دخولتسجيل الدخول

الدرس 21 - التمذهب (ذم التعصب)

عامر بهجتالشيخ عامر بهجت
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله. الحمد لله، هذا الدرس هو الدرس السابع من مقرر المدخل إلى الفقه الإسلامي، وسنواصل فيه الكلام في مفردات هذا المقرر. مرحبًا بتساؤلات وإشكالات وتعليقاتكم، فتفضلوا لاستماع الدرس.

أما بعد، فأسأل الله جل وعلا أن يفقهنا في الدين، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علمًا نافعًا وعملًا صالحًا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ثم أما بعد، ففي الدرس الماضي تكلمنا عن المذاهب الفقهية، وتعرضنا لترجمة إمام كل مذهب من هذه المذاهب؛ مذهب الإمام أبي حنيفة، ومذهب الإمام مالك بن أنس رحمه الله، ومذهب الإمام الشافعي، ثم مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى. وقد ذكرنا قبل ذلك وأثناءه تاريخ نشأة هذه المذاهب، وامتداد هذه المذاهب، وصلة هذه المذاهب بمذاهب الصحابة وبفقه الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

ويأتي السؤال بعد ذلك، وهو: ما حكم التمذهب بمذهب من هذه المذاهب الفقهية الأربعة؟ وهذه مسألة مهمة ومطروحة في كتب العلماء من قديم الزمان، وتثار ما بين فترة وأخرى هذه المسألة، وهي مسألة التمذهب، يسميها العلماء التمذهب. وهذه المسألة فيها موضع اتفاق، يعني مواضع اتفق عليها العلماء بجميع مذاهبهم وبجميع اتجاهاتهم، وهناك مواضع اختلف العلماء رحمهم الله تعالى فيها.

أما بالنسبة لمحل الاتفاق في مسألة التمذهب؛ فالموضوع الأول أنه لا خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى أن التعصب لمذهب من هذه المذاهب أمر مذموم، هذا أمر لا خلاف فيه. والمقصود بالتعصب المذموم هنا هو أن يتخذ الإنسان المذهب معيارًا للولاء والبراء؛ فأنت مثلاً شافعي لا تزوج بنتك من مالكي، ولا تجالس مالكيًّا، ولا تصلي خلف المالكية، هذا أمر لا شك أنه مذموم، جيد، يوالي من هم على مذهبه ويعادي من هم على غير مذهبه.

أيضًا من المواضع التي تكاد تكون محل اتفاق هي مسألة الانتساب؛ الانتساب إلى هذا المذهب، الانتساب اللفظي، يعني أن يقول الإنسان مثلاً إنه حنبلي، يقول ما مذهبك، يعني بعض الناس تسأله ما مذهبك فيقول لك حنبلي، أو شافعي، أو مالكي، أو حنفي. هل هذا أمر جائز ولا ما هو جائز؟ نقول هذا أمر جائز ولا يكاد يوجد فيه خلاف من الانتساب الذي لا يترتب عليه تعصب.

وبعض الناس يتورع من هذا، فتقول له ما مذهبك؟ يقول أنا على الكتاب والسنة، ويتصور أن الانتساب إلى مذهب من هذه المذاهب يعني ترك الكتاب والسنة، معاذ الله، يعني ليس من الخطأ في الفهم أن يظن أن هناك مسار اسمه مسار الكتاب والسنة، ومسار آخر موازن له ومباين له اسمه مسار المذاهب الفقهية، وهذا التصور تصور خاطئ مئة بالمئة.

ومن آثار هذا التصور أن تجد الطالب يقول: أيهما أفضل أن أدرس الفقه؛ فقه الدليل أو أدرس فقه المذاهب؟ أصلاً هذا السؤال فرضه خطأ، لأنه مبني على مقدمة أولى وهي أن هذه المذاهب ليست من فقه الدليل تمام، وهذا خطأ عظيم جداً. بل هذه المذاهب كلها بلا استثناء، كلها بلا استثناء هي فقه للدليل، فلا تتصور أن مذهب أبي حنيفة رحمه الله ليس من فقه الدليل، ولا أن مذهب مالك، ولا أن مذهب الشافعي، ولا أن مذهب أحمد بن حنبل هذه ليست من فقه الدليل، بل هي من فقه الدليل بلا شك، والتفقه عليها بمعرفة مسائلها ومعرفة أدلتها لا شك أنه تفقه في الدين وفي الشريعة وتفقه في الكتاب والسنة، فهذه مسألة أيضاً يجب أن تكون على بال.

إذاً، المسألة الأولى أن التمذهب بمعنى التعصب للمذهب الذي يترتب عليه موالاة أهل المذهب ومعاداتهم، وهذا أمر موجود نعم. في عصرنا الحاضر صار التعصب ضد المذاهب، التعصب للمذاهب خف وقل في زماننا ونشأ عوضاً عنه تعصب ضد المذاهب، وهذا لا شك أيضاً أنه تعصب مذموم. يعني في السابق قد تجد وهذا ترى أمر نادر جداً، يعني لا يحصل إلا من عامة الناس وليس من علمائهم في الأغلب، قد تجد التعصب في السابق مثلاً يقول: هل يزوج الحنفي ابنته للشافعي؟ هل تصح صلاة الحنفي خلف الشافعية؟ ومسائل تطرح من هذا القبيل هي ليست مسائل مقررة ولا معتمده في المذاهب، وإنما هي من المسائل التي يعني ترد على سبيل التعصب من غير أهل العلم، وكبار العلماء واضح.

في يومنا في عصرنا اليوم نشأ عند الناس تعصب لا يقل سوءاً عن ذلك التعصب، وهو التعصب ضد المذاهب؛ فهو يجعل هذه المذاهب أمراً أولى من الضلال الانتساب إليها، ويجعل هذه المذاهب مذاهب لا تمثل الشريعة ولا تمت إلى فقه الدليل، وإنما هي آراء رجال تمام. والامر الثاني أنه يستنكر على الإنسان الذي يتبع مذهبا من المذاهب؛ فتجد واحد: يا اخي اتق الله، كيف انت تصير حنفي؟ طيب وانت يا اخي ينزل عليك وحي؟ قال: لا، أنا آخذ بفتاوى المشايخ على القول الراجح. تمام، طيب ونحن ناخذ بالراجح في مذهب أبي حنيفة، أو بالراجح في مذهب أحمد، أو بالراجح في مذهب مالك، تمام. لا فرق بين هذا وهذا، أو أو لا نقول لا فرق بين هذا وهذا، هذا وهذا كله من التقليد.

الإشكال اليوم أن بعض الناس صار يذم التقليد الذي هو تقليد مذهب مجمع على جواز تقليده، ثم يسلك مسلكاً أدنى منه في التقليد، وهو تقليد أفراد. فعلى سبيل المثال تاتي لشخص يقول لك: لا، لا تدرس كتب المتون المذهبية. طيب ماذا أدرس يا اخي في الفقه؟ يقول لك: ادرس المتون غير المذهبية، الكتب غير المذهبية. مثال ذلك يقول لك مثلاً: الدرر البهية للشوكاني. الدرر البهية للشوكاني متن مجرد عن الأدلة في الجمله تمام، وهو مجرد مسائل فقهية، فأنت الآن الذي يقول لك ادرس الدرر البهية لأنه ليس مذهبياً، هو في الحقيقة الذي سيدرس الدرر البهية هو متمذهب بمذهب من؟ بمذهب الشوكاني، واضح!

فهو ترك التمذهب بمذاهب الأئمة وذهب إلى التمذهب بمذاهب دون ذلك. فعلى كل حال نحن نقول: التعصب مذموم، سواء كان التعصب للمذاهب أو كان التعصب ضد المذاهب، ومن صور التعصب ضد المذاهب هو ما يأتي في الفقرة الثانية في محل الاتفاق.