الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحيياكم إخواني جميعاً وبياكم وسدد على طريق الخير خطاكم. نكمل هذه السلسلة المتعلقة بأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، ومعنا اليوم بإذن الله سيرة سيد نساء العالمين وسيدة نساء أهل الجنة، معنا اليوم بإذن الله سيرة فاطمة بنت النبي عليه الصلاة والسلام.
فاطمة رضي الله عنها وأرضاها وصلى الله وسلم على أبيها، هي من خير النساء. وخير النساء أربع: آسية ومريم وخديجة وفاطمة، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام. إذن هن خمس؛ خير نساء الدنيا على الإطلاق خمس. وعامة العلماء يرون بأن خير النساء على الإطلاق هي مريم ابنة عمران. وجاء في بعض الاحاديث تفضيل فاطمة، وجاء في بعض الاحاديث ذكر الترتيب، وبدء فاطمة بنت النبي عليه الصلاة والسلام، وفي بعض الآثار والأحاديث كذلك أن فاطمة لما سألت النبي عليه الصلاة والسلام عن مريم قال: «إلا ما كان من مريم ابنة عمران». واختلف العلماء على ثلاثة أقوال؛ منهم من يقول -وهذا قول جمهور العلماء- بأن خير النساء على الإطلاق هي مريم ابنة عمران. ومنهم من يقول بان خير النساء على الإطلاق هي فاطمة بنت النبي عليه الصلاة والسلام. ومنهم من يقول بان خير النساء على الإطلاق هي عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنه وعنها؛ لماذا؟ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام».
دعونا ننظر إجمالاً بسير النسوة الأربع ثم نعود إلى فاطمة. الآن عندنا مريم، عندنا آسيا وخديجة وعائشة؛ لماذا فضلت هذه النسوة؟ فضلت مريم بالعبادة العظيمة التي كانت تقوم بها: ﴿وَقُنُوتِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: 12]، وكذلك بالبلاء الكبير الذي وقع عليها، وكذلك بكفالتها عيسى عليه السلام. ناتي عند آسيا؛ آسيا فضلت بهذه التضحية العظيمة التي قامت بها، تركت السلطان وتعرضت مقابل ذلك إلى بلاء عظيم جداً من فرعون، مع كفالة موسى عليه السلام.
خديجة؛ موقفها مع النبي عليه الصلاة والسلام عظيم، فلخديجة أثر عظيم في استمرار النبي عليه الصلاة والسلام بدعوته، فكانت خديجة رضي الله عنها وأرضاها تفرج عن النبي عليه الصلاة والسلام همومه، حتى سمي العام الذي ماتت فيه خديجة عام الحزن. ومن شدة محبة النبي عليه الصلاة والسلام لها كان عليه الصلاة والسلام يتعاهد صحيبات خديجة، حتى كانت تقول أم عائشة رضي الله عنها وأرضاها: ما غرت على امرأة ما غرت من خديجة رضي الله عنها وأرضاها، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «والله ما أبدلني الله خيراً منها». فنصرة خديجة للإسلام وللنبي عليه الصلاة والسلام عظيمة وقوية وظاهرة، وتجدونها في السيرة النبوية؛ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: 1-2]. والله لا يخزيك الله أبداً؛ هذه كلمات ثقيلة في الميزان، هذه كلمات ثقيلة وعظيمة في الميزان. فهذه السنوات العشر التي عاشتها خديجة مع النبي عليه الصلاة والسلام بعد بعثة النبي عليه الصلاة والسلام هي التي بلغت بخديجه ما بلغت. تضحيات خديجة كانت عظيمة، ومسارعة خديجة ومسابقة خديجة للدخول في الإسلام، ولنا درس خاص في الحديث عن مزية أم خديجة رضي الله عنها وأرضاها.
أما عائشة؛ فعائشة رضي الله عنها وأرضاها تعرفون أثرها كذلك على النبي عليه الصلاة والسلام العظيم في تسلية النبي عليه الصلاة والسلام، وضرب بها المثل بالثريد، فضلها على سائر كفضل الثريد على سائر الطعام، لما فيه من إشارة إلى سهولة مضغه، فعائشة كانت امرأة سهلة هينة لين، وكانت هي الذروة في الزوجات رضي الله عنها وأرضاها، فهي المعيار في مزية الزوجه عائشة رضي الله عنها وأرضاها، ويكون عندنا درس إن شاء الله تعالى خاص بها بإذن الله. وكذلك البلاء العظيم الذي وقع عليها في سورة النور حادثة الإفك، والثبات العظيم الذي ثبتته رضي الله عنها وأرضاها، مع العلم الوافر والكبير الذي كان عندها، فهذا كله بلغ بعائشة أن تصل إلى ما وصلت إليه رضي الله عنها وأرضاها.
