بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أيها الأكارم في أمسية جديدة من أمسيات "غراس"، هذه الأمسيات التي نحاول أن نمر فيها على بعض القضايا الفكرية أو التربوية أو الإيمانية أو العقدية، حسب ما يأتي في الذهن ويخطر في الخاطر من القضايا التي نحتاجها وتحتك بحياتنا.
إذا لم يتم مدارستها ومناقشتها بين المسلمين فإنها تندرس أو تندثر. ومن أهم القضايا التي تأخذ سلم الأولويات في حياة المسلم هي قضية القرآن؛ ما هي المساحة التي ينبغي أن يحتلها القرآن من حياة المسلم وعقله وفكره؟ وكيف يسمح الإنسان للقرآن أن يشكل قلبه وعقله ويعيد صياغة أفكاره وتوجهاته؟ حقيقة الحديث عن القرآن حديث لذيذ، حديث محبوب مرغوب، وهذه أول قضية أنك تتحدث عن شيء تحبه وتلتذ به. ثانياً: هو حديث يحتاج إليه، له حاجة ملحة؛ لأننا جميعاً كمسلمين ندرك القيمة العامة لهذا الكتاب، وإن كان أكثر الناس لا يعرف القيمة التفصيلية، لكنه يعرف القيمة العامة لهذا الكلام الإلهي، وأن هذا الكلام يملك قدرة على تغيير حياة الإنسان نحو الأفضل والارتقاء به إلى مساحات كبيرة.
أعتقد أيضاً في نفس الوقت، وهذه المحاضرة هي جزء من هذه المشكلة، أننا أصبحنا كثيراً ما نحب أن نتحدث عن القرآن لكننا لا نتحدث في القرآن. أصبح هناك نمط عام عند كثير من الإخوة الملتزمين والأخوات المحافظات أنه يحب أن يسمع عن القرآن: حدثني عن القرآن يا شيخ، كيف أستفيد منه؟ كيف أتعلم؟ كيف أستنبط؟ ثم ماذا بعد ذلك؟ هل أنت تخوض التجربة القرآنية وحدك؟ هل لك تجربة مع القرآن؟ أم أنت فقط من الناس الذين يحبون أن يسمعوا المحاضرات والدورات في مناهج التعامل وأسلوبه وقواعده وآلياته، ثم بعد ذلك توضع النقاط على الرف ولا يوجد أي عمل وخوض للتجربة؟
هذا من الخطأ، وأحياناً يكون من تلاعب الشيطان بالإنسان أن نبقى نحدثك عن الشيء ثم بعد ذلك أنت لا تتقدم تجاه هذه القضية. أنصح فيها نفسي وإخواني: جميل أن تسمع محاضرات وورشات ودورات عن منهج التعامل مع كتاب الله، كيف أرتقي في فهمي، كيف يغيرني، لكن ما بعد ذلك يجب أن تعمل، ويجب أن تخوض التجربة وحدك. كل إنسان منا يجب أن تكون له ما أسميها التجربة القرآنية الخاصة به. كيف الإنسان مثلاً يدخل تخصصاً معيناً في الحياة، فتقول لي: أنا جربت هذا التخصص وعشت فيه سنتين أو ثلاثاً، فأصبح عندي الآن تصور عن طبيعة هذا التخصص لأنني احتكيت فيه احتكاكاً حقيقياً.
لكن لو أني أعطيتك قبل ما تدخل التخصص أو تفكر في دخوله محاضرات عن قيمة البرمجة وفوائدها وآلياتها وكيفية التعامل معها، ثم أنت بعد ذلك ما دخلت هذا التخصص وما خضت التجربة بصورة شخصية، أصبح الكلام مجرد تعبئة أوقات ومجرد كلام تنظيري جميل رائع استفدت منه، لكنه لم يتحول إلى تطبيق. وهكذا سيبقى القرآن بعيداً عن ذهنك وعن حياتك وعن صياغة أفكارك؛ القرآن لن يغير حياتك إذا بقيت فقط تسمع عنه. سيغير حياتك إذا دخلت فيه وخضت أنت التجربة، وبدأت تطبق القواعد التي تتعلمها من المتخصصين وأهل العلم، وبدأت فعلاً تعاني من الإشكالات والصعوبات في الفهم، ثم تعود للمشايخ والمتخصصين وتحاول أن ترفع، ثم تعود مرة أخرى.
الإنسان عندما يعيش تفاصيل التجربة ويعيش تفاصيل الرحلة يبدأ يتذوقها، يبدأ يعيشها، ويبدأ فعلاً يفهم أن ذاك الكلام الذي كان في حيز التنظير أصبح الآن في حيز التطبيق، وما عدت فقط إنساناً يحوم حول الشيء بل دخلت في داخله. أنا أقول هذا في البداية لأنني أعتقد أن هناك نوعاً من المغالطات التي تحدث عندنا؛ أننا نظن أننا بمجرد أن نسمع حديثاً عن القرآن تدبرنا أو أصبحنا نعيش التجربة. الآن فقط أخذت التنظيرات العامة، ثم الخطوة الأخرى عندك وفي ملعبك والكرة أصبحت في ساحتك، أنت من عليك أن ينزل إلى ميدان القرآن ويعيش التفاصيل والجمال ويحاول أن يتذوق ويعيش معاناة الفهم، ثم يتطور فهمك وتتقدم إلى غيره. هذا نتفق عليه كمقدمة لهذه الدورة أو المجلس.
الآن نعود إلى قضية أساسية، وهي أن العقل البشري خلقه الله سبحانه وتعالى قابلاً للتغير وللتقدم أو التأخر على حسب الأفكار الواردة عليه. هكذا خلق الله عز وجل الدماغ والعقل الإنساني أنه يقبل التغير، إما نحو الأفضل وإما نحو الأسوأ. ما الذي يحكم تغير عقلك ونمط تفكيرك وأسلوبك في الحكم على المواقف والأشياء وطريقة تعايشك مع الحياة؟ الأفكار التي تدخل على دماغك، وكيف ستنظمها وترتبها، وبعد ذلك ستبدأ تتخذ قرارات الحياة. إذاً علينا أن نتفق أن العقل البشري خُلق قابلاً للتغير في أنماط متعددة منه.
الآن الله سبحانه وتعالى رحمةً بهؤلاء البشر، ولمعرفته بضعفهم، أنزل لك وحياً من فوق سبع سماوات إلى هذه الأرض حتى يكون هذا الوحي هو المادة الأساسية التي تدخلها إلى عقلك، ليقوم هذا الوحي بصياغة العقل بتفكير معين وبأفكار معينة ليتقدم نحو الأفضل. وهذه ما سميناه اليوم في عنوان المجلس: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: 138]. الآن هذا الوحي الإلهي نزل ليشكل تغييراً في أنماط تفكيرك وأنماط قراراتك وسلوكياتك وحياتك. إذا منحت هذا الوحي المساحة ليعيد تشكيل هذا العقل ومنظومته الفكرية، أنت الآن في صبغة الله.
أما إذا أعرضت عن هذا الوحي ولم تتعامل معه بالشكل الصحيح، وسمحت لعقلك أن يتلقى صبغات أخرى؛ من السوشيال ميديا، من الثقافة الغالبة اليوم، الثقافة الغربية، من الكتب الثقافية والجامعات وأماكن متعددة، فإن عقلك نعم سيتغير، لكن سيتغير نحو ما تريده هذه الأفكار وهذه المدخلات. فالإنسان قطعاً عقلك سيتشكل في هذه الحياة بطريقة معينة وبصبغة معينة، وأنت من سيحدد ما هي الصبغة التي ستشكل عقلك، قرارك لمن ستسمع؟ ولمن ستنصت؟ ولمن ستعطي عقلك حتى يشكل؟ هل ستمنحه لمائدة الوحي الإلهي؟ كما جاء في الحديث: «القرآن مأدبة الله في الأرض». هل ستعرض عقلك وتمنح حق عقلك لهذه المأدبة حتى تشكل وتصبغ بصبغة معينة، أم أنك ترفض منح العقل للكتاب العظيم وللوحي الإلهي وتريد أن تمنحه لجهات أخرى، بغض النظر ما هي، لتعيد صياغته؟ وأنت في النهاية الجهة التي ستمنحها هي التي ستصبغ، وهي التي بالتالي ستقرر كيف تكون خياراتك المستقبلية وحياتك وطريقة تعايشك.
لو أردت أن أسأل سؤالاً عاصفاً ذهنياً: ما الذي يجعل أي كلام وأي كتاب وأي نص قادراً على أن يغيرك؟ بس فكر شوي، أعط نفسك دقيقة تفكير. أنا أحياناً لما أريد أن أتكلم كيف يغير القرآن حياتنا ويصبغنا، أفكر بما هو أعلى. ابتداءً نحن كبشر ما هو الكلام الذي يؤثر فينا فيغيرنا؟ ما طبيعة هذا الكلام والخطاب الذي يجعلني أنا كإبراهيم، أو أنت، أو أنتِ، ما الذي يجب أن يكون في هذا الكلام حتى يمتلك قدرة على أن يغيرني؟ بالتأكيد أنت تسمع كثيراً من الأخبار، ويعرض عليك كثير من مقاطع الإعلام، وبالتأكيد ليس أي مقطع وأي كلام يغيرك، ولو كنت تتغير مع أي كلام كان، لكنت في اليوم في الصباح على فكر وفي المساء على فكر ثانٍ، وتستيقظ الصبح على فكر ثالث وتمسي على رابع. الإنسان لا يغير أي طرح، ولا يغير عقله وتفكيره أي كلام يسمع من هنا وهناك. بالنسبة لك هناك كلام معين أشعر أنه هو القادر على أن يغيرني ويلامس قلبي وعقلي، وهذا الشيء أنت تحتاج أن تكون واعياً فيه بذاتك.
سؤالي لكم من باب المشاورة، بدي آخذ بعض الانطباعات: ما هو الكلام الذي تشعر أنه قادر على أن يغير فكرك؟
(أجاب أحدهم): أحسنت، يعني الكلام الذي تشعر أنه يخاطب مشاعري وأحاسيسي وفاهمني صح. بتشعر أحياناً حتى بعض المشايخ في شيوخ أنت تحب تسمع لهم، في مشايخ أفاضل وعلى الرأس والعين، بس تقول: والله ما أشعر أن كلامه يغير فيَّ، ليه؟ لأنه في مشايخ تشعر أن كلامه ربما يلامس مشاكلك الواقعية بشكل أكبر، ربما خطاب بعض الدعاة قد تشعر أنه خطاب معالٍ أو مثالي زائد عن اللزوم، أو مش عم يلامس المشاكل التي أمر بها في الواقع.
(أجاب آخر): بناء على الطريقة، مثلاً إذا كان يتفاعل مع من أمامه، طريقة الكلام، يكون مبتسماً بعض الشيء وهو بيحكي. يعني الأسلوب الذي يكون فيه متعة، الأسلوب الذي تشعر أنه متنوع، متفاعل معك، بتشعر أنه هذا الشخص أو هذا النوع من الخطاب يجذبني فقادر أن يغير أفكاري، بينما خطاب آخر أشعر أنه مش عم يجذبني بالتالي هو غير قادر على أن يغير في داخلي.
(أجاب آخر): الكلام العلمي مع الأدلة، هذا الشيء تمت صياغته في التخصص؛ أي واحد يطرح أي رأي دون أي مصدر، كلامه لا يبه له. مباشرة بالنسبة لك تشعر أن الكلام الخالي من الاستدلالات العلمية أنا صعب أتقبله، بينما ربما أكثر الناس ترى العكس، أكثر الناس مسترسلة في العلوم الاجتماعية، وأكثر الناس تجنح إلى التصديق المباشر دون أن تبحث عن مدى صحة المعلومة، وهذه بيستخدمها دائماً أدوات صناعة الإعلام اليوم، أي خبر بينتشر على أي قناة بتصدقه الناس، طب تأكدتوا؟ ما حدا بيتأكد، ما حدا بيبحث؛ لأن عادة جمهور العامة يجنح إلى التصديق، أن يتلقى المعلومة ابتداءً، خاصة إذا عُرضت بطريقة عاطفية أو فيها مشاعر أو أحاسيس. تجد قطاعاً كبيراً خاصة الإناث يملن للتصديق بدون ما يفكرن في الموضوع.
(أجاب آخر): ممكن الخطاب اللي فيه تحميس أو معاتبة لطيفة، أحس أنه في أثر أكبر. الخطاب الذي تشعر أنه فيه تأديب؛ يعني معاتبة على التقصير ومحاسبة أو تحفيز عند وجود الصواب، تشعر أن هذا ممكن يكون أكثر تأثيراً في داخلك.
(أجاب آخر): الكلام الذي يعتمد أو فيه مبني على الثواب والعقاب، فإذا سمعت كلام فيه ثواب عالٍ وجنة ونعيم في الدنيا، هذا بيحمسني وفي عقاب أبتعد. الشيء الثاني: الكلام الذي يزيد من عزة النفس والكرامة، فإذا شعرت أنه هذا القول إذا أنا مشيت معه أو هذا الأسلوب أسلوب فيه عزة نفس، بمشي معه.
كلام جميل. هذا التأصيل يدل -إخواني- على أن كل شخص فينا جيد أن يكون واعياً بذاته؛ ما الذي يؤثر فيه؟ إيش طبيعة الخطاب الذي أشعر أنني أحتاجه ليغيرني؟ وجميعكم على اختلاف مشاربكم وأنماطكم وأطباعكم كل شخص يجد في القرآن نوعية الخطاب التي تناسبه. ستجد الخطاب العقلاني الذي يقوم على الأدلة المنطقية: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22]. وستجد الخطاب الوجداني: ﴿وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُم حَقًّا ۖ قَالُوا نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: 44].
تجد أن القرآن أحياناً يصنع لك متعة المشاهدة؛ لما تقرأ سورة يوسف من أولها إلى آخرها والتفاصيل الدقيقة التي حصلت والمشاعر والأحاسيس، بما هو أعلى وأضخم من أي رواية يمكن تقرأها على وجه الأرض. تجد أن القرآن يتكلم معك بما تفضلتم به في تحفيز، أنه من يفعل كذا وكذا.. ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]، بيعطيك تفاوت وحماس لخوض التجربة. كذلك العقاب والتخويف وصناعة نوع من الوجل. أي إنسان، بغض النظر عن النمط الذي يحبه في الكلام، سيجد هذا النمط موجوداً في القرآن، في ناس تحب العمق وفي ناس تحب...
إن من عجيب القرآن أن من البيان لسحراً، فالآية الواحدة من يريدها عميقة يغوص فيها ولا يصل إلى القعر، ومن يريد أن يفهمها بسطحيتها يستطيع، ويأخذ منها معاني. أنت تشعر أن القرآن يعبئ النهم، أسميه أنا الإشباع لمختلف الأنماط والأذواق. لكنني سأعود نقطة إلى الخلف؛ فإذا أردنا أن نرتب الأفكار أنا وإياكم، أستطيع أن أقول إن قدرة أي كلام على أن يغيرك ويصنع منك شخصاً، وأن تتقبله وتعطيه مساحة، تعتمد على ثلاثة أشياء: طبيعة المتكلم وما مدى تصورك عنه، طبيعة نفس الكلام وما الميزات والخصائص التي احتوت، وطريقة تلقيك أنت لهذا الكلام وأسلوبك في التلقي.
إذاً هي ثلاثة عوامل تحكم تأثرك بكلام معين، وبالأخص الآن بما أني أتكلم عن القرآن، ثلاث عوامل تحكم مدى قدرة القرآن على تغييرك. أولاً: ما تصورك عن المتكلم بهذا الكلام وما هي التصورات التي تحملها في ذهنك عنه؟ ثانياً: ما مدى طبيعة هذا الكلام بذاته من حيث خصائصه وأسلوبه وطريقته؟ ثالثاً: أنه لم يشر أحد منكم لقضية أنني أنا الذي أغير الكلام وأؤثر فيه إذا كنت أعظم المتكلم، ولم يتطرق أحد لهذه القضية؛ لأنه أحياناً أنت ممكن تصبح مدمناً على متابعة شخص ما على وسائل التواصل الاجتماعي مع أن كلامه عادي، لكن خلص أنت له هيبة وتعظيم في قلبك، تشعر أن فلاناً أريد أن أسمع له وأنا أحب كل كلمة يحكيها، فهي بالنسبة لي عظيمة، مع أنه لو يأتي واحد لا يعرف هذا الشخص ولا يعظمه يسمع الكلام يقول: يا فلان، أنت ما الذي يعجبك في هذا الكلام؟ أنا أراه جداً سطحياً ولا يوجد فيه عمق.
لكنني أعرف أن هناك بعداً نفسياً عندك أن هذا الشخص يحمل سطوة على قلبك، فتراه عظيماً. لماذا أنت مثلاً بالنسبة لبعض الشباب كل إنسان فينا معجب بأبيه؟ صحيح، كل فتاة بأبيها معجبة، ألا يقولون لك هذا المثل؟ فبالنسبة لها كل ما يقوله الوالد هو عبارة عن درر، وتسمح لأبيها أن يغير فكرها ويصنعه، مع أنه أنا ممكن يسمح لي أبوها كأن أحكي لها، أنا مرتبة شيخ أو معلم، لكن ما الذي يسولف هذا؟ تمام، بس خلص هي مقتنعة أن والدها أكيد يتكلم بكلام رهيب؛ بسبب الإعجاب بالشخصية، ولا تستطيع أن تدفع ذلك عن ذهنك. تصورك عن المتكلم ومدى إعجابك فيه يجعل لكلامه سطوة، ويجعلك تمنحه قدرة على أن يغيرك، حتى لو كان بالنسبة لعموم الناس كلامه سطحياً أو جداً طبيعي، هو بالنسبة لك كلامه مختلف للإعجاب.
