ننتقل الآن إلى قواعد اصطلحوا على تسميتها بالقواعد المندرجة تحت العادة محكمة، وهذه قواعد مهمة جداً ونأخذها إن شاء الله باختصار.
القاعدة الأولى: العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني.
في هذه القاعدة في الحقيقة جرت العادة إذا ذكرت في كتب القواعد أن تذكر بلفظ آخر، وأن تذكر إما بالجزم أو بالاستفهام، بالجزم بأن يققال: العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا الألفاظ والمباني. العبرة في العقود بالمقاصد يعني بالنيات والمعاني، معنى العقد لا لفظه، لا الألفاظ والمباني، كلمة كتاب مبنية من كم حرف؟ أربعة حروف: كاف، تاء، ألف، باء، هذا بناء الكلمة. فهل العبرة بالبناء أو بالمعنى؟ العبرة بالمعنى في العقود.
هل العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا الألفاظ والمباني؟ وبعض الفقهاء يقولون: العبرة في العقود بالألفاظ والمعاني في مسائل، وبالمقاصد والمعاني في مسائل. وفي الحقيقة هذا هو المذهب عندنا، لكن أغلب المسائل في مذهبنا العبرة فيها بالمقاصد والمعاني، ولذا أكتفي بهذا عندكم هنا.
وهذه القاعدة تكلم عنها الإامم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في قواعده في القاعدة الثامنة، تكلم عنها بتوسع.
طيب، من أمثلتها: هبة بعوض؛ قال رجل لآخر: هذا الجوال أهديك إياه يا تيمور ما منكم اسمه تيمور، أذكر واحد أنت تيمور يا تيمور؟ بس لا تصدق هو مثال، هذا الجوال يا تيمور اسمعوا، أهدي هذا الجوال لتيمور بألف ريال، شهدت؟ اشهد على الألف أيضاً لا تشهد على الهدية فقط، أهديت هذا الجوال لتيمور بألف ريال، اللفظ لفظ ماذا؟ لفظ هبة وهدية، والمعنى فيه ألف ريال إذاً هو بيع، فهل نرتب عليه أحكام الهبة أو أحكام البيع؟
إن قلت: نرتب عليه أحكام الهبة فانت اعتبرت اللفظ والمبنى، وإن قلت: نرتب أحكام البيع فانت اعتبرت المقصد والمعنى، والمقدم ما هو؟ المقصد والمعنى. بناءً عليه ينبني عليه أني إذا أعطيته الجوال فيلزمني أن يعطيني الألف ريال، هذا واحد. لو أنه اخذ الجوال ووجد به عيباً ثبت له خيار العيب. لو ذهب للسوق ووجد الجوال يباع بمئة ريال وأنا بعته بألف ثبت له خيار، هذا درستموه يا إخواني، خيار ماذا؟ الغبن صحيح. لو اخذ الجوال على أنه جوال من نوع كذا ثم تبين -واعوذ بالله أن أعمل هذا- أني دلست عليه ثبت له وأنه جوال نوع آخر خيار التدليس، هذا كله إذا قلنا أنه بيع، أما إذا قلنا أنه هبة هل يثبت له شيء من ذلك؟ أبداً لا هذا ولا ذاك، والعبرة بالمقاصد والمعاني.
طيب، ما تقولون في رجل ذهب إلى آخر في دكانه ليشتري منه هذا الجهاز، كالجهاز هذا الشاشة التي أمامي؟ فقال له: بكم؟ قال له: بألف ريال، قال له: أنا احتاج هذا الجهاز لأذهب إلى دورة التأهيل للفقه والآن الألف ليست معي، قال: أنا لا أعرفك، قال: خذ هذا الجوال، خذ هذا الجوال أمانة عندك، أمانة عندك حتى أتيك بالألف ريال، اللفظ لفظ أمانة يعني وديعة، والمقصد والمعنى رهن. فهل نجعله رهناً أو نجعله وديعة؟ رهناً.
في الحقيقة عندنا في المذهب بعض المسائل شدد الفقهاء فيها من الحنابلة وقالوا: العبرة فيها باللفظ لا المعنى، كمسألة الصلح على مال فقالوا: في مسألة الصلح على مال قالوا: لا بد أن يكون، لا يصح أن يكون بلفظ الصلح، مسائل ذكرها الفقهاء ليس هذا محل بسطها الآن، المراد أن أغلب المسائل والذي مشى عليه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى وقرره أن العبرة هي بالمقاصد والمعاني.
القاعدة الثانية من القواعد المندرجة تحت هذه القاعدة: قاعدة فيها شقان، الشق الأول: النية تخصص العام. والشق الثاني: تعمم الخاص.
هذه مسألة مهمة جداً، بل مسألتان مهمتان جداً، وهي تتعلق بالعموم والخصوص، أحياناً يكون اللفظ خاصاً وأحياناً يكون عاماً، بالمثال يتضح المقال: لو أن رجلاً وقعت بينه وبين زملائه في العمل أو في الدراسة خصومة فقال الرجل: والله لا أكلم أحداً. وقال الآخر: والله لا أكلم زيداً، زيد بن عبيد مثلاً. فالأول لفظه عام والثاني خاص.
فأحياناً الأول يقصد اللفظ ويقصد العموم، يعني لا أكلم أي أحد، وأحياناً هذا الذي قال يقصد الخاص ويقصد معناه أيضاً، يعني قصد فقط من زيد، هذا لا إشكال فيه، هذا لا إشكال فيه، إنما الإشكال إذا كان صاحب اللفظ العام قد نوى الخصوص، فهمتم؟ أو قصد صاحب اللفظ الخاص العموم.
كيف؟ لو أن الأول الذي قال: والله لا أكلم أحداً، نوى في قلبه: لا أكلم زيداً وعمراً فقط، فهل يحنث إذا كلم عبيداً وصالحاً؟ ماذا تقول لك القاعدة الأولى هذه التي معنا الآن؟ النية تخصص العام، فكأنه قال: والله لا أكلم زيداً وعمراَ فقط، فهمتم؟
طيب، نفس هذا المثال انتبهوا انتبهوا له فكروا، لما قال: والله لا أكلم أحداً، هل خصصه بيوم معين؟ لو أخذنا بظاهر اللفظ معناه: لو كلم رجلاً اليوم أو غداً أو بعد غد إلى أن يموت لا يكلم أحداً، لو كلم أي أحد في حياته وجبت عليه الكفارة، لكننا سالناه وقلنا له: ما نيتك؟ هل قصدك لا تكلم أحداً أبداً؟ قال: لا، لا أكلم أحداً في هذا الموضوع هذا اليوم، فلو كلم أحداً في هذا اليوم في موضوع آخر هل يحنث؟ لو كلم أحداً غداً هل يحنث؟ لا.
مثال ثالث: قيل له: يا فلان، فلان صديقنا عنده غداء فتعال تغد معنا، قال: والله لا أتغدى، لأنه بينه وبينه شحناء وخصومة مثلاً. فقلنا: هل تغديت اليوم؟ قال: والله خرجت من العمل وذهبت إلى البيت وتغديت مع أهلي في البيت. قلنا له: يا رجل ألم تقل اليوم والله ما أتغدى وقد تغديت في بيتك، فهل تجب عليه الكفارة أو لا؟
إن قلتم: لا تجب فقد أخطأتم، وإن قلتم: تجب فقد أخطأتم، لازم تفصل فتقول له: ما نيتك؟ هل كانت نيتك ألا تتغدى عند أحد اليوم؟ فإن قال: نعم، فنقول: إذاً عليك الكفارة، وإذا قال: أنا إنما قصدت لا أتغدى عند فلان، فالنيه ماذا تفعل؟ تخصص العام، كأنه قال: والله لا أتغدى اليوم عند فلان، فهمتم؟
ناتي للشق الآخر؛ الرجل الثاني الذي قال ايش؟ لا أكلم زيداً، خصصه بزيد، ولكنه في قلبه قصد لا أكلم زيداً ولا عمراً ولا عبيداً لأنهم اليوم فعلوا معي مشكلة في العمل مثلاً، يقصد ثلاثة أشخاص ولا يقصد شخصاً واحداً، يقصد كل من اشترك في هذه المشكلة، فلو كلم زيداً يحنث، لو كلم عمراً وعبيداً يحنث.
طيب، تعالوا إلى المثال السابق: لا أتغدى عند فلان لأنه بينه وبينه خصومة، قال: والله لا أتغدى عند فلان، خصص فلاناً، ثم قيل له: إن غداء فلان تأجل وأصبح عشاء فتعال تعش معنا، أنتم معي ولا لا؟ السؤال: إذا تعشى عنده يحنث في يمينه أو لا؟ إن قلت: نعم فقد أخطأت، وإن قلت: لا فقد أخطأت، فماذا تقول؟ إذاً ما الصواب؟
تقول: ما نيته؟ فإن قال لك: إنما قصدت لا أتغدى عنده الغداء فقط، إنما قصدت الغداء، فإذا تعشى عنده يحنث؟ لا يحنث. وإن قال: اللفظ خاص بالغداء صحيح، ولكنه قال: أنا قصدت لا آكل عند فلان ولا أدخل بيت فلان ولا أشرب حتى ماءً عند فلان، فلو تعشى عنده يحنث أو لا؟ هل من قبيل تعميم الخاص أو تخصيص العام؟ ها؟ تعميم الخاص، لماذا؟ لفظه خاص بماذا؟ بالغداء، ونيته الطعام.
لذا قال الفقهاء من الحنابلة: لو أنه قال: والله لا أشرب من عند فلان ماء من عطش، وقصد، انتبه لقولهم: وقصد الآن أمر النية انتبه له، وقصد قطع منته، فإنه يحنث بشرب الماء وأكل أي شيء من طعامه وقبول هديته، لماذا؟ لأنه قصد قطع منته، فنيته أعم ولفظه أخص.
كل أمثلتنا السابقة كانت في الأيمان، والله لا أفعل، والله لا أقول، والله لا أتردد، في الأيمان يعني في الحلف. هناك شيء من الأيمان وهو غير الحلف كالطلاق مثلاً إذا كان معلقاً، لو أن رجلاً قال لزوجته: انتبهوا، ماذا قال الرجل؟ قال لزوجته: إن رأيتك تخرجين من الدار فأنت طالق، ماذا قال؟ من يعيد؟ إن رأيتك تخرجين من الدار فأنت طالق. فخرجت ولم يرها، باللفظ العام عند الناس: لا أشوفك تخرجين من الدار، لو شفتك خرجت من الدار فأنت طالق. شفتك، فخرجت ولم يرها فهل تطلق؟
أحسنت، الآن ما شاء الله صرتم تفصلون مباشرة ممتاز، لأنك لو قلت: طلقت دمرت بيت المسكين، ولو قلت: لم تطلق هذا لفظ صريح لازم تفكر فيه، إذاً فيه تفصيل، فنقول: إذا كان يقصد الرؤية فعلاً كان فقيهاً وذكياً ويقصد الرؤية فعلاً فإنها لا تطلقه إذا خرجت بلا رؤيته. واما إذا قال هذا ولم يقصده ولم يقصده، وإنما قصد: رأيتك أو لم أراك، فاللفظ ايش؟ عام ولا خاص؟ أحسنتم، اللفظ خاص والقصد عام، فإنها تطلق إن خرجت رآها أو لم يرها، وهذا نص عليه الإمام احمد رحمه الله تعالى وعلى هذا فقس في أمثلة.
هذا مكتوب عندك، نعم قال لزوجته: إن رأيتك تدخلين هذه الغرفة، رأيتك، هذا نص عليه الإمام، هذه، هذا المثال نص عليه الإمام أحمد.
طيب، رجل متزوج لأربع نسوه أربع فقال: نسائي طوالق، ونوى في قلبه استثناء واحدة زينب فقط، فالسؤال: هل تطلق زينب هذه وتذهب مع البقية ولا تبقى؟ نعم، قلت لك: نوى، ما في تفصيل هذا، خلاص أنا قلت لك: نوى.
نقول: إن الاستثناء أن النية تخصص العام، والعرب من المعلوم أنها تطلق العام وتريد به الخصوص، ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: 173]، قال كثير من المفسرين: إن المراد بالناس شخص واحد وهو نعيم بن مسعود، فقد يطلق العام ويراد به الخاص، فاذا نوى في قلبه هذا فانه فانه معتبر.
مثال آخر لو أن رجلاً قال لزوجته: في تفصيل كما قلنا ماذا ال... نعم هو هو لفظ صحيح هو هو صحيح أنه لفظ صريح. المثال الذي قلته لكم ما هو الآن؟ نعم نساء طوالق نعم، إذا كان قد قصد الجميع طلق الجميع وأما إذا استثنى في قلبه فلانه فهذه المستثناة لا تطلق، إلا إذا قال في المذهب: إذا قال نساء الأربع طوالق واستثنى واحدة فقالوا: لا ينفع الاستثناء لأنه نص صريح بالأربع، فحينئذ لا ينفعه الاستثناء بقلبه، أما لو استثنى بلسانه لا شك أنه صح منه، كان يقول: نساء الأربع طوالق إلا زينب، فهذا استثناء باللفظ هذا لا إشكال فيه.
لكن لو قال: نساء الأربع طوالق واستثنى بقلبه فلا ينفعه لأن اللفظ صريح في الأربع، أما لو قال: نسائي طوالق، فقلت لكم: يصح في العربية أن يطلق العام ويراد به الخاص، فإذا استثنى بقلبه واحدة صح، ولكن من شرط الاستثناء استثناء، كما سبق أن درستم، أن يكون منويا من حين الكلام، فلا يصلح أن يقول: نساء طوالق، ثم يندم ثم يستثني بقلبه واحدة ما ينفع، ولا بد أن يكون متصلاً لا منفصلاً.
كم باقي على الأذان؟ لا أكثر يا إخوان، ها خمس دقائق؟ الظاهر خلاص، الأذان على وشك، لعل بعضكم صائم، نقف عند هذا الموضع موضع ونكمل إن شاء الله بعد الصلاة والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الحمد لله رب العالمين.
ما تقولون في رجل قال لزوجته: إن خرجت فأنت طالق، وقصد: إن خرجت بغير أذني فأنت طالق، فخرجت بإذنه، هل تطلق أو لا تطلق؟ هذا هل هو من قبيل تخصيص العام أو تعميم الخاص؟ ها؟ تخصيص العام لأن لفظه عام. أحسنت.
طيب، رجل قيل له: هل تحب أن تسافر هذا الأسبوع؟ قال: والله لن أسافر، لفظه عام، ثم سافر في أسبوع آخر وكان قصده هذا الأسبوع، فهل يحنث في يمينه؟ لا يحنث اعتباراً بماذا؟
طيب، ما تقولون في رجل -هذه تدريبات مادام الإخوة تأخروا قليلاً تمرينات- ما تقولون في رجل ذهب مع ابنه الصغير إلى السوق -هذا المثال ذكرته أظن لما شرحت لكم الإيمان كتاب الإيمان والنذور لمن كان حاضرا- قال لزوجته: المعذره، قال له ابنه: اشتر لي هذه اللعبة، هذه اللعبة، وكانت سيارة، فقال أبوه: والله لا أشتري لك سيارة أنت عندك في البيت ألعاب كثير، ثم بكى الولد وأشفق عليه أبوه فاشترى له طائرة لعبة، فهل يحنث في يمينه أو لا؟ فيه تفصيل أحسنتم، لأني ما قلت: قصد أو ما قصد أحسنت، ما تقول: يحنث أو لا يحنث؟ التفصيل، ما التفصيل؟ إذا كانت نيته أي لعبة فاللفظ فاللفظ ايش؟ خاص بالسياره والمعنى والقصد عام فيحنث بأي لعبة، وإن كان قصده السيارة ولم يقصد غيرها فشراؤه للطائرة لا يحنث به، هذا من قبيل تخصيص العام أو تعميم خاص؟ تعميم الخاص، لأن لفظه خاص بالسيارة واشترى غير السيارة.
القاعدة الثالثة من القواعد التي معنا تقول لك القاعدة: الأيمان مبنية على الأغراض لا على الألفاظ. هذه القاعدة يذكرها طائفة من الفقهاء من مذاهب مختلفة، والمذهب عند الحنابلة ما قرر عندك أن الأيمان مبنية على الأغراض لا على الألفاظ، اكتب وشرط ذلك أن يحتملها اللفظ، وشرط ذلك أن يحتملها اللفظ، كرجل يذهب مع ابنه الصغير إلى السوق فيكثر عليه ابنه ويقول له: يا أبي اشتر لي كذا، يا أبي اشتر لي كذا، فيقول: والله لا أشتري لك بريال، ثم خرج من السوق وفي أثناء عند خروجه من السوق اشترى له ثوباً بمئة ريال، فهل يحنث أو ... فقلنا له: ما غرضك من اليمين؟ قال: غرضي الغرض أني لا أشتري له أي شيء بريال بمئة ريال ألف ريال، ولكن لفظه: لا أشتري لك.
بريال، صح، فهل يحنث؟ إذا قلنا العبرة بالأغراض فإنه يحنث، وإذا قلنا العبرة بالألفاظ فيحتمل أن يقال لا يحنث، ويمكن أن نقول مثل هذا تحت القاعدة السابقة، نقول لفظه خاص بالريال وقصده عام بريال وغير ريال، فأيضاً يحنث اعتباراً بتعميم الخاص، فهذا يمكن إدراجه تحت هذه القاعدة ويمكن إدراجه تحت تعميم الخاص.
قل ذلك في مثال آخر: اكتب عندك: من حلف لا يدخل هذه الدار يريد هجران أهلها، فدخل داراً أخرى لهم، معي قال: والله لا أدخل هذه الدار، وغرضه من هذه اليمين أن يهجر أهلها فانتقلوا إلى دار أخر فدخل دارهم، لفظه كان خاصاً بهذه الدار وغرضه كان هجران أهل هذه الدار، فلو دخل عندهم في دار أخرى حنث في يمينه.
هنا مسألة يذكرها الفقهاء رحمهم الله، وهي مسألة التأويل في اليمين، التأويل في اليمين معناه أن يأتي الإنسان بلفظ يحتمل معنيين، أحدهما ظاهر يفهمه السامع، والآخر غير ظاهر يقصده المتكلم، أن يتكلم الشخص بكلام له معنيان: معنى ظاهر يتبادر إلى ذهن السامع، ومعنى غير ظاهر يقصده المتكلم.
ذكر لي أن رجلاً أتى للشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، والشيخ ابن باز رحمه الله استدعاه لينصحه في أمر ما؛ لأن قوماً أتوا للشيخ في اليوم الذي قبله يقولون له: يا شيخ إن فلاناً عنده كذا وكذا نريد أن تنصحه، فاستدعاه الشيخ ونصحه بهذه النصيحة، يقول هذا الرجل: أنا كنت أعلم أن قوماً أتوا للشيخ أمس وكلموه في شأني، فقبلت النصيحة ثم قلت للشيخ: يا شيخ، جزاك الله خيراً، من الذين أتوك أمس؟ يقول: أنا متأكد أن قوماً أتوا للشيخ.
يقول: فقال لي الشيخ: ما أذكر، يقول: أنا تعجبت كيف ما يذكر وأمس أتوه، والشيخ ما شاء الله أوية الحافظ، يقول: فأكثرت على الشيخ، قال: ما أذكر، أقول لك: والله ما أذكر.
يقول: وأنا خرجت، أنا بين نارين، هل أقول الشيخ كذاب؟ يقول: أبدا، حاشا وكلا، لكني أنا متأكد أنهم أتوه أمس، لا يعقل، يقول: ففكرت فعرفت أن الشيخ يقصد: لا أذكر، يعني لن أذكر لك، يعني والله لا أذكر لك.
هذا هو التأويل في اليمين، أن يتكلم الإنسان بلفظ له معنيان: أحدهما ظاهر يفهمه السامع ويتبادر إلى ذهنه، والثاني لا يقصده السامع، والثاني هو ما يقصده المتكلم. فهل يجوز هذا؟
الجواب: التأويل في اليمين لا يخلو من ثلاث حالات: أما أن يكون الحالف ظالماً يريد أخذ مال الناس بالباطل أو شيئاً بالباطل، فانه لا يجوز له التأويل في اليمين، ويجب عليه أن يحلف بما يفهمه منه السامع، إذا كان ظالماً، كان يقول له القاضي: لا، ما أشرب أنا وقت، جزاك الله خيراً، لا خذ جزاك الله خيراً، ما سيبرد ولن أشربه معلش.
فكان يقول له القاضي مثلاً: هل أنت أخذت هذا الجهاز من فلان؟ يقصد أنك سرقته، يقول: لا والله ما أخذته، هو صحيح لم يأخذه منه مباشرة وإنما وكل آخر أن يأتيه به، هذا تأويل لكنه ظالم فيه، مظلوم ظالم، فهذا آثم ويحرم عليه ذلك، ويجب عليه أن يحلف بما يريده منه القاضي إذا كان هذا الرجل ظالماً.
الحالة الثانية: أن يكون المتأول في يمينه مظلوماً، فإنه حينئذ ينفعه التأويل ولا شيء عليه، كان يقال له: طلق زوجتك وإلا قتلناك، فيقول: فلانه فاطمة طالق، ويقصد فاطمة أخته، وهل يقع الطلاق على أخته؟ لا مثلاً، فهذا تأويل في اليمين ينفع صاحبه ولا شيء فيه.
الحالة الثالثة: أن يكون غير ظالم ولا مظلوم، يعني ليس ظالماً يريد أخذ حق أحد، وليس مظلوماً يخشى من ضرر أحد، فهل يجوز؟ الجواب: نعم، يجوز التأويل في اليمين، ونصه الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في المغني.
القاعدة الرابعة: لا ثواب إلا بنية. وهذه قاعدة مهمة وتتعلق بالثواب، أي أن الإنسان لا ينال ثواباً إلا بنية، فأيما رجل فعل عملاً ولم تكن عنده فيه نية فإنه لا يثاب عليه، ويدخل في هذا شيئان:
الشيء الأول: العمل الذي يقصد قصداً واحداً، فإنه لا يثاب عليه أبداً إذا لم ينوِ.
والشيء الثاني: العمل الذي يمكن أن يقصد به أكثر من شيء، فلا ينال أجراً إلا على ما نواه فقط.
مثال ذلك: رجل دخل المسجد ونوى بالركعتين تحية المسجد فقط، فيثاب على تحية المسجد فقط، رجل دخل المسجد ونوى بالركعتين تحية المسجد والسنة الراتبة، فيثاب ثواب ماذا؟ ثواب العملين لأنه نواهما، ولا يترتب الثواب إلا إذا وجدت النية من حيث القصد، وكذا لا يترتب الثواب إلا إذا كانت النية خالصة لوجه الله سبحانه.
وهذا الذي ينماز فيه الناس عند رب العالمين، فلرب رجلين كلاهما يحضر مجلس العلم ويحمل كتابه ولا يترك شاردة ولا واردة إلا كتبها وحفظها، ويعتكف في رمضان، ويصوم يوماً ويفطر يوماً مثلاً، وهو على هذا الحال قد استمر في الكلام السابق، فلو أنه كان مثلاً اثنان يحضران مجالس العلم ويقرآن القرآن ويحفظانه، ولكن الأمر هكذا في الدنيا، لكن إذا وقفوا بين يدي الله فلربما يكون بينهما كما بين السماء والأرض.
كيف؟ إذا كان هذا الإنسان ما طلب العلم إلا ليقال عالم، وما قرأ القرآن إلا ليقال قارئ، وما حمل كتابه إلا ليقال هذا مجتهد في العلم، وما حفظ المتن الفلاني إلا ليقال هذا ما شاء الله، ما شاء الله حافظ للسنة وحافظ للمتون العلمية، فهذا والعياذ بالله مأزور غير مأجور، ومن تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا لينال عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة.
ومن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة، ومنهم قارئ للقران وطالب للعلم، تعلم ليقال عالم وقرأ ليقال قارئ، فيعرفه الله نعمه فيعرفها، فيقال له: فماذا عملت فيها؟ فيقول: قرأت القرآن وتعلمت العلم، فيقال له: كذبت، وكانه ما عمل شيئاً، يجعل الله عمله والعياذ بالله هباء منثوراً وكأنه ما عمل شيئاً، فيقال له: ولكنك تعلمت ليقال عالم وقرأت ليقال قارئ، فقد قيل، هذا جزاؤك في الدنيا، فقد قيل، ثم يؤمر به فيسحب على وجهه حتى يلقى في النار والعياذ بالله.
والأمر في هذا خطير، ولذا حري بالإنسان المسلم عامة وطالب العلم خاصة أن يجتهد دائماً في إصلاح هذه النية، وأن يكثر من الابتهال إلى الله سبحانه وتعالى في أن يجعل نيته خالصة لله سبحانه وتعالى في كل شيء.
مما ينبه مما يتعلق بهذه القاعده أيضاً: أن ترك المعصية سبق معنا أنه لا يحتاج إلى نية، صحيح، بمعنى أن الإنسان يسلم من الذنب ولو لم تخطر المعصية في باله، لكن هل يمكن أن يثاب على ترك المعصية؟ الجواب: نعم، ولا يثاب عليها إلا إذا قصد تركها.
وفي هذا كلام نفيس للإمام الغزالي رحمه الله قال: فإن الإنسان قد يمنعه عن الفاحشه والفجور ضعف أو عجز أو عدم قدرة، وليس في كل هذا أجر، نعم، فيه فائدة، وهو عصمته من الذنب، الحمد لله انعصم من الذنب، وإنما يترتب الثواب على من توفرت عنده دواعي المعصية مع قوة الرغبة فيها وشدة التعلق بها ثم تركها خوفاً من الله، فهذا الذي ينال الأجر والثواب.
ثم ذكر حديث السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه، ومنهم رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، فكان أجره عظيماً جداً وهو أن الله يظله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله. ففرق بين من توفرت عنده دواعي المعصية وتركها لله، وبين من لم يستطعها مع ولربما تمناها لكنه لم يستطعها لعجز أو عدم تمكن، فإنه لا يثاب على ذلك، نعم كلاهما سلم من الإثم إلا أن بينهما كما بين السماء والأرض من حيث الثواب.
من أمثلة ذلك ما كتب لك هنا: من رد وديعة غافلاً عن النية، فالذي يرد الوديعة ويقصد بهذه بهذا الأمر أداء الأمانة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] ويحفظها لهذا الرجل من أجل هذا فإنه يثاب على ذلك وإلا فلا.
انتهينا والحمد لله من هذه القاعدة والتي بعدها، وننتقل الآن إلى بعض التدريبات من خلال ما درسته في فائدة النية: حدد فائدتها من الفوائد التالية: رجل اغتسل بنيه التبرد، واخر اغتسل بنيه رفع الجنابه، ما الفائده؟ تمييز العبادات عن العادات. صلى ركعتين بنيه راتبه الفجر، واخر صلى بنيه فرض الفجر: العبادات عن العبادات. رجل طلب العلم لوجه الله، واخر طلبه ليقال عالم: هذا معنى التزكيه عند ارباب السلوك وهو تمييز المقصود بالعمل. رجل امسك عن الطعام والشراب لتخفيف وزنه، واخر امسك بنيه الصوم الشرعي: تمييز العبادات عن العادات. رجل امسك... نقفز هذا لضيق الوقت.
السادس: من خلال ما درسته في مسائل النية بين حكم ما يأتي مع التعليل:
من اغتسل من غسل أعضاءه بنيه التبرد للوضوء فهل يرتفع حدثه؟ لا.
من صلى ركعتين بنية تحية المسجد ثم قال: بل أجعلها عن صلاة الفجر؟ لا تجزئ.
من قال: والله يا فلان لا نتغدى، والله يا فلان لا تتغدى معنا اليوم، ها يا فلان تتغدى معنا اليوم، يا فلان تتغدى معنا اليوم، جرت على لسانه غير قاصد عقد اليمين فهل عليه كفارة إذا حنث؟ لأننا قلنا: كفارة اليمين، اليمين التي فيها الكفارة لابد أن تكون منوية.
من نوى قبل العبادة بوقت طويل عرفاً كساعه مثلاً، ثم أدى العبادة بلا استحضار للنية فهل تصح منه؟ لا، لأننا قلنا بوقت يسير، أول العبادة وقت يسير.
مسافر نوى الفطرة لكنه لم يأكل فلما مرة ولم يجد طعاماً قال: بل أنا صائم هذا اليوم من رمضان، فهل يصح؟ لا، لماذا؟ لأنه لم، لأنه نوى القطع.
أما المجنون إذا حلف فهل عليه كفارة؟ لا، لأنه لم ينوي.
نقفز هذا لضيق الوقت الآن، والإاجابات مكتوبة عندكم بسرعة انظروها لأن الوقت ضاق علينا ضاق علينا، ناتي لـ 80: من أحرم بالحج أو العمرة ثم نوى فسخ إحرامه لزحام مثلاً، فهل يبطل إحرامه؟ لا.
طيب ناتي لـ مثلاً السؤال الرابع السابع عذراً: شخص وهب آخر شيئاً وشرط عليه عوضاً معلوماً، فهل تكون بيعاً أو هبة؟ بيع اعتباراً بالمقاصد والمعاني.
العبرة في العقود بالمقاصد.
قال لزوجته: إن رايتك تدخلين هذه الدار فأنت طالق وقصد ألا تدخلها بالكلية سواء راها أو لم يراها، فهل يحنث بدخولها لو لم يرها؟ نعم، اعتباراً بماذا؟ النية تعمم الخاص.
دعي إلى غداء عند شخص فحلف لا يتغدى عمه وقال: قصدت غداء فلانة، فهل يحنث بغداء غيره؟ لا يحنث لقاعدة النية تخصص العام.
نقز ناتي إلى ناخذ شيئاً بعيداً حتى أنفق على زوجته غافلاً عن نية التقرب والتعبد، فهل تجزئ هذه النفقة؟ تجزئ. هل يثاب عليها؟ لا يثاب، لا ثواب إلا بنية.