دخولتسجيل الدخول

بلغة الوصول إلى علم الأصول - شروط التَّكليف | معهد ملكة | المجلس الرابع

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن نهجه اقتفى.

حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد؛ تعليق على الكتب والمصنفات بمعهد ملكة. ونبدأ اليوم بإذن الله في التعليق على مادة «بلغة الوصول في علم الأصول» لابن نصر الله الكناني.

أذكر إخواني الطلبة بضرورة الصبر على طلب العلم؛ فإن طبيعة الحياة المعاصرة تعتمد على الإثارة المستجدة. ما معنى الإثارة المستجدة؟ أن اليوم الواقع المعاصر يختلف عن زمن الأئمة الأقدمين وطلبة العلم الأقدمين. اليوم كثير من الطلاب يصاب بالملل والسام سريعاً لأنه لا يشعر بالثمرة العاجلة لما يطلبه، ويريد أن يحصل على أشياء سريعة الحصول ونتائج واضحة خلال أوقات قصيرة. هذا ليس فقط في العلوم الشرعية، بل هي طبيعة الحياة المعاصرة بما فيها من السوشال ميديا، وأورثت الشباب والجيل نوعاً من الهشاشة في ترقب النتائج بعيدة المدى.

في الزمن القديم، طالب العلم -كأمثالكم- كان من الشيء الطبيعي أن يعيش عشر سنوات وهو يحمل الكتاب، ويذهب إلى دروس الشيخ، ويحضر الدرس بعد الظهر وبعد العصر، ويذهب بين المغرب والعشاء يلخص، وبعد العشاء يذاكر، ثم ينام، ثم يستيقظ لقيام الليل، ثم يأتي الشروق والفجر يجلس عنده. قدره أن يستمر على هذا البرنامج عشر سنوات أو خمس عشرة سنة، ما عنده مشكلة.

اليوم طبيعة الحياة المعاصرة مع الجامعة، مع العمل، مع الكسب، مع الإرهاق المادي، جعلت طلاب العلم يبحثون عن وجبات سريعة؛ لأنه يقول: أنا حياتي مرهقة، وأنا صار عمري الآن في العشرين أو في الخامسة والعشرين، ما عندي وقت أن أعيش طلب العلم بمراحله كاملة، أبحث عن وجبات سريعة. هكذا، دورة في شهرين، برنامج ستة أشهر، أصبح عالماً خلال سنة! إذا صح أني أحكي، لا يعني بنحاول نحصل الأشياء السريعة لأنه ما عندي وقت لأطيل النفس في طلب العلم، ولذلك لا نصنع علماء.

حتى تفهم لماذا الواقع المعاصر معقد ولا يوجد راسخون في العلم، لأن النمط العام في طلاب العلم هو ضعف الهمة، والقصور، واللهف السريع، وما عنده لياقة -كما قلنا في الدرس البارحة ودرس إرواء- ما عنده لياقة أن يستمر في طلب العلم لسنوات. ما عنده مشكلة مع هذا، يقول لك: أنا لن أستطيع وأنا عندي العمل، وهو مستعد أن يقدم كثيراً من مشاغل الحياة على طلب العلم. وإذا كانت أنثى، بمجرد تتزوج ولا شيء، الله يسهل عليها وتغيب عن المشهد وينتهي الأمر.

الفكرة أنني أحتاج دوماً أن أفكر بهذه الطريقة: ما الذي يعاني منه طلاب العلم اليوم؟ ما هي الإشكالية التي تجعل طالب العلم سريع الفتور وما عنده قدرة على أن يستمر خمس سنوات في برنامج فقهي؟ أنت لما تقول خمس سنوات في برنامج فقهي، الطالب يستطيل الطريق. خمس سنوات برنامج فقهي يا شيخ؟ هذه فتحة عداد! أنت خمس سنوات لا شيء في عالم الفقهاء. أنا لا أريد أن أقلل من الموضوع، لكن أيضاً لا أريدك أن تستطيل المسافة فتظن أنه خمس سنوات "أوف يا شيخ".

طيب، ماذا تتوقع؟ الحالة الفقهية بما فيها من أصول فقه وفقه وقواعد فقهية وفرائض ومذهب، هذا مذهب واحد، ماذا تتوقع؟ كيف يمكن أن يُضبط الفقه؟ وكيف يمكن أن ننتج فقيهاً عنده ملكة يفتي في الطهارة والصلاة والزكاة والبيوع والأنكحة والأقضية؟ كيف سينتج مع آلاف المسائل مع مسائل أصولية مع تحريرات مع ملكات تُبنى؟ لا يمكن أن تُبنى بأقل من ذلك.

فغريب طالب العلم اليوم أن يفهم أن الواقع المعاصر يحاول أن يجرفه بعيداً عن الواقع الذي ينبغي أن يكون، أو حالة طالب العلم الصحية. ما دمت تريد أن تطلب العلم -لا تريد الثقافة فقط- وتريد أن تكون طالب علم على قدر حاجة الأمة، عليك أن تنسى السنوات. لا تقعد تفكر كم سنة، تنسى السنوات خلاص، أنا للأمة أحمل الكتاب عشرين أو ثلاثين سنة، ما عندي مشكلة في ذلك إلى أن أصبح عالماً. أما من يبقى يفكر في مرور الساعات والأيام وأنا صار لي سنة أو سنتين، فبذاك المستوى أظن أنه لن ينجح في طلب العلم. أنا لا أريد أن أعطيه تفاؤلاً، لا، لن ينجح، سيبقى كما ذاك الطالب المسكين الذي عنده كم مسألة يصارع فيها.

فضلاً عن أن بعض الشباب يرى بعض الأقران أو بعض الزملاء قرأ كتابين أو ثلاثة، صار ما شاء الله له قناة على اليوتيوب وصانع محتوى ويتكلم ويرفع ويخفض، فيصير يقول لك: أنا فلان أحسن مني، خلال وقت قصير ممكن أصبح صانع محتوى وأقدم مادة شرعية. ولا يعرف أن ذاك الرجل يهرف بما لا يعرف، وأنه صانع المحتوى يهبد ويتكلم بكلام لا يسمن ولا يغني من جوع، وأنه يحضر قبل أن يصور كلمتين ويجمعها مشان يشعرك بأنه مطلع، ولا يعرف أنه بمجرد إغلاق السوشال ميديا ستفتضح كثير من الأشكال والوجوه ويظهر لك عوارها، وأنها لم تطلب طلب العلم على طريقة العلماء.

فإياك أن تفتن بهذه الأمور وأن تبحث عن مسلك آخر في طلب العلم. هذا مما يريح الإنسان ويجعله يصبر؛ أنه لا يوجد حل آخر في طلب العلم إلا هذا، ما في حل آخر، وبدك تصبر وبدك تستحمل وبدك تبحث عن اللذة وتنسى السنوات. خلاص، أنا أريد أن أحيا هذه الحياة لله سبحانه وتعالى بغض النظر عن الواقع الخارجي ماذا يحصل هنا وهناك، أنا أعيش للأمة وأريد أن أكون من المنتجين.

من الإشكالات أيضاً أن يأتي بعض الشباب -والله المكيف هذا لو شد عمره- يأتيك بعض الناس الفارغين البطالين يقول لك: أنت ماذا تستفيد؟ أربع سنوات تدرس الفقه وأصول الفقه والأقصى يُدنس وغزة تُقتل وإخواننا يُسامون سوء العذاب، أنت ماذا سويت للأمة؟ هذا السؤال قد يُطرح للبعض.

أول إجابة هي: ماذا فعل الطرف الآخر للأمة؟ هذه أول إجابة. يعني أنت الذي تنظر وجالس في البيت وتأكل وتتغدى وتتعشى، لما تأتي لطالب علم أو أخ في برامج علمية وتقول لهم: أنتم ماذا قدمتم لقضايا المسلمين وما شابه ذلك؟ السؤال الأول، بدنا نفترض افتراض أنه أنا ما أقدم وأنت ما تقدم، هذا الافتراض الأولي، لكن أنت ماذا فعلت؟ أنت عم تأكل وتشرب وجالس على السوشال ميديا لأنك كسول وملول وما...

عندك همة لأن تملا وقتك، ومصاب بالفراغ القاتل، ولم يرزق الله قدرة على طلب العلم كغيرك؛ يكون همك أن تثبط غيرك. أنت ما عندك شيء تفعله في الحياة، إنسان فاشل، لم تخدم قضايا المسلمين، بل جالس على السوشيال ميديا تصرخ: «الله أكبر»، ماذا فعلت؟ «الله أكبر»، ولعنة الله على الظالم؛ جزاك الله خيرًا على حرقتك، لكن أنت لم تعمل شيء، أنت لم تفعل شيء لأمتك.

فلا تثبط همة الشباب المقبلين على العلم الذين يحاولون من خلال العلم الشرعي في يوم من الأيام أن يكونوا فقهاء. وكما قال علماؤنا منذ القدم: أنت لا تعرف متى يحتاج إليك؛ لا ينبغي لمن أعطي شيئًا من العلم أن يضيع نفسه، فإنك لا تعرف متى يحتاج إليك في أوقات وعصائب ستأتي على الأمة، سنحتاج فيها لمن يضبط كتاب الطهارة، سنحتاج لمن يعرف أحكام الصلاة، أساسياتها على أقصى المختصرات، والله سيحتاجونها.

وذاك الشخص الفارغ، لما الأمة تحتاج أو يوضع في محكات الحياة، سيجد نفسه أنه لم يدرس شيء ولم يتعلم شيء، فلم يستطع أن يفيد الأمة حتى في أقل المسائل. فهؤلاء البطالون احذروا منهم؛ لأنهم عبارة عن شماعة للكسل، شماعة الكسل وعدم الرغبة في التعب في تحصيل العلم، يقول لك: «أجي في الشمس وكذا»، هو ما بده يتعب، ما بده يقدم، ما بده يبذل حقيقة للإسلام شيء، لكن يجعلها شماعة؛ ليش أنا ما بحضر مجالس علم نافعة؟ يا أخي ماذا ستقدم للأمة؟ هو أنت مش مقدم للأمة أصلاً، أنت مش عامل حاجة، على الأقل تعال أصلح قلبك، مش شرط أن تخرج هنا في اليوم الثاني تكون على أرض الرباط، لا، أنت أولًا أصلح نفسك وأخلاقك وسلوكياتك، هذا الهدف الأول من مجالس العلم.

ثانيًا: الفراغ إخواني هو الذي يولد الأفكار الضالة. الفراغ هو الذي يولد الأفكار الضالة؛ فإنني تتبعت كثيرًا من حالات التمييع عند بعض الشباب، أو الغلو عند بعضهم، فرأيت منشأها من عدم الاشتغال بطلب العلم النافع. يعني هو أصلاً فارغ ولم يتأسس في مجالس العلم، فسهل جدًا يكون متابعًا للسوشيال ميديا، مقاطع لغلاة فينجر معهم ويصبح مثلهم، باعتبار أنه هكذا خلص ينصر الأمة إذا صار يغلو ويكفر، وهذا التكفير يولد سفك دماء.

أو يأخذ مسلك تمييع وتفكيك قضايا الأمة، ويصبح مع المشايخ الذين كل شيء حلال والدنيا طيبة وحلاوة وليس هناك داعٍ، ويسلك مسالك تمييع وتفريط وتفكيك لقضايا الأمة وسلق لهويتها. بخلاف الشاب طالب العلم؛ طالب العلم يعرف أين يضع أقدامه، أنا عارف أين أضع قدمي فلا أكون مائعًا فأقصر، ولا أكون غاليًا فأجفو، أعرف كيف تخوض الأمة معاركها وكيف أعيش قضاياها، فلا أوقع نفسي وإخواني والمسلمين في فتنة، وفي نفس الوقت لا أنسلخ من قيمي وهويتي وانتمائي ونصرتي لهذا الدين العظيم، لكن أمضي بما تقتضيه مصالح الشريعة التي تعلمتها وما نظرته من كلام العلماء.

أصبحت أفهم كيف يفكر الحنابلة والشافعية، وماذا سطروا في السياسة الشرعية وواقع الحياة، أقرأ في التاريخ والكلام، أعرف كيف تقاد الأمور ومن أين تؤكل الكتف، بخلاف ذاك الشاب الفوضوي العشوائي. فثمرات الغلو أو التمييع سببها أنه لا يطلب العلم. ثم بعد ذلك، أنت لما تكون فقيهاً وتعرف أحكام الطهارة والصلاة والزكاة والصيام، كما قلت لكم في الدرس الماضي، ستعرف أحكام السياسة الشرعية والقضاء وواقع الأمة.

هي كلها عبارة عن قطع متراكبة؛ من لا يفقه أحكام الطهارة والصلاة والزكاة، هذا لا يحكي لي في السياسة الشرعية وكيف يمضي بالأمة وماذا يجب أن يكون في الواقع وماذا لا يجب أن يكون؛ لأن هذا ضعيف الملكات، ضعيف القدرات. هذا ما صبر يحفظ أحاديث الطهارة، فكيف سيصبر على ألاء وشدة المسائل الكبرى التي تحتاج ذكاء ووعي وفهم وحنكة وفهم طريقة هذه الشريعة؟ وكيف الشريعة تفكر وكيف الأحكام تأتي وكيف تُبنى القواعد؟

هناك هندسة للشريعة، شريعة تقوم على منطق وعقلانية معينة. هذا المنطق الذي تقوم عليه الشريعة أنت لن تفهمه إلا بهذه الدراسة الهادئة. بعد عشر أو خمس عشرة سنة من الدراسة الهادئة ستكتشف أنك أصبحت ترى الأمور بمشهدها الكامل، أصبحت ترى الشاشة، بينما زملائك الذين لم يشرعوا في طلب العلم ما زالت الشاشة عندهم مشوشة وضبابية؛ هو لا يرى المشهد كما تريد الشريعة أن يُرى، فلذلك يرهق نفسه ويرهق أمته ويبقى في مكانه تافهاً، لم يقدم شيئًا، هو نفسه بعد عشر سنوات سيبقى تافهًا لم يقدم شيئًا.