إذاً أول شيء في كتاب الله سبحانه وتعالى حتى يغيرك هو ما تصورك عن الإله المتكلم. فكلما كان تصورك عن الله أعظم وأرقى وأكثر فهماً لأسمائه وصفاته وتجلياته سبحانه وتعالى، سيكون قدرة القرآن على أن يغير فيك أكثر. ثم ستنتقل للمربع الثاني في التغيير، وهو طبيعة الكلام نفسه من حيث خصائصه وأسلوبه، وهي النقاط التي تكلمنا فيها قبل قليل؛ قدرة القرآن على الإشباع لمختلف الأنماط النفسية. ثم بعد ذلك السبب الثالث في تغيير القرآن أو أي كلام في حياتك هو كيف أنت تتلقى هذا الكلام؟ لأنه أحياناً قد يكون المتكلم عظيماً والكلام مميزاً، لكن أنت طريقة تلقيك لهذا الكلام خطأ، فأيضاً هذا يفقد هذا الكلام رونقه وقدرته على التغيير في حياتك، وإن كان هو في أعلى درجات العظمة.
وهذا واقع، فإن القرآن كلام الله المعجز الذي تلقاه الصحابة والتابعون فصنع منهم رجالاً وأبطالاً وفرساناً، لكن تعال على واقع المسلمين اليوم، لا يحدث تغيير في أنفس كثير من المسلمين. هل المشكلة في المتكلم حاشاه سبحانه؟ هل المشكلة في تميز النص وهو الذي صنع أبطالاً؟ إذاً المشكلة أصبحت في ماذا؟ في طريقتك أنت في التلقي، وفي طريقتك أنت في استعمال هذا الكلام وتوظيفه وفهمه وإدراكه. إذاً هي عوامل ثلاث حتى يغير القرآن في حياتنا، سأبدأ بالعامل الأول، وسأبدأ بها واحدة واحدة ونحاول أن ندردش فيما يمكن أن نصل إليه من أفكار.
القضية الأولى حول طبيعة المتكلم، من هو المتكلم بالقرآن؟ أول شيء يجعل القرآن الكريم، طبعاً هنا حديث قبل أن أدخل في موضوع المتكلم، كيف أن الأجيال الماضية، خاصة جيل الصحابة، كيف كان القرآن يؤثر فيهم تأثراً كبيراً ويحدث تغييراً هائلاً حتى في المشركين منهم، أو حتى في المشركين الذين أسلموا فيما بعد أو حتى بقوا على شركهم. هنا أستحضر حديث جبير بن مطعم، هذا أحد الصحابة الكرام ووالد مطعم بن عدي، جبير بن مطعم في البداية ما كان مسلماً، وبعد غزوة بدر جاء ليطلب فداءً، يدفع الفداء لبعض أسرى المشركين. فيقول: وصلت المدينة وكان النبي عليه الصلاه والسلام يصلي المغرب، فسمعته يقرأ في صلاة المغرب بسورة الطور.
قال: فعندما وصل إلى قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ * أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: 35-37]. قال شوف التعبير الآخذ، يقول: كاد قلبي أن يطير. مشرك في تلك اللحظة يقول: لما سمعت هذه الآيات التي تتكلم عن توحيد الله وعن الضرورة العقلية أنه لا بد أن يكون هناك إله، يقول: هذا الأسلوب القرآني لما سمعت من النبي عليه الصلاة والسلام، قال: كاد قلبي يطير، يعني ينخلع من مكانه. طبعاً جبير بن مطعم بعد ذلك أسلم، ولاحظ كيف أثر القرآن على تغيير أفكاره، كان مشركاً، هذا الكلام كان أول ما جعل الإسلام يقر في قلبه، وتغيرت أنماط حياته بعد ذلك بسبب هذا الكلام.
لماذا نحن قد نسمع هذه الآيات كثيراً في المساجد والأئمة ولا نشعر أنه كاد قلبي أن يطير؟ فقد تسمع القرآن كله ولا تشعر أنه كاد قلبي أن يطير، بل لا تشعر بأي تغيير حتى في سلوكياتك وأفكارك، أنت وحالك، ما في أي تقدم في الفكر في الأسلوب في الأنماط السلوكية! معناتها حتى مشركي مكة كان بعضهم عنده من القدرات على استقبال آيات القرآن أعلى من بعض المسلمين اليوم. بعض مشركي مكة كان لديه قدرة على الانبهار بالقرآن بغض النظر عن موقفه بعد ذلك، أسلم ولا لا، لكن عنده قدرة على الانبهار به والتعايش معه وملاحظة جوانب الإبداع بطريقة أفضل بكثير من بعض المسلمين اليوم.
لذلك تعرفون كلمة عتبة بن ربيعة لما تكلم عن وصف القرآن أن له لحلاوة، وأن عليه لطلاوة، وأن أعلاه؛ تشعر أنه هو جاهلي مشرك، لكنه يدرك أن هذا الكلام ليس كأي كلام، وليس له أسلوب ونمط يأخذ بالألباب ويسحرها. فهنا تأتي القضية، قضية ما يسمى كيف نسمح للقرآن أو كيف نجعل القرآن يغير حياتنا، وسأبدأ من النقطة الأولى سريعا أخذ مداخلتك. فهمت عليك، إذاً سآتي لهذه النقطة في الأخير، ما الذي يضعف تغيير القرآن في حياتنا، هذا سأختم به مجلس اليوم إن شاء الله. لكن سأبدأ بالقاعدة الأولى للتغيير.
القاعدة الأولى هي طبيعة المتكلم سبحانه وتعالى، المراد بالطبيعة هنا ماذا؟ من هو المتكلم الآن؟ لما يكون الكلام صادراً من بشر مهما بلغ هذا البشر من العلم والمعرفة، أنت موقن أنه في هناك مساحات كثيرة يجهلها. لما يكون الكلام صادراً من مفكر أو فيلسوف أو ما شابه ذلك، أكيد يأخذ سطوة على النفس لما يقول والله قال عمر بن الخطاب، قال ابن مسعود، قال الحسن البصري، قال ابن تيمية؛ بالنسبة لك بعض الأسماء بمجرد ما تسمع قال ابن تيمية، بعض الشباب، آه بسمع، ها أكيد، لأنه عندك شعور أن عقلية التي تتكلم عقلية صح، يقول لك بعض الشباب المفتونين في الغرب وثقافة الغرب بس يسمع اسم كانط، وهؤلاء بصير يسمع، لأنه بالنسبة له عقلية بدها تتكلم الآن في وجهة نظره.
طيب لما يقول قال الله، شو أثر هذه وجدانياً؟ بغض النظر الآن، لسه ما حكينا ماذا قال، بس قال الله، قال الإله، لذلك ابن مسعود كان يعلم تلاميذه: إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فارعها سمعك، فإما خبر يتلى، أو أمر يؤمر، أو نهي عن شيء. يعني الصحابة الكرام بالنسبة لهم لما تقول قال الله الكل يقف، لأنه هناك عظيم سيتكلم، هل أنت تشعر بهذه العظمة لما تسمع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ربما عند الأسف كثير من الشباب المدجنين اليوم على ثقافة الغرب ما يجي عنده نوع من الهوى الداخلي أو أنه يسمع شو قال صلى الله عليه وسلم، لكن كما قلت لك لو جاء شخص آخر له سطوة ومحبة في النفس، آه والله شو قال شيخنا أو أستاذنا أو كذا، أو المفكر الفيلسوف الفلاني، خلص سطوة الاسم، سطوة الاسم فهذا يقتضي مني حتى يغيرني القرآن أولاً أن أعظم الله.
لا بد أعرف لما أقول قال الله، إذاً أنا لا أتكلم أصلاً عن مخلوق، أنا أتكلم عن خالق الأكوان سبحانه وتعالى، وهنا يأتي دور تجليات أسماء الله الحسنى في حياتك، أنت ماذا تعرف عن الله؟ أعرف عن الله أنه حكيم، بالتالي حكمته في أعلى الدرجات التي لا يمكن للبشر أن يبلغها، بالتالي هذا يجعل عندي انطباع أن هذا الكلام الذي سيأتي بعد قال الله كلام في تمام الحكمة. يأتي أنه رحيم من أسمائه، بالتالي الكلام الذي سأتلقاه الآن كلام في تمام الرحمة، أعلم أنه شديد العقاب، بالتالي أنا متوقع أن الكلام أيضاً سيكون فيه نوع من التحذير. أسمع أنه سبحانه وتعالى أيضاً عليم، إذاً الكلام سيكون شمولياً، ما راح يكون فيه فجوات معرفية غير موجودة أو في نقص معرفي في بعض التفاصيل، اسم الله العليم الخبير.
فكلما كان عندك تجليات وفهم عميق لأسماء الله وصفاته، ومعرفة كيف ستنعكس هذه الأسماء على الكلام وعلى دقة الكلام وجمالية الكلام وحكمة الكلام، كلما كان عندك اهتمام أكبر ومساحة أكثر لأن تتغير بهذا الكلام، لأنك إدراكك أن المتكلم ليس أي شخص وليس أي ذات، وليس مجرد إنسان فيلسوف أو عالم دين أو شيخ أو محاضر في جامعة كلامه يقبل الصواب والخطأ، لا، أنا أتكلم عن من خلق كل شيء، وبرأ كل شيء، وبيده كل شيء، الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء. هذا التصور الابتدائي عن المتكلم سيمنحك بعد ذلك شعوراً بالاهتمام والقيمة للكلام، وبالتالي ستمنح الكلام قدرة على أن يغيرك.
ومن هنا ربما سمعتم في يوم من الأيام عن الخلاف العقدي الذي كان يكون بين الأئمة الأقدمين في مسألة كلام الله سبحانه وتعالى وهل القرآن مخلوق أو لا، صحيح ما بعرف إذا سمعتم عن فتنة أحمد بن حنبل. أحمد بن حنبل خاض معركة كاملة من أجل أن يبقى ثابتاً على عقيدة أن القرآن ليس مخلوق، ممكن البعض يقول يعني ليش أحمد بن حنبل أتعب نفسه؟ يعني هل الموضوع مستحق؟ يا أخي بده يقول القرآن مخلوق، مبتدع، يدبر حاله يوم القيامة، الله بيحاسبه وأنت اقتنع أن القرآن كلام الله ليس مخلوق وانتهت القضية، لماذا برأيك هذا الإصرار من أحمد بن حنبل وجهابذة عصره على الوقوف ضد هذه العقيدة؟
هسا له أسباب، بس بالنسبة لموضوعنا، مين قد يلمح لي قضية معينة؟ شيخ عمر اسمح لي، مين يلمح لي ملحظ ممكن يفكر فيه؟ لماذا هذا الإصرار الكبير من السلف على تثبيت دعامة أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق في سياق أثر القرآن أو بقاء أثر القرآن على الناس؟ ممكن. جميل، طيب بس ممكن واحد، هم المعتزلة مش عم يقولوا هذا، أنهم يقولون إن الله خلقه في مكان، فخلقوه معصوماً عن الخطأ، فهو يمكن يخرج من هذه الجزئية. نعم، أحسنت هذه النقطة الأساسية. أنت بمجرد أن تقول أن القرآن ليس كلاماً لله، هيبة الكلام نزلت شئت أم أبيت. يعني هل تقنعني حتى لو كانت الآن كثير من الأشياء خلقها الله، بس أنت بالنسبة لك ممكن مأخذ موقف عداء، يعني أبو جهل مش ربنا خلقه؟ شو موقفك منه؟ موقف عدائي تمام. نتنياهو وهؤلاء الأقذار، شو موقفك منهم؟ ربنا خلقهم، هم خلقوا الله، لكن موقف عدائي.
بمجرد أن ينزل القرآن عن مستوى أنه كلام الله إلى مستوى أنه شيء مخلوق، كما تريد المعتزلة، يفقد أحد أبرز قدراته على التغيير، مو أحد أبرز أساسيات التغيير فيه، أنني موقن أنه كلام الله، هذا يعمل له سطوة على النفس، على القلب. فلذلك أي تشوه في مفهوم صفة الكلام الإلهي مع أي فرقة إسلامية مشكلة، وإياك أنك تتعامل مع الموضوع على أنه مجرد خلاف تكتيكي، يعني خلافي هل الله يتكلم بصوت ولا هو مجرد كلام نفسي كما تقول الأشاعرة ولا، كل هذه الأمور، أنت لا تظن أن العلماء خاضوا معارك من أجلها عبثاً، لأنهم يدركون أن تشوه صفة الكلام في ذهن المسلم سيضعف قيمة القرآن. هذا كلام أنزله الله ليغير حياة الناس إلى يوم القيامة، فكان العالم مستعد أن يموت من أجل قضية إثبات أن الله متكلم، وأنه الكلام كلام حقيقي بصوت سمعه جبريل ونزل على محمد صلى الله عليه وسلم جبريل بالقرآن.
لأنك يا أيها العالم إذا قبلت المساومة على هذه الفكرة، أنت أضعفت هيبة القرآن في القلوب، ما راح تروح تماماً، لكن على الأقل فقدت الجمالية الأولى والهيبة الأولى التي يجب أن تبقى في ذهن المتلقي لكتاب الله، أنا لما أكون أدرك أن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
الصمد أول من تكلم بها هو الله، وهذه عقيدتي. ليس أثرها في نفسي كما لو أقول إن «قل هو الله أحد» هذا مجرد مخلوق خلقه الله في شجرة، ولا خلقه الله في اللوح المحفوظ؛ ماشي، ممكن تبقى له نوع من الجمالية، لكن ليست كهيبة إيمانك أنه كلام صدر وبدأ من ربي سبحانه وتعالى. بس هذا أردت ألفتا انتباهك أنه لا تظن أن السلف كانوا نوع من الترف الثقافي أنه عم بجادل في مسألة الكلام الإلهي؛ لا، هو يدرك قيمة هذه العقيدة أن تبقى في حياة الناس على فهمهم وإدراكهم وتعايشهم مع كتاب الله سبحانه وتعالى.
بالتالي أعود فأقول: تصورنا عن المتكلم بالقرآن أنه الله رح يعطي عدة انطباعات أولية عن الكلام قبل ما أدخل فيه. ما هي هذه الانطباعات؟ يعني هذا أيضاً سؤال عصف ذهني إدراكي أن المتكلم بالقرآن هو الله، رح يجعل انطباعات ستتشكل تجاه طبيعة الكلام الذي سيتكلم به. يعني حتى أقرب لك الصورة أكثر، أنت لما تكون عارف أنه شخص عصبي، فلما تفتح مقطع له على اليوتيوب أو شيء، قبل ما يتكلم أنت شو بتكون مشكل مجموعة تصورات كيف رح يطلع كلامه؟ صح؛ والله بنعرف هذا الشيخ عصبِي، مندفع، دائماً، فقبل ما أفتح المقطع أنا متصور شو طبيعة الكلام الذي سأجده. طيب، لا، شيخ أنا بعرف ولين وحبيب وسمح والأمور دائماً عنده بالحبايب، فإذن أول ما تفتح مقطعه قبل ما تسمع الكلام أنت بكون عندك انطباع عام جملة أنه نوعية الكلام التي ستسمع ستكون خصائصها أن الشيخ هادي، رح يتكلم عن الإنسانية والتعايش السلمي، رح يعطينا كلمة؛ يعني خلص صار انطباع عندي. طيب هذا في عالم البشر؛ بالتالي تصورك عن الإله وفهمك من هو الله سبحانه وتعالى ماذا سيشكل في دينك انطباعاً عن كلامه؟ فهمتم السؤال؟ كيف ستتوقع أن يكون طبيعة الكلام؟ تفضل.
أحسنت، أولاً أن كل معلومة معصومة عن الخطأ؛ فبالتالي شوف، هذا بحد ذاته أول جزئية من جزئيات التغيير، أنا مش رح أسمح لأي كلام يغيرني حتى أعتقد أنه صواب، فمعرفتي أن المتكلم هو الله إذاً سيجعل الكلام عليه طابع العصمة؛ أنه لا يمكن أن الله يتكلم بكلام خاطئ حاشاه سبحانه، إذاً العصمة. اثنين، أنه طبيعة الكلام ما دام الله حكيم ورحيم، شوف الأسماء كيف ستتجلى على تصور الكلام، إذاً الكلام سيكون مليئاً بالحكمة، فكل ما هو معروف وخير سيأمر به، وكل شيء خطأ وشر ينهى. تفضل.
كلام على محمل الجدية، ما فيش فيه هزل، ما فيش فيه ميوعة، ما فيش فيه أي أفكار ثانوية لا معنى لها، كله مهم؛ صح يعطيك طابع الجدية والأهمية أنه كل شيء مهم، ما في أي كلام حشو أو كلام لملء الفراغ فقط لا غير. أحسنت، في إحاطة؛ كلام دقيق محيط بالشيء تماماً، ما في معلومات ناقصة، جميل أيضاً. سيعطيني كفاية كاملة في المواضيع المتعلقة بالإنسان والأسئلة الوجودية الكبرى؛ إذاً ستلاحظ إذا عندك مجموعة أشياء ستشكلها عن طبيعة هذا الكلام قبل ما تسمعه، يعني قبل ما تعرف ما هي الآيات سيتشكل لديك انطباع لمعرفتك من المتكلم، وهذا سيساعدك على أن تجعل القرآن يغيرك. إذا بدي أضيف بعض النقاط: أولاً أنه أي كلام سيكون مطابق للواقع؛ صح، ما دام المتحدث هو الله إذاً لا يمكن أن يكون هناك خطأ، العصمة؛ إذاً وهي نفسها قضية العصمة أن الكلام مطابق للواقع.
أيضاً قضية أن الكلام لن يكون فيه مبالغات وعواطف، ايش يعني؟ أحياناً أنا كمتكلم كبشر، إنسان بشري، ممكن أعطي كلام، بتكلم عن قضية معينة من قضايا المسلمين بكون أولاً علمي وموضوعي و... بس شوي أشطح، شوي بصير عندي مبالغات؛ صح؟ هون الشيخ بلش يبالغ شوي، واضح أنه الشيخ يعني عاطفي شوية زيادة، لا؛ كلام الله سبحانه وتعالى ما في فيه تهويل زائد عن اللزوم، ف عواطف زائدة، فش فيه مبالغات زائدة تقول والله هذا الوصف مبالغ فيه أو غير موضوعي، أو لأنه سبحانه وتعالى لا يعتريه ما يعتري البشر من محركات الأفكار اللي بندرسها نحن، العواطف، الأحاسيس، المشاعر الزائدة، اللي ممكن تخلي الإنسان يشطح زيادة أو نقصاناً، فالكلام بالجزئية محسوب، صحيح؛ الكلام دقيق تماماً في توصيفه للمشهد، لا يمكن أن يكون يعتمد على نمط آخر من المبالغات أو النقصان. أيضاً زي ما حكيتوا أنتم، الدقة والعلم الشامل؛ ممتاز، إذاً تصورك عن المتكلم بالقرآن وتعظيم المتكلم بالقرآن وإدراكك أن هذه العظمة الإلهية كيف ستنعكس على طبيعة الكلام، كل هذا يساعدك على أن تمنح القرآن قدرة على أن يغيرك.
ممتاز، من الأمور التي تساعدك على فهم القرآن وتشكيل انطباعات عنه أيضاً قبل ما ندخل في أسلوبه، حديث القرآن عن القرآن، لو سألنا بماذا وصف الله القرآن في القرآن؟ هناك آيات كثيرة في القرآن تصف نفس النص، وهذه أيضاً الخطوة رقم اثنين، يعني بعد أن تصورت المتكلم، عليك أن تتصور عموماً طبيعة هذا الكلام كتصور جملي، وهذا نأخذه من نفس المتكلم عندما يكون نفس المتكلم الذي يشيد بهذا الكلام وينبهك عليه ويعطيك أن هذا الكلام ليس كأي كلام، وهذا الآن أصبح بعداً آخر؛ أنه المتكلم بذاته سبحانه وتعالى هو في كلامه عم بينبهني على قيمة هذا الكلام. كيف أنا مثلاً، طبعاً قياس مع الفارق مثلاً أعلى بس كتقريب للصورة، كيف أن معلماً عم يعطي محاضرة كل شوي بقول يا شباب ترى انتبهوا، الكلام هذا مهم بيجي في الامتحان؛ شو أنت بتصير تنتبه؟ آه، أنه الموضوع خطير. لما تجد أن القرآن معك صفحتين ثلاث بيجي بيقول لك سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]، بعدين بعطيك موضوع، بدخل في معالجة عقدية أو فكرية أو فقهية، بعدين بيجي شوي بيقول لك: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: 44].
بعدين بتمشي في القرآن قصة قوم نوح، قوم عاد، تأخذ مجموعة من القيم والمعتقدات و... بعدين بتيجي: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: 52]، سمى الله القرآن روحاً؛ حياة. بتيجي في سياق آخر في مناقشات مع اليهود والنصارى بعدين: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ [المائدة: 15-16]، فأنت بتشعر أنه مع كل صفحتين ثلاث أربعة خمسة في إشادة بقيمة الكلام، وأنه هذا الكلام إياك يا أيها الآدمي أن تتعامل معه على نوع مجرد كلام مجرد طالع؛ لا، هذا كلام يهدي، هذا كلام نور، هذا كلام شفاء، هذا كلام ايش حكينا؟ روحاً من أمرنا. حديث القرآن عن القرآن أيضاً له أثر في أنه تعطي القرآن مساحة أن يغيرك؛ إذا كان المتكلم عظيماً وهذا العظيم سبحانه وتعالى يمدح هذا الكلام ويثني عليه ثناءً عظيماً ويعطيه من الأوصاف والصفات ما تجعل محط اهتمام الإنسان، ما دام هو يقول عن كلامه أنه يهدي للتي هي أقوم، إذاً لازم يهديني الآن. إذا ما هداني للتي هي أقوم، إذاً المشكلة في أنا، مش معطيه مساحة أن يغير في داخلي. القرآن شفاء؛ لازم يشفيني من كل الشبهات الفكرية والعقدية، لازم يشفيك، طيب يا شيخ أنا ما شفيت ما زلت أعاني من شبهات فكرية و... إذاً في مشكلة في طريقة تلقيك للقرآن. وقس على ذلك كل وصف وصف الله به كتابه، يجب أن يترك أثراً فيك عن طبيعة هذا الكتاب، نور، فرقان، شفاء، روح؛ هذه كلها يجب أن تظهر في حياتك.
أعيد فكرة مرة أخرى، ما دام الله سمى القرآن نوراً وشفاءً وروحاً، وإيش عندنا كذلك؟ هدى، كتاب عزيز؛ إذاً كل هذه الأوصاف لازم ايش تصير تنعكس عليك؟ ما هو نور، لازم يكون إذاً نور؛ روح، إذاً بده يكون حياة؛ شفاء، إذاً لازم يشفيني؛ هداية، إذاً لازم يهديني. هذا هو المطلوب من القرآن، أن تنعكس صفاته على القارئ على المتلقي، خليني اسمي، تنعكس كل صفاته على المتلقي. طيب، إذا ما انعكست؟ إذاً في مشكلة لا بد أن أدرسها، ما بينفع إني أغض الطرف، في مشكلة في طريقة تلقيه لهذا الكلام هي التي تمنعه من أن يغيرني أو من أن يؤثر في حياتي، ملاحظين هذه النقطة؟ طيب، نيجي الآن على الفكرة الثانية؛ إذاً نحن قلنا أول نقطة من نقاط التغيير ما هي؟ النظر في المتكلم، بمعنى من هو المتكلم؟ وما مدى عظمته في القلب؟ وكيف وصف المتكلم كلامه؟ هذه كلها بدي أعتبرها من هذا القسم الأول.
الآن بدنا ننتقل للنقطة الثانية من شروط التغيير؛ نحن قلنا ثانياً حتى يغيرك الكلام لازم يكون في خصائص معينة هذا الكلام حتى يكون له قدرة على التغيير. أعود فأقول، كلام البشر متفاوت؛ يعني في شيخ يستطيع أن يغير في شريحة معينة، شريحة العقلانية بتدور عليهم أنت؛ في شيخ هذا الشيخ اللي عم بؤثر على الناس الاستدلاليين، ممكن ما عنده قدرة كلامه أن يؤثر على الناس العاطفيين، فهؤلاء أنا بجيب لهم شيخ ثاني؛ صح، شيخ يحسن الكلام في العاطفة والروحانيات، بقول له هذا الشيخ أنسب لهذه الفئة؛ صح، في شيخ بيعرف يخاطب الكبار بس ما بيعرف يخاطب الصغار أو المتوسطين، في شيخ بيعرف يخاطب الصغار والمتوسطين؛ أنت نفسك تشعر ما في شيخ أو عالم يستطيع أن يخرج كلاماً يناسب جميع الطبقات؛ هذا الواقع، ما في شيخ أو عالم يستطيع أن يكون كلامه متناسباً مع جميع الطبقات، لماذا؟ للقصور البشري، وأما كلام الإله سبحانه وتعالى يختلف تماماً، فهو قادر أن يخاطب جميع الطبقات، وقادر أن يخاطب جميع الطبقات ويغير في أفكار الجميع وفي تصورات الجميع؛ متعلم، عامة، رجل، امرأة، عاطفي، عقلاني، عصبي، إنسان هادئ، الكل كما قلت سيجد أن القرآن يخاطبه؛ ويعني كما يعبر البعض تشعر وأنت تقرأ القرآن كأنك تقرأ نفسك، وأنت تقرأ القرآن كأنك بتقرأ نفسك، بتحكي والله الآية كأنها بتحكي عني، هذه الآية والله بتشيل صفة في، هذه الآية بتوجهني، وفعلاً أنا عندي نقص في هذا الجانب، هذه الآية بتقول لي اعمل كذا وكذا، بس هذا طبعاً للي بيقرأ بوعي وفاهم الدلالات القرآنية.
طيب، الآن سأتكلم عن مجموعة من السمات والخصائص في القرآن كنص تجعله قادراً على أن يغير فيك؛ أول قضية، من قرأ منكم القرآن كاملاً من أوله إلى آخره يجد أن القرآن يعالج الأفكار الأساسية الأكثر إلحاحاً، والتي يحتاج كل إنسان، مشرقي، مغربي، شمالي، جنوبي، يحتاج أن يُجاب عنها، اللي نحن بنسميها الأسئلة الوجودية الكبرى؛ أكيد أنت ختمت القرآن في حياتك ولو مرة واحدة، وإذا كنت قرأت قراءة واعية ستجد أن القرآن يعطي إجابة واضحة عن الأفكار الأساسية الأكثر إلحاحاً على الدماغ، والتي أي بشر يبلغ ويصبح كائن حي يمشي في هذه الدنيا يحتاج إلى إجابة عنها؛ اللي نحن بنسميها في علم العقائد الأسئلة الوجودية، اللي هو أنا كإنسان ايش بسوي على هذا الكوكب؟ يأتي القرآن يقول لك: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]؛ بس، واضحة، إذاً أنا كإنسان موجود على هذا الكوكب حتى أو على هذه الأرض حتى يبتليني الإله سبحانه وتعالى.
طيب أي فكرة، هذه الحياة هل لها نهاية الحياة الدنيا؟ إيه نعم، تجد أن الله سبحانه وتعالى يخبرك أن الحياة الدنيا قصيرة وأنها متاع الغرور وأنها رحلة: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾ [الحديد: 20]؛ وتجد القرآن دائماً يعطيك أن هذه الدنيا لها نهاية قصيرة، لا تزن عند الله شيئاً وأن هناك داراً أخرى؛ إذاً ممتاز، أنا هنا استفدت أنه أنا وجودي له نهاية. إي كذلك مثلاً تجد: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115]، بعطيك قضية الحساب، أنه والله في دار آخرة؛ يعني أنا كإنسان محاسب على أعمالي. أنت تخيل أن في هناك أناساً على هذا الكوكب ما عندهم إجابة عن هذه الأسئلة، بتعرفوا روح الآن انزل على بعض مناطق الهند ولا نيبال ولا بعض مناطق أفريقيا اللي في الغابات، في ناس ما عندهم إجابة، هو مش عارف يعني هي الأفعال أنا اللي بعمله خير أو شر، في حدا رح يحاسبني عليها؟ أنت لأنك مسلم وعشت في بيت مسلم، أنت عندك الإجابة، لكن هم لا يمتلكون أي إجابة. طيب ماذا سيحصل بعد الموت؟ أنت لأنك مسلم تسمع الله عز وجل يخبرك عنه أنه في جنة وفي نار، لكن في ناس ما عندها هذا الكلام، فهو يظن أنه خلص نهاية الحياة الدنيا أنه بندفن هذا الإنسان في القبر وانتهى، الله يعطيه العافية تمام، فيش أكثر من هيك؛ طيب وهذا بيجعل نوعاً من الألم شعوري أنه هذا اللي دفنته ما رح أشوفه مرة أخرى انتهت، هي هنا؛ فبصير البعض يحاول يخترع فكرة تناسخ الأرواح، وأنه هو يخترع فكرة مشان يشبع شيء في داخله أنه أنا أريد الذي دفنته، أريد أن ألتقي به مرة أخرى.
الإسلام معطيك الإجابة واضحة جداً في هذا الاتجاه. قضية الخير والشر؛ طيب لماذا الله سبحانه وتعالى يخلق الشر في هذا العالم؟ لماذا في بلاء؟ لماذا هناك أطفال يتألمون؟ لماذا في هناك موت؟ لماذا في هناك ظالمين ومستكبرين ومستبدين؟ آه، فبتجد القرآن الكريم يقول: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: 35]، ويقول: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: 20]؛ يعني ربنا بيخبرني أنه أنا سأسلط عليكم بعض المتكبرين حتى أنظر ما مدى صبرك واستحمالك. تجد ما في شيء من الخير أو الشر من وجود الإله من وجود دار آخرة من وجود فكرة الحساب من طبيعة هذه الحياة الدنيا، طب هل أنا أفعالي في هناك قدر؟ هل هناك إله حكم أفعالي سابقاً أم أنا أفعل شيء بدون معرفة الإله؟ وهذه إجابة أنا بحتاجها، أنا أفعل هل...
أنا مسير أو مخير؟ فتجد القرآن يعطيك الإجابة: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: 28]. إذًا أنا لي مشيئة، لكن ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: 30] تعطيك الإجابة كاملة؛ أنه أنت لك مشيئة وإرادة بها تمشي، بس بدك تفهم أنه في النهاية أنت عبد ضمن مملكة الرب سبحانه وتعالى، فهناك مشيئة للرب أعلى من مشيئة العبد.
أي سؤال وجودي ملح على أي إنسان يعيش في هذه الحياة الدنيا تجد أن القرآن قدم لك الإجابات الشافية. وبالنسبة لي هذا قيمة لهذا الكلام؛ أنه استطاع أن يجيب عن استفساراتي ولم يترك مساحات فارغة أعبئها أنا. أحياناً أنت ممكن تقرأ لفيلسوف أجنبي حاول يفلسف لك الدنيا والحياة والنجاح والشر، بس بتشعر أنه ممكن أجاب عن 60% من أسئلتك، لكن في 40% ما أجاب عنها، أصبحت منطقة فارغة أنا بدي أعبئ الفراغ من عندي. القرآن لم يفعل هكذا، كل من قرأ القرآن بوعي يدرك أن القرآن لم يترك مساحات فارغة أنت مطلوب منك تعبيها، لا، هو عبأ لك الإجابات كاملة، فبالنسبة لي أنا مكتفٍ بالقرآن وإجاباته شافية تمامًا.
إذاً هذه أول قيمة تجعل القرآن قادرًا على أن يغيرك، وهو الإجابة عن الأسئلة الوجودية الكبرى الأكثر إلحاحًا، إجابة تامة إجابة شافية بحيث لا يوجد نقاط فارغة، خلاص أنت لا تخترع فيها أي شغلة كعقيدة ترضى فيها نفسك. اللي فيكم بيعرف الجاهلية سيعرف الإسلام وقيمة القرآن أكثر وأكثر، اللي بيدرس الأديان والفرق بيشوف بعض الأفكار الغريبة في الناس اللي بتعيش في الصين والهند ولا في هذه الدول، وكيف معتقداتهم عن الدنيا وعن الآخرة وعن الموت بتصير تضحك. ليش بتضحك لما تشوف هيك فيلم على ناشونال جيوغرافيك؟ أنت بتضحك لأنه أنت عندك الإجابة واضحة، فاحمد الله عليها، لكن ذاك الرجل ما عنده إجابة.
ولذلك بعض الناس يسمون أهل الفترات، اللي هؤلاء لم تبلغهم أصلًا الحجة الإلهية من وحي إلهي، ومن عدل الله سبحانه كما قال العلماء أنه في ناس ربنا ما حاسبهم في يوم القيامة إذا لم تبلغهم الحجة الإلهية، وإنما يختبرون يوم القيامة اختبارًا خاصًا. هؤلاء بنسميهم نحن أهل الفترات؛ أي إنسان لم يستطع أن يصل إليه الوحي الإلهي؛ لم يستطع، مش أعرض، بل لم يستطع وصول الوحي الإلهي إليه، فهذا عدل الله أنه لا يحاسب على جاهليته، وإنما سيقام له اختبار خاص به يوم القيامة. شوف العدل الإلهي في هذا المقام؛ لأنه أكيد اللي عنده القرآن حصل أجوبة عن الأسئلة، طيب اللي ما وصله القرآن؟ عقلك وحده ممكن يضيع في إجابات هذه الأسئلة، والقرآن هو الذي يعبئ الفراغات الكاملة.
إذن هذه أول صفة في طبيعة الكلام. اثنين، أن القرآن من صفاته العظيمة التي تجعلك تعطيه مساحة أن يغيرك أنه أعاد ضبط التعاريف بالأشياء المهمة في الحياة، ضبط لك تعاريف الأشياء المهمة في الحياة. فمثلاً أعطاك تعريف الإنسان في مناطق مختلفة، في أحد فيكم هيك تتبع تعريف الإنسان في القرآن؟ كيف يا شيخ بدي أتبع تعريف الإنسان في القرآن؟ أي صفة وصف الله بها الإنسان باعتباره إنسانًا، مش مشرك ولا مسلم، بس باعتباره إنسانًا. هذا تعريف للإنسان، كيف عرف القرآن الإنسان؟ قال: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: 19]، إذاً الأصل في هذا الكائن الحي الهلع، إذا مسه الشر جزوعًا وإذا مسه الخير منوعًا، ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]، إذاً الأصل في الضعف، هذا تعريف القرآن للإنسان، ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]، أن طبيعة الإنسان عنده ظلم وجهل إذا لم يتم ضبطه يفسد. ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: 2-3].
نعم، ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: 5]. إذاً الله سبحانه وتعالى يعيد لك تعريف الإنسان: من أنت؟ لأنه اليوم لما تأخذ النظريات الغربية بيعرفوك بشكل خطأ، بعض الناس يعرفون أن الإنسان كائن متكامل يخرج إلى هذه الحياة الدنيا قابل للإصلاح وما شابه ذلك بطريقة ليست هي طريقة القرآن. لا، القرآن يعطيك الواقع؛ أنه أنت إنسان، الأصل فيك أنك عندك ظلم وحب للتملك، مش الأصل فيك العدل التام. مين قال لك اليوم بعض نظريات الغرب بتقول الأصل في الإنسان العدل؟ لا، الأصل في الإنسان الظلم؛ إيش يعني الظلم؟ أنه يحب أن يستأثر، يحب أن يأخذ، يحب أن يحوز. تاتي تعاليم الإسلام تهذب هذا الشره وهذا الحرص على الدنيا، الأصل في الإنسان الشح: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: 128]، وبالتالي يأتي الإسلام ليهذب هذا الشيء ويعدله نحو الأفضل، فالقرآن يعيد تعريف الإنسان تعريفًا كاملًا.
كذلك تعريف الحياة الدنيا، اليوم شو تعريف الحياة الدنيا في الفكر المادي، وإيش تعريف الحياة الدنيا في القرآن؟ ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الحديد: 20]، ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ [الكهف: 45]. بتجد القرآن يعيد تعريف الحياة الدنيا حتى لا تطغى أنت في تصورك لها، وفي نفس الوقت ما بقول لك اتركها، شوف الاعتدال، فبقول لك بيعلمنا القرآن أن قولوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة: 201]. في القرآن ما قال لك اترك الدنيا ما بدي إياها، لا، ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77]، بس في شيء أعلى من الدنيا. فإذاً من خصائص القرآن أنه يعيد ضبط التعاريف للأشياء المهمة في الحياة.
النفس كيف تحدث القرآن مش عن الإنسان كإنسان الآن، عن النفس البشرية؟ أنه في نفس أمارة بالسوء، آه بدي أنتبه لها، وفي نفس لوامة لسورة القيامة: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 2]، وفي نفس مطمئنة في سورة الفجر: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: 27]. إذاً نفسي تتشكل بتشكلات متعددة، أحياناً بتكون تأزني نحو الأخطاء والشر، أحياناً لا تندم على الوقوع في الشر وتلومني، أحياناً تصل لدرجة الاطمئنان نحو الفضيلة. هذا اليوم بتلاقي أرسطو وأفلاطون بيتكلم عنها في 50-60 صفحة، ودوبه عارف يوصل الفكرة ويوصلها شوية صح وشوية خطأ، القرآن بيعطيك إياها بأسلوب فطري واضح حتى الإنسان الملم البسيط فاهم الموضوع، مدرك حيثيات ما هي النفس الإنسانية، وأنه ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10]، بدون الدخول في تفاصيل غير مهمة بالنسبة لك.
كذلك كيف تحدث القرآن عن مفهوم السعادة وعرفه عن مفهوم الشقاء؟ كيف تحدث القرآن عن مفهوم الهداية وعن مفهوم الضلال؟ إذاً القرآن يعيد تعريف كثير من الأمور التي تهمني في الحياة، أفهم تعريفها، التي هي متعلقة أيضًا بأشياء يحتك بها كل كائن بشري في حياته. طيب كذلك مفهوم الفضيلة والأخلاق، مفهوم الإيمان والكفر إلى غير ذلك.
النقطة الثالثة في تميز الخطاب القرآني هو أن الخطاب القرآني أيها الكرام يتكلم بالتفصيل ويشير مرارًا وتكرارًا إلى محركات الأفكار التي تجعل الإنسان يتجه نحو الضلال. يعني من أعظم الأمور التي عالجها القرآن، عالج كيف يفكر الإنسان، وكيف يمكن للإنسان أن يخرج عن الحيادية والإنصاف ويفكر بطريقة خاطئة. وهذه الدورة التي نحن بنتكلم فيها في هذه الفترة، صمام أمان لاحظتم أنه ما في محرك من محركات الأفكار التي يمكن أن تلقي بك في الهاوية وتتجه نحو الضلال إلا والقرآن أشار إليها، من خلال استعراض القرآن لتاريخ الأمم والشعوب على وجه الأرض، وكيف تلقت كثير من الشعوب والأمم دعوة الأنبياء، وما الأخطاء الفكرية التي وقعت فيها فحادت بها عن الصواب. القرآن عم بينبهك أنه هناك طرق في التفكير ستؤدي بك إلى الهلاك، وفي هناك طرق في التفكير ستؤدي بك إلى النجاة.
عظيم القرآن في الكلام عن محركات الأفكار، مثلًا الهوى باعتباره أحد أبرز محركات الأفكار؛ كم حذر القرآن من اتباع الهوى؟ ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: 18]، ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23]. تجد عشرات الآيات بتحذرك، انتبه أن يكون طريقة تفكيرك مبنية على الهوى والميول والرغبات فقط. حديث القرآن من محركات الأفكار الحسد والبغي، فالقرآن ينبه أن بعض الناس تتخذ مواقف بغيًا، الآن كبنو إسرائيل الله عز وجل أخبر أن أحد أسباب كفرهم وعنادهم ما هو؟ البغي، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [البقرة: 89-90]، إذاً مشكلتهم البغي والحسد: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾ [البقرة: 109].
كذلك مثلًا من محركات الأفكار التي تكلمنا عنها التصور المادي، أن يكون الإنسان شخصية مادية تستهويه الأفكار المادية، فبيجي القرآن بيتكلم لك عن الدنيا وتفاهتها ودنائتها عند الله، فبيعالج لك هذا النمط المعرفي. حديث القرآن عن الجهل، وأن كثيرًا من الناس تتبنى أفكارًا وآراءً جاهلة بدون ما يكون عنده إحاطة، فربنا بيقول لك: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]، ﴿وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33]. كذلك بعض الناس متأثر بالآباء والأجداد والبيئة الاجتماعية، فبيجيك القرآن بيقول لك ايش؟ أن كثيرًا من الأقوام الفاسدين سبب كفرهم الآباء: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23]. العادات والتقاليد ما رح نغيرها، وكما قال قوم عاد: ﴿إِنْ هَٰذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: 137]، نحن ماشيين زي الناس، يعني هيك الناس بتعمل نحن بنعمل، هل هي طريقة تفكير صحيحة؟ لذلك هناك آية جامعة يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: 55].
إذاً يقول لك سبحانه من أهداف هذا القرآن أن يعطيك كيف يفكر المجرم، كيف يفكر الضال، ما هي الأنماط والمحركات التي تجعلك تتجه نحو أنماط خاطئة في التفكير. طيب إيش تريد كتاب معرفي أعظم من كذا؟ أنه هو بيقول لك أن هذه الطريقة في التفكير خطأ وهذه الطريقة في التفكير هي الصحيحة، بس هذه محتاجة لنوع من التدبر العميق والمدارسة القرآنية حتى تنتبه لهذه النقاط. أيضًا من الأمور التي يعلمنا إياها القرآن، طبيعة الخطاب القرآني، أنا كل الذي أقوله الآن يتعلق بالنقطة الثانية، أن طبيعة الخطاب القرآني تساعدك على أن تتغير من كل الجهات التي تقدمتها إلى الآن.
النقطة الرابعة في طبيعة الخطاب القرآني أنه يعطيك المفاتيح والأدوات والآليات التي تساعدك على المشي والسير في هذه الحياة. يعني القرآن إخواني ما بيعطيك تفاصيل دقيقة في حياتك، صح بقول لك بس تتزوج امرأة لازم تعطيها كذا وتروح تعمل معها هذا، بتروح على أخصائي في الزواج بتكلم لك في تفاصيل تفاصيل كيف تحبب زوجتك فيه، صح؟ لما تيجي مثلًا في قضية معرفية علمية، القرآن ليس من مقصده أن يعطيك تفاصيل الاستدلال العقلي وقواعد المنطق، لكنه يعطيك ماذا؟ مفاتيح النجاح ما أسميه أنا، يعطيك قواعد وآليات وأمور إذا أنت اخترتها وسمحت لها أنه هي التي تحكم حياتك ستصبح حياتك نحو الأفضل.
مين يعطيني هيك آيات قرآنية بتمثل قواعد في الحياة من ثلاث أربع كلمات، هيك بتشعر أنها والله هذه قاعدة في الحياة أنا بقدر أتبناها وأطورها وأطبقها في مساحات عديدة؟ مثلًا: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 116]، هي بتحصنك بتقول لك أنه ايش؟ انتبه ما تمشي مع القطيع مع الجماهير. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، أنه ربنا عز وجل ما بده يحملني فوق طاقتي. ها القرآن بيعطيني قاعدة أنه سواء على مستواي الفردي أو حتى على مستوى الشعوب والأمم والسياسة الشرعية، أنا مطلوب مني أن أتقي الله على حسب الاستطاعة، فأنا في بيتي في شغلي في مجتمعي في دولتي أطبق من أحكام الشريعة ما أستطيع، والشيء اللي خارج عن الاستطاعة ربنا عافيني عنه، هذه قاعدة بتريحني في الحياة لأنه أنا ممكن عم بحمل نفسي فوق طاقتها، ربنا مش محملك فوق طاقتك، ربنا بيقول لك: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
جميل أيضًا من القواعد الجامعة مثلًا: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون: 96]، تشعر بعطيك قاعدة سلوكية أنه في الحياة بدك تنجح في العلاقات الاجتماعية، لا تكون إنسان متزمت، قابل الشر بالخير على قدر المستطاع. ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]، إذا تعاني من جهل تجاه أي قضية اذهب إلى المتخصص فيها يجيبك. مثلًا ﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: 168]، بنبهك إلى الفخاخ التي ينصبها الشيطان لك في الطريق.
جميل، خلينا نشوف أسئلة إخوة جدد. ﴿مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 90]، أنه تقوى الله في الحلال تحري الحلال مع الصبر بإذن الله تثمر في الحياة. خليني أشوف إخوة، تفضل: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: 153]، بتشعر أنه في البلاء بدي مثبتات، القرآن بيقول لك بدك تثبت بدك تتعلم الصبر، وهناك الصلاة، أرحنا بها يا بلال. مثلًا شوف القواعد العامة: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128]، قاعدة كلمتين، ربنا بيقول لك والصلح خير، إذاً هذه قاعدة من قواعد الحياة أنه دائماً في المشاكل الأسرية والعائلية مع الأقارب حاول تتجه نحو خيار إيش؟ الصلح، ما تكون إنسان تتجه دائماً نحو الفسخ والطلاق، إلا أن يكون هذا آخر العلاج الكي كما يقولون. فربنا بكلمتين بيعطيك قاعدة: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾.
مثلًا قاعدة تتعلق بالنفس أن التزكية تجعل الإنسان في فلاح مستمر، وأن إهمال النفس وإهمال تربيتها بيضيعك. تفضل: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنفال: 46]، ممتاز، ضرورة الوفاق، ضرورة أنه يكون نفسي مع المسلمين تجميعي قدر المستطاع، مش نفسي تفريقي ويكون الفرقة هي الأصل في حياتي. في حد تفضل حبيبنا؟ التوكل على الله وفضيلة هذه العبودية أنها تكفيك الهم. قضية مثلًا أن الطغيان المادي أن الإنسان.
يشعر بالطغيان لما يشعر بالغنى، فإنه كيف ما أجعل الغنى والرفاه الاجتماعي يسبب طغيان في حياتي؟
قضية التنبؤ في الأخبار ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]، ضرورة التثبت، مثلاً هنا بعض الآيات ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]. إن الإسلام لا يجعلك في مشقة فوق طاقتك، وبالتالي أي مسألة فقهية الأصل تكون مبنية على ماذا؟ على الرفق واللين وليس على التعنت والشدة. كذلك قوله سبحانه ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: 220]. إنه أحياناً قد نضطر نفعل أشياء ويفعلها المنافقون أو الكفار لكن أنا نيتي فيها خير وفي شخص نيته فيها شيء، فالاتفاق في صورة العمل لا يعني الاتفاق في النتيجة؛ فأنا قد أكون قصدي فيها الإحسان، وقد يكون فلان قصده فيها الإساءة.
شوف آية مثلاً ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]، القرآن تكلم في علاقتك مع زوجتك كيف تكون؟ بالمعروف. الآن ما القرآن زي ما قلت لك لن يتكلم بالتفصيل، مش راح يجي يقول لك أعطها وردة وجيب لها هدية، بيقول لك قاعدة عامة عاشروهن بالمعروف. عاد المعروف في كل زمان ومكان كتطبيقات وآليات بتختلف، ربما في بيئة معينة المعروف تهديها تنكة زيت، في الأردن تعطيها وردة، يعني مش ضروري المعروف يكون في كل المناطق بنفس الصورة. هذه جمالية القرآن؛ بدك قواعد اجتماعية بعطيك، بدك قواعد سلوكية بعطيك، قواعد الخير والشر بعطيك، قواعد سياسية بعطيك، القواعد التي تهم الناس لإنجاح الحياة، ستجد أن القرآن يعطيك المفاتيح، بيعطيك إياها كقاعدة، ككلمة وأنت حلق فيها وأنت تجلى في تطبيقها في حياتك وأنزلها في الواقع.
أنا نقطة البداية كانت من القرآن شكل عندي قاعدة، والصلح خير، القرآن شكل عندي قاعدة في التعامل مع زوجتي العشرة بالمعروف، القرآن شكل لدي قاعدة في التعامل مع المسلمين ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنفال: 46]. أعطاني مفاتيح خارطة في النجاح، هكذا يغيرنا القرآن، أنه أنا لما أمتلك هذه القواعد ساعتها ضايل المطلوب هو التطبيق، الآن كيف أنزلها على واقعي الحياتي أو الاجتماعي أو السلوكي؟ هذه جمالية القرآن في أسلوبه الشمولية في القواعد.
لذلك أبو الدرداء ماذا يقول؟ جاءه رجل فقال له إن أهل الكوفة يقرئونك السلام ويطلبون منك النصيحة، فقال: اقرأ عليهم السلام، ومرهم فليعطوا القرآن بخزائمهم. ايش يعني فليعطوا القرآن بخزائمهم؟ العرب قديماً إذا كان في ناقة أو جمل بكون في الخزائم، وهي عبارة عن حلقة توضع في أنف الناقة أو توضع في أنف الجمل، ويوضع فيها الحبل الذي سيشد الفارس لما يركب فوق الجمل أو فوق الحصان. فالخزائم هي الحلقات التي توضع في أنف الجمل أو الحصان ويوضع فيها الحبل الذي به سيقاد ويُوجه. شوفوا التعبير الجميل من أبي الدرداء، يقول: أعطوا القرآن خزائمكم؛ أي اجعل القرآن هو الذي يقودك، كأنك أنت الحصان والقرآن فوقك وهو الذي ماسك الحبل، يقول لك القرآن روح هون بتروح، قال لك القرآن روح هناك تروح، قال لك القرآن الصلح خير بتمشي مع الصلح، قال لك وعاشروهن بالمعروف بتمشي مع العشرة بالمعروف، قال لك ولا تنازعوا بتمشي مع القرآن، مع مرادات الله في القرآن وليس بما يريده هواك. هذه عبارة راقية جداً من أبي الدرداء ليفهم كيف يغير القرآن الإنسان لما تعطي القرآن خزائمك، أنه هو اللي يركب فوقك مش أنت تتعامل معه بفوقية؛ أنه والله الآية اللي بتعجبني باخذها، والآية اللي ما عندي هوى فيها بحطها على جنب، ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]، ما بيضبط.
إذا أردت أن تشعر بتغيير القرآن في حياتك، تعال على القرآن، بتعرف الإنسان لما يتعلم السباحة شو بيقول له المعلم؟ ارخِ ارخي، حط حالك ارخِ حالك، ليه؟ لأنه إذا بترخي حالك بتطوف وبتشعر إنه المي هي اللي بتتحكم فيك، أما إذا أنت ضليت متشنج ولا عمرك بتتعلم سباحة. نفس الشيء القرآن تقريباً، بدك لما تأتي للقرآن ارخي لي حالك تماماً، كل الأفكار اللي عندك حط لي إياها على جنب، كل تصوراتك الجاهلية والعصبية والقبلية والعشائرية، واللي ماخذها من اليوتيوب ومن كل زبالات الأفكار هذه حط لي إياها بعيد وخلي نفسك وارخِها، خلي القرآن يشكلك، حلق معه. قال لك هيك قل سمعنا وأطعنا، قال لك كذا قل سمعنا وأطعنا، ستشعر أن نفسيتك اختلفت، ستشعر أي والله إنه هذا هو الخير، لكن أنا لقصوري وعجرفتي متشنج وأنا بتعامل مع القرآن، بسمح لآيات معينة تدخل وآيات بقول لها لا، يعني صعب أطبقك خليك بعيدة شوي عن حياتي. مشكلة إذا أنت متشنج تجاه التعامل مع القرآن كيف بده يغيرك القرآن وأنت متزمت؟ استرسل، ارتاح، واسمح للقرآن هو اللي يبني الفكرة.
إذا تكلمنا الآن عن أربع شغلات في الخطاب القرآني، الشغلة الخامسة اللي هي حكينا عنها في بداية الدرس اليوم، الآن نضعها كنقطة قدرة الخطاب القرآني على إشباع الحاجات المتعددة أو النفوس المتعددة. نحن قلنا نحن مختلفين في أنماطنا، في شخص بحب الخطاب العقلاني يجد أن القرآن بيتكلم معه بالعقل والأدلة العقلية، في شخص بحب الخطاب الوجداني بيشعر أن القرآن بخاطبه بالوجدانيات زي ما حكينا، بدك خطاب عقلاني لوجود الإله ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22]. بدك خطاب وجداني عن الجنة والنار ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: 73].
أنت بالنسبة لك يعني هذا مش نقاش عقلاني، هو إثارة الوجدانيات، إنك تتخيل المسلمين الآن خلاص عم بيدخلوا الجنة وعم تستقبلهم الملائكة ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر: 74]، مشهد يرسم أمامك جميل وختامي، ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ﴾ [الزمر: 75]. شوف بعدين انتهاء قصة الحياة ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: 75]، خلصنا، اللي راح على الجنة راح واللي راح على النار راح خلص، شوف هذا خطاب تشعر إنه رائع، كان قصة ترسم أمامك بكل تفاصيلها وجدانياً. لأنه إخواني أي إنسان فيه قوة عقلية وفيه قوة وجدانية، وأنت الخطاب الذي سيغيرك إذا كان الشيخ أو المحاضر يستطيع أن يخاطب العقل والوجدان، هذا أفضل أنواع المشايخ، أفضل أنواع الخطابات الدعوية هو الخطاب الذي يجمع بين العقلانية والوجدانية، وهذا الموضوع القرآن أتقنه إلى درجة التميز الهائل إلى درجة الإعجاز.
في أنك وأنت في خضم الخطاب العقلاني في خطاب وجداني، في خضم الخطاب العقلاني بتلاقي قضية الجنة والنار حاضرة، انتبه ترى في جنة، انتبه ترى في نار. اللي يجعل السلوك خطأ أو صواب هل هو مجرد وجود الجنة والنار ولا قيمته؟ سؤال؛ اللي يجعل تصرف معين إنه خطأ أو صواب يعني الزنا خطأ لأنه عليه عقاب، ولا لأنه هو تصرف غلط إنك أنت تذهب إلى علاقة مع صح ولا لا؟ الخمر خطأ لأنه في عليه جلد أربعين أو إنه يوم القيامة ستحرم منه؟ إذا هو من حيث ذاته خطأ، فالقرآن بنبهك أحياناً بخطاب عقلاني لماذا الزنا حرام ولماذا الخمر حرام، لكن في النهاية في ناس ربما الخطابات العقلانية ما بتوفي معهم فبيجي القرآن أيضاً بحذرك من المعاصي والذنوب إنه ايش عاقبتها في الآخرة، فإنت حتى لو مش قادر تدرك عقلياً ليش الزنا غلط بس بدك تتركه لأنه في جهنم.
فبيكون الخطاب بالترغيب والترهيب، اللي هو خطاب وجداني، أنفع في حق بعض الناس. مش كل الناس راح تعرف ليش الربا حرام، لو أنت اليوم جلست مع ناس أنتم فاهمين ليش الربا حرام؟ جوز أكثركم لو سألتك شو المشكلة في الربا والله ما أنا فاهم بس حرام، و﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 279]. شوف كلمة ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ عم بتأثر في وجدانك وبتخليك تخاف من الربا ربما أكثر من لو جيت الآن حللت لك ليش الربا خطأ وكيف يؤثر على الناحية الاقتصادية للمجتمعات، صح بجوز أغلب الناس ما راح تفهم، أصلاً مش كل الناس متخصصة في الاقتصاد بس خلص في ناس بكفيك يعطيك العافية إنك تفهم إنه ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، هذا بكفيك مش ضروري تدرس الأمر من ناحية عقلية معرفية لأنك أنت ربما مش متخصص في الاقتصاد الإسلامي لتفهم هذا الشيء، بس بدك تتعلم إنك تقول سمعنا وأطعنا.
إنه بعض الناس هنا القرآن لا يغيرهم؛ أنه أنا ما بآمن بالنص حتى يقنعني، طيب وإذا ما عرفت أنا أقنعك؟ إذا أنت مش راضي تقتنع شو أسوي لك؟ خلص نحط النص على جنب؟ لا، المشكلة في عقلك مش في القرآن، لأنه الأصل العالم الدين المتميز يستطيع يطرح لك الموضوع طرح علمي بس أحياناً بيكون في هيك هوى بيلعب جوا خفي، بيعمل لك عناد وتزمت مش حقيقة موقف معرفي حقيقي، لكن اقتنعت ولا ما اقتنعت القرآن بيقول لك ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ بدك تقول سمعنا وأطعنا، ما عندك.
كذلك الأخت اللي بتقول أنا الحجاب ما بلبسه حتى أقتنع فيه، ما هو أختي القرآن بأمرك ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ إلى آخر الآيات ﴿وَيُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: 59]. ربنا أعطاك بعض التنبيهات العقلية، حتى غطاء الوجه يعني هذه الآية ﴿وَيُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾ أكثر المفسرين أن المراد بها النقاب مش حتى الجلباب، أي أن تنزل من جلبابها من رأسها لأن الجلباب كان يبدأ عندهم من هون زي العباية السعودية، أن تنزل منها على وجهها، طيب ليش يا رب؟ قال ﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾، مصلحتك، أنا ما بدي الفجار يعتدوا عليك أو يمسوك، فأمرناك بكامل الستر، فإذا بدك الكلام العلمي هذا الكلام العلمي ﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ﴾ أي عرفنا مصلحتك، اليوم كثير من البنات بتتعرض للتحرش في الجامعات وبتتعرض لكل أنواع كذا بتيجي متضايقة، ليش؟ إنه حدا، طيب ما أنت أختي الكريمة أنت مش لابسة، بس ما هو ربنا بيقول لك ﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾، يعني أدنى أن تعرفي أنك عفيفة مصونة فما حدا بيتعرض لك، لكن لما تكوني أظهرتي مفاتنك وكأنك تقولين للفجار تعالوا، يعني هذا هو مضمون الشكل والمظهر والهيئة الخارجية.
فالقرآن بيعطيك تفاصيل، وأحياناً جمالية القرآن إنه هذه التفاصيل أحياناً بيعطيك إياها تعليل مباشر، أحياناً بيعطيك إياها كمثل ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا﴾، أحياناً بيعطيك إياها كقصة، قصة سيدنا يوسف، قصة سيدنا موسى، طب ما هي مليئة بالحياة، أنت بس تعال شوف ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص: 25]، شوف هي كلمة على استحياء، وحلق معها كيف المرأة المصونة اللي مش بتعافس الرجال وتعال أبو فلان وكذا وهي أجنبية عنه وبتتكلم بهدوء، مع جواز أن المرأة تخاطب الرجل الأجنبي في الحاجة، تشعر إنه في حاجة متوازنة في القصة، ربنا بده يوصل لك فيها أفكار كثيرة، بس من ضمن قصة أحياناً باخذ الفكرة، أحياناً من ضمن مثل، فتجد وهذه جزء من الإشباع.
زي ما حكينا الآن نحن شو حكينا؟ إشباع عقلي ووجداني، من الإشباع أيضاً تنوع أسلوب الكلام. لما يكون الكلام في محاضرتي من أولها إلى آخرها وأنا بحكي معكم هيك عابس، آخر شيء بتقول الشيخ أسامة بيقول السلام عليكم يعطيكم العافية، بس نحكي نكتة شوي وهذا بيضحك شوي بعدين بنرجع للجدية، لا هذا بيجعل الكلام بالنسبة لك ممتع، وبالتالي بيخليه يغيرني لأن الخطاب ممتع. هذه المتعة موجودة في القرآن، إنه أنت زي ما قلت لك سورة البقرة ما بتشعر إنه كلها طلق وتزوجوا وكذا وعدة، ولا بتشعر إنه شوي قصة بني إسرائيل شوي أحكام شوي موقف إيماني شوية فاتقوا الله، تشعر إن النص متنوع فيه فنون كثيرة من ضرب الأمثلة، من إدخال القصص، من الترغيب والترهيب، من الإيمانيات، من الأمور الجامدة، فبيصير بالنسبة لك الدرس كامل غطى جميع احتياجاتي، في التفنن والتنوع هذا جزء أيضاً من كمالية هذا النص.
أيضاً من جمالية النص القرآني التي تجعل قادر على التغيير: البساطة والعمق في نفس الوقت، وأنا بنصحكم تقرؤوا كتاب النبأ العظيم للأستاذ عبد الله دراز، كتاب النبأ العظيم ركز على شيء من خصائص القرآن، النبأ العظيم كيف في موضوع البساطة والعمق في نفس الوقت، رهيب إنه الآية القرآنية الإنسان غير المتخصص في التفسير بيفهم منها ظاهرها، والمتعمق يفهم منها أضعاف أضعاف ما يفهمه الإنسان السطحي فيها، فتشعر أن الآية نفسها الإنسان البسيط قادر يفهمها والإنسان اللي بحب الذكاء والتوقد واستنباط العلل يستطيع أن يحفر فيها ويتعمق فيها. وكما قال علي بن أبي طالب: لا تبلى عجائبه، ايش يعني؟ كلما قرأت القرآن نفس الجملة بقدر أحفر فيها معنى جديد وبقدر أطلع منها هذا العمق الذي لا ينتهي. يعني أحياناً بتشعر فعلاً إن القرآن له عمق غير قابل للنهاية، صحيح يعني كلام إبراهيم رفيق ولا كلام أي شيخ في النهاية خلص حكى كلمة شو ما كانت رائعة أنت في النهاية خلص مفهومة وهذا عمقه يعني ما في عنده عمق أكثر من هيك في الكلام، لكن هذا الكلام هذا مش كلام إبراهيم ولا سين ولا صاد ولا ابن تيمية ولا أحمد بن حنبل، هذا كلام الله.
العالمين فالعمق فيه لا ينتهي. شوف هي الجمالية الرهيبة اللي بتخلينا أنا هذا الكلام هو الذي يستحق أن أعطيه عقلي ليغيره؛ هذا اللي بيستحق، اللي له أبعاد غير متناهية. تخيل أن المرأة العجوز يمكن تفتح القرآن وتفهم، والرجل المتخصص في الشريعة، أعلى درجات التخصص، يتعمق في أمور كثيرة من نفس الجملة.
ولذلك لماذا كانت أفهام العلماء متفاوتة؟ لأنه في هناك عالم بسيط ممكن يأخذ من الآية حكمين، تيجي على عالم نفس الآية ونفس النص يعطيك منه خمسين حكم! الغريب أنا استنبطت منه حكمين، وهذا العالم استنبط من نفس النص «والصلح خير» بيعطيني مجلد فيها. طيب شو الفرق؟ أنه هو القرآن عمقه لا ينتهي والناس أذهانها متفاوتة. أنت فهمك على قد حالك، بتلاقي القرآن بيشبعك وبيعطيك الأمور واضحة خلص: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11] انتهت. وإذا أنت فهمك عميق وعندك نهم معرفي، القرآن بقول لك: لا تروح لي على فلسفة الغرب، لا تسمع لي كانط ونيتشه وهذه الأسماء وشوبنهاور ولا غيرهم، وتقول لي أنا هذول اللي بيشبعوا نهم المعرفة. والقران بقول لك: أنا عندي عمق لا ينتهي، اشعر بقيمة القرآن، لماذا تذهب إلى فلسفة الغرب؟
وأغلبهم هؤلاء يا بتلاقي عنده حالة عاطفية جنسية، قصصهم هذول اللي أنت شايفهم أساتذة الغرب! يا بتلاقي عنده انفصام في الشخصية، يا بتلاقي عنده تشوه فكري، حالة. اقرأ مسيرة كل واحد فيهم، قليل ما تجد شخص فيهم سليم، سليم أخلاقيا أو سلوكيا أو عقليا؛ كل واحد مضروب بشخصيته وبجزئية من الجزئيات. لكن القرآن يا أخي بعطيك عمق لا نهاية له، بدون ما تشعر أن المتكلم أو شيء عنده نقص، حاشاه، في جزء ما عنده شيء.
فهذا بيعطيك الانهزام الثقافي اللي عند شباب المسلمين اليوم، وشعورهم أنه إذا قيل اسماء فلان وفلان كبرت عقولهم، أنه اه شيء عظيم، وإذا قيل قال الله خلص هو الكلام المعتاد. هو المعتاد لأنه أنت ما أعطيت القرآن بخزائنك، كما قال أبو الدرداء.
أيضا الإطناب والإيجاز؛ أحيانا تشعر القرآن يتجه نحو الإيجاز: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128]، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]. وأحيانا تشعر أن القرآن في المواطن اللي بيكون الجميل فيها الإطناب يطنب فيها. لما الله تكلم مع موسى عليه السلام أعطانا الله سبحانه تفاصيل الكلام في جزئيات ربما أنت للوهلة الأولى بتقول يعني أنا ايش علاقتي بهذا الكلام؟ لكن الله يريد أن يطنب هنا في أُسلوب الكلام حتى يكون في روعة الكلام وجماليته.
لما قال سبحانه وتعالى مع موسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]، أولا توحيد وإقرار لبعثه موسى، ثم ايش قال؟ ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ﴾ [طه: 17-18]. أنت بالنسبة لك في القرن العشرين القرن الواحد والعشرين يعني بتقول يعني هذا النص بالنسبة لك هذا الإطناب في القرآن أو الإسهاب ما يسمى في سر تفاصيل القصة هل هي بتهمي الجمله هي؟ آه، نعم بتهمك، إذا أنت تحسن تذوق القرآن ستعرف أن هذه جزء من صناعة المشهد، جزء من صناعة كيف يحب العبد ربه، وكيف أن موسى استراح واطمئن لكلام الله سبحانه، حتى أنه اخذ يذكر حتى أدق التفاصيل، لأن الله قال: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ﴾ ايش كان الجواب؟ قال يا عصاي. طيب من الذي طلب من موسى أن يذكر فائدة العصا؟ هو سأله ايش اللي بيمينك؟ قال يا عصاي، شوف انطباع القرآن اللي بيتركه فيك أن موسى بشدة انبساطه أن الله يتكلم معه اخذ يدخل تفاصيل هو ربنا ما سألها عنها، ما الله ما لم يقل له طب ما فائدة العصا؟ هو سأله ايش اللي بيمينك؟ قال... طبعا سأله وهو يعلم بس هو سبحانه وتعالى يعني يريد من هذا العبد أن يطمئن وأن يستريح.
وهذا أُسلوب من أساليب الترخي ترى؛ أنا لو هذا المشهد لحاله أنا ممكن أعطيك منه فوائد حتى في العلاقات الاجتماعية، أنه أنت لما يكون شخص له هيبة ويتكلم مع شاب بسيط، ويكون الشب البسيط شو ماله؟ متوتر وصاع. لما تكون قاعد مع مسؤول تشعر بهيبته بتكون أنت متوتر وممكن تقرض أظافرك وخايف. لا، أنت رخيله، رخيله شوي صح؟ فمن دهاء الإنسان العظيم لما يتكلم مع الإنسان البسيط أنه يسأله أنت متزوج ولا لا؟ بجوز هذا مش موضوعي بس أنا بدي إياه ايش؟ يرتخي وما يخاف وياخذ على أجواء الحوار.
وهذا أُسلوب الله عز وجل يعلمنا إياه من خلال محاورته مع موسى. موسى كان متوتر، إله يتكلم مع إله! بيتكلم معاه يا جماعة مش بيتكلم معه مسؤول ولا وزير، إله يتكلم مع العبد ويسمع العبد صوته، فحجم التوتر والخوف في أقصى درجاته، فسبحانه وتعالى فتح لموسى باب الهدوء، وموسى شعر بالهدوء فاسترسل في الحديث. الفهم العظيم لأنه كل شيء في القرآن، حتى بعض الإطنابات، هي مهمة لتعليمك فائدة أخلاقية سلوكية اجتماعية.
المهم، فالقران من جماليته يجمع بين الإطناب في مواطن الإطناب، يعني ما نسميه نحن الإسهاب، الإطناب يعني أساب في بعض التفاصيل المهمة، وفي نفس الوقت في مناطق أخرى يعتمد على ايش؟ الإيجاز. كلمتين بتوصل الفكرة ما في داعي الإطناب فيها لا يكون ممدوحا طبعا. أنت هنا بدك دراسة لغوية جيدة حتى تفهم متى يكون الإسهاب ممدوح ومتى يكون الإيجاز ممدوح، بس أنا بعطيك أن كيف القرآن يصنع الإشباع.
في ناس بتحب الإطناب، بتحب الإسهاب، يعني بتقول لك أنا ما بعرف، تجد القرآن يسهب معك في بعض التفاصيل، وفي ناس بتقول لك يا شيخ أنا بدي الكلام الموجز، القرآن يوجز لك بعض التفاصيل. إذا هذا الإشباع في هذا الكلام يجعله كلام متميز فضلا عن صفات الآخر.
إذاً، يعني سبحان الله عز وجل يقول: ﴿فَلْتَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾ [الطور: 34]. عظيم، ﴿فَلْتَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾، أي شخص مفتون بالغرب وبثقافة السلطة الثقافة الغالبة، هيني أنا بتحداك: ﴿فَلْتَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾ جيب لي حديث أكبر فيلسوف من فلاسفة الغرب اليوم وأقنعني أنه يوازي في عمقه وجماليته ورونقه أُسلوب القرآن! حتى حضرتك بايع عقلك للغرب، بدل ما تعطي القرآن بخزائنك، أخي خليه القرآن يقودك فالقران هو الكمال، لكن أنت غائب عن المشهد، أنت غائب عن مناطق الجمال في القرآن. وهدف مثل هذه اللقاءات أنه نعزز ثقتنا بكتاب الله سبحانه وتعالى ونبين مناطق الجمال.
طيب، نجي نجي الآن على النقطة الثالثة والأخيرة، اللي هو في قضية أن طريقة تغيير القرآن أيضا في حياتك تتوقف على أُسلوبك أنت في استقبال القرآن. نحن قلنا تغيير القرآن في حياة الإنسان يتوقف على ثلاث نقاط: النقطة الأولى تصورك عن المتكلم به ودخلنا في تفاصيلها هذه، ثانيا تصورك عن طبيعة الكلام، هذا الكلام نفسه وذكرنا فيها الآن خمس نقاط تقريبا عن طبيعة هذا الكلام: الإجابة عن الأسئلة الوجودية الكبرى، إعادة ضبط المفاهيم والتعاريف، الإشباع الكامل. ايش أيضا ذكرنا؟ نسينا إخوان، بحكي وين تنسونا، شو ذكرنا أيضا؟ يا بروح يا بتحكوا لي إياه ما بعرف يعني. حكينا الإجابة عن الأسئلة الوجودية، وإعادة ضبط التعاريف، وايش حكيت ثالثا؟ نعم، يعطيك المفاتيح. هذه مهمة، معطيك مفاتيح النجاح كقواعد، اللي حكيناها نص ساعة، بجيب القواعد من عندكم!
التنبيه على محركات الأفكار. يا إخواني، إذا أنت بتسمع من هون وبتكب من هون مش رح تزبط معك الأمور، يعني أنت هدف مجيئك هنا لهذا المجلس أنك تاخذ أشياء عملية تجعلك تسمح للقرآن يغير. فإذا أنت عقلك عقل السمكة، هاي بيمسوه ذاكرة السمك اللي هي بس دوبها هالمعلومة عندي خمس دقائق تتبخر، ما استلفت! حاول حاول أن يكون عندك أكثر من يعني جدية حتى في ضبط الأفكار اللي بتاخذها، لأن أنت لما تقرا القرآن وأنت مستحضر الكلام اللي قلنا، ليس كمن يقرا القرآن هنا في كل المحاضرة: شو حكى الشيخ؟ شو استفدنا احنا؟ فحاول أن تكتب، حاول أن توثق، يا أخي إذا ما كتبت حاول تسمع المحاضرة مرة أخرى تجمع الأفكار، لكن لا تبقى تتعامل يعني خلص أنا جاي بس أسمع عن القرآن وأروح بعدين رح أنسى يا شيخ! طيب شو استفدت؟ وهذا الغلط اللي بيصير معك، بتستنى محاضرة ثانية نحكي عن القرآن، لا تبقى تتحدث عن القرآن، خذ تجربة القرآن بنفسك، لازم أنت تخوض التجربة ونحن هنا هدفنا أن نعطيك مفاتيح الدخول في هذه التجربة.
طيب، ثالثا وأخيرا هي فكرة ماذا؟ كيف نتعامل نحن مع القرآن؟ طريقة تعاملك مع القرآن ترى لها أثر كبير جدا في مدى تغيير القرآن في حياتك، أنت عرفت عظمة المتكلم وعرفت عظمة الكلام، بقي أن أعرف كيف أتلقى هذه العظمات التي تتجلى، لأنه لو كان الكلام أفضل وأروع كلام لكن أنت تتلقاه بطريقة خاطئة ما راح يجاوب معك. ولذلك تجد تجد طالبين يجلسان أمام نفس الشيخ: طالب خرج مميزا الشيخ يعني أعطاه أدوات أصبح من أعلى طلاب العلم، وطالب نفسه تعرض لنفس الدرس ونفس المحاضرة ونفس الأُسلوب وطلع كما هو، كما خلقته أُمه، جاهلا مغفلا! طيب شو السبب؟ أن ذاك الطالب عرف كيف يتلقى معلومات المعلم صحيح، استفاد منها، وظفها، كبرها، نماها. الطالب ما عرف كيف يستقبل المعلومات مع أنه واضح أن كلام المعلم مميز، بدليل أنه صنع طالب مميز صح، وذاك صنع هذا المميز كان بامكانه يصنع هذا مميز، لكن هذا الشخص لم يتعامل مع الكلام بالشكل المناسب.
وهكذا يحصل معنا مع القرآن: أن القرآن تلقاه الصحابه وتلقيناه احنا؛ صنع من الصحابة أبطال ومجاهدين وفاتحين وعمالقة، وهي شبابنا في هذا أغلبهم ضايعين وتائهين وحائرين! طيب مش هو نفس القرآن؟ اليس هو الذي قراه الصحابة ونحن نقراه؟ كيف استطاع القرآن أن يغير عقول ذاك الجيل يكون في أعلى درجات التميز والابداع والتضحية والفداء والهمه والنشاط، بينما نفس الكلام، نفس الكلام نحن بنختم في رمضان ثلاث أربع ختمات، وطول السنة عندكم ختمات أو بعضكم، ومش مجاوبة معك ومش قادرة تغير فيك، وما زلت أنت ذاك الكسول الملول الفتور الضال التائه الحائر اللي عنده كل المشاكل؟ هذا بيعطينا إذاً أكيد أن ليست المشكلة في القرآن، لأنه صنع، لأنه تميز به أناس. المشكلة في أنا، كيف أتلقى القرآن وهل فعلا أنا أتعامل معه بطريقة يجعله يغير فيي؟ إذا هذه النقاط اللي بدنا نتكلم عنها.
طيب، أول قضية تجعل القرآن يغير فيك متعلقة بأُسلوبك، طبعا الكلام يتعلق أُسلوبك أنت: كمية التعرض للقران في حياتك. لو سالتك يوميا كم تقرا من القرآن؟ هذا السؤال اللي كل شخص بده يجاور عنه في داخله، كل كم تختم القرآن؟
يقولون اليوم في الدراسات العقلية أن المعلومات التي تعرض على العقل أكثر يكون العقل يتجه أكثر إلى تصديقها، يعني المعلومة التي تعرض عليك يوميا أنت تتجه تلقائيا إلى تصديقها والسماح لها بالتاثير عليك أكثر من المعلومة التي تتعرض لها في الشهر مرة. ولذلك الإعلام اليوم الخبيث حتى يغير أفكارنا وأفكار شعوبنا ومجتمعاتنا يهتم أن المعلومة الغلط تنعرض عليك على السوشيال ميديا صباحا وعصرا ومغربا وعشاء، لأنه أنا لما أعرض عليك الخطا مرتين وثلاثة وأربعة وخمسه وستة وسبعة يصبح عندك تقبل لهذا الخطا وميول له. هكذا العقل البشري، أتفهم هاي الطريقة في العقل؟ العقل يتاثر بالفكرة التي تعرض عليه كثيرا.
فهون بيجي دورك أن تجعل أكثر شيء يعرض على عقلك ما هو؟ القرآن. إخواني لما تقرا السلف اللي بيختم كل ثلاث أيام ختمة، هذا رجل رائع! أحمد بن حنبل كان يختم كل سبعة أيام ختمة، تخيل أنه يعرض معاني القرآن كاملة كل سبعة أيام على ذهنه. اليوم أنت ما هي أكثر شي، ما هو أكثر شيء تعرضه على دماغك؟ سؤالي مقاطع فيها نساء، إذا شيء طبيعي أنك ستنهار إيمانيا! السوشيال ميديا الفارغة اللي بتقعد عليها ست سبع ساعات تقلب هنا وهناك والريلز وهذا كله راح يمسخ عقلك بشكل مختلف تماما، بخلاف الإنسان الذي أسبوعيا عنده ختمة، أو كل أسبوعين عنده ختمة، أو كل شهر يعرض معاني القرآن.
أنتم تعرفون أن ذاك الشخص الذي لا يختم إلا كل سبعة أشهر أنه مسكين ومحروم! متخيل أنك لا تمر معاني القرآن على ذهنك إلا كل سبعة أشهر مرة؟ غريب! إذا كيف سيصلح هذا العقل؟ لأنه أنت في النهاية خلال السبعة أشهر ختمت ختمة واحدة، لكن في المقابل في هناك أحيان يوميا عم تعرض على عقلك؛ أنت يوميا بتروح على سوق العمل صح، وبشتغل بشركة مختلطة ها، وبتشوف السكرتيرات والزبائن وكذول شيء يعرض على العقل يوميا. بتروح على الجامعة وبتتعامل مع الرجال والنساء ويوميا عم بتشوف، أخ! يوميا، متخيل يوميا ماذا يعرض على عقلك؟ وفي المقابل كم يعرض القرآن على عقلك؟ هذا التباين الهائل بين كمية عرض القرآن وكمية عرض المفاسد يجعل للاسف الحلقة الأقوى هي للمفاسد، ويجعل القرآن تأثيره لحظي وعظي: والله في السياره هيك سمعت لي آية أثرت في، بس بعدين هي هي الحياة بكل مللها وكسلها وفتورها ونقص الإيمانيات وضعف الهمم والذنوب والمعاصي، ما في كمية عرض صحيحة.
ولذلك يقول ابن تيمية -أعجبني هذا التعبير منه-: إذا أدمن العبد -شوف تعبير ابن تيمية- إذا أدمن العبد النظر في كلام الله وكلام رسوله انفتح له طريق الهدى. استعمل تعبير ايش؟ الادمان. نحن اليوم نستعمل الإدمان بمعاني سلبية، لكن ابن تيمية استعمل الإدمان بمعاني صحية. قال لك: إذا أدمن، شوف كلامه: إذا أدمن العبد النظر في كلام الله وكلام رسوله انفتح له طريق الهدى. إذاً، ابن تيمية عم بيعطيك أول شرط من شروط التغيير نفسك في طريقة استقبالك: عليك أن تدمن، إدمان قراء القران تصبح حالة.
نفسية داخلية أنه أنا في النظام العقلي مستحيل أنام في يوم من الأيام بدون ما ينتهي وردي. وإذا من شدة التعب نمت بدون ما أُنهي وردي أُقضيه في الصباح مباشرة، ليه؟ لأنه أنا عندي إدمان، وهذا ترى يصبح مع كثير من الناس فعلاً، يشعر إذا هو نظم حياته أنه كل يوم عندي جزء، فعلاً لما يجي وقت النوم وهو مش قارئ، بيشعر في ايش؟ في نقص. أنا مستحيل أقبل لنفسي أن أنام بدون ما أقرأ، وفي المقابل في إنسان، لأنه عود نفسه على الخطأ أو على مشاهدة أفلام سيئة أو مشاهد قبيحة، يصبح قبل ما ينام سلوك، سلوك حياتي، أنه لازم يشاهد فيلم. يقول ابن الجوزي وأصحاب الإدمان على، بمعنى كلامي، أن أصحاب الإدمان على الشهوات يصبح يمارسها ولو لم يلتذ بها، لماذا؟ لأنها تصبح سلوك حياتي. ففرق بين من سلوكه وإدمانه على القرآن، هذا الذي سيغيره القرآن.
أما لا تجي تقول لي يا شيخ والله أنا قرأت القرآن بس ما غيرني. فكر القرآن يعني من أول ختمة رح تصبح مباشرة الحسن البصري أو عمر؟ مش هيك، يعني حتى الصحابة حتى غيرهم، القرآن كم سنة نزل؟ ثلاثة وعشرون سنة. أنت مش رح تكون أفضل من الصحابة، لكن الصحابة تعاملوا معه رويدا رويدا، يأخذون العشر آيات، يفهمها، يحفظها، يعمل بها، بعدين بيدخل على عقله كمان عشر آيات جديدة، بيتعايش معه. هذا الهدوء والتواصل المستمر يصبغ العقل بصبغة الله. أما مجرد والله أني، أنت لا تتعامل مع القرآن، شوف القرآن ليس كأي كتاب بشري، يعني أي كتاب بشري ممكن تقراه تقول والله يا شيخ أنا قرأت الكتاب خلص، يعني وضحت أفكاره العامة، هذا كتاب بشر، آه.
لكن كلام الله، كما قلنا، طريقة تأثيره ليست كطريقة تأثير الكتب البشرية، طريقة تأثيره تتوقف على الإدمان، هكذا أراد الله أن يكون كتابه، إنه لا يعطيك حتى تعطيه، ما رح يعطيك القرآن التغييرات التي تحتاجها حتى أنت تعطيه الوقت الكافي له، ولا تشبع منه. ولذلك كما قال عثمان: لو صفت قلوبنا لما شبعت من كلام ربنا. لو القلوب صح، ما شبعنا من القرآن، لكن قدر الذنوب والمعاصي اثنين الشعور بالاستغناء حتى يعطيك القرآن، غيور، إذا صحت التعبير، إيش يعني غيور؟ لا يعطيك إذا أنت تذهب إلى غيره. القرآن لا يقبل الشركة، إما أن تقبل على القرآن بكليتك أو تقبل على غيره في تلقي الأسئلة الوجودية الكبرى وفهم نظام الحياة، يا بتقبل على القرآن يا غيره، لا يقبل الشركة.
فلذلك جاء في الحديث، إيه الذي فسره كثير من العلماء بهذا المعنى، قال صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لم يتغنى بالقران». الآن في فهم معين لهذا الحديث، يتغنى يعني يححسن صوته، لكن كثير من العلماء المحققين قال: ليس منا من لم يتغنى بالقران معناه ليس منا من لم يستغني بالقران عن غيره، ليس منا أي ليس على طرائق أهل الإسلام من لم يستغني بالقران عن غيره في بناء المنظومة المعرفية الأولى. طبعا أنتم فاهمينه، مش المراد أنه ما تقرا كتب أخرى، لا، لكن المراد في بناء العقل وبناء السلوك والفكر، المنطلق هو القرآن، وكل كتب الشريعة اللي بنقراها لمشايخنا وعلمائنا الهدف منها هو الوصول للقران. يعني أنا بقرا للشافعي وأحمد وغيرهم وكتب التفسير، شو الهدف؟ أن أفهم غور القرآن وعمق القرآن، وكل كلامهم يدندن على القرآن.
أما من ذهب إلى اليونان أو اليوم إلى العلم الغربي الحديث ليأخذ منه وسائل التربية وأصول المعالجة الإنسانية، ما رح تضبط معك، القرآن لن يسمح بذلك. القرآن يقول لك: أما أن تستغني بي أو تستغني بغيره، أما أن أكون كالضرائر، بتعرف الضرائر؟ الواحد متزوج يكون له ضرائر، لا أقبل هذا وهذا. المهم أن تفممه، لا تأتي للقرآن وأنت شاك فيه، لا تأتي وأنت مرتاب أنه رح يضبط. والله فعلاً، القرآن، وهذا بيصير معنى أن واحد بيجي بيقول لك: شيخ روح أخي نظم عقلك من خلال القرآن، فانت جاي على القرآن وأنت أصلاً إيش، يعني بجوز الشيخ بيبالغ، معقول القرآن بده يصلح لي عقلي؟ أخل قراءته ثلاث، أربع، خمس، ست ختمات، ما شعرت أنه في تغيير! إذا أنت أتيت إلى القرآن بعقلية الشاك المرتاب، وليس بعقلية الباحث عن المعرفة المتعقل لها.
طيب، الشافعي، شوف حجم الاستغناء عند السلف، الشافعي كان يقول: لا يسالني أحد عن شيء إلا واجد جوابه في القرآن، حتى في علوم الحياة، يعني الفقهية. فجاءه شخص قال بدي أجرب تجربته، فقال له، سألوه عن مسألة فقهية أنا مش حاضرني في ذهني، مرت معنا. أيوه، قتل الزنبور في الحج، أيوه، مرت معنا في المدارج، سألوه عن قتل حشرة في الحج، قالوا: يلا اعطيني وين في القرآن عن قتل الزنبور؟ فالشافعي قال له: الله عز وجل يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]. إذا القرآن بيعطيني البوصلة. إذا ما معنى كلام الشافعي: أن لا يسألني أحد عن شيء إلا واجد كلامه في القرآن؟ طبعا أنتم ملاحظين أنه حتى في كلام النبي عليه الصلاه والسلام ما في قتل للزنبور، هو الشافعي قال: الله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]، ومما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين»، قال عمر بن الخطاب: قتل الزنبور كذا وكذا. يعني الفتوى في النهاية كانت في كلام عمر، بس وين نقطة الانطلاق عند الشافعي؟ من القرآن.
فمعنى كلام الشافعي: لا يسألني أحد عن شيء إلا واجد جوابه في القرآن، أن أي عملية تفكير في أي حكم من أحكام الحياة منطلقها ستكون من وين؟ من القرآن، نقطة الانطلاقة يجب أن تكون من القرآن.
طيب، النقطة الثالثة، إيه فكرة قرع أبواب الفهم وعدم الانسحاب عند ضعف الفهم. إيه كثير من الإخوة والأخوات يشكوا دائماً أنه: شيخ كلامك جميل وعلى الراس والعين وبدنا القرآن يغيرنا بس أنا صراحة مش فاهم، أنا بقرا قرآن مش قادر استوعب، ما معنى الآية؟ طيب كيف أربط الآيات ببعضها؟ أحياناً بقرا السورة أُشعر أن جسدها ممزق، بتحكي في موضوع فجأة بلاقيها في موضوع ثاني، فجأة في موضوع ثالث، يعني لا أُشعر أن السورة مترابطة، مفهومة الجسد. فإيش بيصير عند هذا الإنسان، خاصة إذا ما كانش مضخ؟ بيصير عنده عادة النوع من الانسحاب: أنا خلص جربت أقرأ ما شعرت باللي أنتم بتحكوا عنه، يعني مش فاهم، أنا مش فاهم النص القراني، وإذا فهمته شاعر أنه مبعثر في ذهني على الأقل، مش متماسك، عم بقرا سورة البقرة شوي بتحكي عن بني إسرائيل، شوي بتحكي عن أحكام الطلاق والزواج، شوي بترجع تحكي عن بني إسرائيل، شوي بتحكي قصة سيدنا إبراهيم مع النمرود، وشوي بتحكي عن الـ، يعني بقول لي: أنا شاعر أن النص مبعثر في ديني فانا مش شاعر بالجمالية.
هذا ماذا يحصل مع كثير من الناس؟ الانسحاب، ما ببط. طبيعة القرآن أنه يحتاج إلى قرع وألحاح من خلال التعلم الصحيح، مجالسة العلماء المفسرين المبدعين وملازمة الكتب النافعة في هذا الميدان، وأعطيك همة الصحابة وشغفهم في فهم معاني القرآن. أنه أنت لازم تكون شغوف في الوصول، ما دام الكلام تكلمنا عنه قبل شوي أن هذا الكلام فيه كل الإجابة عن الأسئلة الوجودية وفيه إشباع وكذا، إذا أكيد يعني في ناس وصلت إلى هذه الحقائق. طيب أنا سين أو صاد لماذا مش واصل لها؟ إذا أكيد المشكلة مش في القرآن، لا، أنا اللي إلى الآن لم أستطع أن أصل إلى هذه إلى المستوى العالي في الفهم.
هنا ابن مسعود يعطيني نموذج على الهمة العالية أنه عدم الانسحاب أمام التجربة الأولى. أنا قلت لك: كل واحد فيكم لازم تكون له قصته مع القرآن وتجربته الشخصية مع القرآن، فإياك أن تنسحب من المشهد الأولي، لا، أعطِ لنفسك فرصة أنك تحاول تفهم. يقول ابن مسعود: لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لاتيته. ابن مسعود هو وصل لمرحله أنه يعتقد أنه أعلم الصحابة بالقران، مش تكبراً، لا، هو يعني، يعني كيف واحد مثلاً يكون عالم في بلد معين، يعني حاول يفتش في حدا أعلم، شايف هو في حدا عالم؟ بيقول لك: أنا لو بعرف في حدا أعلم مني لثنيت الركب بين يديه. لاحظ ابن مسعود بعد كلامه: لو أعلم أحد أعلم بالقران مني تبلغه الإبل. شو تبلغه الإبل؟ يعني يمكن أن أسافر إليه، وين أقصى مكان في الأرض يمكن تسافر إليه اليوم قديما؟ الإبل يعني مثلاً ممكن توصل للأندلس، يعني لو أنا بستطيع أذهب إلى المغرب لاسمع منه تفسير آية فأفهم شيئاً لم أكن أفهمه في الماضي، أنا راضٍ بهي السفرة وأنا ربحان.
اليوم مشايخنا بيكون مجلس التفسير جنب بيتك، الشيخ عم بدرس ومجلس التفسير جنب بيتك، فص إلا أنك تاخذ سيارة بنص دينار ولا تاخذ الباص السريع بتوصل للمجلس. والله يا شيخ رجلي تعبانة، والله يا شيخ يعني سامحني، والله ما عندي وقت، إن شاء الله، إن شاء الله أني أسمع. وشوف أنت لما بتتعامل مع هي الطريقة لا تقول لي ليش القرآن ما بيغيرك، لأنه ولا تقول لي ليش أنت لا تفهم القرآن، أنت أعطيت لنفسك مساحة أن تحضر مجالس القرآن ومجالس التفسير لما تكون مجالس التفسير في بلدنا للأسف شبه خاوية، شبه خاوية حتى أولاً أنه إقبال المشايخ على تدريس التفسير محدود للأسف، أغلب، إذا بدي أدرس لك شوية في الجامعة، بعطي كم طالب وخلص. متى آخر مرة عقد مجلس في الاردن لتفسير القرآن من أوله إلى آخره؟ أنا ما بعرف، يعني أنا بسال، يعني متى آخر مرة عقد لتفسير القرآن من أوله إلى آخره؟ ربما، يعني ما بعرف، يعني ربما ما كان الشيخ صلاح الخالدي الله يرحمه كان يفسر آية على الفجر ختم القرآن مرتين في المسجد، لكن هي قصص نوادر.
طيب، مشكلة إذا هذا البلد لم يفسر فيه القرآن من قبل أهل العلم من أوله إلى آخره، طيب مين بده يعرف هؤلاء الناس بمعاني القرآن؟ هذه نقطة. ثم إذا عقد هذا المجلس كم شخص فيكم مستعد أن يلتزم بهذا المجلس على حساب بيته ووقته وظروفه الاجتماعية؟ ومش كل ما صار عنده عرس، ولا صار عنده جاهة، ولا صار عنده خطبة، ولا عازم اليوم فلان، اليوم عندنا مناسف بده يترك المجلس. ومشكلة بعض الشباب مش بيترك، بيترك وما بيعوض. طب ما هو أنت لاحظ أن نمط تعاملنا نمط لا يتسم بالجدية، وبالتالي لا تيجي تقول لي يا شيخ أنا ما فهمت القرآن لأنه أنت ما كنت لحوحاً، ما كنت تقرع الباب بقوة. يعني للأسف ضعف من المعلمين وضعف من المتعلمين صنع أن هذه الحالة التي يمر بها الشعب المسلم، أن الشعب بعيد عن فهم القرآن.
مثلاً ابن تيمية يقول، شوف الشغف المعرفي في فهم معاني القرآن: ربما طالعت على الآية الواحدة نحو مائة تفسير، ثم أسال الله الفهم وأقول يا معلم إبراهيم. يعني الآية الواحدة كم كتاب تفسير بيفتح حتى يتاكد من أنه فهمها؟ مائة تفسير. هذا رقم يعني مش مبالغ، يعني مش أنه بيفتح 20 تفسير ولا 50 كتاب، بيفتح 100 كتاب تفسير ابن تيمية حتى يتاكد من أنه فهم الآية ولسه بضله خايف، وبيقول بعد ما أسكر الـ 100 كتاب: يا رب يا معلم إبراهيم علمني حتى لا أخطأ. نحن الواحد كان بيفتح تفسير وبيقول: معلم إبراهيم علمني، وبيصير يدرس الناس التفسير. يعني أنت مش لهذه الدرجة تكون الثقة العمياء في قدراتك العقلية. الكبار كانوا يتروّوا في فهم الآية وإدراك بعدها وسبر أغوارها، أنت من خلال تفسير واحد، ويلا يلا، أحياناً بعض الشباب لا، في بعض الناس في بيوتها لا يوجد ولا كتاب تفسير.
أنا أعرف بعض الشباب في بيته ولا يوجد ولا كتاب تفسير، طب وهي مشكلة، يعني أنت لهذه الدرجة أن السيارة والتلفون أنت تشتري وجبة، يعني كتاب التفسير كم سعره؟ يعني لو بدي ادخل على كتاب تفسير السعدي كم سعره؟ أو تفسير، عشر دنانير، شيخ. أنت لتشتري سيارة بـ 20,000 تستثقل على ربك سبحانه وتعالى أن تفهم كلامه تشتري كتاب تفسير بـ 10 دنانير؟ إيش هالفتور؟ إيش عدم المبالاه؟ الشعور بعدم اللامبالاة أنه أنا مش مهم عندي يكون كتاب تفسير غريب.
وبعدين بيجي بيقول لك: القرآن ما غيرني. ما هو أنت سامع؟ أنت بتستاهل شيء؟ أنت كتاب تفسير مش نازل على مكتبة قريبة منك تعبّه. أنا ما بقول لك زي ابن مسعود حتى تبلغها الإبل، يعني أنا مش طالب منك أن تصل إلى أقاصي الأرض حتى تعرف تفسير آية، ولا طالب منك أنك زي ما حكينا تقرأ 100 تفسير، كتاب تفسير واحد أن تعيش معه كل سنة، مرة واحدة بعد تنهي السنة تجي بكتاب تفسير ثاني. هذا القرآن لهذه الدرجة لا قيمة له في حياتك، لدرجة أنك ما فكرت أصلاً تجيب كتاب أو تقتني كتاب أو يكون لك هيك شغف؟ بعض أحسن الشباب اللي بيفتح التلفون بيقول لك: هي الشيخ جوجل بفتح عليه، بيقول لك شو تفسير الآية وخلصنا. شوف يعني الكسل المعرفي أن حتى أنه يكون كتاب تفسير ما بدّه. من النت، طبعا أنت النت جيد إذا أحالك لكتاب، هيك أنا بتطمن، أما تاخذ لي من جوجل شو بيقول لك؟ طيب افرض بقول لك جي بي تي، بيقول لك جي بي تي هساه بعطيك كل التفاسير، طبعا جي بي تي من.
أخطر الأموال أنا بتعامل معه أحيانا. اخواني حجم الأخطاء المعرفية في الجي بي تي مذهل من تعاملي أنا الشخصي وفي كثير من القضايا العلمية معه حجم الأخطاء المعرفية مذهل مذهل كلام فاضي، هذا يعني الجي بي تي أنا ممكن تستنصح تزوج فلاني ولا لا ممكن يعطيك تمام، ممكن تسأل في قضايا شو اليوم أكل. أكثر شيء استفدت أنا منه إنه إذا في مطعم أو مكان نسيته بسأله إنه والله في مطعم شو هو بس بذكرني فيه، غير هيك قضايا معرفية.
إذا أنت بدك تتوثق بدك تبحث في الكتب لأنه هو طريقة بناءه أساساً المعرفة وأنا سألت الإخوة المتخصصين إنه هو بيبني أحياناً على الكلام اللي أنت بتعطيه إياه بصير يبني معك تمام وبس شوية تكون عملت إزاحة بيزيح معك، يعني هو مش قادر أن يعطي معلومة دقيقة شرعية. إياك تعتمده في الفتوى حرام ما بصير حرام، مش أنا مش بعطيك فتوى حرام تعتمد عليه كمصدر فقهي، يعني أنا ممكن لأنه أنت في النهاية حلال وحرام بدك تسأل المشايخ، بدك تسأل هيئات الإفتاء مش بتسأل الجي بي تي لأنه الرجل غير دقيق، الرجل هذا الزلمة هذا غير دقيق، يعني مش عارف شو بيسولف بشرق وبيغرب أنت ونصيبك زبطت معاه ما زبطت معه أنت ونصيبك معه فاحذر واتق الله يحرم الاعتماد عليه في الفتاوى.
طيب حتى تفسير القرآن ما بينفع ما يجوز ترجع لكتاب علمي لأنه طريقة تفكيره هو آلة مش بشر هو آلة يحكمه طريقة تفكير آليّة. طيب المهم إذا قلنا ثالثاً قرع الباب باب الفهم لا تقف عاجزاً أمام أول عملية فهم أو عمليتين تبقى تقرع الباب إلى أن تموت إلى أن تموت بالتمام. يستحق القرآن يا شيخ هذا الجهد؟ آه والله يستحق، ما في كتاب أصلاً على وجه الأرض يستحق أن يكون مشروع عمر إلا كتاب الله سبحانه وتعالى. أحياناً بسمع بعض الشباب بخلص رسالة الماجستير أو الدكتوراه بيجي بحكي لي والله شيخ هي مشروع عمري، يعني أنا بقول له مش مستاهل يعني مشروع عمرك يعني جزاك الله خير مشروع من مشاريع الحياة لكن مشروع العمر هو القرآن مشروع العمر هو كتاب الله سبحانه وتعالى. عيب أن يكون مشروع عمرك إخراج كتاب معين أو تأليف معين ويكون القرآن على هامش حياتك المعرفية.
إذا هذا ننتبه له، إيه طبعاً فهم القرآن هذا ربما شيء آخر إنه أساليب الفهم الدقيق وكيف تفهم الآية ثم السورة، هذا مش موضوع أنا فقط أريد أن أحيط ملامح عامة حول التغيير مع القرآن. أي النقطة الرابعة حتى في تلقي القرآن هي القدرة على استثارة القرآن وإنزاله على مشاكلك الفكرية المعاصرة. من أكثر الحواجز التي تحول بين الشباب المسلم المعاصر وفهم القرآن وإعطاء القرآن مساحة التغيير هو عدم إدراك المسلم المعاصر كيف يستثير معاني القرآن وينزلها على المشاكل الفكرية المعاصرة. يعني المشاكل الفكرية اللي كانت تخوضها الأمة في القرن الرابع الهجري والخامس الهجري بجوز خلاف بين أهل حديث وأشاعرة وماتريدية وطبيعة الخلاف كان يغلب عليه هذا. اليوم نحن عندنا مشاكل فكرية مختلفة، اليوم عندنا ليبرالية وعلمانية وبرغماتية وحداثة وما بعد الحداثة، عندنا الحركة النسوية وعندنا مفاهيم جديدة تغزو الشباب المسلم اليوم. هذا القرآن قادر أن يعطيني مفاتيح التعامل مع هذه الطوارئ الحديثة؟ نعم 100%.
بس أنا ما بعرف كيف هيك، هيك أنا عارف الذي يدور في ذهنك إنه أنا مش عارف كيف استنبط من القرآن هذه المعاني، كيف أسقطها كيف أسقطها على المشاكل الفكرية المعاصرة التي أحتك بها، مشاكل الإلحاد، مشاكل اللادرية، مشاكل الأفكار السامة، الاختلاط. أنا بعاني في واقعي من مشاكل ربما تختلف تفرق عن مشاكل القرن الرابع الهجري والخامس الهجري، المعطيات الثقافية اليوم متباينة. القرآن يجيب كل أهل زمان ومكان بس أنت بدك تمتلك مهارة الإسقاط، يعني كيف أستثير القرآن لمشاكل الفكرية المعاصرة وأنزلها.
من أعظم الأمور في شخصية ابن تيمية رحمه الله عليه إنه كان قادر لدرجة عالية جداً على إسقاط آيات القرآن على الصراعات العقدية التي كان يخوضها مع الفرق الإسلامية. يعني في نقاشه مع الرافضة في نقاشه مع المتكلمين في نقاشه مع الصوفية يأتي بالقران بشكل عجيب ويقول لك هذول محرك الأفكار عندهم كذا هذول ضلوا بسبب كذا وبيجيب الآية وبتشعر أنها في مكانها الصح. والعجيب الذي أعطى الإنسان هذه القدرة على إسقاط القرآن على واقعه المعاصر أو على واقعه الزمني، بس أنا الآن لما أعطيتكم قبل قليل فكرة عن ابن تيمية، ابن تيمية كم تفسير كان يراجع في الآية؟ إذا شيء طبيعي أن يكون ابن تيمية قادر على إسقاط الآية على واقعه لأنه هو فاهم بعمق بعمق أبعاد الآية ودلالاتها. أما هذا الأخ الله يكرمه اللي قرأ بس تفسير واحد للآية بس يعني أكيد يعني لا أنتظر منك أن تكون قادر أن تسقط الآية على مشاكلك الفكرية أنت مراجع فيها تفسير واحد.
أحياناً تحتاج الآية أنا ما بدي أياك تراجع 100 تفسير ولا نزعم في أنفسنا هذا أصلاً، لكن هي الفكرة إنه بدك ترجع لك على الأقل 20 25 تفسير حتى تفهم كيف تتعايش مع القرآن وتسقطه وعليك أن تطبق تجمع بين قراءة التف التفاسير التراثية وتفاسير معاصرة لمشايخ متمكنين معاصرين وصلوا للنبوغ في تفسير القرآن وأسقطوه على واقعنا لأنه إخواني نحن نحتاج اليوم منكم يا شباب يدرسوا تفسير القرآن وتدبره ويسقطوه على المشاكل الفكرية المعاصرة، لأنه هذول الشباب المتمكنين النواب إذا بدنا نسميهم هم القادرين أن يمنحوا فهم القرآن للجيل. وهكذا سيغير القرآن حياة الجيل.
المشكلة أنا أعرف أنه في مسافة شاسعة بين شبابنا المعاصرين وبين القرآن ولغة القرآن هي أحد أبرز أسباب أننا لا نتغير بالقران أنه نحن لغة القرآن مش مش أسلوبنا مش نمط حياتنا وبالتالي في فجوات تحتاج إلى تعبئة. طيب خامساً الارتقاء لغة القرآن وهذه تكمله النقطة النقطة الخامسة أنه عندنا مشكلة زي ما حكينا في فهم القرآن إنه أنت لغتك العربية أصلاً هزيلة جداً يعني أنت لا تعرف حتى تعرب الفاعل من المفعول به طب ما القرآن نزل بلسان عربي مبين. أنت اليوم بدك تدرس طب شو اللغة اللي بتدرسها يا ناجي؟ واحد يدرس طب شو بقولوا لازم تاخذ سنة ايش لغة إنجليزية؟ شو يعني هكذا هو الواقع صح. بدك تدرس أي تي واحد يتعامل مع الكمبيوتر بيعرف إنجليزي بيعرف يعمل أي تي ولا بتزبط؟ مش راح تزبط معك أن تكون مبدع في هذا المجال حتى تعرف أولاً اللغة الإنجليزية ثم تعرف مش بس اللغة الإنجليزية بل لغة البرمجة وتتعلمها بعدين بتصير إنسان خبير.
كذلك القرآن، القرآن بلسان عربي مبين، هاي اللغة العربية لها قواعد في النحو، لها قواعد في الصرف، لها قواعد في البلاغة. طبعا أنا لا أنتظر منك أن تصبح أستاذاً في اللغة لكن المفترض أن يكون لديك عندك نوع من الاهتمام إنه أساسيات اللغة تكون موجودة لدي، يعني عيب أن أخربط في إعراب الأساسيات أن أنا حتى الفاعل من المفعول به من المفعول لأجله من المفعول مطلق أنا أصلاً غايب تماماً عن هذه المفاهيم. هو أنت كيف ستفهم القرآن إذا لم تفهم لغته؟ ولا تنتظر أن القرآن للقران أن ينزل إلى مستواك وبعض الناس هو يظن أن القرآن هو اللي بده ينزل، لا أنت اللي بدك تطلع لا ليس المفروض من القرآن أن ينزل إلى مستواك مع أن القرآن كما قلنا أتى بعبارات يفهمها الإنسان البسيط بس حتى هاي العبارات صار الإنسان البسيط اليوم اللي لسانه نص أعجمي ونصه عربي ما يفهمها.
أنت عليك أن ترتقي بلغتك حتى تفهم لغة القرآن يعني من مشاريع حياتك المهمة اليوم أني أخذ لي كم دورة في اللغة العربية تأسيسية أنا برجع أقول أنا مش مطالبك بالعمق لكن أطالبك على الأقل بالأساسيات آتي الله اهتماماً منك، إذا رأى الله منك اهتماماً فتح عليك لكن إذا رأى منك غفلة شديدة وعدم اكتراث إذا لا تطلب فتح الأبواب المغلقة وأنت مقصر في قرع أبوابها.
طيب إيه النقطة السادسة والأخيرة هنا التسليم المطلق للقران إنه من أسباب وجود الحجب بيننا وبين تغيير القرآن لحياتنا إنه أنت هل فعلاً فعلاً أنت صادق من قلبك أنك تريد القرآن أن يتحكم بك؟ هل أنت فعلاً منقاد ومسلم للقران؟ صراحة هذا شيء ما رح تجاوبني إياه أنت في قلبك تعرف، لما تشوف آية يعني أنا بسأل الاخت التي تكون متبرجة وتقرأ الآيات التي تتكلم عن الحجاب شو انطباعها وهي بتختم القرآن في رمضان وهي بتقرأ آيات تحكي لها عن ضرورة الحجاب والجلباب؟ واضح أنه في مساحات من النصوص القرآنية أنت مش مش سامح محيت لها تدخل عندك، إذا شيء طبيعي القرآن ما رح يغيرك لأنه القرآن لا يقبل التجزئة. القرآن لا يقبل ممارسة أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض حتى الجزء اللي أنت مفترض أنك مامن فيه ما رح يدخل في منظومتك سيأنف لأنه بيقول لك هذا كتاب انزله الإله يا تاخذه كاملاً يا انك تحاسب عليه كاملاً، ما في قضية التجزئة اللي هي عند بني إسرائيل أن أؤمن ببعض الكتاب وأكفر ببعض.
الإنسان المرابي يعني أنا لا أفهم شخصية إنسان يصلي في المسجد في رمضان في الصف الأول في الصف الأول ركزوا لي وفاتح الآيات وبيقرأ بكل تجويد فأذنوا بحرب من الله ورسوله، طيب أنت مالك في بنك الإسكان؟ أنت عارف أنه أنت واحد من هذول الآيات، أنت الآية تسقط عليك، طيب شو نفسيته هذا ما أنا بحاول أفهم ما نفسية ذاك الشخص اللي بيقرا آيات الربا وماله في البنوك الربوية؟ واضح أنه في نوع من العلمانية في التعامل مع القرآن يعني تعرف أنه هو بس القرآن في المسجد بس برا المسجد ما في قرآن، فالقران لا يتعامل به، وقل ذلك للشباب اللي ما عنده غض بصر الشباب اللي عنده اختلاط الشباب اللي يقع في معاصي واستهتار في كثير من أحكام دينه والقران يؤزه أزاً للانقياد لحكم الله. أنت كيف تقرا القرآن وأنت تخالفه بعدين تريد أن تقول لي خلي يا شيخ القرآن يغيرني ما هل أعطيت القرآن بخزائمك؟
برجع بقول لك مش نحن اتفقنا مع أبو الدرداء خلي القرآن هو اللي يقودك وجهك هنا تقول سمعنا وأطعنا وجهك هنا سمعنا وأطعنا أما إذا أنت كالفرس الحرود اللي القرآن بوجوهه ومش راضي أنا مش لن أتجه معك إذا شيء طبيعي لن يغير القرآن حياتك ولن يصبغك بهذه الطريقه.
أخيراً إيه أخطاء سريعة يمر بها بعض الشباب في التعامل مع القرآن قد تحول بينك وبين أن تتغير معه. أولاً قولبة القرآن بالقوالب الوضعية ما سميها، ايش يعني قولبة القرآن؟ يعني محاولة إخضاع القرآن للعلوم الحديثة جداً. بعض الشباب بده يتعامل مع القرآن كأنه كتاب من العلوم الحديثة اللي في طرق المنطق الأرسطي والمنطق الحديث وبده يتعامل معه بالرياضيات الحديثة والجيب والجتا ما هو إذا أنت تتعامل مع القرآن بالمفاهيم البشرية الوضعية لا القرآن أسمى من أن يتم وضعه في قوالب علمية ضيقة وضعها البشر. القرآن مش كتاب جيولوجيا القرآن مش كتاب للاختراعات العلمية القرآن ما جا يتكلم لك عن كم تبعد الشمس عن الأرض، لا بدك تفهم هاي الجزئية لأنه محاولة قولتك للقران أن يكون كتاب في كل العلوم هذا ما هو صحيح معناته أنت مش فاهم ما هي رسالة القرآن الأساسية.
كذلك إخضاع الأساليب الحجاجية القرآنية والجدال للقواعد البشرية وللمنطق الغربي الحديث أو المنطق الأرسطي القديم هذا يفقد هيبة القرآن ورونق القرآن ويحجبك عن فهم عمقه، فأول قضية بدك تنتبه لها ممكن يخطأ فيها بعض الشباب محاولة تعامل مع النصوص القرآنية وقولبتها كما يتعامل مع الكتب العلمية الحديثة القرآن مختلف تماماً وأظن وضح لكم كثير من جوانب الاختلاف فيما ذكرناه قبل قليل.
ثانياً التركيز المبالغ على جانب الحفظ على حساب الفهم. اليوم أنا أعتقد أنا إحدى المشاكل في المراكز القرآنية والتربوية في عموم العالم الإسلامي إنه اصبح التركيز الأكبر من التربويين وأصحاب المراكز على جانب الحفظ والحفظ فرض كفاية وعظيم لكن ما هو أهم منه ما هو الفهم يا إخوان. أنا ايش فائدة أني أعمل يلا مسابقات في ختمة القرآن ويوم الهمة ويوم الصف ويوم الكذا ممتاز ورائع وجميل ولا بد تبقى بس ما بعد ذلك ما هو نحن إخواني أصبحنا يعني كأننا نخادع أنفسنا قليلاً إنه أنا بده يطلع ابني حافظ قرآن ممتاز وأنا بدي زيك بس أنا الأهم عندي إنه يطلع ابني فاهم القرآن يعني لو ابني طلع مش حافظ القرآن بس فاهم أنا مسرور لأنه فهمه بس إذا طلع حافظ بس مش فاهم أنا زعلان لأنه أنا ما أنا ما حصلت المطلوب النهائي، هل القرآن صبغ عقل ابني؟ هل القرآن صبغ عقل زوجتي؟ هل القرآن يؤثر على حياة طلابي إذا هم فهموا القرآن أنا راضي.
بعدين الحفظ قدرات يا اخي في واحد قدراته في الحفظ عالية الله يوفقه وفي واحد قدراته في الحفظ 50% ليس شرطاً أن الكل يحفظ القرآن لكن الشرط أن الكل يفهم القرآن صح شرط طبعا أنا أقصد شرط أن يفهمه ليس المراد يعني أنه أنت يكون فهمك زي فهم ابن جرير الطبري لا لكن أقصد أنه لازم يكون استيعاب عام للمعاني الكلية للقران. وكتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ما قال ليحفظوا آياته ايش قال؟ هذا هو الأساس الحفظ مرحلة أخرى تبقى في الأمة لكن تغييب الحفظ الفهم على حساب الحفظ هذه مشكلة طبعاً هو لماذا كثير من الناس يذهب إلى الحفظ مقابل الفهم ليه مين؟
يقول لي ليش أسهل؟ أقول لك الحفظ شو هي؟ أنا هي الشيخ بكون شاب طبعا جامعة سنة ثانية ثالثة، شاف مركز قرآني يشتغل فيه قال لك بصير شيخ مركز قرآني وبصير أحفظ هالشباب، سهلة الشّغلة.
بس هذا الشب الجامعي اللي بيدرس مركز قرآن قول له: تعال روح اقرأ كتاب تفسير بعدين تعال درس. وشيخ أنت طولتها، بدي أتعلم تفسير وأعلم تفسير هيك طالت الشّغلة، ما هو إذا ما طالت ما بتزبط.
إذا ما طالت وما أنت كنت كمعلم قرآن كفاءة وتعلم الأولاد الفهم قبل الحفظ، أنا ما استفدت حقيقة إلا يعني أمور جزئية حتى أنصفك أمور جزئية، جزاك الله خيرا، بس أنت غيبت لي القيمة الأعلى لكتاب الله سبحانه وتعالى.
لذلك يقول ابن تيمية: إن العادة المطردة التي جبل الله عليها بني آدم توجب اعتنانهم بالقرآن لفظاً ومعنى؛ لفظاً أنك تحفظه ومعنى أنك ايش؟ تتدبره، قال: بل، شوف كلامه: بل أن يكون اعتنانهم بالمعنى أوك.
يعني أيُّهما يجب أن تعتني به أكثر؟ هذا مش كلامي، كلام العلماء؛ أيهما يجب الاعتناء به أكثر؟ المعنى ولا الحفظ؟ المعنى، لأنه المعنى هو اللي بتغيرش، لذلك عاجز أنه نشوف شب بتكون في مراكز القرآن، صار في الجامعة، صار ملحد، صار في الجامعة 24 ساعة مع البنات.
طب مش هذا كان خريج مراكز التحفيظ في يوم من الأيام؟ آه، بس هي مراكز التحفيظ ما علمته المعاني، علمته ماذا بس؟ كيف يحفظ، بس ما علمته كيف يفهم، كيف يشكل القرآن حياته؟ هذه دعوة لإخواننا المشرفين والتربويين عن المراكز، ضروري ضروري تفعيل جانب الفهم.
وأعطوا الفهم النصيب الأكبر من النادي، يعني أعطوا الحفظ وقت، لكن الفهم، فهم هو الوقت الأكبر بمختلف أساليب الفهم وطرح الآيات القرآنية، لكن الفهم يعطى نصيب الأسد كما يقولون، والحفظ يعطى النصيب الطبيعي دون مبالغة، وإذا بدك تعملوا مسابقات اعملوا مسابقات في فهم القرآن.
بكفي مسابقات في العالم الإسلامي في حفظ القرآن، جمعوا منها الحفاظ ما شاء الله مصاري، اللي قالوا بس مسابقه أبصر ايش العالمية ومسابقة كذا العالمية ومسابقة والمشايخ أخذوا يعني جمعوا جزاهم الله خيرا مصاري اكتفوا، هسه بدنا نروح، هذا شيء مفيد، هسه بدنا نروح على فهم القرآن، واعمل لي مسابقه مين من الشباب يفهم سورة البقرة؟
قال الصحابة: كان الرجل فينا إذا تعلم البقرة كبر في أعيننا. شوف مين اللي بيكبر في أعينهم؟ قالوا: إذا تعلم الرجل سورة البقرة كان يكبر، لأنه والله هذا في قلبه معاني سورة البقرة، ما كانوا يرون أنه بس حافظ، هذا ما بيكبر، اللي بيكبر حقيقة في عيني مين هو؟ بقول لي: تعال اشرح لي سورة البقرة وفهمني معانيها، والله هذا اللي بيكبر، هذا فاهم، فهنا يجب أن يكون تسليط النقاط إذا أراد أن نتغير.
ثالثاً: الشعور بالعجز أمام المعنى واعتقاد التخصصية، من الحواجز النفسية بين الناس والقران وأشرت عليها قبل قليل أنه كثير من العامة تجي تقول له: تعال تدبر القرآن.
لا شيخ، صعب، هذه خليها للمشايخ المتخصصين في علم التفسير، يتعامل كثير من الناس مع القرآن على أنه كتاب تخصص، والله هذا في كلية الشريعة.
لا أخي، القرآن مش لكلية الشريعة، القرآن لكل مسلم، القرآن هذا مش لا، حتى بعض الشباب في الشريعة بيقول: هذا كلية التفسير يعني تخصصية أكثر.
الله يرضى عنك، القرآن كتاب هدايه، هدى للعالمين، هدى للمتقين، القرآن عالمي لكل إنسان على وجه الأرض لازم يكون له علاقة بكتاب الله سبحانه، فاعتقاد أن القرآن كتاب تخصصي، هذه الصورة المغلوطة والانطباع الخاطئ عن القرآن يحرم كثير من الناس أن يستفيدوا من القرآن في تغيير حياتهم، القرآن عالمي لكل البشر.
ولذلك يقول بشر بن السري، يقول: إنما الآية مثل التمرة، كلما مضغتها استخرجت حلاوتها، شوف التعبير الجميل هذا، كلام بقوله لكثير من إخواننا اللي مش متخصص بقول له: ترى الآية القرآنية ما تخاف منها، يعني هي مش لغز، مش قضية مهولة، مش صعب تفهمها، هي مثل التمرة، الآن أنت التمرة كلما مضغتها شوي شوي بتبلش تنزل حلاوتها.
فأنا عارف أنت مش من أول مرة رح تقرا القرآن ستشعر بالحلاوة قد عبأت قلبك، ما تكون أنت برضه طموحاتك مثالية، لا، شوف السلف ايش يقولون: إنما الآية مثل التمرة، امضغ الآية، عيدها مرة مرتين ثلاثة، عيش معها، أه بتبلش شوي تشعر بحلاوتها في لسانك.
أما من أول مرة لا، ما رح تعطيك الآية القرآنية، ستشعر بحلاوتها بعد المضغ، بعد التكرار، بعد التعامل المستمر، ستفرز ما فيها من الحلاوة والجمال والرونق.
أخيراً، اللي ذكرته لكم قبل قليل، وهو من الأمور التي يغارط فيها البعض نفسه، هو أنه يكثر الحديث عن القرآن ولا يتكلم في القرآن، هذه بدأت فيها مجلس اليوم وأنا أختم بها، أنه هذه أنا أعتقد أنها مشكلة، يعني مثل هي المحاضرات الأصل أنها تكون مثل الملح على الطعام، هي بس وظيفتها أنها ايش؟ تعطيك منارات الطريق كيف أدخل في تجربة القرآن بعد هي المحاضرة.
مش المطلوب منك ترجع تسمع كمان محاضرة عن كيف أعيش مع القرآن، بعدين تاخذ لي دورة كيفية التعامل مع القرآن، بعدين الدورة الخامسة، يعني بعض الشباب يسمع عنده هوس، بتعرفوا زي أحياناً بيقول في مجال الأسرة اليوم مع كثرة القضايا الأسرية بتلاقي الزوجة بتحضر 20 دورة كيف تربي أولادك، كيف تعيد تربية أبنائك، كيف تصنع ابنك، بتضلها بعدين آخر شيء تدخل تجربة التربية.
طيب شو استفدت أنا؟ يعني أنت بتاخذ لي 20 دورة في التربية وعلم ابنك كذا ولازم هيك، وبتضلها توجع راسك في الدورات التربوية اللي حضرتها، طيب هيك نحن تكلمنا عن التربية، يلا تعالوا نطبق التربية فاشلة، طيب شو استفדنا؟
هذا الذي يحصل مع كثير من الشباب، أنه بضله يسمع عن القرآن: يا الله بدي أخذ دورة مع الشيخ الفلاني حديث عن القرآن وجماليته، الشيخ الفلاني عامل دورة عن أساليب فهم القرآن، حلو دورات ثلاث أربع، وبعدين يلا بدك تنزل للميدان؟ مش بقول لك على الميدان، على ميدانك، يعني بدك تنزل، يعني بدك تجرب.
في نوع من التخوف، فأحياناً حتى أنت ما تقول إني أنا منقطع عن القرآن، أكتفي بالسماع عن القرآن، خلص هذا الكلام بشعر بالنوع من الأريحية أنه الحمد لله أني أسمع عن القرآن، ما بزبط، عليك أن تعيش تجربة القرآن بنفسك وأن تخوضها وأن تنزل وأن تعارك، وأن كما قال السلف: تمضغ الآية وتتعب وتسأل، بعد ذلك بعد خمس ست سبع سنين يصبح القرآن له عظمة وحلاوة في النفس وفعلاً غيرك في نهاية قصة الحياة ستشعر فعلاً غيرني القرآن، لكن متى؟ بعد أن خوضت التجربة.
بدون ما تخوض التجربة لن ياتي شخص يعطيك يعني يحشو في عقلك تغييرات القرآن، لا، تغييرات القرآن أنت من ستعيشها وأنت من سترى انعكاساتها على نفسك من خلال تجربتك الشخصية، غير كذا أنا واياكم نحن نتعلم هنا بنعطي بس قواعد وفوائد، ممكن بعض المغالطات، بعض الإشكالات، بعض الأمور التوهمات نحن بس بنزيلها هنا، بعد ذلك قصتك.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم بكل خير، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل