها مرة ثانية! وهذا هو الفارق بين العزيمة وبين حد الدعوة ومصلحة الدعوة، فلما يكون أمر متعلق بالدعوة لا يجوز الشخص أن يخالف، لكن لما يكون أمر بين العزيمة والرخصة فهذا على حسب قدرة الإنسان، هذا على حسب قدرة قدرة الإنسان.
والنبي عليه الصلاة والسلام هنا أراد أراد له أراد أن يحميه من القتل أو أنه لا يتعرض لهذا البلاء، وهذا الأمر كان فيه رخصه، لكن هو اخذ بالعزيمة، لكن هو اخذ بالعزيمة، وليس الأمر هنا متعلق بمصلحة الدعوة إلى آخره. لو كان الأمر متعلق بمصلحة الدعوة لا يجوز، لا تجوز المخالفة، لكن هو فهم بأن هذا الأمر من باب الإرشاد وليس من باب الإيجاب.
القصد أن هذا الأمر هذه هي شخصية أبي ذر، هذه هي شخصية أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وأرضاه. النبي عليه الصلاة والسلام طلب منه أن يرجع إلى غفار، طيب لماذا ما أبقى عنده مع شدة حاجة النبي عليه الصلاة والسلام للدعاة؟ لأنه لن يستطيع أن يستمر في مكة، لأنه لن يستطيع أن يستمر في مكة، والنبي عليه الصلاة والسلام الآن مستضعف، والنبي عليه الصلاة والسلام الآن في هذه الحال يريد من يستطيع أن ينقل الدعوة معه، من ينقل الدعوة معه.
لذلك لما كان لما أتى هو واتى كذلك وأسلم كذلك عمرو بن عبسة، ثم أرجع بعد ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، ولعل عمر أتى هكذا قاصد النبي عليه الصلاة والسلام أو هو سمع به وهو في مكة، لكن أبو ذر هو أتى قاصد النبي عليه الصلاة والسلام. القصد من ذلك أن أبا ذر رضي الله عنه وأرضاه رجع إلى غفار، لما رجع إلى غفار مباشرة دعا أنيس، فقال: ما بي رغبة عن دينك. فاسلم، والدته أسلمت، ثم أسلمت نصف قبيلة غفار.
طيب الآن هذه الوقفة الثانية، ما الذي كان يقولها أبو ذر الغفاري لقبيلة حتى يسلمون بهذه الطريقه، وهو ليس سيد غفار؟ هو ليس سيد غفار! يعني دعونا أن نقف وقفة مهمة جداً، وقد تكون هذه أهم وقفة في هذا المجلس، غيرها قد يكون مهم للبقيه، لكن أنا بالنسبة لي أشعر هذه الوقفة يعني قريبة من نفسي. هل مشكلتنا نحن اليوم بكثره الكتب هل ما...
عندنا كتب نحتاج أن نؤلف كتبًا، هل عندنا مشكلة بالمقالات؟ ما هي مشكلتنا؟ ما هي مشكلتنا بدعوة؟ يعني هل ما عندنا شيء نقوله؟ نحتاج أن نؤلف لابد أن تؤلف وأنت لابد أن تكتب وأنا لابد أن اكتب وكلنا لابد أن يكتب، هل نحتاج إلى إغراق الناس بهذه الكتابات ونحن نعلم بأن هذا الباب يعني لن يكن لهذاك الأثر؟ يعني هل هناك نقص في المكتبة الإسلامية حتى أن كل واحد منا يحتاج أن يكتب وأن يؤلف؟ أنا لا أتكلم عن المحاضرات، المحاضرات مهمة لأنها فيها مواجهة مع الإنسان، لكن الكتب الكتب كثيرة المؤلفة، هل نحن الآن نحتاج إلى كتب في التزكية مثلاً؟ نحتاج إلى كتب في الفقه، بالتفسير، أو لا؟ المشكلة ليست هنا.
يعني أبو ذر الآن لما رجع إليهم، هو الآن كم سورة معه من القرآن الكريم؟ وكم نزل أصلاً من القرآن الكريم على النبي عليه الصلاة والسلام في مكة في هذه المرحلة؟ كم سورة نزلت؟ ثم لما رجع، رجع -تعرفون- كم مكث في غفار؟ مكث في غفار إلى ما بعد غزوة أحد، هو لم يرجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة إلا بعد أحد، هو لم يشهد بدراً ولا أحداً، هذه السنوات الطويلة التي مكثها في غفار ما الذي كان يقول لقبيلته؟ ما الذي كان يقول لقومه؟ وكيف استمرت هذه السنوات ومضت مع أبي ذر؟ كيف مضت وانقضت أبو ذر؟
لما كان يروي قصة إسلامه بأنه أسلم وكان يصلي قبل أن يلقى النبي عليه الصلاة والسلام ثلاث سنوات، قال: كيف كنت تصلي؟ قال: أصلي بعد العشاء. قال: إلى أين؟ قال: حيثما وجهني ربي سبحانه وتعالى. يعني هو كان من الحنفاء لم يكن يعبد أصناماً، ولم يكن هذه العبادة ما كانت داخله في عقل أبي ذر. وهنا فائدة، الآن الإنسان لما يستنكر شيئاً من المجتمع ماذا يفعل؟ الناس ثلاثة أقسام لا رابعة لهم، أنت الآن تعيش في مجتمع، أنت غير قابل بهذه الثقافة، غير قابل بهذا العرف، هذا العرف ترى بأنه خطأ وظلم وليس بصواب، الناس يكونون ثلاثة أقسام.
قسم يفعل على ما مضى المجتمع، كلهم هكذا، ماذا نفعل؟ يعني أضرب لك مثالاً أن شخصاً يريد أن يتزوج مثلاً خارج قبيلته مثلاً أو خارج من وطنه وهكذا، لكن المجتمع هذا، القبيلة أو العائلة الأسرة غير قابلة بهذا الشيء، لا تريد لابد أن تتزوج من نفس كذا مثلاً، هذا طبعا مثال ولا تقفون عند الصورة كثيراً، خذوا المعنى العام لكن صورة من باب التقريب فقط، ماذا يفعل الإنسان الآن؟ قسم من الناس هو غير مؤيد، لكن يقول لك ماذا نفعل؟ خلاص المجتمع كله هكذا الأسرة هكذا، فيخضع، يخضع خوفاً، يخضع لعدم رقبته، بتقول خلاص هو مع المجتمع يعيش، هذا قسم من الناس.
القسم الثاني من الناس يعارض، لكن معارضته تكون إيش؟ معارضة ناعمة، معارضة ناعمة كيف ناعمة؟ يعني هو ممكن يتخذ قرار مخالف للمجتمع، لكن مع اتخاذ هذا القرار يحاول يحتوي الأمر، يحاول هكذا يخفف من شدته، هذا طبعا الذي يفكر هذه شخصية ثانية، هي غالباً الشخصية التي لا تريد المشكلات وشخصية عندها تدبير وتخطيط وهكذا، يعني العقل عندها جيد.
الشخصية الثالثة شخصية أبي ذر التي تصادم المجتمع ولا تبالي بمخالفة من يخالفها، هو كان من هذه الشريحة، يعني هو الآن في العرب في زيادة العرب، كيف الشخص يخالف عبادة الاصنام؟ ممكن يخالف، بس مع المخالفة هل ممكن تسب الأصنام؟ هل ممكن تشد؟ هل ممكن تقول؟ حتى الحنفاء ما كانوا يقولون هذا الشيء، حتى الحنفاء ما كانوا يسبون هكذا، أبو ذر كان يقول: هل كالجخشبة؟ كان ينكح إساف ونائلة! لما مرت امرأتان من قريش في الليل على الصنمين فقال: انكحا هذا هذا! ثم لما مر مرة أخرى قال: هل نكن خشبة؟ قال: ولا أكنني، يعني قلت الكلمة هكذا صريحة.
فلما جاء النبي عليه الصلاة والسلام معه أبو بكر قال: ما شأنكم والمرأتين؟ والمرأتان كانتا تولولان فقال: إن هنا رجلاً قال كلمة. قال: ماذا قال؟ كلمة تملا الفم، ما استطاع أن يقول الكلمة أبو ذر ما عنده، أبو ذر شخصية صريحة جداً، صريحة، وهذه الشخصية ترى مهمة جداً بالدعوة، هذه الشخصية مهمة، هذه لا تقود، هذه الشخصية لا تقود، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إنك امرؤ ضعيف لا تصلح للإمارة والقيادة»، لكن هذه مهمة جداً في الدعوات، هذه مهمة أن تكون مع المشروع والعمل الدعوي، ومهم أن القائد يعرف كيف يتعامل معها أو كيف يوجهها.
القصد من ذلك أن أبا ذر لما رجع الآن إلى قومه ماذا قال؟ يعني هو ما الذي فعل معهم حتى أسلم نصف قبيلة غفار؟ نصف القبيلة أسلمت، ما الذي فعل بالسنوات هذه؟ بماذا كانوا يذكرونهم؟ يعني يا شباب والله مشكلتنا ليست بالكتب وليست بالمحاضرات وليس مشكلتنا بكثرة المؤلفات والمعاني، لا، هذه مشاكل وهمية، مشكلتنا الحقيقية بالصدق في طرح الدعوة، مشكلتنا الحقيقية بالصدق لما تطرح الدعوة تطرحها وأنت محب وأنت معظم وأنت تريد أن تهدي الناس، هذه هي مشكلتنا الحقيقية.
أبو ذر كان رجلاً صادقاً، أبو ذر قبل أن يسلم هو ما كان أصلاً يعبد الأصنام، ولما جاءت الدعوة مباشرة دخلت الدعوة قلبه، فهو ربما كان يقول لهم: من الذي خلق السماوات؟ من الذي خلق هذه الأراضين؟ من الذي خلقك أنت؟ ما تنظر لهذا الصنم؟ لا يسمع ولا يتكلم، يعني كان يخاطبهم الخطاب الواضح البين الذي لا يحتاج إلى تفصيل كبير وإلى حديث كبير وإلى حجج كثيرة كما يتوهمها من يتوهمها من الناس، إنما كان خطابه واضحاً، لكن مع هذا الخطاب الواضح كان معه صدق، والصدق معه فتح من الله وبركة من الله وعطاء من الله سبحانه وتعالى، وكذلك معه تأثير في الإنسان.
أنت لما تطرح الفكرة وتطرحها وأنت واثق منها، وتطرحها وأنت جاد فيها، وتطرحها وأنت معتقد اعتقاداً جازماً، تزلزل الذي أمامك، تزلزل الذي أمامك، لكن لما تطرح الفكرة بطريقة هكذا فيها احتمال، تضعفها، الاحتمال في طرح الفكرة هذا ضعف بإيصال الفكرة، الفكرة ما تصل بقوة، والإنسان كان يتاثر بطريقة العرض، كان يتاثر بثقة الإنسان بحركات عينيه بطريقة طرحه لهذا الأمر، يتاثر به يتاثر به تأثراً كبيراً.
فقبيلة غفار لما كان أبو ذر يمر عليهم واحد، وشخصية أبي ذر ما تترك واحداً إلا وتقيم عليه الحجة، يعني أبو ذر الغفاري هذه النوعية من الناس يخاطب واحداً ولا يكل ولا يمل، هذه النوعية ما تكل ولا تمل، يعني هذا الآن يخاطب فلاناً وهي تسمع أربع خمس ساعات يخاطبها، ثم يخاطب فلاناً ثم يخاطب الرابع ثم يخاطب، هكذا أبو ذر، لذلك سيد قبيلة غفار هو الذي كان يصلي بهم، أثر فيه أبو ذر، وهو الذي روى قصة إسلام أبي ذر، وهو الذي تكلم عن بعض تاريخ أبي ذر لما كان يسطو على الناس وكيف كان يغير على الناس صباحاً.
فالقصد أن أبا ذر كان مميزاً عند غفار، هو مميز عند هذه القبيلة بالأصل، تعرفون لما يكون قطاع طريق واحد يكون فيه مميز، أبو ذر كان هكذا، يعني هو القبيلة هي قبيلة تعيش على قطع الطريق، أبو ذر كان عند هذه القبيلة مميز، يعني عالي، فابو ذر كانت له شيء من السطوة، لم يكن هو الرئيس والامير لكن كانت له شيء من السطوة فكان يكلم هؤلاء يكلم فأسلمت نصف قبيلة غفار بماذا؟ بدعوة أبي ذر.
طيب ما الذي كان يقول لهم؟ كان يخاطبهم الخطاب العام، الخطاب الواضح، لكن معه صدق أبي ذر ومعه الاستمرارية، حتى وصل الأمر إلى أن تسلم نصف القبيلة، ثم النصف الآخر ماذا قالوا؟ قالوا: إذا هاجر النبي عليه الصلاة والسلام كما تخبر أنت وتقول إلى يثرب سنؤمن، هاجر النبي عليه الصلاة والسلام إلى يثرب آمن النصف الثاني، آمن النصف الثاني، غفار كلها آمنت بسبب أبي ذر.
هناك قبيلة أخرى اسمها أسلم، لما رأت لما رأت قبيلة أسلم إسلام قبيلة غفار أسلمت قبيلة أسلم، فاسلمت أسلم تبعاً لغفار، القبيلتان في ميزان هذا الرجل العظيم رضي الله عنه وأرضاه، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله»، حتى جاء الأقرع بن حابس التميمي وبني تميم من هكذا من كبار القبائل العربية كان يقال تميم كاهل العرب، فقالوا: يا رسول الله لم يسلم معك ولم يقد لدعوتك إلا هذه القبائل، مزينة وغفار وأسلم، قبائل ضعيفة! قال: «رايت إن كانت هذه القبائل أفضل من تميم وغطفان وأسد إلى آخره القبائل التي تعتبر أشرف». فالعبرة ليست بشرف القبيلة عندكم أنتم أيها العرب، إنما العبرة بميزان الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
فالقصد أن هذه الوقفة الثانية: ليست مشكلتنا يا شباب بكثرة الكتب والمؤلفات، ليست مشكلتنا بعدم وجود المعلومات، إنما مشكلتنا حقيقة بصدق تبني الدعوة، أننا نعيش فقط من أجل الإسلام، أبو ذر مكث بعيداً عن النبي عليه الصلاة والسلام قريب من سبعة عشر عاماً من أول ما آمن إلى أن جاء بعد غزوة أحد في السنة الرابعة تقريبا أتار إلى المدينة، هذه السنوات كلها أبو ذر كان صادقاً فيها في دعوته ومستمراً فيه في هذه السنوات في بث رسالته، فبث هذه الرسالة وبث هذه الدعوة واستمر في هذا حتى وصلت الدعوة إلى أن تسلم نصف هذه القبيلة، ثم أسلمت كل قبيلة، ثم تسلم القبيلة الثانية بوجود هذا الداعية الواحد.
وانظروا كيف أن الله سبحانه وتعالى علم بأن هذا الرجل يصلح للدعوة ويصلح للدين، فقذف الله في قلبه الهدايه وجعله يلتقي مع النبي عليه الصلاة والسلام في مكه -يقصد هو النبي عليه الصلاة والسلام- ويأتيه، بينما البقية ذهبوا من أجل أمور معينة، فالله سبحانه وتعالى بعد ذلك قذف في قلوبه، أما هذا هو بنفسه قصد، فلما قصد فتح الله سبحانه وتعالى عليه، والله سبحانه وتعالى أعلم بالشاكرين.
لذلك لا تفرطوا بالواحد الذي يأتي لما تكون تقيم مشروع هكذا دعوي ولا تربوي وتصدق فيه مع الله سبحانه وتعالى، لا تفرط بالفرد، لا تغرك الاعداد، ربما هذه الاعداد كلها وهمية وهذا الفرد هو الصادق، هذا الفرد هو الذي سينصر الله سبحانه وتعالى به الإسلام، ولكن انتبه انتبه أن تتوقف عن الدعوة أو عن أو أن تسقط هذا الفرد، هذا الفرد ممكن ما يأخذ من وقتك الشيء الكبير، لكن يكون أثره بالدعوة عظيم جداً، أكثر ممن يكون قريب منك أو يكون بينك وبينه هكذا علاقة أقوى من الآخر، وتظن بعقلك وتقديرك بأن هذا أفضل من هذا، لا تتعامل مع الله سبحانه وتعالى التعامل المبني على الاشتراط، إنما تعامل معه التعامل المبني على التسليم، لا تشترط عليه سبحانه وتعالى قدر.
نعم لا باس، لكن اجعل التقدير في دائرتها وكل أمور كلها الله سبحانه وتعالى، الله سيقذف وسياتي بالذين يعلم بأنهم يصلحون للدعوة، كيف يأتون ما ندري؟ كيف أبو ذر يأتي من غفار إلى مكة ويدخل ما هكذا ينتشر خبر من بسبب الكفار، ويذهب أنيس إلى مكة من أجل حاجة، ما ندري ما هي هذه الحاجة، ثم يكون هذا كله سبب أن هذا الرجل يسمع بالنبي عليه الصلاة والسلام ويذهب إليه، هذه دعوة محمية بقدر الله الغالب سبحانه وتعالى، وعمل الداعيه سبب بتوجيه هذا القدر في نصر الدعوة.
الوقفة الثالثة: قول النبي عليه الصلاة والسلام له لما سأل النبي عليه الصلاة والسلام الإمارة، قال: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: «إنك امرؤ ضعيف، إنك امرؤ ضعيف، فلا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم، واني أحب لك من الخير ما أحبه لنفسي، لا تأمرن اثنين ولا تولين مال يتيم»، وقال: «إنها خزي وندامة». الإمارة خطيرة، والإمارة لا يصلح لها كل أحد، القيادة عموماً هذه أشخاص معينين ممن يجتمع فيهم وصفان اثنان: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]، القوة مع الأمانة، القوة مع الأمانة، فلما توجد القوة مع الأمانة يصلح هذا الإنسان للإمارة والقيادة، أما إذا لم توجد القوة أو لم توجد الأمانة فهذا الإنسان ما يصلح.
قد توجد شخص الأمانة مثل أبي ذر لكن القوة على القيادة ليست موجودة، إذاً ما يصلح، الأمير لابد أن يداري الناس، الأمير أمير لابد أن يراعي نفوس الناس، أبو ذر لا يراعي ولا يداري، الأمير لابد أن يتعامل مع الناس بناءً على حال الناس وليس بناءً على فعله هو، وقد يكون شخص هو زاهد هو زاهد مع نفسه لكن لا يلزم الناس كلهم بالزهد، أبو ذر لم يكن بهذه الطريقة، أبو ذر لم يكن بهذه الصورة، فقد يكون الشخص هو زاهد هو مع نفسه لا يبايع، لكن عامة الناس ليسوا بهذه الطريق والشريعة لم تلزمهم بهذا ولم توجب عليهم هذا.
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال لمعاذ: «إياك وكرائم أموالهم»، فلما يكون شخص يرى بأن لابد أن تقدم أفضل ما عندك من مال، ولا بد أن تقدم كل مالك، ولا بد هنا، الناس مراتب، الناس مراتب، والقائد لابد أن يستوعب هذا، يستوعب نفوس الناس واختلاف طباع الناس، وكذلك اختلاف قوة ديانة الناس، ويفرق بين الأمور التي لابد أن يفعلها الناس ولا يتنازل عنها، وبين الأمور التي يكون فيها مدارات وفيها هكذا تساهل مع الناس وياخذ بخاطر الناس، وهكذا يعني قيادة الناس ليست.
سهلة الإمارة لمن يريد أن يأخذها بحقها، ولا تكون عليه يوم القيامة خزي وندامة. هذه ليست لكل أحد، هذه لأصحاب النفوس الواسعة، لأصحاب القلوب الكبيرة، لأصحاب العقول الجيدة، هؤلاء هم الذين يستطيعون أن يسوسوا الناس. أما أكثر الناس ما يستطيعون، أكثر الناس ليست عندهم قدرة على القيادة، والقائد إذا ما كان مالئاً هذا المكان يفسده. لذلك يقولون: قائدان اثنان يفسدان العمل، يفسدان المشروع، يفسدان الناس، يفسدان كل من تحت سلطان دعوتهم. قائد الضعيف الذي ما عنده القدرة يتفلت منه العمل، هو ضعيف والعمل ما يستطيع يضبطه يخرج منه، ما عنده حزم -صفة الحزم ما عنده إياها، والقوة ما عنده إياها- فهذا ما يصلح، حتى لو كان عابداً، حتى لو كان زاهداً، حتى لو كان صالحاً، حتى لو كان يقوم الليل، هذا ما القيادة ليست له، هذا ليس مفطوراً ولا مطبوعاً على القيادة، هذا لا يصلح أن يكون قائداً.
والقات كذلك مراتب ودرجات؛ القائد القوي جداً الذي يفسد العمل بقوته، هذا يدمر العمل كذلك لأنه يطغى ويطغى ويطغى حتى يصل به الحال إلى أن يسيطر على العمل السيطرة التي بها بطش، وبها شدة، وبها ظلوم، ثم هكذا يعني يضعف من تحته إلى آخره ويفسد العمل. فهذا القائد لا يصلح، هذا القائد لا يصلح، لذا الإسلام جاء بالشورى حتى يحد من هذا. القيادة لها أهلها، ليس كل أحد يصلح للقيادة.
وأبو ذر رضي الله عنه وأرضاه كان زاهداً، وكان صادقاً يعني صدق اللهجة هذه التي وصلت إلى حد لا يوجد معها مداراة، ولا مراعاة المشاعر، ولا الالتفات إلى الخواطر. هذا هذا الحد ما يستقيم إذا قاد. النبي عليه الصلاة والسلام أتاه رجل فلما رَآه قال: بئس أخو العشيرة. فلما دخل عليه هش وبش له! فقالت عائشة للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، لما رأيت فلاناً قلت كذا، ولما خرج، ولما دخل عليك قلت له كذا؟ فقال: يا عائشة، إن شر الناس من اتقاه الناس اتقاء شره أو فحشه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. لكن لما قال بئس العشيرة، حتى ما يظن الناس أن تعامله معه لأنه يستحق هذا التعامل -لا، ما يستحق.
فهكذا، فالقصد من ذلك أن لما تكون في هذا الموطن أحياناً يلزمك أن تتعامل الناس بهذه الطريقة. والشخصية هذه كذا التي تكون مثل أبي ذر، قوية جداً والصدق العالي أقصده يعني يعني لا تماري ولا تداري وتقول كل ما تعتقده من غير أي نوع من المجامله، من المداراة، هذه ما تصلح أن تكون في موطن القيادة.
وكذلك الشق الآخر؛ أبو ذر زاهد جداً، من أزهد الناس رضي الله عنه وأرضاه. أبو ذر كان إذا أخذ العطاء يأخذ فقط الذي يحتاج إليه، ثم يتصدق بالباقي كله، وكان هذا مذهباً له رضي الله عنه وأرضاه. هذا كيف سيتعامل مع الناس؟ كيف سيلزم الناس؟ ومال الناس لما بالقوة تأخذه، هنا يثور الناس ولا يتحمل الناس. لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إياك وكرائم أموالهم». نريد منهم الوسط، هم الذي يخرج المال الكريم هذا من عنده هو، هذا من عنده هو، والصحابة كانوا يرون بأن المال الحق الذي فيه الزكاة، الحق الذي فيه الزكاة. أما أبو ذر لا، لم يكن يرى هذا، إنما يرى أن المال لا يجوز أن توكي عليه إلا ما تحتاج إليه أو ترس اليدين، أما غير ذلك فلا، لا بد أن تنفقه، لا بد أن تنفقه. فهنا لم يكن في موطن القيادة بهذه الطريقه، ما ما يستقيم الأمر مع الناس، والناس أنه ما يحتملون.
فالقصد أن شخصية أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه ليست صالحة للقيادة والاماره، إنما هي شخصية جنديه، إنما هو جندي، وجندي وفي، وجندي صادق، وجندي مضحي، وجندي باذل، وجندي مستمر بالتضحية، يعني هذا ما تخاف منه الغدر والخيانه، هذا ما يخاف أبداً. هو لا يمكن أن يقول ما يستطيع، ولا يغدر، هذه شخصية صريحة جداً، وواضحة وبينة، وتقول الذي تعتقده، وتنكر المنكر، وتكون صريحة بإنكار المنكر، ولا تبالي في هذا بما يقوله الناس، ولا ما يقوله الإعلام، ولا ما يقوله القريب ولا البعيد. هي هكذا، هي هكذا قوتها وهكذا طبعها.
فالقصد من ذلك أن هنا أبو ذر لم يكن صالحاً للقيادة. لذلك هذه نصيحة؛ كل من لم يكن صالحاً للقيادة، لا تتكلف القيادة، القيادة لا تتعلم إلا لمن يصح لها، القيادة لها أهلها، ليس الكل يصلح القيادة. شخص ليس مفطوراً على القيادة، القائد ما يصنع. القائد ما يصنع، هذا القائد بالأصل هو قائد، لكن هو يستفيد ويتعلم وتكون الصناعة التكميلية نعم، لكن نفس المادة الأساسية بالقيادة هذه غريزه هذه فطره، ليست صناعة. ليست صناعة، الصناعة تكون في التكميل مثل ما ذكرت، لكن نفس المادة موجودة، نفس المادة موجودة، يعني فرق بين هذا وبين هذا حتى ما تشتبه المعاني لاشتباه الألفاظ. فما تأتي عن شخص هو بالأصل يعني ليست عنده موهبة القيادة وطبعه ليس مفطوراً فيه على القيادة، تقول لا ستكون قائد؛ لن يكون قائد.
لأن ثابت بن قيس بن شماس أو ثابت بن أقرم الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه لما قتل القادة الثلاثة أخذ الراية وذهب بها إلى خالد، مولداً في معركة مؤتة، فقال فقال: التمس لكم أميراً. قال: أنت الأمير. قال: لست لها بأهل، لست لها بأهل. ليس الكل يصلح القيادة. هنا لابد أن يعلم القائد اتباعه، وهنا من تمام نصح النبي عليه الصلاة والسلام أنه أخبر أبا ذر بذلك، قال: «إني أحب لك من الخير ما أحبه لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم». انظر!
فهنا لابد أن شخص هكذا، إذا كان شخص يعني يعرف من أخيه أو من صاحبه أنه ما يصح لهذا الموطن، أن يبين له، والبيان هنا قد يكون واجباً عليك؛ لأن هذا الموطن إذا تسلمه الإنسان سيفسد فساداً كبيراً، إذا ما كان أهلاً له، ولو بقي من غير أن يستلم هذا الموطن كان أسلم لدينه وكذلك لدين الناس. فليس الكل يصلح لهذا المقام، هذا المقام له أهله، والتوجيه مثل ما ذكرت هنا لابد أن يكون موجوداً، والنصيحة لا بد منها.
وشخص لما يكون قريباً من يعني من من إخوانه إلى آخره، وعنده قدرة على توجيه في هؤلاء، لابد أن نبين لهم، ونستخدم مثل ما استخدم النبي عليه الصلاة والسلام: «إني أحب لك من الخير ما أحب لنفسي»، كما أنا أحب لنفسي الخير وأخاف على نفسي، فكذلك أنا أحب لك الخير، انتبه هذا الأمر ليس لك، أنت هذا الأمر لا يصلح لك. ولا يغرك الكلام العام، وش يا شباب نفرق بين الخطاب العام والخطاب الخاص، ونفرق بين التوجيه العام والتوجيه الخاص، نفرق -يعني أتمنى أن هذه المدارس ما يخرج منها إلا معفاه مثل هذه المعاني-: ما يصلح لك، قد لا يصلح لغيرك، وما يصلح لغيرك قد لا يصلح لك. هي لابد أن تعرف نفسك، ليس الكل يصلح أن يكون في هذا المقام، ليس الكل يصلح أن يكون في مثل هذا المقام، والذي يملك ويفهم ويعرف لابد أن يوجه الناس الذين يعرفهم التوجيه الخاص.
إذاً هذه الوقفة الثالثة.
الوقفة الرابعة المتعلقة بغزوة تبوك. شوف يا شباب؛ النبي عليه الصلاه والسلام لما استنفر الناس للخروج إلى مقاتلة الرومان، إلى مقاتلة الرومان، هب الناس الروم، وخرج مع النبي عليه الصلاة والسلام المحتسبون، كما يقول عروة بن الزبير: أهل الاحتساب هم الذين خرجوا، وكان في وقت شديد الحرارة، وكان في وقت طابت الثمار فيه، وتبوك بعيدة عن المدينة النبوية، فلم يخرج معه إلا المحتسبون.
وخرج النبي عليه الصلاة والسلام قاصداً تبوك من المدينة، وقاصد تبوك. في الطريق بعض الناس بدأ يتفلت، بعض الناس بدأ يتفلت، حتى قيل: يا رسول الله، ترك فلان! فكان يقول عليه الصلاة والسلام: «دعوه، إن يعلم الله فيه خيراً فسيلحقه بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه»، حتى قيل: يا رسول الله، تخلف أبو ذر! أبو ذر الذي كان أول من أول من أسلم، الرابع أو الخامس، وضحى كل هذه التضحية، وأسمنت غفار، وأسمنت قبيلة أسلم، ترك أبو ذر!
فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «دعوه، إن يعلم الله فيه خيراً فسيلحقه بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه». أبو ذر ما الذي وقع معه؟ أبطأ به بعيره، أبطأ به بعيره، فلما رأى بأن بعيره ليست به قوة، نزل وحمل متاعه على رأسه وظهره، ثم انطلق ماشياً إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فرآه بابي أمه عليه الصلاة والسلام من بعيد وهو في تبوك، فقال: «كن أبا ذر». قالوا: هو والله يا رسول الله أبو ذر! فقال: «رحم الله أبا ذر، يعيش وحيداً، ويموت وحيداً، ويبعث وحيداً».
هنا الآن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «دعوه»، ثم قال: «كن أبا ذر». كيف نجمع الآن بين «دعوه» و«كن أبا ذر»؟ «دعوه» لما تكون في لحظة المصادمة، لحظة الاختبار، لحظة الابتلاء، الان لما تعلم شخص وتوجهه وتقيم عليه الحجج، ثم يأتي الاختبار، إذا أتى هذا الاختبار، وليس الاختبار هنا مثل اختبار آل ياسر، لا، إنما اختبار الآن اختبار عام على الجميع، ليس خاصاً، اختبار عام على الجميع. صنعت برنامجاً وعلمت الناس ووجهتهم وقمت عليهم الحجة، يعني هذا الكلام يقال بعد إقامة الحجة، ليس ليس قبل إقامة الحجة، بعد إقامة الحجة، بعد ما تقيم وتبين تضع الاختبار، بعد الاختبار لا تبالي، «دعوه»، خلاص، الذي يسقط «دعوه» حتى ياتي بعذر حقيقي يستطيع أن يأتي تتذرع به أمام الله، أما غير ذلك لا تبالي به، هذا انتهى خلاص.
لكن هذا متى؟ هذا في لحظة المصادمة. نحن الآن في اختبار عام، الاختبار العام أقمنا الحجج على الجميع، ونحن الان في لحظه الذهاب الان، الذهن كله مجموع على قتال الرومان، لسنا الان في لحظة تذكير فلان، ونصح فلان، وتوجيه فلان، لسنا في هذه اللحظة، نحن لسنا الآن في هذه المرحلة ولسنا في هذه اللحظة، فلما ترك فلان، خلاص «دعوه»، لعل الله لا يريده، خلاص هذا الإنسان أترض البلاء طريقه، وكانت عند ذنوب قديمة أسقطه الله سبحانه وتعالى بهذا الاختبار وهذا البلاء، نسأل الله السلامة والعافية.
لذلك الواحد والله يخاف يا شباب لما تنظر إلى برامج وهكذا، لما يكون لحظة الانتقال تسقط مجموعة كبيرة وتبقى مجموعة، هذه سقطت أين ذهبت هذه؟ إن سقطت ما يشعر هو بينه وبين نفسه، ما يخاف من هذه «دعوه»، ما يخاف بأن هو لم يلتزم، خلاص هو دائماً يسقط، دائماً يسقط، إنه غير صادق. عموماً ليس فقط البرامج، هذا كلام في كل شيء ترى في الدين. انتبهوا انتبهوا من «دعوه» هذه، انتبه أن تكون في لحظة من اللحظات لو كان النبي عليه الصلاة والسلام موجود معنا الآن لقال: «دعوه، إن يعلم الله فيه خيراً يأت به، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه، إن يعلم الله فيه خيراً فسيلحقه بكم».
ثم مع ذلك النبي قال: «كن أبا ذر». لماذا طيب ما بعث له؟ لماذا في هذه اللحظة؟ لا، هذا اختبار. طيب متى يكون البعث؟ لما يكون الاختبار عليه هو لوحده، لما يسجن هو لوحده، لما يعذب تعذيباً لوحده، نعم هنا نمر عليه ونقول: صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة، ونبدأ نذكرهم ونثبتهم وهكذا، لأن هذا ابتلاء مستمر، لكن هذا ابتلاء عام، اختبار عام، وسقطت هذه المجموعة، إذن هذه المجموعة لا تصلح.
وهذا هو الذي وقع مع طالوت وجنده، لما اختبرهم الله سبحانه وتعالى الاختبار الأول سقطت مجموعة، الثاني سقطت مجموعة، الثالث سقطت مجموعة، هكذا. هذه الاختبارات العامة غير الاختبار الخاص، الذي يحتاج الإنسان أن ننظر لقوه اختبار عليه وثقله ونذكره وهكذا. هذا شوف هذا المشهد غير المشهد هذا، وهذه الصورة غير الصورة هذه. اختبار لما يكون عاماً على المجموع ونحن نكون قاصدين شيئاً معيناً، خلاص الذي يترك يترك، وإن كان فيه خير الله سبحانه وتعالى سياتي به، ثم ممكن ندعوه من أجل هو يعني لما نرجع، ممكن ندعوه من أجل هو ليس من أجل الإسلام، يعني يعني ما ندعوه حتى نقول: بالله عليك نحن نحتاج إليك، لا، نحن ما نحتاج إليك ولا نريد، لكن من أجلك أنت، حتى تنجو من النار، حتى ما تدخل جهنم، حتى تفوز بالجنة، يعني تكون الدعوة من أجله هو، ليس من أجل نفس الدين.
وهنا «كن أبا ذر» هذا يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يبيد أن يسقط، كان يبيد أن ينجو، كان يبيد أن ينجح، كان يبيد أن يفوز بهذا بهذا الاختبار.
الوقفة الرابعة: تعامل النبي عليه الصلاة والسلام مع أبي ذر؛ يعني أن ناخذ الان كيف ربى النبي عليه الصلاة والسلام هذا الصحابي الجليل. واحداً؛ كان النبي عليه الصلاة والسلام قريباً، وكان يلاطفه عليه الصلاة والسلام، وكان أحياناً يشد عليه. دعونا ناخذ هذه المواقف؛ النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: «من مات وهو لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة». أبو ذر مباشرة قال: يا رسول الله، وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق». قال: يا رسول الله، وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق». قال: يا رسول الله، وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر».
فكان أبو ذر إذا قال هذا الحديث يقول: وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر. ولما عيّر رجلاً بأمه، فقال عيرته بأمه، فقال: «نعم، يا رسول الله»، قال: «إنك امرؤ فيك جاهلية».
قال: يا رسول الله، على حين كبر كبري من السن؟ قال: «نعم».
ثم أبو ذر أصبح من شدة صدقه واتباعه واستجابته كان يعطي غلامه حلة وهو يلبس حلة، أو يعطيه الرداء وهو يلبس الإزار، وهكذا حتى جاء البراء بن عازب ورأى إلى أبي ذر كيف أن غلامه يلبس مثل لبسه فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسْه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يتعبهم، وإن كلفوهم فأعينوهم». فالقصد من ذلك، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، أن أبا ذر كان سريع الاستجابة، وكان قريباً من النبي عليه الصلاة والسلام حتى كان يقول: أخبرني خليلي. قال: قلت: من خليلك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام أثنى عليه وقال: «ما أطلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر». وكان النبي عليه الصلاة والسلام يخبر بشيء مما سيقع معه: رحم الله أبا ذر، يعيش وحيداً ويموت وحيداً ويبعث وحيداً.
وكان كذلك يقول له النبي عليه الصلاة والسلام: «يا أبا ذر، لن تغدو فتتعلم آية من كتاب الله» -يعني لابد أن تتعلم، نعم، هو ليس مثل معاذ بن جبل، أن أفرق بين الخطاب الذي يكون لأبي ذر والخطاب الذي يكون معاذ بن جبل، معاذ مقصود منه أن يكون عالم الأمة، أبو ذر كذلك هذه الشريحة، لكن أبو ذر له هو، لابد أن تضبط الموازين معك- «يا أبا ذر، لن تغدو فتتعلم آية من كتاب الله خير من أن تصلي مائة ركعة، ولن تغدو فتتعلم باباً من أبواب العلم خير من أن تصلي ألف ركعة».
وكان يُدْنِيه منه النبي عليه الصلاة والسلام، وكان كذلك يُرْدِف النبي عليه الصلاة والسلام أحياناً، هذا كله تليين لقلبه؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام ملك قلب أبي ذر، فكان أبو ذر يحبه محبة عظيمة وكان يقول: خليلي. وهذه الكلمة -هذه خليلي- ما تقولها إلا للنبي عليه الصلاة والسلام، ما تقولها لغيره. فالنبي عليه الصلاة والسلام استطاع أن يسيطر على قلب هذا الرجل حتى أحبه هذه المحبة العظيمة، رضي الله عنه وأرضاه.
إذاً، هذه النوعية الاقتراب منها مهم، والصراحة معها مهمة؛ لأنها صريحة هذه النوعية. هذه النوعية ليست نوعية توجيهها ما يكون مع تورية، هذا التوجيه لازم يكون صريحاً: أنك امرؤ ضعيف، صريحاً أنك امرؤ فيك جاهلية، صريحاً هكذا. فهذه النوعية توجيهها -على رغم أنف أبي ذر- صريح؛ يعني هذه الشريحة من الناس التوجيه ما يكون فيه تورية. انظر مثلاً شريحة أخرى من غير تسمية الآن، التوجيه معها ما يكون فيه هكذا الصراحة؛ لأنها تفهم، تفهم الطرق هذه، لكن هذه الشريحة هي أصلاً ما تتعامل مع الناس بالحياة والخجل والليونة، هي ليست بهذه الطريقة، هي صريحة، فالتوجيه يكون صريحاً، لكن هذه ما تقبل الصراحة إلا من مثل النبي عليه الصلاة والسلام -يعني أقصد في المحبة- فمع النبي هذه الشريحة تقبل وتقبل وهي فرحة لما عندها من إيمان ودين. ولما يأتي الحديث يقول: «على رغم أنف أبي ذر» -حتى هذه الكلمة يأتي- ولما يقول: «إنك امرؤ فيك جاهلية» -طيب، النبي عليه الصلاة والسلام كيف يقول هذه الكلمة؟ أي مباشرة حتى يردعه، عيَّرَه بأمه: إنك امرؤ فيك جاهلية- ثم يندم أبو ذر ويضع وجهه على الأرض يقول: ضع رجلك على عنقي. ثم يفعل مثل ما فعل مع غلامه، انظر إلى استجابته رضي الله عنه وأرضاه، وقوة الاستجابة عجيبة هذه الشريحة رضي الله عنه وأرضاه.
الوقفة الأخيرة المتعلقة بأبي ذر رضي الله عنه وأرضاه: الزهد؛ الزهد الذي كان عليه هذا الرجل، وجاء في بعض الآثار والحديث أنه مثال عيسى عليه السلام في الزهد، وهو من أزهد الناس. وكان قوله بالزهد -مثل ما ذكرت- شديداً وثقيلاً، وهذا القول في الزهد والشدة فيه هي التي جعلت الناس ما تحتمل أبا ذر؛ فلما كان يذكر الناس، تتغير وجوه الناس: إن هذا قول نحن ما نقبل به، وهذا قول خاص بأبي ذر. طيب، هل تقول وافق الصحابة أبا ذر؟ لم يوافقوا أبا ذر. طيب، هل من الممكن أن شخصاً يكون صالحاً ومتديناً ومحباً للخير ولكن الناس ما تستقيم معه؟ نعم، ممكن.
فأحياناً بعض الشخصيات وبعض الناس تأتي لحظة معينة من التاريخ لابد أن يعتزل المشهد، خلاص، يعتزل؛ لأنه لن يستطيع أن يستمر مع الناس، والناس لن تتقبل ما يقوله، وليس التقصير من الناس، وحتى ليس التقصير منه هو -يعني هو معتقد بأنه مصيب، معتقد اعتقاداً جازماً بأنه مصيب- لكن الناس ما تحتمل هذا الطرح، وهذا الطرح بالنسبة للناس ليس -أو بالدين كذلك- ليس هو صحيحاً، لكن هو معتقد، فهو يفعل الذي يراه صواباً، لكن عامة الناس أو بقية الناس أو بقية العلماء لا يرون بأن هذا صواب، هذا الفعل وهذه الشدة أو هذا الإلزام بهذه الطريقة.
فهنا هذه الشريحة الناس ممكن تخرج تقول لي: إيش تطبيقها أو تكييفها الواقعي؟ أقول لك: الآن تجد بعض المتدينين في زماننا هذا أعمارهم فوق الستين والسبعين، كانوا مع الدعوة، كانوا مثلاً مع الدعاة إلى الله، وكانوا يدعون مع الناس الأصفياء الأتقياء، أو يكونون من المجاهدين مثلاً، ما استشهدوا وما فتنتهم الدنيا، هذا يشعر بأنه غريب بين الناس. إذا رايتم هذه الشريحة، هي موجودة هذه الشريحة، كيف تعيش الآن؟ تجد هؤلاء الذين ذكرتهم -سواء كانوا من الدعاة؛ يعني كانوا ممن يدعو ويخرج هكذا في سبيل الله من أجل الدعوة، أو كان مجاهداً في سبيل الله- هؤلاء بعد الستين والسبعين ما تجده يحتمل الناس، ما يستطيع؛ المجتمع تغير عليه، الناس تغيرت، فهذا التغير الكبير هو ما واكبه، وغير قادر أصلاً أن يواكبه؛ هو نفسيته وطبيعتُه ليست مع هذه الشريحة.
طيب، كيف يعيش هذا؟ يعتزل، خلاص، هذه النوعية من الناس تخرج من المشهد، تعتزل، تجدها هكذا تعيش بعيدة عن الناس، ممكن يعيش في أماكن هكذا نائية في القرى، يعيش في هكذا، يكون بعيداً عن مجتمعات الناس، ما يعيش في المدينة؛ لأن هذا في المدينة يعتبر مستنكراً حتى عند الدعاه، ما يتحملونه، هو ما يتحملهم ولا هم يتحملونه. أبو ذر قال: إيم الله، لا أنشدهم ولا أسألهم عن شيء من ديني أبداً، ما يسألهم عن الدين، ولا أطلب منهم شيئاً من دنياهم. هكذا هذه الشريحة موجودة وتوجد في الدعوات؛ بعد مدة معينة من الدعوة ويكبر هذا الشخص، ويكون في البداية هو مع الموجهين الكبار فيستمر معهم، لكن لما يذهب هؤلاء ويموتون ويبقى هو، ويذهب أصحابه وأقرانه، ويتغير الناس طبيعي، المجتمعات طبيعي من طبيعة التغير فيتغير الناس، هو ما يحتملهم ولا هم يحتملونه، ولا يستطيع أن يواكب هؤلاء الناس، فيضطر أن يتخذ القرار الذي اتخذه أبو ذر رضي الله عنه وأرضاه.
أبو ذر هو الذي اعتزل، لم يلزم عثمان، لكنه ما استطاع أن يحتمل فاعتزل وخرج إلى منطقة غريبة من المدينة اسمها الربذة -التي موجودة الربذة بهذا الاسم- فاعتزل رضي الله عنه، مكث هناك يتعبد الله سبحانه وتعالى لوحده. وهنا العزلة ليست عزلة بسبب الفتنة -مثل ما اعتزل سعد رضي الله عنه وأرضاه- إنما عزلة بسبب عدم قدرة هذا الإنسان، خلاص، الناس ما يحتملونه ولا هو يحتملهم، وهو يرى بأن الذي يفعل واجب، وهم لا يرون صحة هذا الشيء، خلاص، الآن نعم، الآن يكون قد فرضك أنت الاعتزال، واجب عليك الاعتزال، وهذه موجودة. ولذلك العالم والداعية لابد أن يكون بصيراً بهذه الشريحة من الناس؛ أي شريحة من الناس ممكن تصل إلى درجة خلاص ما تستطيع، فنعم، ممكن يطلب منها الاعتزال، خلاص، يبتعد عن الناس ويعيش في مكان بعيد عن الناس، ولا يأتي شخص يقول: أين الدعوة إلى الله؟ مثل شاب متحمس. هذا كلام عام، الكلام العام التأصيل العام غير التنزيل الخاص، التأصيل العام مخاطبة الجمهور غير مخاطبة الأفراد بأعيانهم، الخطاب الخاص يختلف عن الخطاب العام.
هذا باب ما يتعلق بسيره هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري