السلام عليكم ورحمة الله، الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. انتهينا من خمسة دروس في مقرر الفقه الإسلامي، ونحن الآن على موعدنا مع الدرس السادس، فلنتفق إلى استماعه، ولا تحرموني من تعليقاتكم وتساؤلاتكم بالنسبة لمذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
أيها الأخوة الكرام، سبق معنا أنه مذهب الشافعي، عرف ما يتعلق به، مذهب الإمام أحمد. الإمام أحمد أيها الأخوة الكرام هو ممن أخذ عن الإمام الشافعي واستفاد منه وتفقه عليه، وإن كانت العلاقة بين الإمام أحمد والامام الشافعي ليست علاقة تلمذة محضة؛ لا نستطيع أن نقول إن الإمام أحمد تلميذ من أصحاب الشافعي؛ لأنه أخذ عنه وهو عالم وفقيه، لكن استفاد بلا شك في بناء الشخصية الفقهية له رحمه الله. وقد حث أصحاب الحديث على ذلك، حتى روي عنه أنه كان يأخذ ببغل الشافعي وهو يمشي معه، فيقول له أصحاب الحديث: تأخذ عن الشافعي وعندك أسانيد أعلى؟ تعرف أهل الحديث يحرصون على علو الإسناد، فقال لهم: إذا فاتك إسناد فلان بعلو ترويه بنزول، تأخذ عن أحد تلاميذه، وأما إذا فاتك عقل هذا فلا يمكن أن تجد عنه عوضا وبدلا.
وهو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، ويسمى أحمد بن حنبل نسبة إلى جده، وإلا فاسمه أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني رحمه الله، ولد سنة 164 للهجرة، وتوفي في سنة 241، وقد رحل إلى كل بلدان الدنيا، كل ما يخطر عليك من البلدان، كل ما يخطر عليك من البلدان التي فيها علم وحديث رحل إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى في طلب الحديث، حتى قال ابن الجوزي رحمه الله: طاف أحمد الدنيا مرتين في جمع المسند رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
ولهذا فهو أكثر الأئمة من جهة كثرة الرواية ومن جهة مادة الآثار التي اجتمعت له رحمه الله، حتى قال الإمام ابن رجب رحمه الله يقول: ولا يعلم عن الصحابة أو التابعين أثر إلا وقد أحاط به الإمام أحمد رحمه الله علما. وأما عبادته وتقواه فهو من اكابر الزهاد والعباد، وسياتي معنا قول الشافعي في هذا. يقول عبد الله بن احمد ابن الإمام احمد رحمه الله يقول: كان أبي يصلي في كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة، فلما مرض من تلك الأسواط بعد ما ضرب وجلد، لما مرض في تلك الأسواط أضعفت، فكان يصلي كل يوم وليلة مائة وخمسين ركعة. هذا بعد ما تعب وكبر سنه وجلد، صار يصلي مائة وخمسين ركعة في كل ليله رحمه الله في كل يوم وليلة.
قال أحمد رحمه الله يقول: ما كتبت حديثا إلا وقد عملت به، حتى مر بي أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى أبا طيبة دينارا، فأعطيت الحجام دينارا حين احتجمت. وهذا يدل على أنهم يقصدون بالعلم العمل، ولا يقصدون بذلك كثرة الرواية والتكاثر أمام الناس بالمرو والمحفوظ. طبعا لما الإمام أحمد يقول: ما كتبت حديثا إلا وقد عملت به، الإمام أحمد كم يحفظ من الحديث؟ يحفظ ألف ألف حديث، ألف ألف حديث، مليون حديث رحمه الله.
وقال الربيع: قال لنا الشافعي: أحمد إمام في ثماني خصال -يشهد له الإمام أحمد رحمه الله تعالى بذلك- ثماني خصال، يقول: إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في اللغة، إمام في القرآن، إمام في الفقر، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في السنة. وحسبك بهذه الشهاده من الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وهذا يدل على أن الإمام أحمد رحمه الله جمع الإمامة في مجالات الإمامة كلها، ولم يكن مثلا مقتصرا على الحديث. الآن بعض الناس يظن أن أحمد بن حنبل محدث وليس بفقيه، وهذا غلط كبير، بل الإمام أحمد من أكابر الفقهاء ومن أكابر المجتهدين، وله في الفقه باع طويل وقح معلى رحمه الله تعالى.
وأما علمه وذكاؤه، فيقول عبد الله بن احمد: قال لي أبو زرعة: أبوك يحفظ ألف ألف حديث! فقيل له: وما يدريك؟ وش عرفك يا أبو زرعة؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الابواب؛ يعني سألت في أبواب الحديث كله، أسأل عن حديث فلان فياتي، وأسأل عن حديث فلان فيأتي به. فعمل مقياس إحصاء لهذا، اللي يحفظ في كل هذه الأبواب بهذه الطريقه لا يمكن إلا أن يكون حافظا لألف ألف حديث رحمه الله. وقال عبد الرزاق الصنعاني: ما رأيت أحدا أفقه ولا أورع من أحمد بن حنبل. وقال الشافعي رحمه الله: خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلا أفضل ولا أعلم ولا أفقه ولا أتقى من أحمد بن حنبل. وهذه شهاده من الشافعي يشهد له بكل هذه الأمور.
والشافعي رحمه الله قال: يا أبا عبد الله، إذا صح عندكم الحديث فأخبرونا نرجع إليه، أنتم أعلم بالأخبار الصحاح منا. وهذه أيضا من الشهادات الدالة على فضله وإمامته رحمه الله تعالى.
ويجيك واحد اليوم واصل في كتاب عمدة الأحكام إلى نص كتاب الصلاة، فتقول له: الإمام أحمد يقول كذا. يقول: لا، ما بلغه الحديث! وهذا للاسف موجود اليوم، بعض الناس عنده جرأة على الأئمة؛ لأنه صاحبنا عنده المكتبة الشاملة تمام وعنده جوجل، يدخل على موقع على الانترنت، يشوف الحديث الصحيح من الضعيف، ثم بعد ذلك يبدا يحاكم الائمه! يقول لك: أحمد بن حنبل خالف النص في هذه المسألة، وخالف السنة في هذه المسألة. طيب ليش خالف؟ قال: ما بلغه الحديث! حديث مشهور يحفظ الطلاب في الكتاتيب، يقول لك: ما بلغ أحمد بن حنبل! أحمد بن حنبل يمكن يروي هذا الحديث من مائة ألف طريق، وليش تركه؟ ما تركه، لكنه فهمه على وجه من الأوجه، واضح. وسياتي معنا أسباب اختلاف العلماء.
الشيخ عامر بهجت