طيب، فاطمة؛ الآن عرفنا بأن تميز النسوة الأربع كان بهذه الأمور، مع ما في القلب من أعمال القلوب، وهذا هو الأصل، وسياتينا إن شاء الله تعالى. هل فاطمه مر عليها بلاء شبيه ببلاء عائشة وبلاء آسيا ومريم وكذلك خديجة؟ أقول بأن بلاء فاطمة أصعب من بلاء النسوة الأربع. إذا كانت هذه النسوة الأربع رضي الله عنهن ورحمهن البلاء مر عليهن عارضاً في الحياة، ففاطمة كل حياتها كان بلاء. فاطمة ولدت مع البلاء؛ ولدت قبل البعثة بسنة أو سنتين، ولم تعقل إلا والنبي عليه الصلاة والسلام يصادم ويصارع قريش بدعوته. فهي عقلت النبي عليه الصلاة والسلام في الدعوة الجهرية، عقلت في السن الخامسة والنبي عليه الصلاة والسلام كان يصادم ويصارع الكفار.
ولما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا فاطمة بنت محمد سئليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئاً»، هذه الكلمات لما طرقت أذن فاطمة رضي الله عنها وأرضاها كم كان عمرها؟ يا عباس، يا صفية، يا فاطمة هنا؛ يا فاطمة كم كان عمر فاطمة؟ كانت صغيرة في السن ربما في سن الخامسة أو السادسة وهي تسمع والدها يقول: «سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئاً». هي ولدت مع البلاء، وتعرفون لما دعا المجرم الخبيث أبو جهل بسل جزور بني فلان لما كان النبي عليه الصلاة والسلام يصلي وألقى بسل الجزور على ظهره عليه الصلاة والسلام، لم يزل هذا الأذى إلا فاطمة؛ جاءت فاطمة تجري وتزيل هذا الأذى من ظهر النبي عليه الصلاة والسلام وبكت وأخذت تسب هؤلاء الكفار وهي طفلة صغيرة. هي ولدت بهذه الطريقة، هي عاشت حياتها بهذه الصورة رضي الله عنها وأرضاها، وكانت تنتقل من بلاء إلى بلاء، ولم تزل البلاءات تنتقل بفاطمة حتى ختمت بأعظم بلاء على الإطلاق، وهذا البلاء اختص به فاطمة رضي الله عنها وأرضاها وسياتينا باذن الله، ولم يشركها أحد بهذا البلاء بتفصيله، أما بجنسه فالأمة جمعاء أصيبت به، ولكن بتفصيله لم يشرك فاطمة أحد.
فاطمة رضي الله عنها وأرضاها ولدت وعقلت في هذه الحال؛ حال مصادمة النبي عليه الصلاة والسلام ومصارعة النبي عليه الصلاة والسلام، فهي ترى إلى والدها بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام كيف كان يسب، كيف كان يشتم، كيف كان يقال عنه كذا وكذا وكذا؛ هي عاشت بهذه الصورة، ثم ما إن كبرت قليلا حتى ماتت أمها، فماتت خديجة كما تعرفون في السنة العاشرة من البعثه وكانت فاطمة في سن الحادية عشرة أو الثانية عشرة. فهذه صدمة عظيمة تكون للبنت وهي في هذا السن، ثم خرج النبي عليه الصلاة والسلام وهاجر كما تعرفون إلى الطائف، هو لما ذهب إلى الطائف أين كانت فاطمه أين مكثت؟ زينب كانت متزوجة، وكذلك رقية كانت متزوجة من عثمان وزينب كانت متزوجة من العاص بن أبي وائل، لكن فاطمة كيف عاشت هذه المرحلة؟ كيف عاشت سنوات دعوة النبي عليه الصلاة والسلام في مكة؟ أين كانت؟ أين مكثت؟ من الذي كان يرعاها؟ من الذي كان يكفلها؟ من الذي كان يصلح من شأنها؟ من الذي كان يحتويها؟ والنبي عليه الصلاة والسلام ما بين دعوة الكفار وما بين صلاة وما بين تربية المؤمنين. كيف هي عاشت؟ يعني البيت الذي عاشت به فاطمة كيف كان؟ كيف كان؟ لكن البلاء كان مستمر معها، لم يتركها البلاء حتى ماتت رضي الله عنها وأرضاها بالبلاء.
القصص من ذلك أن هذا البلاء الكثير والمتوالي والمتتالي هو الذي رفع من شأن فاطمة رضي الله عنها وأرضاها، مع مقابلتها لهذا البلاء بالحب والتعظيم والاجلال لله سبحانه وتعالى. ثم انتقلت بعد ذلك إلى المدينة، انتقال هنا إلى المدينة؛ كبرت فاطمة وأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يزوج فاطمة، فخطبت فاطمة من مجموعة من الرجال لكن لم يزوجها النبي عليه الصلاة والسلام إلا من ابن عمه، إلا من علي رضي الله عنه وأرضاه. فلما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يزوجها من علي من أفقار الصحابه، ولم يكن من الأغنياء، لم يكن مثل عثمان ومثل أبي بكر ومثل عمر، مثل طلحة مثل الزبير، هو لم يكن صاحب مال كثير إنما كان فقير؛ فباع درعه وأتى بهذا المال قيمة الدرع، ويقال بأنه باعه بأربعة دراهم وقيل أكثر من ذلك، وأمهر فاطمة هذه الدراهم المعدودة، مهر سيدة نساء العالمين سيدة نساء أهل الجنة دراهم معدودة. وهذا تطبيق عملي من الداعي الأكبر بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام؛ كان يقول عليه الصلاة والسلام: «إن من يمن المرأة» أي بركة المرأة على زوجها «تيسير خطبتها وتيسير مهرها صداقها وتيسير رحيمها»، هذه المرأة هي المرأة المباركة، وكان يقول: «أعظمهن بركة أيسرهن مهراً».
فاطمة رضي الله عنها وأرضاها انتقلت من بيت الزهد الأول إلى بيت الزهد الثاني. هي عاشت الشطر الأول من عمرها في بيت النبي عليه الصلاة والسلام، وكان هو أزهد الناس على الإطلاق عليه الصلاة والسلام، ثم انتقلت بعد ذلك إلى بيت علي رضي الله عنه وأرضاه، واستمر معها الزهد حتى لقيت الله سبحانه وتعالى. فعاشت حياة الزهد، عاشت رضي الله عنها وأرضاها حياة الزهد، وبهذه الطريقة تصنع البيوت المباركة. البيوت المباركة لا تقوم على النظر إلى الدنيا ولو كان النظر يسير، هذه دروس نريد أن نصنع بها أنفسنا أولاً ثم نوجها للناس ثانياً. أول شيء نبدأ نحيي بأنفسنا؛ البيت المبارك لا يمكن أن يصنع مع وجود التفاتة القلب إلى الدنيا، لا يمكن. يكون هذا البيت منزوع البركة أو يكون خفيف البركة، لا تكون البركة به عظيمة.
أما البيت المبارك الأصلي هو الذي يكون مثل بيوت النبي عليه الصلاة والسلام؛ كيف الله سبحانه وتعالى صنع بيوت النبي عليه الصلاة والسلام؟ ما الذي أنزل الله في سورة الأحزاب لأزواج النبي عليه الصلاة والسلام؟ وكيف خاطب النبي عليه الصلاة والسلام أزواجه بعد ما أنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآيات: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنُّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 28-29]. أما إذا كنتن تريدن الدنيا فسيمتعن النبي عليه الصلاة والسلام ثم يطلقون، لماذا؟ ما يصلح هذا البيت؛ نبراس البيوت هذا البيت هو المثال هو المعيار، فالبيت لما يكون بهذه الصورة لابد أن يكون قوامة قوام الرجل والمرأة، الزوج والزوجة بهذه الطريقة. فالنبي عليه الصلاة والسلام أزهد الناس، إذن من يريد أن يكون شريك له عليه الصلاة والسلام وأن يعيش معه هو لابد أن يكون قريب منه، لابد أن يفعل كما يفعل، ولابد أن يلتزم مثل ما يلتزم، ولا ما يصلح أن تكون هذه المرأة من أمهات المؤمنين، ما يصلح أن تكون هذه المرأة سيدة نساء العالمين، ما يصلح أن تكون هذه المرأة هي تابعة ومن ذَرِيّة هؤلاء. فكرياً الله يقول: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: 34]، هي لن تكن من هؤلاء، خلاص تريدين الدنيا ابحثي عمن يريد الدنيا، ابحثي عمن يريد أن يعيش كما تعيشين، لكن دع الرجال الصالحين، دع هذا القسم الطيب النقي من الناس، هذا مختلف عن البقية، هذا سيعيش مثل ما يعيش الزبير، سيعيش مثل ما يعيش علي رضي الله عنه وأرضاه، إن جاءت الدنيا من غير تكلف نعم، لكن هو لن يتكلفها، ولن يتكلفها لماذا؟ لأن هذا عنده رسالة في الحياة.
لذلك إبراهيم عليه السلام لما أمر الزوجة الأولى أن تقول لزوجها إسماعيل عليه السلام: مرْه فليغير عتبه بابه، ولما جاء المرة الثانية وأمر المرأة الثانية بأن تقول: مرْه فليثبت على بابه، لأن هذا هو البيت المبارك؛ إسماعيل نبي رسول مبعوث من قبل الله، إذن لابد أن تكون الزوجه هي بهذه الطريقة قريبة من هذه الشريحة، ما تكون مشكلة لهذا الشخص. لذلك الله يقول في كتابه العظيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 33]؛ آل إبراهيم وال عمران، لماذا آل إبراهيم وآل عمران؟ لأن البيت كان هكذا؛ آل إبراهيم؛ الزوجة سارة والزوجة الثانية هاجر البيوت مباركة، والذرية اسماعيل واسحاق. وآل عمران؛ عمران رجل صالح وزوجته حنة صالحة وهي التي نذرت قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: 35]، خرج من هذه البيت مريم، ومن مريم جاء عيسى عليه السلام؛ بيوت مباركة هكذا هي البيوت المباركة.
النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يصنع هذا البيت المبارك، أراد أن يكثر من هذه البيوت المباركة، فزوج سيدة نساء العالمين سيدة نساء أهل الجنة من علي رضي الله عنه وأرضاه، فصنع هذا البيت المبارك، وخرج من هذا البيت سيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين. بداية صناعة المنزل كانت بهذه الطريقه، لا توجد أي التفاتة للدنيا، إنما المرأة تعرف دورها والرجل يعرف دوره، والقصد من هذا المنزل كله أن نحقق العبودية لله سبحانه وتعالى. من البداية كان المهر بهذه الطريقة؛ المهر يكشف من البدايه هل هذا البيت يصلح أو لا يصلح، لذلك نقول: اتقوا الله يا معشر الآباء، اتقوا الله أن تغالوا المهور، وكذلك من يفكر بهذه الطريقة هذا ليس هو الدين هنا لسيدة نساء العالمين، وإذا أراد أن نصنع أنفسنا الصناعة الحقيقية يجب أن نخرج من واقعنا الخروج الكامل في صناعتنا الخاصة وليس في تعاملنا مع الناس فقط لا، في صناعتنا الخاصة لابد أن يكون صانع لنا فقط القرآن الكريم وسيرة النبي عليه الصلاة والسلام، ونفعل ما يأتي به الدين ولا نتنازل. هذا لمن يريد الصفوة، هذا لمن يريد مرتبة الصديقية، هذا الكلام لمن يريد أن يصيب.
المراتب العالية لمن يريد الفردوس الأعلى، أما الذي لا يريد الفردوس الأعلى ولا الصديقية نعم هذا ممكن يتساهل، هذا خطاب آخر، نحن نتكلم الآن مع الخطاب العالي، مع خطاب من يريد أن يحفظ به الإسلام، خطاب الشريحة التي بها يحفظ الدين من الرجال والنساء، خطاب الشريحة التي لا تنظر إلى الدنيا، بل تنظر إلى مراد الله سبحانه وتعالى، إلى الذي يحب الله سبحانه وتعالى.
هذه الشريحة خطابها مختلف عن خطاب البقية، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام هنا كان يغير المجتمع، كان يغير الناس، كان يصنع الناس الصناعة الإسلامية العالية التي ستكون هذه الصناعة ملهمة للأجيال؛ ستبقى سيرة فاطمة رضي الله عنها وأرضاها ملهمة للنساء الصادقات إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولما يضرب الله مثلا للذين آمنوا بقصة مريم وقصة آسيا، ستبقى هذه السير صانعة للنساء الصالحات إلى آخر الزمان بإذن الله.
هذه الأمة لابد أن يخرج فيها في كل جيل أمثال فاطمة وأمثال علي، أمثال الصديق وأمثال ابنته عائشة، أمثال عمر الفاروق وابنته حفصة أنها صوامة قوامة، هذه الأمة لابد أن تخرج مثل هذه النوعية، لكن من الذي سيكون من هذه الشريحة؟ يعني من سيكون في هذا الزمان هو قريب من علي، لن يكون مثله بالضبط لأن هذه هي الشريحة العالية، هذه هي المعايير التاريخية، لكن من سيكون مثالها مثال علي؟ من ستكون مثالها مثال فاطمة؟ هذا هو الذي ينبغي أن نفكر فيه في هذه الحياة.
القصد من ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام هنا بنى هذا البيت المبارك من البداية باختيار الزوج الصالح وهو علي رضي الله عنه وأرضاه، وهذا الزوج صالح لهذه المرأة الصالحة، صالح لهذه المرأة التي هي سيد نساء العالمين، وكذلك بدأ البيت هذا من البدايه بهذه الطريقة أن ما توجد به شدة ولا تعسير، إنما بين كذلك بقوله: «إن من يمن المرأة تيسير خطبتها»، ما يأتي هكذا التشديد في النكاح، هذه علامة سوء، يعني لما يأتي شخص يريد أن يخطب ثم يكون هناك شدة، أنا أقول لك: ابتعد خلاص، لأن هذا لن يكن معه شيخ كبير فيه خير، لماذا؟ لأن هذا علامة سوء، ليس معه يمن، ليس معه بركة.
كذلك الصداق لما يكون فيه اشتراط ونريد كذا ونريد كذا، أقول كذا ترى علامة ليست جيدة، أنا ما أقول ابتعد، لكن أقول لك ليست هي، ليس هذا هو البيت المبارك، ممكن يكون ممكن يكون لكن ستدخل في هكذا اجتهاد في التغيير، لكن كبداية أنا أقول لك ليست مطمئنة، لأن البيوت الصالحة ما تبنى بهذه الطريقة، البيوت الصالحة كل التفكير مثل ما كان يفعل سعيد بن المسيب يترك خليفة المسلمين ويذهب إلى رجل فقير ما عنده درهم إلا درهم أو ثلاثة، لماذا؟ يقولك هنا يصنع البيت المبارك، هنا أحفظ على دين ابنتي، هكذا هذه البيوت الطيبة المباركة.
وهذه موجودة وما زالت موجودة وستبقى موجودة، الله يخرج في هذا الدين في كل جيل من يكون بهذه الطريقة أو قريب من هذه الصورة، القصد من ذلك أن البيت صنع بهذه الطريقة، فلما صنع بهذه الطريقة نشأ هنا الحسن والحسين، فأصبحت فاطمة رضي الله عنها وأرضاها أما لسيد شباب أهل الجنة، تربي الحسن وتربي الحسين في كنف علي رضي الله عنه وأرضاه، وفي كنف فاطمة رضي الله عنها وأرضاها، وصلى الله وسلم على أبيها.
استمرت فاطمة في هذه الحياة مع رضي الله عنه وأرضاه حتى جاء يوم من الأيام وسألها علي، أنظروا الآن إلى فقه فاطمة، قال: يا فاطمة من خير النساء؟ فقالت: خير النساء من لا يراها الرجال ولا ترى الرجال، هذه كذلك علامة أخرى على ميزة المرأة التي لا تكون خراجة ولاجة، أعظم بكثير من المرأة التي تخرج كثيرا، والمراه لما تخرج كثيرا تقع معها مشكلتان اثنتان؛ المشكلة الأولى أن ثوب الحياء يضعف، والمرأة ميزتها الحقيقية بالحياء، يعني ميزة المرأة وعلو المرأة وجمال المرأة بحياء المرأة، وحياء المرأة يحملها على كثير من الطاعات ويزجرها عن كثير من المعاصي، وكثرة المخالطة والذهاب وخلطة الناس ينزع ثوب الحياء، والحياء إذا ذهب ما يرجع الحياء والغيره إذا ذهبا ما يرجعَان.
لذلك زوج فاطمة علي رضي الله عنه وأرضاه لما انتقل بعد ذلك إلى العراق مكان الحياء والستر والمحافظة، البيوت المباركة التي صنعت في هذه المنطقة الطيبة الطيبة، لما انتقل العراق بعد ذلك تعجب من خلطة النساء للرجال في الأسواق يعني في أمور بها حاجة، فكان يقول على المنبر يقول: ألا تغارون أن نساءكم يخالطن العلوج في الأسواق؟ لا خير في من لا يغار، إذا ارتفعت الغيرة يرتفع معها الحياء، وإذا ارتفع الحياء ترتفع معها الغيرة، هذه نصيحة النساء، الرجل لما لا يكون صاحب غيره ليس مصاب تقبلي به زوجة، وهذا يكون من خلال الأسئلة، الرجل إذا ما كانت عنده غيره على محارمه هذا لا يؤتمن، والمفترض أن الولي من البدايه أصلا ما يزوج هذا الانسان، والانسان قد تضعف غيرته كثيرا بسبب خلطة.
وهذا يكون لمن يكون في بلدان الغربية أو بلدان التي بها هكذا انفتاح، غيرة الرجل هناك ما تكون مثل غيرة الرجل العامي، المتدين هناك أضعف من العامي في البلدان التي توجد بها خلطة، وهذه مسألة مهم جدا يقف عندها كذلك من يعيش في البلدان التي بها اختلاط كثير، حتى ما يتغير الإنسان ويظن الإنسان بأنه متدين كدين الصحابة، الصحابة لم يكن دينه بهذه الطريقة، أسماء كانت تقول عن الزبير وكان أغار الناس، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «أتعجبون من غيرة سعد؟» فكان غيوراً رضي الله عنه وأرضاه، وعلي كذلك قال: ألا تغارون، لا خير في من لا يغار، هذا في خلطة في في السوق، كيف لما يكون في الحافلات وفي الأسواق وفي الجامعات وفي هكذا التساهل الكبير؟ هذا هذه علامة سوء.
إذن خروج المرأة المشكلة الأولى أنه يضعف عندها الحياء، وتصبح المرأة جريئة، والمراه لما تصبح جريئة لا تكون صالحة كثيرا ولا تفهم النصوص كما تفهمها فاطمة رضي الله عنها وأرضاها، لكن الله يقول: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: 33]، المرأة الجريئة ما تفهم هذا النص كثيرا وتتساهل معه ولا تلتفت إليه كثيرا، المشكلة الأخرى أن هذه المرأة التي تخالط كثيرا تتغير عندها المعايير، فيصبح المعيار عندها غير معيار فاطمة، غير معيار مريم، غير معيار عائشة، فيتغير عندها المعيار فتظن بأن طريق الوصول إلى الجنة هو هذا، وليس هذا هو طريق الوصول الجنة، أما طريق وصول الجنة هو نفس ما كانت تفعل فاطمة.
ثم بعد ذلك تأول تغير الواقع وتغير الزمان، وهذا كله من الشيطان، الإسلام يريد أن يصنع الرجال والنساء الصناعة الموافقة له، وليست الصناعة المتعلقة بالواقع، الواقع لا يؤثر بالصناعه، الصناعة خالصه دينيه خالصه للدين، ثم يكون التعامل مع الواقع وفق الواقع، لكن ليس الواقع هو الذي يصنع، وهذا الباب يكون به تأول كثير عند الناس.
القصد من ذلك أن فاطمة رضي الله عنها أجابت علي بهذه الإجابة، قالت: خير النساء التي لا يراها الرجال ولا ترى الرجال، ولما ننظر النصوص الشرعية نجد بأن النصوص الشرعية كانت شديدة على المرأة في هذا الباب، لماذا؟ هذا كله من أجل حفظ المرأة، والمراه إذا حفظت يحفظ البيت، وإذا حفظ البيت يحفظ المجتمع، أما المرأة إذا ما حفظت ما يحفظ البيت، لا يمكن، لأن المرأة هنا لما تخرج ستفرغ الطاقة وتفرغ العاطفة إلى من لا يستحقها، حتى لو لم يكن بمحرم، فتضعف العلاقة داخل المنزل، يضعف الود داخل البيت، فلما يضعف الود داخل البيت هنا يفسد هذا البيت ويضيع هذا البيت، ثم بعد ذلك يضيع تبع لذلك المجتمع، والاسلام دقيق في أحكامه.
والله سبحانه وتعالى الذي خلق الإنسان هو العليم بالإنسان، هو الخبير بالإنسان سبحانه وتعالى ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ لذلك تجدون هذه المرأة التي ما تخرج ودائما في المنزل، تجدون البيت عندها محفوظ، والبيت يكون مستقر، البيت به سكينه، بخلاف المرأة التي تعتاد دائما الخروج يوميا ست ساعات سبع ساعات، هذه البيت عندها ليس قوي ولا تستطيع أصلا أنه يكون قوي، هي نفسها لا تستطيع، لأن خلاص البيت الآن مهلهل، بيت ضعيف، بيت ليس قوي ولا يمكن أن يكون قوي، لأن هناك سيكون تكلف، وهذا التكلف فوق طاقة الإنسان.
فالإنسان كائن عنده قدرة بدنية وعنده قدرة عاطفية حد، هذا الحد لما يتم إخراجه القدرة البدنية والعاطفية، يتكلف الإنسان بالعاطفة أو بالعمل، هذا التكلف ما يكون مع ود، ما يكون مع حضور قلب، ما يكون مع سهولة، إنما يكون معه هكذا شدة، وهذه المغالبة ما تستمر الحياة البشرية الخاصة يعني في الزواج والبيوت بهذه الطريقة، ولا بالصحبة مع البيوت مع الزواج إلى آخره، هذه العلاقات لابد يكون معها شيء من الود، إذا ما كان موجود الود ما تكون الذروة، ممكن تستمر بس تستمر مع تكلف.
القصد من ذلك أن فاطمة رضي الله عنها وأرضاها هذه إجابتها كانت لعلي، والنصوص الشرعية كانت موافقة لهذا، فهي استفادت وانتفعت وتعلمت من النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يقول بابي وامي، فكانت أحرص الناس على اتباع وفعل وتثبيت ما كان يقول بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام، ولما وقع خلاف بينها وبين علي، وهذا يقع أحيانا بين أزواج، كان النبي عليه الصلاة والسلام يدخل في الصلح فكان يذكرها بفضل علي ويهدئ من روعها، ويذكرها بفضل زوجها رضي الله عنه وأرضاه، وبهذا تقوم البيوت وبهذا تستمر البيوت.
بل الله سبحانه وتعالى لما أثنى على الحور العين أثنى عليهن بأنهن قاصرات الطرف، وأثنى عليهم بأنهن حور مقصورات في الخيام، ويفهم هذا من يفهم النصوص، ثم من يفهم من يفهم الإنسان، استمرت فاطمة رضي الله عنها وأرضاها بهذه الصورة وهذه الطريقة مع علي رضي الله عنه وأرضاه، وبلغ حبها من النبي عليه الصلاة والسلام أو بالنبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول: «فاطمة بضعة مني، يريبني ما رابها، يؤذيني ما آذاها، ينصبني ما أنصبها».
فكان النبي عليه الصلاة والسلام يتاثر إذا تأثرت فاطمة، هي بضعة منه بابي وامي عليه الصلاة والسلام، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يحزن كثيرا لفقدها كل من يعينها، ففاطمة ماتت أمها وماتت أخواتها وبقيت هي لوحدها رضي الله عنها وأرضاها، ولم يبق لها إلا سيدي عليه الصلاة والسلام وخير الناس، وكفى به بأبي وأمه عليه الصلاة والسلام، واستمرت حتى جاءت اللحظة الحاسمة، اللحظة الثقيلة جدا على الأمة الجمعاء وعلى فاطمة على وجه الخصوص.
جاءت لحظة مرض النبي عليه الصلاة والسلام، فلما مرض بأبي وأمه عليه الصلاة والسلام أتيته فاطمة لا تخطئ مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يحبها ويقبل بين عينيها، وكانت هي كذلك تتعامل مع أبيها بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام حتى أسر لها بسر فضحكت فاطمة، ثم بكت فاطمة، ثم أسر لها بسر آخر فضحكت فاطمة، فسألتها عائشة رضي الله عنها وأرضاها فلم تخبرها، قالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات النبي عليه الصلاة والسلام.
ولما مات وقع على فاطمة البلاء العظيم الكبير فكانت تقول: واكرب أبتاه إلى جبريل ننعاه، وكانت تقول لأنس: يا أنس كيف طابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أعظم مصيبة على الأمة على الإطلاق موت النبي عليه الصلاة والسلام، وكان يقول بأبي وأمه عليه الصلاة والسلام أنه ليس أحد، لن يصاب أحد بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي، ومن أصاب بمصيبة بعدي فليتعزى بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بعدي، فإن أحدا من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي، فكان أعظم بلاء.
قال أنس: لما دخل النبي عليه الصلاة والسلام المدينة أضاء منها كل شيء، ولما مات عليه الصلاة والسلام أظلم منها كل شيء، هذا البلاء وقع على الصحابة كالصاعقة حتى أن عمر لم يستطع أن يحتمل وسقط رضي الله عنه، وهو عمر الفاروق عمر القوي، عثمان ما استطاع، علي ما استطاع، لم يحتمل الصحابة شدة هذا البلاء وثقله، وهذا البلاء كان أثقل بلاء مر على الصحابه وعلى الأمة جمعاء، ومر على فاطمة أشد مما مر على الأمة، لماذا؟ لأنه هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كذلك والدها وهو كذلك الوحيد الذي بقي لها بأبي وأمه عليه الصلاة والسلام، فالبلاء نزل عليها بشدة كبيرة.
ولم تزل فاطمة تذوب حتى ماتت بعده بستة أشهر، حتى ماتت بعده بستة أشهر، سألت عائشة فاطمة مرة أخرى رضي الله عنها عنها عن الذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام بعد ما مات، فقالت: أما السر الأول الذي أخبرني به فبكيت، أخبرني بأنه سيموت في هذا المرض فبكيت، واما الثاني الذي ضحكت من أجله، أخبرني بأني أسرع أهله لحوقا، وكذلك بأني سيدة نساء العالمين أو سيدة نساء أهل الجنة فضحكت.
فماتت بعده بستة أشهر وأصاب هذا البلاء العظيم الثقيل، ففاطمة حياتها كلها كانت عبارة عن بلاء منذ عقلت؛ ماتت أمها ماتت أخواتها بلاء، والدها الشديد، البيت الأول بيت الزهد، البيت الثاني كذلك كانت في المنزل تعمل فكانت هي التي تطحن سيدة نساء العالمين، تطحن وتعجن وتخبز في البيت فكانت هي تقوم بشؤون البيت رضي الله عنها وأرضاها، ثم بعد ذلك استمر مع هذا البلاء، وكانت تخرج أحيانا مع النبي عليه الصلاة والسلام.
والصحابيات في الجهاد من أجل القيام بدور المرأة بسقي الجرحى وإعانة الجرحى وهكذا. حتى بعد ذلك حضرت النبي عليه الصلاة والسلام الوفاة، ومات أبي أمي عليه الصلاة والسلام، ومرضت مرضاً شديداً بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يزل المرض يأكل منها ويزيد ويعظم حتى استقر هذا المرض مرض بالموت. وهذه بلاءة الصالحين، إن العبد إذا سبقت له عند الله منزلة لم يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده وماله وولده حتى يبلغه تلك المنزلة، حتى يبلغه تلك المنزلة. بلاءة الصالحين تكبر ولا تصغر، بلاءات الصالحين تعظم ما تنزل، تزيد مع الحياة حتى تبلغ هؤلاء الصالحين إلى هذه المراتب العالية المنيفة.
طيب، الآن ناتي وننظر ما هو فضل المرأة بالإاسلام؟ المرأة بالإسلام مثل الرجل، أثقل ما يوضع في الميزان عمل القلب، أثقل ما يوضع في الميزان الإيمان، حب الله سبحانه وتعالى، تعظيم الله، إجلال الله، هذا هو أثقل معيار. هذا كم كان في جو فاطمة رضي الله عنها ورضاها؟ هذا لا شك بأنه كان في الذروة، وإلا ما كانت سيد نساء العالمين. هي أصبحت سيدة نساء العالمين لمجموعة من الاعتبارات، الاعتبار الأول وهو أقواها وأثقلها على الإطلاق عمل القلب؛ تعظيم الله، حب الله، جلال الله سبحانه، والخوف من الله سبحانه وتعالى.
الثاني، نفس العمل الذي فضلت به النساء، فضلت به مريم: ﴿يَا مَرْيَمُ اقُنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: 43]. فاطمة كانت كثيرة الذكر، كانت كثيرة العبادة، كثيرة الصلاة، وهي لا تخرج من منزلها، هي لا تخرج منزلها إلا يسيراً، هي بالأصل كان دورها في المنزل فكانت تقوم بشؤون زوجها. وهذا المعيار الثالث؛ المرأة والانسان عموماً يعظم بتعظيم عظيمه لمن عظم الله سبحانه وتعالى. قبل الزواج الأب والأم، بعد الزواج الزوج ثم الأب والأم هذا بالإجماع، أما بالنسبة للرجل فالأم ثم الأب، الأم ثم ثم الأب.
هنا الشخص لما يبر والديه كم يكون أجر عند الله؟ بر الوالدية يأتي بعد الصلاة مباشرة، بعد الصلاة مباشرة. هنا كذلك حسن التعامل مع زوج، إنما هو جنتك ونارك، لو كنت آمراً أحداً أن يسجد أحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها. فهنا حسن التعامل مع الزوج هو الذي يبلغ بالمرأة هذه المراتب العالية. فاطمة هنا كانت في الذروة، هنا فاطمة مع علي رضي الله عنه وعنها كانت في الذروة، كذلك الحياة، ويدل على هذا جوابها على علي رضي الله عنه وعنها لما قالت: خير المرأة أو خير النساء التي لا تراها الرجال ولا ترى الرجال. بل حتى لما حضرتها الوفاة كانت تقول لأسماء بنت عميس: لا أحب هذا اللباس التي تلبس النساء الذي يشف أو الذي يكشف عن حجم العضو. فذكرت لها أسماء ما كانت قد رأته من لباس الحبشة، فقالت: ما أحسن هذا! ثم وهي ميته توصي بأن لا يغسلها إلا علي وأسماء فقط، حتى لما جاء الصديق لم يدخل.
فالقصد من ذلك أن فاطمة رضي الله عنها حتى وهي بهذه الصورة بهذه الحال حيائها بلغ هذه المرتبه العالية وهذه الأخلاق يتفاوت الناس بها. قد يكون عند المرأة حياء، لكن حياء عن حياء يفرق، قد يكون عند الشخص إخلاص، لكن إخلاص عن إخلاص يفرق. المراتب هنا تتفاوت تفاوتاً كبيراً والناس يتفاوتون بتحقيق هذه الأعمال القلبية، وكذلك مثل هذه الأخلاق التي يتخلق بها الناس يتفاوتون بها تفاوتاً عظيماً وكبيراً.
كذلك فاطمة كانت هينة ليناً لما مات النبي عليه الصلاة والسلام وطلبت من الصديق ميراثها من النبي عليه الصلاة والسلام وأبى الصديق وقال: إني سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة». ضبطت رضي الله عنها وأرضاها وعاشت كأن الله يريد منها أن تكمل هذه الحياة حياة الزهد أنها ما يكون عندها حياة التوسع.
ولم يزل الصديق يترضاها حتى رضيت، وجاء الصديق واستأذن بالدخول عليها. فقال لها علي رضي الله عنه: إنها هنا أبا بكر خليفة المسلمين يستأذن عليك. فقالت له: تحب أن آذن له؟ فقال: نعم. فأذن له فدخل عليها رضي الله عنه وأرضاه، أخذ يترضاها ويقول: والله ما هاجرت وتركت العشيرة والمال والاهل إلا طلبا لمرضاة الله ومرضاة رسوله ورضاكم أهل البيت. فرضيت رضي الله عنها وأرضاها، وهو لم يخالف أمر النبي عليه الصلاة والسلام، بل لما قال له علي رضي الله عنه وعنها وعن الصحابة اجمعين لما قال: كنا نرى أن لقرابتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حق. بكى وقال: والله لقرابة رسول الله صلى الله عليه احب إلي أن أصل من قرابتي.
القصد أن المرأة تفضل بهذا، تفضل بالأصل بأعمال القلوب ثم بالقيام بكثره الصلاة أنها صوامة قوامة، زوجتك في أنها زوجتك في الدنيا وزوجتك في الآخرة عن حفصة لماذا؟ أنها كانت صوامة قوامة. وكذلك تفضل بالحياة والابتعاد عن الرجال وامتثال هذه الأوامر، وكذلك بطاعة من فرض الله سبحانه وتعالى طاعته وعظم طاعته، وأعظم ما فرض على المرأة طاعته بعد طاعة الله سبحانه وتعالى وطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام طاعة الزوج، وطاعة تكون بالمعروف، والطاعة تكون بالمعروف.
كذلك بقيامها بواجبات الأمومة في احسن تربية؛ الحسن وتربيه الحسين. فكان علي يخرج في الجهاد ويخرج في الغزوات كثيراً وكان يبعثه النبي عليه الصلاة والسلام فكانت هي الملازمة لأبنائها والأبناء بالأصل يصنعون بالام أكثر من الأب، الأبناء بالأصل يصنعون بالام أكثر من الأب. فلا شك بانت فاطمة، وكذلك أبناء فاطمة أخذوا أم فاطمة الشيء الكبير والكثير الذي أثر بهم حتى أوصلهم إلى أن يكونوا سيدا شباب أهل الجنة.
هنا أصبح الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة ليس فقط لنسبة النبي عليه الصلاة والسلام، بل لأنهما استحقآ هذه السيادة بحسن هذه التربية، حسن هذه التربية التي قام بها علي وقام بها قامت بها فاطمة رضي الله عنها وعنه. وهذا بعض ما يتعلق بسيرة هذه المرأة العظيمة التي هي سيدة نساء العالمين وسيدة نساء أهل الجنة، والله أعلى وأعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري