دخولتسجيل الدخول

الدرس 2 - مقدمات عامة عن علم الفقه

عامر بهجتالشيخ عامر بهجت
  • مدة الدرس:
  • قراءة

نبدأ أولاً بالنقطة الأولى، وهي ما يتعلق بتعريف الفقه لغة واصطلاحاً. الفقه أيها الإخوة الكرام له تعريف لغوي، وتعريف شرعي، وتعريف اصطلاحي. وهذه التعريفات الثلاثة تمثل ثلاث دوائر كبيرة؛ كبرى ووسطى وصغرى. ثلاث دوائر، أيتها أوسع؟ ما أوسع الدوائر الثلاث؟ عندنا تعريف الفقه لغة، وتريفه شرعاً، وتريفه اصطلاحاً. أوسع هذه الدوائر الاصطلاحي؟ اللغوي نعم.

تعريف الفقه لغة هو الفهم عموماً، سواء كان هذا الفهم يتعلق بمسألة من مسائل الشريعة، أو بمسألة من مسائل الكيمياء، أو بمسألة من مسائل الرياضيات، أو بمسألة من مسائل الهندسة إلى آخره، واضح. إذاً، الفقه لغة يشمل العلم الشرعي وغير الشرعي، واضح تماماً. تقول مثلاً: مسألة من مسائل الرياضيات، تقول: فقهت هذه المسألة، يعني فهمتها.

طيب، هذا ما يتعلق بالتعريف اللغوي. وأما التعريف الشرعي فهو العلم بمسائل الدين عموماً، سواء كانت المسألة من مسائل العمل التي تتعلق بأفعال المكلفين مثل معرفة الصلاة وأركان الصلاة؛ هذه من مسائل الدين ومن مسائل الشريعة، فمعرفتها تدخل في الفقه بالمعنى الشرعي، واضح. طيب، معرفة صفات الله سبحانه وتعالى هل تدخل في الفقه بالمعنى الشرعي؟ في قوله صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: 122]. الفقه في الدين هل يشمل المسائل التي تتعلق مثلاً بالجنة والنار؛ معرفة صفة الجنة وصفة النار وقصص الأنبياء إلى آخره؟ ايش رايكم؟

ها، نقول نعم، المعنى الشرعي يشمل ذلك. إذاً، إذا ورد في نصوص الكتاب والسنة لفظ الفقه؛ فضل الفقه: من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، في قول الله عز وجل: ليتفقهوا في الدين، نعم. فالمراد بذلك ايش؟ جميع مسائل الدين، سواء منها ما يتعلق بالأحكام العملية أو ما يتعلق بغير ذلك.

طيب، النوع الثالث أو التعريف الثالث هو التعريف الاصطلاحي، وهذا هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية، أو العلم بالأحكام الشرعية العملية التي تتعلق بأفعال المكلفين. إذاً، الاصطلاحي أعم ولا الشرعي أعم؟ الشرعي أعم. يعني خلينا ناخذ مثال: انسان حضر محاضرة في صفة الجنة والنار، هذه فقه بالمعنى اللغوي ولا لا؟ وفهم المحاضرة فقه ولا لا؟ فقه. طيب، بالمعنى الشرعي هل هذا تفقه في الدين ولا ما يدخل في أحاديث التفقه في الدين؟

ها، يدخل في ذلك، واضح. طيب، بالمعنى الاصطلاحي الخاص لا يدخل، واضح. طيب، خلينا نفرض المسألة في الآتي: خرجت أنت من المسجد ولا داخل المسجد، وجدت ثلاثة إعلانات؛ إعلان شرح كتاب مثلاً السلم المنورق في المنطق، الإعلان الثاني شرح كتاب الرقاق من صحيح الإمام البخاري، الكتاب الإعلان الثالث شرح كتاب زاد المستقنع. طيب، حضرت الدروس، نبدأ بالمسألة الأولى -طبعاً حضرتها وفهمت- أي هذه يعتبر من الفقه بالمعنى اللغوي؟ ها، الثلاثة كلها، واضح، كلها الثلاثة تعتبر من الفقه بالمعنى اللغوي.

طيب، الفقه بالمعنى الشرعي الذي ورد فيه الفضل مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين»، ومثل ما جاء في قول الله عز وجل: ليتفقهوا في الدين؛ ينطبق على حضورك لأي واحد من هذه الثلاثة؟ زاد المستقنع، ولا السلم المنورق في علم المنطق، ولا شرح كتاب الرقاق من صحيح البخاري؟

الثاني والثالث، شرح كتاب الرقاق من صحيح البخاري هذا من الفقه في الدين ولا لا؟ ها، من الفقه في الدين. وهذه المسألة من المسائل التي يحصل فيها خلل عند بعض الناس، حتى عند بعض طلاب العلم؛ فهو يتصور أنه إذا حضر موعظة تمام تتضمن صفة الجنة والنار وأسباب النجاة من عذاب القبر تمام ونحو ذلك، يتصور أن هذا ليس من طلب العلم الشرعي وليس من التفقه في الدين، صح ولا لا؟ ليس كذلك، هذا عند كثير من الناس شائع وموجود عند كثير من الناس. ولهذا تجد أنه إذا رأى إعلاناً مثلاً محاضرة صفة الجنة والنار وإعلان شرح زاد المستقنع، ما الذي يتبادر إلى ذهنه أنه من التفقه في الدين ومن طلب العلم الشرعي؟ زاد المستقنع بس، صح ولا لا؟

وهذا من الخطأ، فإن الفقه بالمعنى الشرعي والتفقه في الدين يشمل ذلك، بل إن التفقه في بعض المسائل التي لا تتعلق بالعمل أعظم وأولى دخولاً. يعني لو أن الإنسان حضر دورة أو درساً أو قرأ كتاباً في معرفة صفات الله عز وجل تمام، وما يتعلق مثلاً بأمور الآخرة وصفة الجنة والنار، هذا ربما ينطبق عليه وصف العلم الشرعي بشكل أولى من معرفته ببعض مسائل الفقه الفرعية، واضح يا مشايخ؟ إذاً، هذه من المسائل المهمة التي قد يحصل فيها إخلال. ولهذا لما نقرا في قول الله عز وجل: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]. هذه في أي سياق وردت؟

أم من هو قانت آناء الليل ساجداً؟ نعم، ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]. فالإنسان الذي يحصل خشية الله عز وجل ورجاء رحمته -شوف المعاني القلبية هذه: خوف، يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه- هذه من أعظم العلم بالمعنى الشرعي، بالمعنى الشرعي وإن لم تكن بالمعنى الاصطلاحي الخاص مما يطلق عليه معنى الفقه، واضح.

طيب، ننتقل الآن إلى موضوع علم الفقه. موضوع علم الفقه هو أفعال العباد من حيث تعلق الأحكام الشرعية بها. وموضوع العلم هو ما يبحث فيه هذا العلم؛ يعني مثلاً موضوع الطب: الطب هو بدن الإنسان، موضوع النحو: هو الكلمه، جيد. موضوع الفقه: الفقه يبحث في أفعال العباد، أفعال العباد من أي حيثية؟ من حيث الأحكام الشرعية المتعلقة بها، واضح. ولهذا لا يدخل في علم الفقه بالمعنى الاصطلاحي الخاص؛ لا يدخل فيه ما يتعلق بعلوم العقيدة، وإن سماها بعض العلماء؛ سموها الفقه الأكبر، لكنها بالمعنى الاصطلاحي الخاص تمام، وهذا اصطلاح وليس المعنى الشرعي الذي ورد على لسان الشرع، وإنما هو ايش؟ اصطلاح.

طيب، فضل علم الفقه. نقول: يدل على فضل علم الفقه أولاً النصوص الشرعية التي وردت في فضل العلم الشرعي؛ كل نص ورد في فضل العلم الشرعي فيندرج فيه الفقه بالمعنى الخاص، لأن الفقه بالمعنى الخاص علم شرعي. طبعاً الفقه بالمعنى الخاص قلنا اللي يتعلق بأفعال العباد، مثلاً معرفة أحكام الصلاة والزكاة والصيام والحج والمعاملات المالية والنكاح والطلاق والجنايات والخصومات والأقضية؛ هذا كله يتعلق بايش؟ بالفقه بالمعنى الخاص. فكل دليل ورد في الكتاب والسنة يتعلق بفضل العلم الشرعي فهو دليل على فضل الفقه.

وهناك فضل خاص بعلم الفقه؛ كل علم من العلوم الشرعية له فضل يختص به وميزة يتميز بها. فالفقه بالمعنى الشرعي بالمعنى الاصطلاحي الخاص؛ يقول الإمام ابن الجوزي رحمه الله: اعظم دليل على فضيلة الشيء النظر إلى ثمرته، ومن تامل ثمره الفقه علم أنه افضل العلوم. ما معنى هذا الكلام؟ معنى هذا الكلام أيها الإخوة الكرام: إذا نظرت إلى ثمرة الفقه وواقع الناس اليوم -الآن واقع الناس اليوم وأمس وقبل اليوم- تجد أن حاجة الناس إلى المسائل الفقهية هي أكثر احتياجاتهم من علماء الشريعة. يعني إذا تصدرت لإفتاء الناس وتدريسهم وبذلت نفسك لتعليم الناس، فسوف تجد 99.9% من أسئلة الناس تتعلق بأي علم؟ علم الفقه.

إذاً، أكثر احتياج الناس يتعلق بعلم الفقه. نحن لا نقول أعظم احتياج الناس؛ فإن أعظم ما يحتاجه الناس هو تصحيح عقائدهم وإخلاص التوحيد لله عز وجل، ولكن من جهة الكثرة فإن الناس 99% من أسئلتهم تتعلق بايش؟ نقول: أكثر احتياج الناس هو في مسائل الفقه؛ تجد هذا يسألك عن الصلاة، صح ولا لا؟ وهذا يسأل عن الزكاة، وذاك يسأل عن الحج، والرابع يسأل عن الطلاق، والخامس خصومة بين زوجين. بأي علم سيقضى فيها الآن؟ القاضي لما يقضي بين الناس، بأي علم يقضي بينهم؟ بعلم مصطلح الحديث؟ ولا بعلم اصول التفسير؟ ولا بعلم النحو؟ إنما يقضي بينهم بعلم الفقه، لأن خصومات الناس هي مسائل تتعلق بعلم الفقه؛ البيع، الشراء، الإجارة، النكاح، الطلاق، الخلع، حتى الجنايات، تمام؛ كل هذه ترجع إلى علم الفقه.

ومع هذه الأهمية العظيمة لعلم الفقه، فإن كثيراً من طلّاب العلم قد قصروا في تعلم الفقه. ولهذا لو عملت إحصائية لطلاب العلم تقول: من منكم درس متناً في النحو؟ تلقى الأكثرية يقول لك: نعم. من منكم درس متناً في مصطلح الحديث؟ تلقى الأكثرية يقول لك: درسنا. من منكم درس متناً في أصول الفقه؟ قالوا: درسنا الورقات. من منكم درس متناً في الفقه؟ قالوا: وقفنا عند كتاب الجنائز أو كتاب الزكاة، أو المجتهد منهم انتهى من كتاب الحج. لكن تجد -وأنا أقول هذا بين طلاب العلم وليس بين عامة الناس، بين طلاب العلم في كليات الشريعه- لو عملت إحصائية: من درس متناً في الفقه يشمل جميع أبواب الفقه؟ ستجد أن الجواب أن هؤلاء الناس أقلية، صح ولا لا؟ مع أن هذا العلم عظيم وجليل، فلا بد من العناية به.

ننتقل بعد ذلك إلى استمداد علم الفقه. طبعاً استمداد علم الفقه هذه لم أذكرها هنا، لماذا؟ لأن استمداد علم الفقه هذا يرجع إلى علم أصول الفقه بالتفصيل بين علم الأصول أنه يستمد من الكتاب والسنة والإجماع إلى آخره. وأما حكم تعلم الفقه فنقول: مسائل علم الفقه على نوعين؛ منها مسائل يجب تعلمها على كل مسلم، فرض عين على كل مسلم: معرفة صفة الصلاة؛ هذه من مسائل الفقه، باب صفة الصلاة؛ أي كتاب فقهي تلقى فيه باب صفة الصلاة. تعلم صفة الصلاة، ما حكمه؟ فرض عين على كل مسلم، يأثم الإنسان لو لم يتعلم صفة الصلاة، واضح. كذلك معرفة صفة الوضوء؛ هذا أيضاً فرض عين على كل مسلم.

هناك أشياء تعلمها ليس فرض عين، ليس من فروض الأعيان على جميع المكلفين، وإنما هو من فروض الكفايات، لكنه قد يتعين في حق بعض الناس. فمثلاً زكاة الأسهم؛ ما حكم تعلم هذه المسألة؟ نقول: هذا من فروض الكفايات، وأما الشخص الذي يحتاج إلى هذه المساله فيجب عليه أن يتعلم هذه المسألة، إما تقليداً إن كان من أهل التقليد، أو اجتهاداً إن كان من أهل الاجتهاد.

هذا ما يتعلق بمسألة التعريف الإجمالي بعلم الفقه، وباذن الله عز وجل في الدرس القادم نبدأ فيما يتعلق بمراحل علم الفقه. وهذا يعني موجز عن فضل الفقه، ومن أراد الاستزادة يرجع إلى كتب كثيرة منها الفقيه والمتفقه. نسال الله سبحانه وتعالى باسمه الأعظم أن يجعل هذا العلم علماً نافعاً ولوجهه خالصاً.

لكن قبل الختام ممكن أطرح عليكم ثلاثة أسئلة، الأسئلة الثلاثية: السؤال الأول: معرفة إعراب قول الشاعر -ها، بيت من شعر؟ «ألا ليت الشباب يعود يوماً» مطلع معلقة امرؤ القيس: كيف نبكي من ذكرى حبيب ومنزلي. معرفة إعراب هذا البيت؛ يدخل في الفقه ولا لا؟ ها، يدخل في الفقه بالمعنى اللغوي، يدخل في الفقه بالمعنى الشرعي؟ لا. الاصطلاحي؟ لا.

طيب، معرفة إعراب قول الله عز وجل مثلاً: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]، هذا يدخل في الفقه ولا لا؟ بالمعنى اللغوي يدخل، وبالمعنى الشرعي يدخل، وبالمعنى الاصطلاحي قد يدخل إذا بنيت عليه المسألة الفقهية.

طيب، معرفة أن التشهد الأول من واجبات الصلاة؛ هل هذا يدخل في معنى الفقه؟ ها، بالمعنى اللغوي يدخل، بالمعنى اللغوي يدخل، بالمعنى الشرعي يدخل، وبالمعنى الاصطلاحي كذلك يدخل.

طيب، قول الله سبحانه وتعالى -أو خلينا ناخذ حديث عن النبي عليه الصلاه والسلام- قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين»؛ هل هذا يدخل في الفضل العام للعلم الشرعي ولا في الفضل الخاص بعلم الفقه؟ الفضل العام. لأنه قلنا: فضل علم الفقه منه فضل عام ومنه فضل خاص. في الفضل العام يدخل ولا في الفضل الخاص؟ أحسنت، هذا يدخل في الفضل العام، لأن الفقه هنا لا يراد به خصوص علم الفقه.

هذا ما يتعلق بدرس اليوم، ونسأل الله عز وجل التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.