وأنت يا من صبرت وتعلمت ستجد أنك خدمت الأمة، خدمت الجيل. ومعنى خدمة الأمة ماذا تقصد؟ الأمة ليست في منطقة معينة؛ هؤلاء أهل الأردن، وهم أمة، أهل الشام، أهل لبنان، أهل مصر، المغرب، تونس، روسيا، وكل هؤلاء من أمة الإسلام، وهذه أجيال تحتاج من يعلمها ومن يرشدها، فأنتم معلمو الغد. وإلا لو كل إنسان فعل كما فعل الكسول الملول وقال: «نحن لن نقدم للأمة»، ماذا سيحصل في التعليم الشرعي للجيل القادم؟ لن يوجد أحد يعلمه؛ لأنه الشباب الجيل الماضي ما اشتغل بحجة أن التعليم لن يقدم شيء للأمة، هكذا صارت القضية، فالجميع ناموا، فالجيل الثالث والرابع ستُمسخ منه معالم الشريعة.

ولماذا في آخر الزمان يأتي جيل في هذه الأمة بالكاد يعرف الله؟ كما جاء في بعض الروايات. تخيل، ليس أحكام الطهارة والصلاة، تذهب كل شيء، يذهب كل شيء ولا يبقوا إلا يقولوا «لا إله إلا الله». في بعض الروايات قالوا: يا رسول الله وماذا يفعلون بها؟ قال: «يا حذيفة تنجيهم من النار». هذا ما وصلهم من العلم؛ جيل من الأجيال وصار ما سيصبر من العلم إلا «لا إله إلا الله»، ولا يعرفون صلاة ولا زكاة ولا صيامًا ولا شيء.

كيف سيحصل هذا؟ انقطاع حلقات التعليم؛ يعني لما تنقطع أجيال المعلمة سيبدأ العلم يجف. والله في بعض البلدان يتواصلون معنا ما عندهم شيخ يدرس مذهباً واحداً، يتمنون وجود حلقة فقه واحدة، بس على الأقل نعرف أحكام الطهارة والصلاة، هذا الذي نريده. هذا الكلام الذي أقوله، العلم بدأ يتقلص من أصقاع الأرض، هذا بدأ يحصل، والأمة بدأ علماؤها يقلون ويكثر جهالها، والرؤوس الجهال هؤلاء لا يغنون من جوع. فقضية أن تعرف أنك على ثغر عظيم من ثغور الأمة، وأنك تجاهد أثناء التعلم الشرعي، وأنه ليس لديك خيارات أخرى إلا أن تنقذ أمتك وإلا سيغرق المركب كاملاً؛ هذه قصص تجعل الإنسان يعرف قيمة ما يفعل، يعرف قيمة التعب ويحتسم.

عند الله أجر المرابطين وأجر الثابتين على ثغور العلم الشرعي، فإن هذا من أعظم أنواع الجهاد في سبيل الله. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصرنا وأن يرزقنا الهمة العلية في طلب العلوم الشرعية، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أين وصلنا في أصول الفقه؟ بسم الله، كنا نتكلم عن التكليف. ذكرنا في النظم الصغير أن الحكم الشرعي ينقسم إلى حكم تكليفي وحكم وضعي. ستجدون صاحب «بلغة الوصول» ذكر الحكم الشرعي بعد التكليف، وأنا في اعتقادي لا، إن الحكم الشرعي كان ينبغي أن يذكر قبل التكليف من باب الطريقة التعليمية الصحيحة؛ لأنني أريدك أن تفهم قضية ستؤثر معنا بعد قليل في بعض الزوايا في الكلام.

عرفنا في النظم الصغير الحكم الشرعي بأنه: «خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييراً أو وضعاً». هذا الحكم الشرعي ينقسم إلى حكم تكليفي وحكم وضعي. الحكم التكليفي هو الذي يتطلب مني أن أعرف ما معنى التكليف، وهذا القسم هو الذي يقودني أن أعرف أولاً ما معنى التكليف. واخترنا في الدرس الماضي أن التكليف هو: «الخطاب بأمر أو نهي». واخترنا هذا التعريف لأنه يدخل فيه الأحكام الأربعة: الإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة. أما الإباحة، فأنا في رأيي أن أجعلها حكماً شرعياً مستقلاً، ليس هناك داعٍ أن أدخلها تحت التكليف إلا تجوزاً من باب التسهيل على المبتدئين فنقول إن حكمها تكليفي، لكن من حيث التحرير هي لا يوجد فيها تكليف بحد ذاتها، وإنما هي مجرد إباحة وتخيير.

الآن سندخل في من هو المكلف؟ هذا سؤال مهم وفي مطاحنات كثيرة في أصول الفقه في من هو المكلف. السؤال الثاني المتعلق بالحكم التكليفي: أنا الآن أريد أن أكلفك، متى تكون مؤهلاً للتكليف؟ هل كل شخص مؤهل لأن يكلفه الله؟ لا، في أشخاص هم المؤهلون للتكليف، فلا بد أن نعرف من هو المكلف.

يقول رحمه الله: «وشرطه في المكلف العقل وفهم الخطاب». إذاً، لما أتكلم عن التكليف، حصرته في شرطين: لا بد من وجود العقل، ولا بد من وجود فهم الخطاب.

سريعا لنستذكر النظم الصغير، أنا أحب دائما أن أبني في النظم الصغير. لما تكلمنا عن شروط التكليف، ما هي شروط التكليف التي تكلمنا عنها؟ العقل، والبلوغ، والذاكر، وغير الملجأ. العقل هي مذكورة هنا، والبالغ والذاكر، وقلنا الذاكر أخرجنا بها النائم والناسي والمغمى عليه. ونأتي الآن لنناقش السكران إن شاء الله، ولكن خلينا نركز على هؤلاء الثلاثة: النائم والناسي والمغمى عليه، فقلنا هؤلاء ليسوا مكلفين لأنهم ليسوا ذاكرين. وغير الملجأ، أي أن يكون غير ملجأ؛ لأن الملجأ أيضاً أداة حتى يكون كلامنا متناسقاً بين النظم الصغير وبين «البلوغة» حتى يكون بناؤنا صحيحاً.

فهم الخطاب: العقل أخرج بها المجنون، وفهم الخطاب أخرج بها غير البالغ، وهو الصبي، وغير الذاكر، والملجأ. يعني الثلاثة الذين ذكرناهم هناك كلهم يدخلون في أنهم لم يفهموا الخطاب. في النظم الصغير قلنا شروط التكليف: عاقل، بالغ، ذاكر، غير ملجأ. هنا في «البلوغة» اختصرناها بناءً على طريقته، وهي كلها طرق في الكتابة لا مشكلة فيها، فهو حاول أن يحصل لك شروط التكليف في شرطين: العقل، والقدرة على فهم الخطاب؛ حتى يكون الإنسان مكلفاً لا بد فيه من أمرين: العقل، والقدرة على أن يفهم الخطاب الشرعي، لأنه إذا لم يفهم الخطاب الشرعي فلا فائدة من تكليفه.

فقولنا «فهم الخطاب» أخرج به غير البالغ، وهو الصبي؛ فالصبي لا يمتلك قدرة كاملة لفهم الخطاب، عنده قصور في العقل، ولذلك أنا لم أقل إنه ليس عاقلاً، لاحظ؛ الصبي لم أقل خرج مع المجنون، العقل يخرج به المجنون، أما فهم الخطاب فيخرج به أولاً الصبي؛ لأن الصبي لا يمتلك الأداة الكاملة. ويخرج به كل شخص يفقد التذكر، وهذا يشمل النائم والناسي والمغمى عليه، ويخرج به الملجأ. والملجأ تذكروا ماذا قلنا عنه في النظم الصغير؟ هو كالآلة في يد غيره، وهذا أيضاً لن يفهم الخطاب أثناء كونه ملجأ؛ يعني واحد يمسكك ويريد أن يلقيك وأنت كالآلة في تلك اللحظات، لا أحد يوجه لي خطاباً لأنني لن أستوعب أي خطاب يقال لي، أنا الآن فقط آلة في يد غيري، ففعلياً هو لا يفهم الخطاب حال كونه ملجأ.

إذاً هنا اختصر ابن نصر الله تبعاً للطوفي شروط التكليف في: العقل وفهم الخطاب. سأرجع الآن لأننا كثيراً سنعتمد على الطوفي في تفاصيل المسائل. سأقرأ الآن كلام الطوفي، وأنا قلت لكم إن ابن نصر الله الكناني من أبرز الشروح التي سيعتمد عليها في التعليق عليه هو شرح الطوفي؛ لأن فيه مناقشات جيدة.

يقول الطوفي رحمه الله تعالى: «من شروط المكلف العقل وفهم الخطاب، أي يكون عاقلاً يفهم الخطاب، ولا بد منهما جميعاً، لا بد من اجتماع الخصلتين فيه حتى يكلف؛ لأنه قد يكون الشخص عاقلاً لا يلزم من العقل فهم الخطاب، قد يكون الشخص عنده عقل ولكن هو لا يفهم الخطاب الفهم الكامل الذي ينبني عليه التكليف». فالصبي المميز الذي عمره تسعة أو عشر سنوات يقرأ القرآن وعنده عقل، لكن ما مدى فهمه للخطاب؟ قالوا: فهمه لا يصل إلى كمال النضوج حتى يترتب عليه التكليف. إذن، لا يلزم من وجود العقل فهم الخطاب بالضرورة، فقد يكون الشخص عاقلاً لكنه لا يفهم الخطاب لجواز أن يكون عاقلاً لا يفهم الخطاب.

نحن النائم نقول عنه مش عاقل، لا، هو عاقل. الناسي نقول عنه واحد ناسي، نقول والله هذا ليس بعاقل، لا، الناسي عاقل لكنه ناسي. للخطاب أيضًا، أذكركم بالمغمى عليه، صعب نقول إنه ليس بعاقل، هو عاقل لكن غطي على عقله خلال فترة الإغماء؛ فيجوز أن يكون الإنسان عاقلًا لكنه في حالة معينة غير قادر على أن يفهم الخطاب. فهو مثل الإنسان العاقل الذي لا يفهم الخطاب، كالصبي والناسي.

قضية السكران ذكرناها، ولكن الذي نناقش فيه هو المغمى عليه؛ قال: «فإنهم هؤلاء في حكم العقلاء مطلقًا، أو على الأقل في حكم العقلاء من بعض الوجوه، ولكنهم لا يفهمون الخطاب فلا يتوجه إليهم تكليف». الآن سنبدأ مع ابن نصر الله الكناني نحلل هؤلاء الأشخاص الذين يدخلون تحت هذه العبارة: العقل وفهم الخطاب واحدًا واحدًا، وننظر ماذا وقع فيهم من الخلاف.

قال رحمه الله: «فيخرج صبي ومجنون، وفي مميز قولان أظهرهما النفي». الآن سنبدأ بمن هم غير مكلفين. أولًا: اتفقوا على أن المجنون غير مكلف في حال جنونه. ممتاز، الآن خلينا نرتب أفكارنا، لنا صفحة جديدة لأننا سنتكلم عن واحد واحد.

المجنون؛ نستطيع أن نقول هناك اتفاق أنه في حال جنونه غير مكلف، بالتالي إذا دخل عليه وقت الظهر وهو مجنون وخرج وقت الظهر وهو مجنون، ثم استيقظ بعد خروج وقت الظهر، هل يطالب بصلاة الظهر؟ لا، ركز ماذا سينبني على أنه غير مكلف.

أعيد المسألة مرة أخرى؛ الجنون يقسم إلى قسمين: جنون مطبق، وهو الذي ابتلاه الله به طول عمره، خرج من بطن أمه وفيه مشكلة عقلية، فهذا غير مكلف وانتهى، لا يطالب بشيء ولا يشكل عليك أمره. وأحيانًا يهمنا النوع الثاني، وهو الجنون غير المطبق، وهو الذي يفصل، مثلاً نصف النهار يكون مجنونًا ثم يفيق في النصف الثاني، وهذا قد يكون لأمور تتعلق بالأعصاب، قد يكون لصرع ابتلاه الله به، الله يعافينا جميعًا.

يهمني أن أعرف ما حكم الذي جنونه متقطع؟ في حالة جنونه هو غير مكلف بشيء من العبادات. فإذا جن قبل صلاة الظهر، قبل ما يدخل وقت الظهر، وجاءت حالة الجنون واستيقظ بعد خروج وقت الظهر، هل نقول له عليك أن تقضي صلاة الظهر؟ لا، لا يقضي صلاة الظهر. بخلاف ما لو دخل عليه وقت الظهر وهو عاقل ثم طرأ الجنون؛ هذا يعامل معاملة الحائض التي دخل عليها وقت الظهر وهي طاهرة ثم حاضت بعد ثلث ساعة أو نصف ساعة؛ فإذا حاضت المرأة بعد دخول الوقت ولم تكن مصلية، فإذا تطهرت يجب عليها قضاء تلك الصلاة.

نفس الشيء للمجنون، نحن ماذا نقول له؟ إذا دخل وقت الصلاة وخرج وأنت مجنون فلا تقضها، خلص أنت لست مكلفًا. لكن إذا دخل وقت الصلاة عليك وأنت عاقل ثم طرأ الجنون بعد ذلك، وجاءت نوبة الجنون واستيقظت بعد العصر أو في اليوم الثاني، بغض النظر، صلاة الظهر يجب أن تقضيها؛ لماذا؟ لأنه أول ما دخل وقت الظهر كان عقلك معك فلزمتك، ثم طرأ الجنون عليك بعد ذلك. هذه بعض الأحكام الجزئية، لكن يهمني الآن الحكم الأصولي وهو أنه غير مكلف في حال جنونه بالاتفاق.

نأتي الآن إلى الصبي؛ ابن نصر الله ذكر خلافًا في نوع منهم، ماذا قال؟ إن الصبي غير المميز، وهو من لم يكمل سبع سنوات قمرية، كالذي عمره سنة أو سنتين أو ثلاث أو أربع أو خمس أو ست، هذا أيضًا متفق الحنابلة على أنه غير مكلف، لأنه لا يتصور منه الامتثال أصلاً؛ فالطفل لا يعرف كيف يحكي، فكيف يتصور منه قصد الامتثال؟ ومعنى التكليف أن يكون هناك خطاب موجه إليك وأنت ستمتثل له، فقالوا: المجنون لا يتصور منه الامتثال للخطابات الشرعية، والتكليف خطاب بأمر أو نهي، والمجنون لا يمكن توجه الخطاب إليه. وكذلك الصبي غير المميز، قالوا هذا أيضًا لا يوجه إليه خطاب.

وقع الخلاف في الصبي المميز، وهو من أكمل سبع سنوات قمرية ولم يبلغ تمامًا، يعني عمره تسع أو عشر سنوات ضمن هذا المعدل. الصبي المميز هل نقول إنه مكلف أم غير مكلف؟ ماذا قال ابن نصر الله؟ «وفي مميز قولان»، أي في الصبي المميز عند الحنابلة في المذهب قولان، لكن ما هو المعتمد؟ «أظهرهما النفي»، أي المعتمد في المذهب أنه غير مكلف.

ماذا يقول الطوفي في التعليق على هذا الخلاف؟ يقول رحمه الله في صفحة 186: «وفي تكليف المميز قولان عن أحمد: الإثبات». أي أن أحد القولين هو إثبات تكليفه. يهمني أن نناقش إخواني حتى نفهم كيف يتعرض الأصوليون للمسائل؛ الذين قالوا إنه مكلف لماذا قالوا ذلك؟ قالوا لأنه يفهم الخطاب، ورغم أن عمره عشر سنوات قد تقول لي إنه لا يفهم الخطاب، لكن أصحاب القول الأول يقولون: هذا الرجل بالعكس ممكن يكون حافظ القرآن كامل ما شاء الله، واليوم مصحصح أكثر منكم، ويستخدم الآيباد والتكنولوجيا، فالشاب قد يكون متقدمًا وعمره عشر سنوات. فقالوا: لأنه يفهم الخطاب، ولذلك أصلًا سمي مميزًا، لأنه عنده قدرة على التمييز والفصل بين الأشياء؛ قال: لأنه يميز الأقوال والأفعال بعضها من بعض، خيرًا وشرًا، وجيدًا ورديئًا.

ثم بعد أن ذكر حجة أصحاب القول الأول، انتقل إلى أصحاب القول الثاني، قال: «والأظهر الثاني أنه غير مكلف»، يعني الأظهر نفي التكليف في المميز؛ إذ أول وقت يفهم فيه الخطاب غير موقوف على حقيقته، فنصب له علامة ظاهرة يكلف عندها، وهي البلوغ. ما معنى هذا الكلام؟ نحن الآن قلنا شرط التكليف هو العقل وفهم الخطاب، وهذا الصبي الذي عمره سبع أو ثمان أو تسع أو عشر سنوات، هل أستطيع أن أجزم أنه فاهم الخطاب أم لا؟ فهم الخطاب مسألة داخلية في ذهنه وعقله، وليست مسألة ظاهرة على الجوارح، هي مسألة في العقل الباطن؛ هل هو قادر على التحليل أم لا؟ ولأنها مسألة داخلية لم يبنَ الحكم عليها لأن الأحكام علتها...

يجب أن تكون، كما ذكرنا في النظم الصغير، وصفاً ظاهراً منضبطاً، فلا يمكن أن آتي إلى صبي فأقول: والله هذا الصبي يفهم الخطاب، هذا مكلف، لا؛ هذا الصبي المميز لسه ما فهم الخطاب، هذا غير مكلف. قضية أنه فهم أو ما فهم، وما هو مستوى فهمه، هذه تبقى قضايا خفية في داخل العقل الإنساني، لا نستطيع أن نبني الحكم عليها؛ لأن الأحكام في الشريعة لا تنبني إلا على وصف ظاهر، وفهم الخطاب هذا وصف باطن.

وبالتالي ماذا يقول الطوفي؟ قلت هذا كلام الطوفي، وهذا توجيه ظاهر، وأزيده كشفاً بأن أقول: لاحظ ماذا سيقول وافهم كلام الطوفي. العقل قوة غريزية ربنا وضع فينا جميعاً كجنس بشري، اسمها ماذا؟ العقل؛ الذي فيه تفكير. العقل قوة غريزية يدرك بها الكليات والجزئيات وغيرها. متى يبدأ العقل بالوجود؟ قال: وهو يوجد بوجود الإنسان، يعني بمجرد ما تخرج من بطن والدتك يخرج معك العقل، ويبدأ هذا العقل بالنمو رويداً رويداً. يوجد بوجود الإنسان ثم يتزايد بتزايد البدن تزايداً تدريجياً خفياً عن الحس.

نحن لا نراه، ولكن هو يحصل؛ العقل ينمو مع نموك، ولكن هذا النمو أنت لا تراه بعينك وإنما هو شيء داخلي. قال: كما تتزايد الأجسام النباتية والحيوانية، وكما يتزايد ضوء الصبح وكما يتزايد الظل ونحوها من المتزايدات الخفية. فبالتالي قال: فلا يمكن الوقوف على ساعة الصفر، على الوقت الذي في أوله يفهم فيه الخطاب؛ لأن هذا متباين بين الأشخاص. ممكن شخص على سن ثماني سنوات بدأ يفهم الخطاب، وفي شخص لسه قدراته أضعف بدأ على سن تسعة، وممكن في شخص عقله أضعف وأضعف بدأ على سن عشر سنوات. بالتالي لحظة الصفر التي بدأ فيها فلان يفهم الخطاب تختلف عن لحظة الصفر التي بدأ فيها ضرار يفهم الخطاب.

لحظة الصفر هذه شيء خفي، لذلك الشريعة حتى تريحنا ولا توقعنا في الحيرة، لم تبدأ التكليف معه مباشرة، بل علقت التكليف بعلامة ظاهرة للجميع، ما هي؟ البلوغ. هذا علامة ظاهرة، وكيف يدرك البلوغ؟ بالاحتلام، أو نبات الشعر الخشن، أو إكمال خمس عشرة سنة قمرية، وبالنسبة للمرأة نزيد الحيض. الشارع فعل ذلك حتى يريح الإنسان من أن يقول: والله ابني هذا أصبح يفهم الخطاب، لا، هذا لسه استيعابه... لا، لست أنت من يحدد لأولادك: يلا أنت صرت مكلفاً لأنك فهمت الخطاب، أو أنت لسه مش مكلف لأنك ما فهمت الخطاب؛ فما هذا كله شيء خفي. فالشارع الحكيم حتى يريح الإنسان علق الأمر على وصف ظاهر، قال: خلاص، إذا حصل البلوغ بدأ التكليف.

ولذلك النبي ﷺ ماذا قال؟ وهذا يؤيد هذا القول الثاني، وهو الصحيح، يؤيده النص: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ». فعلق الشارع التكليف بحصول علامة من علامات البلوغ تسهيلاً على الناس والبشر، فالحمد لله على هذه النعمة. فبالتالي يقول الطوفي: فجعل الشارع بلوغه علماً، أي علامة ظاهرة على أهليته للتكليف وضابطاً له. وعلامات البلوغ هي الاحتلام أو الإنبات أو استكمال خمس عشرة سنة قمرية، إذاً المسألة هذه واضحة، والصواب أن الصبي المميز هو غير مكلف.

لكن انتبهوا الآن على قضية كثيراً ما نجدها في الساحة الفقهية، حيث يقولون: تجب الزكاة في مال المجنون والصبي. مسألة أيضاً ستجدها: إذا أتلف الصبي مالاً وجب ضمانه. طيب كيف نوجب الضمان إذا أتلف الصبي؟ ونوجب الزكاة في مال الصبي والمجنون؟ كذلك المجنون؛ إذا أتلف المجنون شيئاً يضمن هذا الشيء الذي أتلفه؛ مجنون كسر سيارة الجيران، سيضمن، وصبي كسر سيارة الجيران، سيضمن. كذلك وقعت في قضية طلاق الصبي؛ إذا زوجت ابنك عمره عشر سنين ولم يكن بكامل وعيه وطلق، قالوا: يقع طلاق الصبي.

كيف تقولون إن المجنون والصبي غير مكلفين، وفي نفس الوقت حكمتم بالزكاة، وحكمتم أنهم يضمنون ما أتلفوه، وأنه إذا طلق الصبي يمكن يقع طلاقه؟ كيف نجمع بين هذه الأقوال الفقهية وبين كونهم غير مكلفين؟

جميل، وفي الضمان؟ هذا ليس حكماً تكليفياً، هو في النهاية حكم وضعي. أحسنت، هي الفكرة أن نقول إن الصبي والمجنون إذا أتلفا فهناك ضمان، هذا سبب ومسبب، وليس الحكم التكليفي. الضمان هو حكم وضعي، والسبب والمانع عبارة عن علاقة سبب بمسبب. لكن من الذي سيخرج ويكون آثماً إذا لم يخرج؟ لهذا نقول تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون، وإذا أتلف الصبي والمجنون أشياء فهنا يجب الضمان، وإذا طلق الصبي وقع طلاقه؛ هذه كلها أحكام شرعية صحيحة، لكن تعتبر من قبيل الحكم الشرعي الوضعي وليس الحكم الشرعي التكليفي.

هذا الحكم الشرعي الوضعي لا علاقة له بأن الشخص مكلف أم لا. هذه قاعدة في أصول الفقه: الأحكام الشرعية الوضعية -التي أخذناها في النظم الصغير مثل: السبب، الشرط، المانع، الرخصة، العزيمة، الصحة، الفساد- هذه ما لها علاقة بأن الشخص مكلف أم لا، توجد الأحكام الشرعية الوضعية سواء كان الشخص مكلفاً أو لا، فلا أحد يعترض.

أعطيك مثالاً من الواقع الفقهي: لو أن صبياً أكمل عشر سنوات جامع، ألا يجب عليه الغسل؟ يجب عليه الغسل ليصلي إذا بلغ. إذاً هو لا يصلي إلا إذا بلغ، لكن ما معنى عندما يقول: إذا جامع صبي أكمل عشر سنوات فتاة أكملت تسع سنوات -وتذكرون ما ذكرناه سابقاً- أن هذا الجماع يصح ويجب عليه الغسل؟ ستجد هذا في "الإقناع" للحجاوي، يقول لك: يجب الغسل في هذه الحالة. طيب كيف يجب الغسل وهو ما بلغ؟ عمره عشر سنين وهي عمرها تسع سنين، تزوجناهم وحصل جماع، قالوا: يجب الغسل.

انظر كيف أنك تحتاج أن تعالج هذه الأمور، لا بد أن تفهمها لكي تفهم كلام الفقه؛ ما معنى "يجب الغسل"؟ أحسنت، هذا حكم وضعي. لذلك ستجد مثلاً الشيخ منصور في "الإقناع" أو في "الكشاف" ماذا يقول، لازم يعلق هنا الشارح...

يقصد بالوجوب أن الصبي آثم إذا لم يغتسل؛ لأنه إذا قلت واجب بمعنى آثم صار حكماً تكليفياً، وإنما معناه أن هذا الصبي الذي جامع وعمره عشر سنوات، إذا أراد أن يصلي أو أراد أن يقرأ القرآن لا يصح له ذلك حتى يغتسل.

المسألة دقيقة، بدك تكون مستوعب أنك فاهم أنه صح الصبي هو غير مكلف، بس هذا بالنسبة للحكم التكليفي؛ فلن أؤثمه ولن أقول يجب عليك ولا يحرم عليك. ومتى جاءت عبارة ظاهرها أنه يجب عليه كذا، مباشرة أحملها على حكم وضعي. ما معنى يجب عليه؟ يعني لا تصح صلاته إلا بالغسل، لا يصح قراءته للقرآن إلا بالغسل، أما من أنه سيكون آثماً إذا لم يغتسل، لا، ليس بآثم لأنه ليس داخلاً تحت الحكم التكليفي.

فهمتم هذه الأمور؟ واضح ولها تطبيقات كثيرة في الفقه الإسلامي، فبدنا نهتم بالتأكيد أن نبين أن كونه هذا الشخص غير مكلف لا يعني عدم توجه خطاب الوضع؛ لأن خطاب الوضع ليس ضرورياً أن يكون هو يفهمه، إذ خطاب الوضع لا يعتمد أن يكون الشخص يفهمه، لأن هذا الخطاب سيخاطب به أولياؤه، أو يخاطب به أي شخص مسؤول عنه. فهموا هذه القضية، وعليه أن يعرف في النهاية أنه إذا حصل منه كذا سيترتب عليه أشياء، فترتب أحكام.

بروز عبارة أدق: ترتب أحكام وضعية على أفعال غير المكلفين. ما في مشكلة، فيه ترتب أحكام وضعية على أفعال غير المكلفين كالمجنون والصبي وما شابههم، هذا لا إشكال فيه، تترتب أحكام وضعية. لكن ما الذي لا يترتب؟ الأحكام التكليفية. فهمتم؟ هذه عبارات دقيقة أرجوكم تستوعبوها مني.

قال: «ولا تكليف على نائم وناسي وسكران لا يعقل لعدم الفهم». نعم، «ولا تقرب الصلاة» مؤول. بسم الله الرحمن الرحيم، الآن سننتقل إلى الشخص الثالث والرابع، وهي النائم والناسي وقضية السكران الذي لا يعقل، سنناقشها على جنب، بدي أزيد بس أغلبكم ونكتب والمغمى عليه؛ النائم والناسي والمغمى عليه نزيدهم.

هذه المجموعة؛ النائم والناسي والمغمى عليه، بماذا يفترقون عن المجموعة السابقة؟ يعني ليش هؤلاء وضعوا كمجموعة لحالهم، والصبي والمجنون وضعوا كمجموعة لحالهم؟ شو الفرق بين هذه المجموعة الثلاثية والمجموعة الثنائية السابقة؟

يقول هنا الطوفي: المسألة الثانية، لا تكليف على النائم والناسي، قال: «والسكران» -طبعاً صفحة 188- «والسكران الذي لا يعقل»؛ ليش عم بنحييها؟ لأن الطوفي خالف المذهب فيها، عشان هيك عم بحطها على جنب، «لا يعقل لعدم الفهم»، يعني لعدم فهمهم للخطاب، فهم كالصبي والمجنون، إذاً هم يشتركون؛ الصبي والنائم والناسي والمغمى عليه، بماذا يشتركون مع الصبي على الأقل؟ في عدم فهم الخطاب، وكذلك المجنون، وما دام لا يعقل فمن باب أولى أنه لا يفهم الخطاب، فنقطة الاشتراك بينهم هي عدم الفهم.

شوف شو قال الطوفي، قال: «وإن افترقوا في بعض الأحكام»، يعني هي المجموعة الثلاثية تختلف عن المجموعة الثنائية، قال: «وإن افترقوا في بعض الأحكام مثل أن الصبي والمجنون لا يستدركان ما تركا من العبادات». مش قلنا المجنون إذا صحي بعد العصر يقضي ولا ما يقضي؟ ما يقضي، صح؟ إذا كان مجنوناً. خذوا مثالاً آخر: أغمي عليه من الفجر إلى المغرب في يوم من أيام رمضان، يعني هو قبل أذان الفجر أُغمي عليه واستيقظ بعد المغرب، هذا اليوم يقضيه ولا لا يقضيه؟ ما يقضيه، فالصبي والمجنون يا إخوة لا يقضيان ما عليهما قضاء.

قال: «بخلاف الثلاثة: النائم والناسي» -وأنا بدي أحط المغمى عليه، عادي بدي أحط السكران- «بخلاف النائم والناسي والمغمى عليه، فإنهم يقضون ما فاتهم منها لسبق الوجوب عليهم». فبالنسبة لنا، النائم والناسي والمغمى عليه، وهو نائم أثناء نومه ما بقدر أخاطبه، هو نائم، تقدر تخاطب واحداً نائماً فتقول: فلان، قم صلِّ؟ هو نائم، لا يمكن مخاطبته. واحد مغمى عليه في المستشفى على الأجهزة، هذا لو تظل تحكي معه من هنا لبكرة الصباح أصلاً هو مش صاحٍ، بالتالي لا معقولية لأن يكون مكلفاً أثناء فترة الإغماء. كذلك الناسي، الناسي في لحظة نسيانه هو مش متذكر، بالتالي في حالة النسيان لا يخاطب بشيء، وإنما بعد أن نذكره يصبح مخاطباً.

فهمتم يا إخوان؟ هؤلاء الثلاث يختلفون عن الصبي والمجنون، هؤلاء الثلاث دلت الشريعة على أن عليهم القضاء؛ لذلك ماذا قال النبي ﷺ: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» [البخاري ومسلم]. إذاً من الذي حكم أن النائم لو نام من الصبح للمغرب يجب أن يقضي كل الصلوات بخلاف المجنون لو أجن من الصبح للمغرب؟ ما يقضي شيئاً. الذي فرق بينهما هو الشارع، فأخبرنا ووجهنا إلى أن النائم والمغمى عليه والناسي، هؤلاء صحيح أنهم غير مكلفين في هذا الموضوع، لكنهم بعد أن يعودوا إلى الحالة الطبيعية عليهم القضاء.

من يعطينا أيضاً حديثاً يدل على عدم مؤاخذة النائم والناسي؟ أحسنت: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» [ابن ماجه]؛ هذا أيضاً مما استدل به بعضهم على أنه لا يكلف في حال النسيان.

طيب، الآن اعترض نفس الشيء، الاعتراض: طب هل هؤلاء يمكن تثبت عليهم أحكام وضعية؟ يعني لو الإنسان وهو ناسي خبط سيارة جاره، هل يترتب عليه الضمان؟ نعم، لأنه هذا حكم وضعي. لو الإنسان وهو نائم، بتعرف واحد بيتقلب وهو نائم؟ هو بيتقلب، وقع على واحد قتله، هكذا قال الفقهاء؛ نائم أخونا عم بيتقلب، أو واقع من السطح وقع على شخص قتله، عليه يضمن الدية ولا لا؟ نعم. طيب كيف يا شيخ يضمن الدية وهو نائم؟ قال: هي كلها أحكام وضعية، وجد السبب عليه المسبب، أنت غير آثم لأنك نائم، بس قضية أنه عليك دية، هذه الأحكام الوضعية ستبقى في ذمتك، فإياك أن تظن خلاف ذلك.

الآن وقع النقاش في قضية السكران، قال: «وسكران لا يعقل»، هل السكران عند الحنابلة يأخذ حكم النائم والناسي والمغمى عليه أو لا يأخذ هذا الحكم؟ هذه القضية التي بدنا نناقشها. وماذا قال عندكم ابن نصر الله الكناني؟ قال: «وسكران لا يعقل ألحقه بالنائم والناسي»، فمفهوم الكلام لابن نصر الله الكناني تبع الطوفي على أن السكران الذي لا يعقل...

خلص جاءته النشوة، هذا غير مكلف، لكن الحقيقة هذا الكلام هو قول وليس هو المعتمد في المذهب. دعونا نرى المرداوي ماذا قال في هذه المسألة؟

المرداوي، طبعًا المرداوي هو إمام المتأخرين وهو صاحب كتاب التحرير وشرح التحرير؛ لذلك أنا إذا بدي أعرف المعتمد عند الحنابلة في أصول الفقه، موسوعة التحرير وشرح التحرير هي الموسوعة الأساسية التي لازم أرجع لها وتكون في ذهن طالب العلم.

ماذا يقول المرداوي؟ يقول: «والصحيح من مذهب أحمد وأكثر أصحابه كالقاضي وغيره، ومن مذهب الشافعية والحنفية أنه مكلف». أتكلم عن السكران. يقول طبعًا هو تكلم عن السكران باعتبارين، قال: «ويكلف سكران يميز قطعًا بالاتفاق».

الآن السكران مرتبتان؛ في سكران أول شربه للسكر هو مدرك بس بلش هيك شوي يطفي، إذا ما زال السكران لم يصل إلى مرحلة النشوة والفصل، وهي بس مبادئ الطرب بدأت تظهر عليه، هذا تقول قطعًا مكلف هو لسه ما فصل بس بداية النشوة، فقال: «ويكلف سكران يميز الأشياء يكلف قطعًا».

قال: «وكذا من لا يميز»، يعني السكران إذا وصل لمرحلة النشوة وأصبح لا يميز أبدًا، قال: «عند أحمد وأكثر أصحابه وأبي حنيفة والشافعي»، فقال: «والصحيح من مذهب أحمد إذا كان السكران لا يميز بين الأعيان، بطل يعرف زيد بن خالد أو يخلط في كلامه وقراءته». واضح أن الزلمة مخلط بسبب سكره، فهذا محل الخلاف، والصحيح من مذهب الإمام أحمد أنه مكلف.

بل ابن برهان، وهذا كان حنبلي وبعدين مال وراح على مذهب الشافعية، قال: «مذهب الفقهاء قاطبة إنه مخاطب». طبعًا كلمة قاطبة تعمم على أنه هو أنا دائماً كما نقول في أصول الفقه؛ دعك من العبارات الاستعراضية مثل قاطبة أو قطعًا، بتلاقي مئة ألف خلاف وبيجي الفقيه والأصولي بيقول لك قاطبتهم. أصول الفقه صعب تأخذ الصافي كنسبة أقوال وكنسبة هيك القاطبة أو مش قاطبة، فبيهمك أنت تحليل المسائل بأدلتها أكثر.

الآن، ما دليل المرداوي على أنه مكلف؟ قال: قال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: «السكران ليس بمرفوع عنه القلم». هذه أول رواية عن الإمام أنه قال السكران ليس بمرفوع عنه القلم. وفي رواية أبي بكر بن هانئ، قال الإمام أحمد: «السكران ليس بمرفوع عنه القلم». وفي رواية حنبل يقول الإمام أحمد: «السكران بمنزلة المجنون المرفوع عنه القلم»، هذا جنايته من نفسه.

الآن تهممني هي الرواية، شو قال؟ «هذا جنايته من نفسه»، ليش فرق؟ إذا أحمد في المعتمد بين السكران والنائم والناسي والمجنون وهؤلاء؟ أحسنت، السكران هو الذي اختار هذا الطريق، فالعارض الذي حصل له باختياره، بخلاف الجنون والإغماء والنوم، هذا مش شيء أنت باختيارك، هذا شيء ينزل عليك من الله سبحانه وتعالى، فقال: «هذا جنايته من نفسه».

وحكى الإمام أحمد أيضًا عن الإمام الشافعي أنه كان يقول: «وجدت السكران ليس بمرفوع عنه القلم». إذًا هذا هو القول الأول حقيقة، وهذا هو معتمد الحنابلة؛ أن السكران يا إخواني مكلف. دعك من بعض التفاصيل الفقهية الاستثنائية، لكن الأصل فيها أنه مكلف.

واحد، أسباب تكليفه، وإن كنا نعترف أنه في حالة السكر هو كالمجنون من حيث الحالة العقلية. طيب ليش كلفته؟ لأنه هو الذي جنى على نفسه. ولو أن كل شخص بده يعمل مصيبة بيقول لك ما هو السكر مش مكلف، شو بيصير؟ بصير هذا المجرم يشرب خمر ويروح يقتل، يروح يعمل مآزني، يروح يعمل مصائب وحرائق، ويقول لك آخر شيء بعد ما يصحى: ما أنا كنت سكران، وأنا سكران غير مكلف! لا يا عمي، ويروح يعمل مشاكل مع زوجته وبيعمل طلاق، أشياء كثيرة ممكن يتوصل بها أصحاب الفجور إلى فجورهم بسبب السكر.

قال: «وخالف في ذلك»، شوف شو بيحكي لي المرداوي، «وخالف شيخ الإسلام بن تيمية»، قال: «والشيخ تقي الدين خالف، وابن عقيل الحنبلي، وابن قدامة في روضة الناظر -التي هي أصل الروضة- والطوفي». إذاً أنت تتبع ابن نصر الله الكناني لأنه هذا اختصار للطوفي. فإذا قال: «وخالف في ذلك شيخ الإسلام بن تيمية»، خالف هذه إذًا معناها المخالف هو شيخ الإسلام وابن عقيل، وهذا من أذكياء الحنابلة، والموفق في الروضة والطوفي قال: «ليس بمكلف».

قال: «ليس بمكلف لعدم تحرزه من المضار وقصده للفعل»، هو في حالة سكره لا يمكن أن يقصد فعلًا ولا يمكن أن يتحرز من الأشياء الضارة لعدم وجود العقل لديه. ممتاز، لكن قالوا هذا، لا، شيخ الإسلام والطوفي -لأن شوف القول الثاني هنا صراحة قول قوي وأعتقد له وجاهته بدرجة كبيرة- شيخ الإسلام بن تيمية وابن عقيل وابن قدامة، أنت بتعطي الشيخ والطوفي لما قالوا إنه غير مكلف، ما وجهة نظرهم؟

يقولون: نحن كونه غير مكلف، هذا لا يمنع من ترتب الأحكام الوضعية عليه. صح، يعني هو إذا طلق، موقع طلاقه كحكم وضعي، إذا سرق بده يغرم، إذا أتلف شيئًا رح يضمن؛ فنحن باب الغرامات وباب الطلاق وكل هذه الأبواب نحن مآمنين أنفسنا فيها لأنها هي حكم وضعي. فبالتالي أنتم من إيش خايفين؟ قضية أنه آثم بسبب سكره؟ خلص هو آثم بسبب سكره وسيحد عليه، لكن لا يُجمع عليه عقوبة أخرى. فأؤثمه لعدم صلاته في سكره، أو أؤثمه لعدم صيامه في سكره، أو أؤثمه لأنه ضرب شخصًا أثناء السكر؛ هو خلص آثم إثمًا واحدًا وهو إثم السكر، فليس عليه حد السكر، فلا يُجمع عليه أكثر من عقوبة. هذه وجهة نظرهم.

وحقيقة وجهة نظر برضه قوية، يعني بشكل من الأشكال هي وجهة النظر هذه قوية، لولا الذي يجعلنا نبقى على المعتمد هو الخوف من المجرمين الفاسقين أن يستعملوا هذه القضية، قضية السكر، وسيلة لارتكاب المحرمات. لا، إنما من الزجر لهم أن تخبروا أنه: أنت حتى لو سكرت أنت ما زلت مكلف، وسينزل عليك إثم عدم الصلاة أثناء سكرك وإثم ترك الصيام أثناء سكرك؛ لأنك أنت من اختار هذا الطريق وكونك أنت من تسبب به، فلا إشكال أن تكون بعد حصول المسبب وهو زوال العقل في أثنائه مكلفًا.

الهدف من هذا التكليف -أنا أعرف أنك لن تفهم شيئًا- الهدف من هذا التكليف تحملك أوزار ما ستقصر فيه، حالة حال الكافر، سياتي معنا أن الكفار مكلفون في فروع الشريعة مع أننا نعرف أنه لو الكافر بده يصلي رح تُقبل منه لا، طيب يقول لك شو الفائدة أني مكلف بالصلاة والزكاة وأنا كافر؟ هو كافر أنك يوم القيامة رح...

تتحاسب عليها، فأعتقد أن القول الأول قوته في تخويف السكران وإشعاره أنه قضية سكرك لن تحمل عليها فقط إثم السكر، بل ستحمل أيضًا آثام ما ستقصر فيه وأنت سكران، حتى ولو كان الخطاب لا يمكن أن تفهمه وأنت سكران، سنحملك أوزاره أنت من اختار هذا الطريق.

قال ابن نصر الله الكناني: «ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى»، مؤول الآن؛ سأعود للمتن هنا، ماذا يقصد بهذه الآية؟ أو لماذا ذكر هذه الآية بالتحديد؟ الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ﴾ [النساء: 43] هي من الآيات التي استدل بها الحنابلة في معتمد المذهب، وغير الحنابلة استدلوا بهذه الآية على أن السكران مكلف.

فأراد الطوفي وتبعا له بنصر الله الكناني أن يبطلوا هذا الاستدلال. أولًا كيف استدل الحنابلة وغيرهم بآية ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ﴾ على أن السكران مكلف؟ من يقول لي كيف تدل الآية على أن السكران مكلف؟ مالك؟ أحسنت.

إذن وجهة نظر الحنابلة في المعتمد أن الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ﴾ هي خطاب للسكران، أنه يا سكران وأنت سكران لا تصلِّ، هي خطاب للسكران في أثناء سكره ألا يصلي. وركزوا هنا، أصل الحبكة والخلاف بين الطائفتين هو: هل هي الآية خطاب للسكران أثناء سكره أنه لا يصلي، ولا خطاب له قبل ما يسكر، بحيث لا يقترب من وقت الصلاة، بلاش تدخل الصلاة وأنت سكران؟

هناك فهمان للآية؛ فهم الحنابلة في المعتمد والشافعية وغيرهم، وهو أن هذه الآية خطاب للسكران، أنه إذا كان في واحد سكران، ربنا يخاطبه ويقول له: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43]، طبعًا الحنابلة يدركون أنه لن يفهمها وهو سكران، لكن خلص هو مخاطب بها من جهة أنه سيعاقب على عدم امتثاله إذا صلى، فقط من هذه الجهة.

لكن الطوفي ماذا يقول؟ وهذا الذي يجعل هنا معقولية لرأي الطوفي حقيقة؛ يقول الطوفي: فاما قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ﴾ إلى آخر الآية، هذا جواب عن سؤال مقدر تقديره: أن قولكم إن السكران غير مكلف، يردّه قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ وهو خطاب للسكارى.

الطوفي يقول للحنابلة: هذه الآية ربنا يخاطب فيها السكران وهو سكران، إذاً هي خطاب للسكارى، وإذا كان السكران مكلفًا؛ لأن الله لا يخاطب الشارع إلا مكلفًا، فاستقر أنه مكلف. وجواب الطوفي الآن هو أن هذا الكلام ليس صحيحًا، وطريقة فهم الآية هكذا غير صحيحة، وهذا معنى كلام ابن نصر الله، والآية مؤولة لا تفهم بطريقة أخرى.

يقول الطوفي إن للآية تأويلين؛ التأويل الأول أن معنى الآية: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، أي لا تسكر ثم تقرب الصلاة، فالنهي عن ماذا إذاً؟ النهي عن السكر. وهذه أنتم تعرفون متى نزلت، نزلت قبل تحريم الخمر، لسه كان في مجال للصحابة أن يشربوا الخمر، فربنا في أثناء التدرج ماذا قال للصحابة؟ لا تسكروا بعدين تروحوا تصلوا، فإنه نهي لهم في حال يقظتهم عن السكر.

يقول الطوفي: معنى الآية لا تسكروا ثم تقربوا الصلاة، كقوله تعالى مثلاً: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 103]، هو نهي عن ماذا؟ عن الموت؟ لا، الموت ليس له دخل، إنما هو أن تحافظ على الإسلام إلى أن تلقى الله سبحانه، أي استمروا على الإسلام حتى يأتيهم الموت. وكقولك: لا تقرب التهجد وأنت شبعان، ما معنى لو قلت لك لا تقرب تهجد الليل وأنت مليء معدتك؟ أنت كيف تحللها ذهنياً؟ لا تأكل زيادة وحافظ على خفة نفسك حتى إذا جاء وقت التهجد تكون خفيفًا، هذا معنى الآية: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ﴾، ليس خطابًا للسكران وهو سكران أن لا يروح يصلي، ليس معقولًا أن يكون معناها لا تسكر لما يقرب وقت الصلاة، إذاً هو خطاب للإنسان المستيقظ أن لا يسكر قريبًا من وقت الصلاة، فانتفت حجتكم، إذا هي ليست خطابًا للسكارى.

فقولكم إن هذه الآية تدل على خطاب السكران كلام غير صحيح. وعمومًا أنا أتفق مع هذا، صحيح أنا أقرر أصل المذهب لكن لا أتفق مع هذا الدليل، الدليل ليس قويًا في الاستدلال به، لكن خليني أكمل. قال: وحاصل هذا أنهم خوطبوا في حالة الصحو، أي هم ليسوا سكرانين، ألا يقربوا الصلاة سكارى، لا، إنما خوطبوا في حالة الصحو، وهذا أوضح في الآية.

الجواب الثاني، ولكنه أضعف شوي؛ قال: والجواب الثاني أي أنه من وجد منه مبادئ النشاط والطرب ولم يزل عقله، ربنا يخاطب السكران وهو لسه ما وصل للنشوة، وهو في البدايات، أسكرت؟ خلص لا تقرب الصلاة. قال التأويل الثاني للآية: إنه خاطب السكارى قبل ما يفصلوا، خاطب السكارى في بداية الطرب، لسه لم يصل للنشوة، أنت الآن سكران في البداية قبل أن تصل للنشوة، خلص لا تقرب الصلاة، وهو إذاً ليس خطابًا للسكران في حال ذهاب العقل بل في البدايات. ونحن اتفقنا باتفاق الجميع أن السكران في البدايات مكلف، كما قال المرداوي بالاتفاق، قبل أن يصل إلى النشوة ما زال مكلفًا.

طبعًا هذا كلام يمكن أن يقال إنه خطاب في بداية السكر وليس في حال اكتماله، لكن الجواب الأول هو الذي يظهر لي أنه الأقوى، أنه خطاب لهم في حالة صحوهم ألا يسكروا قريبًا من وقت الصلاة، فالآية ليست أقوى ما يستدل به حقيقة لمذهب الحنابلة والجمهور، بل عليك أن تذهب للاستدلال بقضية العقاب، وأن تجعله مكلفًا عقوبة له حتى يترتب عليه العقاب، وهي أنا أحس أنها منطقية أكثر مع اعترافنا أنه لا يمكن أن يفهم شيئًا، فأنا أرجع هذا الدليل وليس الاستدلال بالآية.

وكلامه صحيح أنه ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ مؤولة، لذا يجب أن تؤول ولا تفهم على هذا، بس هو يريد أن يؤولها من أجل أن يحافظ على مذهبه أن السكران الذي لا يعقل ليس مكلفًا. طبعًا أنتم مركزين لماذا قال "وسكران لا يعقل"؟ لأنه صار هناك سكران في بداية سكره هذا يعقل، لسه مصحصح شوي، هذا مكلف بالاتفاق، أما هو يتكلم عن السكران الذي لا يعقل، فكلمة "لا يعقل" قيد هنا، قيد احترازي ينتبه له.

طيب من كان عنده سؤال تفضل؟ ايش هو؟ خلص بعدين بحكي أنا إياك بعدين.

بحديث القرآن، هذا الباب، والباب العاشر: الخمر. فهمت عليه قصة أن الخمر أم الخبائث. الحديث مر معنا في سنن النسائي أنه لما شرب الخمر فعل كل شيء، وأن الخمر -سبحان الله- إذا شربت فهي أم الخبائث، تؤدي إلى كل المنكرات.

بعدها الفكرة التي حكيناها، وهي أن هذا يصب في اتجاه الفكرة التي حكيناها، أن شرب الخمر هو سبب في الوقوع في كل أشكال الفجور الأخرى؛ فأنا لا أريد أن أعاقبك فقط على الشرب، بل ستحاسب على كل ما ستفعله أثناء السكر، لأنك أنت من أوصل نفسه لهذه النتيجة.

سريعًا، السكران إجبارًا: هذا أصلاً لا يدخل هنا في النقاش، لأنه حكم المجنون والمغمى عليه، هذا يوضع تحت المغمى عليه في مكان آخر يتكلم عن السكران الذي شرب الخمر جبارًا، هذا ليس داخلًا في المعنى، الأكيد هو الكلام عن من شرب الخمر وسكر باختياره، وأما من زال عقله بغير اختياره فهذا يدخل في حكم المجنون، يأخذ حكم المجنون إذا أُكره على شرب الخمر.

نأتي الآن إلى المسألة التي تريها: «والمكره مكلف مطلقًا»، وضع أن العدل الشرعي يأباه مردوده. هنا ابن نصر الله الكناني قرر قولًا ورد على الطوفي، حتى تعرف أنه حتى هم يختصرون ويردون على بعضهم، قال: «والمكره مكلف مطلقًا»، ما معنى أنه مكلف مطلقًا؟

دقيقة حتى أصل إلى نقطة البداية، الآن إخواني المكره عندنا نوعان: ملجأ وغير ملجأ. هنا ابن نصر الله الكناني لما قال: «والمكره مكلف مطلقًا»، ما معنى الإطلاق؟ قال: يعني سواء كان ملجأ أو غير ملجأ. غريب! هذا يخالف ما أخذناه في النظم الصغير. هنا ابن نصر الله الكناني اعتمد على الطوفي.

كيف عرض الطوفي المسألة في مختصره؟ شوف الطوفي ماذا قال في مختصره وكيف قال الحنابلة المتأخرون، قالوا: الطوفي أخطأ. قال الطوفي: «المكره قيل: إن بلغ به الإكراه إلى حد الإلجاء فهو ليس بمكلف، وإن كان لم يصل إلى حد الإلجاء فهو مكلف»، وهذا الذي قررناه في النظم الصغير، وهذا القول الأول هو مذهب الحنابلة.

لكن الطوفي ماذا قال؟ قال: «وقال أصحابنا» -وهم الحنابلة- «إنه مكلف مطلقًا»، سواء كان ملجأ أو غير ملجأ. ثم في شرحه ماذا قال؟ قال: حصل لنا من هذه الجملة من حيث النقل ثلاثة أقوال. الطوفي يقول هناك ثلاثة أقوال في تكليف المكره:

القول الأول: أن يكون المكره مكلفًا مطلقًا، وهذا الذي جعله قول الحنابلة سواء كان ملجأ أو غير ملجأ. الثاني: أنه غير مكلف أبدًا، وهذا قول المعتزلة؛ أنهم لا يمكن أن يكلفوا، وهذا مبني على مسألة التحسين والتقبيح العقلي عندهم. والقول الثالث: أن بلغ به الإكراه إلى حد الإلجاء، وهو أنه لا يصح منه الترك، كمن أُلقي من شاهق على إنسان فقتله، أو صائم أُلقي مكتوفًا في ماء فدخل الماء حلقه، فهذا ليس بمكلف، وإذا لم يكن ملجأ فهو مكلف.

ثم يقول الطوفي: «وهذا التفصيل حكاه ابن عقيل في الواضح»، وهذا التفصيل -أي التفريق بين الملجأ وغير الملجأ- حكاه ابن عقيل في الواضح عن بعض القدرية، والصحيح هو مذهب الحنابلة، والبعض قال القدرية ولا شيء، هو مذهب الحنابلة أصلاً، وهو المذهب المنطقي في هذا الباب، وقد بعد عهدي به، واختاره الآمدي.

المهم، أنا أريدك لما تقرأ كتب أصول الفقه القديمة أن تعرف أنها كتب عالية، وأن تعرف من أين يأتي الخطأ؛ الطوفي في تقريره لمذهب الحنابلة اعتمد هنا على ابن عقيل في كتابه الواضح. وابن عقيل وهو من أذكياء الحنابلة له كتاب اسمه «الواضح في أصول الفقه»، وهو موسوعة ضخمة أربع مجلدات ذكر مذهب الحنابلة بهذه الطريقة، لكن ابن عقيل من المتوسطين ولكنه لا يمثل رأيه بحد ذاته في المذهب، فعرض المسألة بهذه الطريقة.

والقول بأنه مذهب الحنابلة أنه مكلف مطلقًا هذا خطأ، لاحظوا ماذا قال الشيخ المرداوي في كتابه «التحبير شرح التحرير»: «وحكى الطوفي في مختصره عن الأصحاب أنه مكلف مطلقًا». هكذا يحكي المرداوي. قال ابن مفلح في فروعه: «وهو سهو»، يعني هذا ليس اجتهادًا، بل هو خطأ علمي، الحنابلة أبدًا ما قالوا هكذا، قال: «وهو سهو من الطوفي». ويعلق المرداوي: «وهو كما قال»، يعني كما قال ابن مفلح، هذا خطأ، هذه ليست مسألة فيها قول آخر، بل أخطأ الطوفي في تقرير المعتمد عندنا، أخطأ الطوفي وتبعه ابن نصر الله الكناني على هذا الخطأ؛ أخطأوا في تقرير المعتمد عند الأصحاب.

لماذا؟ ما قول الحنابلة المعتمد؟ يقول المرداوي -وسريعًا-: «والمكره المحمول كالآلة هو غير مكلف عند أصحابنا». إذاً ماذا يقرر المرداوي؟ أن المكره إذا أصبح كالآلة هو غير مكلف عند أصحابنا، بخلاف ما قاله الطوفي بأن المكره مكلف مطلقًا. المرداوي يقول لك: المكره المحمول كالآلة، إذا أصبح الإنسان كأنه كالآلة في يد غيره، قال: غير مكلف عند أصحابنا.

وهذا يتفرع عن مسألة ستأتي معنا إن شاء الله، وهي أن الحكم الشرعي لا يجوز تكليف الإنسان بما لا يطاق. في مسألة هل الله سبحانه وتعالى يكلفنا بما لا يطاق؟ فيها نقاشات كبيرة، لكن من حيث الواقع الشرعي: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. هذه قاعدة عظيمة، بالتالي لا يصير أي حكم شرعي فوق طاقة الإنسان، ولا حتى حكم أصولي؛ لا يجوز أن يكون حكم شرعي فرعي أو حكم أصولي ينتج عنه تكليف للإنسان بما لا يطيقه.

تكليف الملجأ الذي أصبح كالآلة في يد غيره هو شكل من أشكال تكليفه بما لا يطيق، واحد صار كالآلة في يد غيره، أتقول له: وأنت كالآلة في يد غيرك ستظل مكلفًا؟ الشيخ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. أنا فقدت إرادتي واختياري وكل شيء، أصبحت ماكينة فقط، ليس لي أي اختيار، ومع ذلك سأكلف؟ أليس هذا من التعنت علينا؟ فالصحيح إخواني أن الملجأ هذا غير مكلف.

سُلب اختياره وإرادته، وهذا هو المقرر عند أصحابنا، بل ماذا قال ابن قاضي الجبل؟ ابن قاضي الجبل أحد الحنابلة، وهو من تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، يقول يرحمك الله، يقول ابن قاضي الجبل: «إذا انتهى الإكراه إلى درجة سلب القدرة والاختيار فهذا غير مكلف إجماعًا». لا، انتظر، شوف ماذا قال؟ إجماعًا! فكيف يأتي الطوفي ويقول: «وعند الحنابلة هو مكلف مطلقًا، ملجأ أو غير ملجأ»؟ ابن قاضي الجبل ينقل الإجماع على أن الملجأ غير مكلف.

طبعًا المرداوي علق على نقله للإجماع قال: «وحكاية ابن قاضي الجبل الإجماع فيها نظر، إلا أن يريد أنه غير مأثوم، أنه قصد بالإجماع أنه لا يأثم»، فهذا مسلم. المهم بغض النظر فيها إجماع أو لا، لكن على الأقل جماهير المذاهب الفقهية، ومنهم أصحابنا الحنابلة، يعتقدون أن الملجأ غير مكلف. فإذا ما ذكره ابن نصر الله الكناني تبعًا للطوفي أنه مكلف، فهذا خطأ.

ونقرر المذهب، المذهب عند أصحابنا أن الملجأ لا يُكلف، لأنه أصبح كالإله، فسُلب الاختيار والإرادة، وهذا بالتالي ادعى أن يكون ليس فاهمًا للخطاب؛ الملجأ ليس فاهمًا للخطاب، يعني حاله حال الناس. وأما الذي لم يُسلب الإرادة والاختيار، المكره الذي لم يُسلب الإرادة والاختيار، ما زال عنده قدرة للإرادة والاختيار، هل هو مكلف ولا غير مكلف؟ أخذنا في النظم الصغير أنه مكلف، صح؟ لماذا قلنا إنه مكلف؟

أنت متذكر، أنا فاهم أنك فاهم بس ليس عارف أن تعبر. نحن قلنا هذا في النظم الصغير، لماذا؟ المكره، هل يصدق عليه أنه عاقل يفهم الخطاب؟ المكره غير الملجأ، المكره الطبيعي، هل يصدق عليه أنه عاقل يفهم الخطاب؟ نعم. طيب، كيف يقول لك: «أنت الآن واحد، كما قال لك، حاط المسدس على دماغك؛ يا بتروح تضرب فلان، يا بقتلك»؟ كيف جعله الآن في مسدس أو في ضرب أو مهدد بالسجن، إذا لم يفعل هذا الفعل فإنك ستُضرب أو تُسجن، وأنا في النهاية سأذهب مضطرًا لأفعله حتى لا أُضرب أو أُسجن؟ فكيف جعلتني مكلفًا وأنا تحت التهديد تحت التخويف؟

تفضل أن تحس أنك فعلته. أحسنت، أنت في النهاية هو وضعك تحت التهديد، بس هو أعطاك مساحة؛ يا إما تختار الحبس أو الضرب، يا تختار أن تفعل الذي أمرتك به. الآن أنت عاقل وأنت فاهم الخطاب، وأنت من سيختار؛ هل سأختار المفسدة الأدنى دفعًا للمفسدة الأعلى؟ والله يا عمي بدي أروح أفعل هذا الشيء الذي طلب مني أن أفعله دفعًا للسجن، دفعًا للضرب أو للقتل. فأنا صحيح لست سعيدًا وأنا أفعل هذا الشيء، لكني اخترت بإرادتي أن أفعله دفعًا للمفسدة الأعلى. فإذاً أنا عندي اختيار، صحيح أنا لست في كامل حريتي نحن متفقون، لكن أنت في النهاية من تختار وأنت من ستفكر؛ لأنه بإمكانك أن لا تذهب تفعل هذا الشيء وتختار الحبس.

يوسف عليه السلام ماذا قال؟ ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: 33]. قالوا له يا يوسف، يا بتفعل الفاحشة مع امرأة العزيز، شو اختار؟ «رب السجن»، يعني اختار الاختيار الأصعب. فقضية أن المكره غير مكلف عند أكثر أهل العلم غير صحيحة؛ المكره طبعًا غير الملجأ غير صحيح. لذلك ماذا يقول هنا المرداوي: «والمكره بالتهديد والضرب، هذه الحالة الثانية، والمكره بالتهديد والضرب مكلف عندنا»، أي عند الحنابلة وعند الأكثر، خلافا لمن؟ شوف ماذا قال المرداوي: «خلافًا للمعتزلة والطوفي».

الطوفي، هذا مغلبهم، ناشف حلقهم الطوفي! الطوفي لا، مش عارف أقول لك، لا يا عمي أنا لا أوافقكم يا حنابلة، أنا شايف أنه المكره، حتى المكره غير الملجأ، أنا أعتقد أنه غير مكلف. يعني الطوفي يرى أن قول المعتزلة باختصار هو ماشي مع قول المعتزلة، بس ليس لأنه أخذ من آخر، لأن الطوفي هذا بني آدم، ينصر الأشاعرة، هو ليس أشعريًا حتى يتشعر، يعني هيك بتشعر أنه يوافق هؤلاء، هو حر في البحر لحاله. الفكرة أن الطوفي يعتقد أن المكره ليس مكلفًا أبدًا، عكس ما نقل عن الحنابلة؛ هو نقل أن المكره مكلف عندنا مطلقًا، وهو يعتقد العكس تمامًا؛ أن المكره ليس مكلفًا مطلقًا. الآن الملجأ اتفقنا نحن متفقون معه، بس غير الملجأ، المكره الطبيعي، لماذا أنت تراه يا طوفي غير مكلف؟

أولًا خلينا نقرر مذهبنا، مذهبنا كما قال المرداوي: «أن المكره بالتهديد والضرب مكلف عندنا وعند الأكثر، خلافًا للمعتزلة والطوفي»، نص على اسمه. لماذا؟ ما الدليل للحنابلة؟ قال: «لصحة الفعل منه وتركه»، وهي الفكرة التي حكيناها، أنه ما زال يستطيع الاختيار، ما زال يستطيع الاختيار، وحتى لو أُكره على الصلاة، لو أُكرهت أنك تريد أن تصلي، هو يستطيع أن يصلي مكرهاً وفي نفس الوقت ينوي ماذا؟ الطاعة لله سبحانه وتعالى، فبالتالي يصح منه الفعل الشرعي حتى ولو وقع إكراه؛ يتصور منه النية، يتصور منه قصد الامتثال، لأنه هذا قصد داخلي، فهو لم تُسلب الإرادة والاختيار.

ولهذا، والدليل على أنه أيضًا لم تُسلب الإرادة والاختيار، أنه لو أُكره على أن يقتل شخصًا أو تُقتل أنت، هل يجوز لك أن تختار أن تقتل الآخرين؟ لو أكرهتك: «يا بقتلك، يا تقتل مسلمًا»، في هذه الصورة من الإكراه ما يصير تختار الأسهل لأن نفسك ليست بأعز من نفس إخوانك. فإذا أُكرهت، إما أن تقتل أنت أو يُقتل أخوك، لا، بموت أنا ولا يجوز لي أن أقتل غيري. طيب إذا قتلت غيري، كلاكما سيحاسب؛ المكره هو مكرِه، وكلاهما سيقتص منه، لن نعفو عنك لأنك والله كنت مكرهاً. تمام، زي هؤلاء الذين تجدهم في النظام السوري الذين قتلوا الناس، تقول له: يا شيخ أنا والله كنت مكرهاً، أنا مالي دخل، هم... لا، أنت بدك تقتل مع سيدك الذي أمرك بالقتل؛ لأنه لا يجوز لك أن تنفذ هذه الأوامر التي تأمرك بقتل إخوانك من المسلمين.

طيب، لكن هنا نريد أن نفهم قضية الآن قبل أن ندخل مع الطوفي ونقاشه، أنا يهمني الآن أن أقرر المذهب. إذاً المذهب عندنا أن المكره، يا إخواني، مكلف، هذه كقاعدة أصولية؛ المكره مكلف ويوجه إليه الخطاب. لكن المرداوي مع ذلك ماذا يقول ويصحح أو يقرر؟ قال: «تنبيه: هذه المسألة، مسألة المكره، وإن قررنا في المعتمد عند الحنابلة أنه مكلف، لكن هذه المسألة مختلفة الحكم في الفروع في المذهب». يعني لما تأتي تنظر في أحكام...

المكره في الفروع الفقهية، في باب البيوع، في باب النكاح، في باب الصلوات، والحاشية، هذه في باب الأقضية؛ تجد أن الفروع ليست مضطردة مع قاعدة أنه مكلف، ولا مع قاعدة أنه غير مكلف. أحيانًا يخففون عنه ويقولون: خلص لا يصح منه هذا لأنه مكره، وأحيانًا يشددون ويقولون: لا، يثبت عليه الحكم ولو كان مكرهاً لأنه ما زال مكلفاً.

فستجدهم في الفروع الفقهية هناك تداخلات مع علل أخرى وأبواب أخرى تجعلهم في بعض الأحيان يغلبون الأصل أنه مكلف فيبنون عليه أحكاماً، وفي بعض الأحيان يعفون عنه لأنه مكره. ستجد في الفروع الفقهية أحياناً يعامل على أنه فعلاً مكلف ومخاطب لأنه مكلف، وفي بعض المسائل والفروع ستجد أنهم يخففون الحكم عليه؛ لماذا؟ لأنه مكره، وهو مكره وليس حاله كحال المختار الصحيح.

لذلك لاحظ المرداوي هذه القضية فقال تنبيه: هذه المسألة مسألة تكليف المكره مختلفة الحكم في الفروع في المذهب بالنسبة إلى الأمور القولية التي تصدر من المكره، زي طلاق المكره، ظهار المكره، بيوع المكره، أنكحة المكره؛ الأمور القولية التي تصدر منه ماذا سينبني عليها من أحكام؟ والأفعال التي أيضاً تصدر منه.

وكذلك تختلف أحكامه في حق الله وفي حق العبد. إذا كان المكره فعل شيئاً في حق الله، ربنا بيسامح بحقه، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، لكن إذا أنت أكرهت على أشياء في حق الناس؛ هذه مبنية على المشاحة. فيقول لك: وفي حق الله وفي حق العبد على ما لا يخفى.

والأشهر عندنا -انظر ماذا يقول المرداوي- يقول: والأشهر عندنا نفيه في حق الله وثبوته في حق العبد. اكتب هذه القاعدة؛ هذا يسمى ضابطاً فقهياً: أن المكره غير مؤاخذ في الأمور التي بينه وبين الله، كأن قال كلمة الكفر إكراهاً، أو قال كلمة من الأمور التي لا تجوز في حق الله إكراهاً، فيما بينه وبين الله معفو عنه، وأما في معاملاته مع الناس، فالإكراه لا يعفيك فيما يتعلق بحقوق الناس.

ولذلك كما قلنا، لو قتل غيره، هل يجوز له أن يقتل غيره لأنه أكره على القتل؟ لا. وكذلك مسألة لو أكره على الزنا، لو أنه أكره على أن يزني بامرأة، هل يجوز له أن يزني بها؟ كثير من الحنابلة يقولون: لا يجوز له أن يزني بها ولو كان الإكراه بالقتل؛ فبالنسبة لحقوق العباد الأشهر عندنا أنه لا يسامح وأنه مكلف، وبالنسبة لحقوق الله ينفع عنه الإثم والحرج.

وضابط المذهب أيضاً أن الإكراه لا يبيح الأفعال وإنما يبيح الأقوال. يعني الأصل في الإكراه أنه يعطيك مجالاً في الأقوال؛ كأن تشتم شخصاً لو أكرهتك، أو تفتري على شخص بمشيها إذا أكرهت في الأقوال، وأما في باب الأفعال فالأصل أنه لا يعتبر. طبعاً هنا الكلام عن ماذا؟ لأننا قلنا الآن في حق الله منفي وفي حق العباد مثبت، لكن في النهاية يفرقون بين الأقوال والأفعال؛ فإذا أكرهت في حق العباد في أقوال تجاههم ممكن نغض الطرف، لكن في أفعال تجاههم لا يغض الطرف.

ثم ماذا قال بعد ذلك؟ قال: وإن اختلفوا حتى في بعض الأفعال هل يعتبر فيها الإكراه ولا لا؟ لا يعتبر فيها الإكراه. هذا يعطيك كم مسألة معقدة؛ نحن الآن قلنا الإكراه أنت مسامح فيه في حق الله، لكن لست مسامحاً فيه في حق العباد، وفي حق العباد نفرق بين أن تُكره على فعل تجاههم أو تُكره على قول تجاههم؛ باب الأقوال على الأقل يخفف فيه، أما باب الأفعال فلا مؤاخذ عليه.

ولكن بعض الأفعال لما نأتي لكلام الحنابلة برضه مختلفين، نأخذ ولا لا نأخذ؛ مما يدل على أن القضية التي يفعلها المكره تدخلها عدة اعتبارات حتى ننتج الحكم النهائي: هل نعفو عنه بسبب إكراهه أم لا نعفو عنه؟ حسب حجم الموضوع وحجم القضية والمفاسد في الواقع الخارجي، فلا تؤخذ قضية المكره وحدها عندما تصدر الحكم عليه، بل يجب أن تنظر في المفاسد والأمور المتحلقة حولها. هذا ما يمكن أن تفهمه من حيث الفروع، بس من حيث الأصول خلص كقاعدة أصولية أن المكره غير الملجأ مكلف.

طيب، نأتي الآن عند صاحبنا الطوفي؛ الطوفي ابن نصر الله رد عليه، وله توجه معين. يقول الطوفي في صفحة 199، وأنا سأختصر الكلام، أولاً حاول الطوفي أن يستعرض لنا ما سبب الخلاف في هذه المسألة؛ لماذا هناك خلاف؟ هل المكره مكلف أو لا؟ هذه بدي أنبهكم عليها يا شباب يا أصوليين: مهم جداً في علم أصول الفقه أن تعرف أسباب الخلاف في المسائل الأصولية.

هذا حقيقة من أبرز الأمور التي يعتني بها الطالب الأصولي أن يعرف أسباب الخلاف، لأن الكثير من أسباب الخلاف تعود إلى قضايا عقدية، وبعضها إلى قواعد لغوية، وبعضها إلى قواعد أصولية أخرى. ولذلك من أبرز الكتب التي تكلمت في هذا وبرزت كتاب «سلاسل الذهب» للإمام الزركشي؛ فكرة الكتاب هي أن يذكر أسباب الخلاف في المسائل الأصولية، فيستعرض مسائل أصول الفقه ويقول لك: هذه المسألة منشأ الخلاف فيها اختلاف في كذا وكذا، هي المسألة سبب الخلاف كذا وكذا. كتاب جيد جداً صراحة، كتاب «سلاسل الذهب» للإمام الزركشي الشافعي رحمه الله عليه.

يقول الطوفي، خلينا نأتي الآن لهذه المسألة: ما سبب الخلاف عموماً؟ هل المكره مكلف ولا لا؟ ذكر سببين من أسباب الخلاف. السبب الأول: الخلاف في مسألة عقدية، تخيل أن هذا الأمر متعلق بمسألة عقدية وهي مسألة خلق أفعال العباد.

الآن المعتزلة ماذا يرون؟ المعتزلة يرون أن أفعال العباد من الذي خلقها؟ الإنسان نفسه، أنت تخلق فعلك بنفسك، هكذا يقول المعتزلة. الأشاعرة بالعكس، على مذهب الجبرية، يقولون إن الله سبحانه وتعالى هو الذي يخلق أفعالنا، بس يزيدون نفي تأثير العبد في هذا الموضوع. نحن أهل السنة والجماعة ما رأينا؟ أن الله يخلق فعلنا ولكن للعبد أثر في ذلك، فأنا سبب في وجود فعلي. أما الأشاعرة فهم ينفون السببية أصلاً، فبالتالي يقولون العبد هو الذي يخلق، وعبر الأشعري بكلمة الكسب، والعبد كاسب، وهي إحدى الأمور التي لم يفهمها أحد؛ قالوا من أشياء غير مفهومة: طفرة النظام، وأحوال بني هاشم، وكسب الأشعري؛ يعني ما أحد فاهم ما هو الكسب. في النهاية نحن ربنا الذي خلق ولا...

العبد الذي خلقه الله، ممتاز. هل أنا مؤثر أم لا؟ لا، أنت ليس لك تأثير، أنت فقط كاسب. ماذا استفدنا من كلمة كاسب؟ كيف يكسب العبد؟ هل يعبر الأشاعرة عن أن كسب العبد يعني إما أن أكون مؤثراً أو غير مؤثر؟ فليس هناك حل ثالث؛ فإذا كنت غير مؤثر، فقل إنك على رأي الجبرية وانتهينا، وإذا كنت مؤثراً، فقل إن العبد مؤثر.

أنا لا أقول إنك صاحب أثر، فإذا كنت في النهاية على رأي الجهمية أنك مجبر، فلا. هو قال أيضاً أنا لست على رأي الجهمية؛ فماذا تريد في النهاية؟ قالوا نعطي قضية الكسب، أن هناك كسباً، أن للعبد كسباً، فقالوا إنها جملة مجملة غير مفهومة.

والحق أن الخلاف في هذه المسألة مبني على خلق الأفعال؛ فمن رأى أن أفعال العباد هي خلق الله، ماذا قالوا؟ قالوا بتكليف المكره. فمن قال إن أفعال العباد هي خلق الله، قالوا بتكليف المكره، وسوف نعرف لماذا. والذين قالوا إن أفعال العباد خلق من العباد، وهم المعتزلة، قالوا بعدم تكليف المكره.

لنحاول أن نفهم الرأي الأول الذي قال إن أفعال العباد هي خلق الله؛ لماذا في وجهة نظرهم يجب أن يكون المكره مكلفاً؟ قالوا: وفق إرادته تعالى لها، صار التكليف بها واجباً. خلاصة ما يقولون حتى لا تشغل رأسك: الذين يقولون إن أفعال العباد ربنا خلقها فينا، ستصل في النهاية إلى أن كلا الرأيين خاطئ.

عندما يقول الطوفي: «والخلاف مبني: هل الله خلق أفعالنا أو لا؟»، فهو سيذكر مذهبين: الأشاعرة والمعتزلة. وأهل السنة غير مذكورين في المنتصف أصلاً، وهذا يعطيك دليلاً أنه لما تدرس كتب أصول الفقه، يجب أن تكون ضابطاً لعقيدتك حتى لا تضيع في زحمة الأقوال وتضيع مسألة كبيرة في أصول الفقه.

يقول الطوفي: «إذا تقرر أن الطائفة الأولى الذين يقولون إن الله خلق أفعالنا ونحن ما لنا علاقة، نحن مجبرون، وإذا تقرر أن سائر التكليف الإنساني تكليف بغير مقدور، فالذين يقولون إن الله أجبرنا على هذه الأفعال». معنى كلامهم أن كل أفعالنا ليس لنا قدرة عليها ولا اختيار فيها أصلاً. كل أفعالك -حتى الصلاة والصيام والزكاة- الله خلق فعلك فيها وأنت لا قدرة لك عليها.

على رأي الأشاعرة، كل أفعالنا نحن مجبرون عليها وليس لنا قدرة عليها، فكل أفعالك التي تدخل في أحكام التكليف، وأنت تعلم أنك لا تقدر على شيء منها، هذا فيه انفصام. يقول الطوفي: «وإذا تقرر أن سائر التكليف الإنساني هو تكليف بأشياء غير داخلة تحت قدرة العبد لأنها كلها من خلق الله، فأكثر ما يقال في المكره أنه مكلف بما هو غير مقدور».

في الوضع الطبيعي أنت لا تقدر على أفعالك، فالمكره والمغير سواء، فبما أن غير المكره مكلف، فإن المكره أيضاً يكون مكلفاً في النظر الأشعري. أما في النظر المعتزلي، فقد قال: «ومن لا يرى أفعال العباد مخلوقة لله، لم يرَ تكليف المكره أبداً».

لأن المعتزلة سموا أنفسهم «أهل العدل»؛ وعقيدتهم هي أن العبد يخلق فعله بنفسه. إذا درست عقيدة المعتزلة ستجد عندهم المبادئ الخمس، المبدأ الثاني هو العدل، والعدل عند المعتزلة هو أن العبد يخلق فعله بنفسه وأن الله لا يخلق أفعالنا. ووجهة نظرهم أن الله كيف يحاسبك على شيء هو خلقه؟ لكي يحاسبك يوم القيامة يجب أن تكون قد خلقت فعلك بنفسك، هذا هو العدل عندهم.

قالوا لأن المعتزلة سموا أنفسهم أهل العدل لأنهم قالوا أفعال العباد مخلوقة لهم لا لله سبحانه وتعالى تحقيقاً لعدله، إذ لو خلقها ثم عاقبهم عليها فكان ذلك جوراً. وحينئذ لا يتأتى على قولهم -وهو أن التكليف كله بغير مقدور- أن يلحق به تكليف المكره بطريق أولى.

إذا اعتقدت طريقة المعتزلة بأن العبد يخلق فعله بنفسه، فلن تمشي معك طريقة الأشاعرة؛ فالأشاعرة استدلوا على أن المكره مكلف بأننا في الوضع الطبيعي غير قادرين على أفعالنا، والمكره غير قادر أيضاً، فصار مكلفاً. أما المعتزلة فهم شطحوا في الجهة المقابلة، فقالوا نحن نخلق أفعالنا، وبالتالي ما دمنا نخلق أفعالنا، فمن القبيح أن يحاسبنا الله.

ركز معي في هذه الفكرة: المعتزلة قرروا أن العبد يخلق فعله بنفسه هروباً من وصف الله بالجور، لأنهم يرون أن محاسبتك على شيء خلقه الله هي ظلم. فهم يريدون تقرير العدل، فقالوا ما دام العبد يخلق فعله بنفسه، فإنه لا يجوز أن يحاسبك الله على شيء فعلته بسبب الإكراه.

وأنته مكره، لأنه جور أيضًا؛ بنوا على هذا شكلًا من أشكال الجور، أنه أن تكون مكرهًا لواحد. يا شيخ حاط المسدس على رأسي، فرحت أنا اضطررت أعمل هذه الشغلة مشان ما أقتل؛ إذا أنا ما فعلت هذه الشغلة باختياري، إذا جور وظلم من الله أن يحاسبني على هذا الشيء. فإذا مدوا فكرت الجور والعدل إلى هذه الصورة، إذًا من الطبيعي أن يكون عندهم المكره غير مكلف، هذا هو السبب الأول، سبب عقائدي. الآن في سبب ثاني ذكره، وهو السبب الذي أعتقد أنه أكثر منطقية حقيقة.

قال وذكر الكناني، وهو أحد الأصوليين أظن له كتاب في أعلام الأحكام في أصول الفقه: غيره خلق فعله؛ لأنه في النهاية هو الذي فعل. لما واحد يهددك فتروح أنت تفعل شيئًا، لا، أنت الذي فعلت، بس لم تفعله باختيارك بل بإكراه، وهذا بالتالي أيضًا شكل من أشكال الظلم أني أحاسبك على شغلة أنت فعلتها وأنت مكره. فحتى يترجموا هذه النظرية متكاملة، لازم تكون ما دمت أنا رفضت الظلم والجور، مشان هيك صرت أحكي أن العبد يخلق فعله بنفسه. بدك تضطرد في كلامك وتقول: إذا أُكره الإنسان على شيء، حتى لا أكون ظالمًا يجب ألا أحاسبه على شيء فعله وهو مكره.

خلينا نيجي على قال: وهناك مأخذ آخر للمسألة ذكره الكناني، وهو في التخويف والإكراه؛ ما يتضمن ضرورة الفعل لداعي الطبع أم لا؟ أعيد لك صياغة العبارة بالسهولة: هل وجود التخويف والإكراه يضطر الإنسان اضطرارًا للعمل المكره عليه بسبب داعي الطبيعة أم لا؟ الآن داعي الطبيعة أنه الإنسان شو بخاف؟ أنه الإنسان إذا قلت له يا عمي رح أسجنك، يا أخي طبيعة الإنسان لا ما بدي أنسجن. إذا قلت له رح أضربك، داعي الطبيعة بقول لك أنا ما بدي أنضرب، ممتاز. فهل وجود التخويف والإكراه يضطر الإنسان حقيقة للعمل المكره بسبب وجود داعي الطبع أم لا يضطره؟

إذا قلنا أن وجود التخويف والإكراه يضطر الإنسان اضطرارًا باتجاه العمل المكره بسبب داعي الطبيعة، إذًا هو غير مكلف. وإذا قلنا لا، مجرد وجود التخويف والإكراه لا يضطر الإنسان اضطرارًا ليتجه باتجاه الفعل المكره، بل يبقى عنده مساحة من الاختيار يفكر من خلالها، إذًا يبقى المكره مكلفًا. وأيهما أقرب إلى المنطق؟ الثاني، أنه صحيح أن الإنسان داعي الطبيعة فيه ما بحب حدا يكرهه، وبخاف من السجن، وبخاف من الإكراه والتهديد، لكن هذا لا يجعل ذهابه للشيء الذي أُكره عليه اضطرارًا، بل يبقى ذهابه إليه اختيارًا؛ بس هو اختار أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما. فالذكر هذا أن يكون هذا هو منشأ الخلاف أقرب مما جعله الطرف الأول أنه الخلاف عقدي، والمشكلة بين الأشاعرة والمعتزلة في هذا. وإن كان لا أستطيع أن أقول إنه ليس له مأخذ، يعني ممكن فعلًا يكون المعتزلة أحد أسباب قولهم إن المكره غير مكلف هي مبنية على أنه ماذا؟ على قضية العدل والجور عندهم، لكن قضية الأشاعرة أعتقد أنها تحتاج إلى نظر، هل هذا هو فعلًا مأخذ الخلاف؟

المسألة المهمة، خليني أرجع للطوفي حتى نختم الكلام مع الطوفي. الطوفي وافق المعتزلة بس ماذا قال؟ هو مش معتزلة الطوفي بالعكس، ويرد على المعتزلة أصلاً هو، ويوافق الأشاعرة في كثير من تقريراته، بس هو هنا في هذه المسألة بالتحديد وافق المعتزلة. فماذا قال؟ قال: والعدل الشرعي الظاهر يقتضي عدم تكليف المكره. شوف شو قال الطوفي: والعدل الشرعي الظاهر يقتضي أن نقول إن المكره غير مكلف. فإيش يعني والعدل الشرعي الظاهر؟ أنت يا طوفي، أنا فاهمين هو مش معتزلة.

لاحظ ماذا قال: قال لله سبحانه وتعالى في خلقه تصرفين. لله سبحانه وتعالى في خلقه تصرفين: في تصرف قدري وفي تصرف تكليفي، يعني ربنا سبحانه وتعالى تعامل معنا في أمور قدرية، وهذا خطاب القدر، وفي أمور تكليفية، وهذا خطاب الشرع. في قدر وفي شرع، صح ولا لا؟

الأمر الأول في تصرف الله معنا: أحدهما الأمر التكويني بحكم إيجاده واختراعه لنا، فبذلك التصرف أي بالامر التكويني يفعل ما يشاء من تكليف ما لا يطاق وغيره. يعني الله سبحانه وتعالى بالنسبة لنا صاحب الأمر القدري، له أن يفعل فينا ما يشاء، وله أن يكلفنا بما يطاق وما لا يطاق، اليس كذلك؟ ما دام هو صاحب القدر، من حيث القدر والوجود والكون هو قادر أن يكلف المكره وأن لا يكلفه، قادر أن يجعل فلان كافر وفلان مؤمن، قادر أن يفعل ما يشاء وما يريد، فمن حيث الأمر القدري يفعل ما يشاء لا معقب لحكمه.

قال: وأما العلاقة الثانية بنا، العلاقة التكليفية التشريعية؛ الأمر التكليفي بأن يأمرنا بالطاعات ويتركنا بالمعاصي ويأمرنا بترك المعاصي. ففي هذا النوع الثاني وهو التكليف، سلك سبحانه وتعالى مع الخلق مسلك أهل العدل من المخلوقين بعضهم مع بعض. شوف شو بيحكي: بالنسبة لقضايا التكليف الله سبحانه وتعالى عاملنا كما أهل العدل فينا بيعاملوا بعضهم البعض. بس هو كان بده يقيس الخالق على المخلوق، الطوفي بده يقيس فعل الخالق على فعل المخلوق هنا. هسه لو أنت كنت أستاذ في صف وكان عندك طالب، وهذا الطالب عمل شيئًا غلط، بعد ما حققت معه عرفت أنه مكره وأنه في واحد طالب أبضاي هو اللي أجبره يعمل هذه الشغلة، أنت كأستاذ شو راح تعمل لما تعرف أن هذا الطالب لم يفعل هذا الفعل باختياره؟ لا، في واحد أكرهه عليه من الطلاب هؤلاء الكبار، أنت ما راح تحاسبه، راح تقول: خلص، والله رح أروح أحاسب هذاك لأذبحه. بعد ما عرفت أن أنت مكره، وقول الناس في طبيعتها وأهل العدل في الأرض مع بعضهم البعض إذا عرفوا أن الشخص مكره على شيء يتجاوزون عنه، فكذلك عدل الله الظاهر يجب أن يكون على هذه الطريقة، وبالتالي لا يحاسب سبحانه وتعالى المكرهين على أعمالهم، فيجب أن يكونوا غير مكلفين، هو هيك بده يفكر الطوفي.

قال: فسلك معهم مسلك أهل العدل بعضهم بعض، فلم يكلفهم محالًا في الظاهر. هو بده يأكد لك أن الله سبحانه كيف أنه لما عاملنا في الظاهر عاملنا باللطف وكما يعامل بعضنا بعضًا، قال: فلم يكلفهم سبحانه بشيء مثلًا محال، شيء خارج عن الطاقة. بإزاحة جميع عللهم؛ فإذا كان هناك علة تمنعك من فعل شيء، قال سبحانه ما بكلفك فيه. فمثلاً المرأة إذا تعذر عليها المحرم هل يجب عليها الحج؟ لا. الرجل إذا لم يستطع ركوب الراحلة هل يجب عليه أن يذهب إلى الحج ولا ينيب؟ لما نظرنا في هذه الأحكام وجدنا أن الله يعاملنا باللطف والإعذار، فلم يكلف المرأة شيئًا فوق طاقتها، ولم يكلف الرجل الذي لا يستطيع الركوب؛ لا، بدك تركب إلى الحج. عاملنا باللطف وأزاح عنا جميع العلل وغير ذلك من التخفيفات، ولم يوجد منه سبحانه تكليف لنا بما لا يطاق في مسألة من مسائل الفروع ولا الأصول إلا مسألة خلق الأفعال، هي سيبنا منها.

قال: وهذا هو العدل الظاهر. إيش الخلاصة؟ وهذا هو العدل الظاهر أن سبحانه لا يحاسبك ولا يكلفك حتى تكون العلل كلها مزاحة عنك، فإذا كنت مكرهًا، لا، في علة، وبالتالي ليس من العدل أن يحاسبك مع وجود هذه العلة. طبعًا لاحظوا أن هنا هو قاس أفعال الله على أفعال المخلوقين، وهذه مشكلة، هي أصلًا نوع من الإشكال، وهو هنا سلك طريقة المعتزلة، طريقة المعتزلة أصلًا كلها تقوم على قياس أفعال الله على أفعال المخلوقين في باب الفعل هنا، صراحة سلك طريقة المعتزلة.

نعم، لا في غير الملجأ؛ كلامه في المكره الطبيعي غير الملجأ. هسه الملجأ احنا متفقين معه عليه. لا لا، هنا يا شيخ يتكلم عن أصل المسألة، عن أصل المكره غير الملجأ، أما الملجأ احنا متفقين معه، ويتكلم أنه من باب العدل أنني إذا عرفت أن شخصًا مكرهًا أنني لا أحاسبه في حالة إكراهه، هذا ما يريد أن يقوله الطوفي. وقد قال الله سبحانه لأنه قال: وهذا هو العدل الظاهر، فمقتضى نعم أنه لا يكلف المكره؛ لأنه كالآلة. يعني هو يعتبر أن المكره غير الملجأ أصبح كالآلة كالمكره الملجأ، مش أنه يريد أن يتكلم عن المكره غير الملجأ. قال: والحامل له على الفعل غيره. شوف شو قال: والحامل له على الفعل غيره. فهو لا يقصد بالمعنى الملجأ لا، هو يقصد المعنى الآخر، وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164].

نعم، لا هو نقل مذهب الحنابلة، قال وقال أصحابنا، نعم هو بخالف الحنابلة، هو أصلًا المرداوي مش قال لك وقال أصحابنا وخالفنا الطوفي؟ فالطوفي بيمشي على طريقته هو، يعني شو بيقتنع بيمشي، هي طريقة جميلة نوعًا ما، أنك تشعر أنه في إنسان حر، وأنا بحب هذه الشخصيات، اللي هو متمذهب بس تمذهبه ما خلاه زي ما بدهم اليوم البعض، بعض المتمذهبين: أوعك تفكر، أوعك تناقش، لا، مش هيك التمذهب؛ بدي أظلني أفكر وأناقش وأنقح حتى أصل لقناعة. أنا مش إنسان بدي أقفل عقلي تمامًا لأني متمذهب، بس برضه بظلني محافظ على الخطوط العريضة. طبعًا كلام الطوفي رحمه الله عليه كيف يمكن أن يناقش هنا؟ لاحظ ابن نصر الله الكناني ماذا قال عندكم في المتن: ودعوى أن العدل الشرعي مردودة. على مين برد هنا؟ على الطوفي؛ لأنه هو شو قال؟ هيك عبارة الطوفي: العدل الشرعي الظاهر يقتضي عدم تكليف المكره. فابن نصر الله مش موافقه، شو بيقول له: ودعوى أن العدل الشرعي الظاهر يابى تكليف المكره، هذه الجملة مردودة عليك. طبعًا هو لم يذكر سبب الرد، كيف ممكن نتناقش ونقول سبب الرد على الطوفي؟

أه، هسه هو بس ابن نصر الله الكناني هيك قال: العدل الشرعي الظاهر يابى تكليف المكره. يقول المرداوي ابن نصر الله الكناني: هذه العبارة مش صحيحة من الطوفي، مين قال لك أن العدل الشرعي الظاهر يابى تكليفه؟ تفضل.

ممكن، أولاً نرجع نقول قضية الزنا والقتل، أنت يا طوفي ماذا ترى؟ لو أن الإنسان أُكره على قتل إنسان، هل ترى أنه يحرم عليه أن يقتل ولا لا؟ يقول لك: نعم، أرى أنه يحرم عليه أن يقتل ذاك الشخص. طيب، يلا، هذه كيف العدل الشرعي الظاهر يابى؟ هو حل الطوفي مش قليل، الطوفي شو حكى؟ قال: الإنسان إذا وصل لمرحلة أنه أُكره أن يقتل هو أو يقتل أخاه، وصل لمرحلة قال: خارج التكليف. قال: أنت إذا وصلت لمرحلة أنك أُكرهت، يا بتموت يا بتقتل غيرك، أنت هون صرت في مرحلة خارج التكليف. لا هون أنا بزعل منك، أن هذا الكلام فيه تحكم، يعني ليش هون صار خارج التكليف؟ وذكر هذا هو ايش يقول، والجواب عنه أن ترجيحه بقاء نفسه على قتل غيره -يعني أن تختار قتل غيرك مقابل أن تحافظ على نفسك- قال: يخرجه عن حد الإكراه. عفوًا، عفوًا مش أنا قلت خرج عن حد التكليف، خرج عن حد الإكراه، حتى أكون دقيق سامحوني. أن ترجيح قال: إذا أنت أُكرهت يا بتقتل نفسك يا بتقتل غيرك، وأنت اخترت أن تقتل غيرك مشان تحافظ على نفسك، قال هذا يخرجه عن حد الإكراه، مات مكرهًا. قال: فلا يكون مكرهًا. وأنا هون نقاشي: كيف لا يكون مكرهًا؟ شو بده يصير يعني؟ أنا مكره، كيف لا يكون مكرهًا؟ طيب خلينا نشوف بقنعنا ولا نحن بنقنعه.

قال: وبيانه أن أعظم ما يكون به الإكراه القتل، بأن يقال لزيد مثلًا: إن قتلت عمرًا وإلا قتلناك. إذا أجينا لزيد قلنا له: يا بتقتل عمر وإلا قتلناك، هنا قال: فيقع التعارض عنده بين أن يقتل عمرًا فيسلم هو، أو يمتنع عن قتل عمر فيقتل هو، فقد دار الأمر بين تفويت نفسه وبين تفويت غيره، وهما سواء بالنسبة إلى عدل الشارع، يعني نفسك ونفس غيرك سواء، أنت نفسك مش أذكى من نفس غيرك ونفس غيرك مش أذكى من نفسك، كلاكما في عدل الشارع سواء، فإذا أقدم المكره على القتل فقد رجح بقاء نفسه على فواتها وبقاء نفس غيره، فصار في هذه الحالة مختارًا وخرج عن حد الإكراه. حقيقة كلام يعني في وجهة نظري يحتاج إلى نظر. يقول: فإذا أقدم على قتل غيره فقد رجح بقاء نفسه فصار مختارًا. حقيقة هذه القضية موجودة في جميع الصور، أنه أنت في النهاية ستخير بين أمرين، وأنت تختار، في نوع من الاختيار بقي لك، في نوع من الاختيار بقي لك أن تختار نفس الشيء أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما. فإذا قلت فصار مختارًا فخرج عن حد الإكراه، لا، كلمة فصار مختارًا موجودة في جميع صور الإكراه.

هنا أنا بخالف الطوفي، قوله فصار مختارًا، كما أنه في مسألة استبقاء نفسك وقتل غيرك في عندك اختيار، الاختيار موجود في كل الصور. يعني كان ينبغي على الطوفي ماذا أن يقول حقيقة؟ كان ينبغي عليه أن يبقى موافقًا للمذهب، لكن يقرر ما قرره المرداوي، أنه وجود الإكراه صح يجعله مكلف، لكن يقتضي منا أن نخفف عنه في تفاصيل الفروع، صح؟ وهذا اللي سلك الحنابلة، أنه نحن من حيث الأصول هو مكره لكن سنلحظ الإكراه في أثناء تقريراتنا الفقهية، فسنخفف عنه في باب الأقوال، نخفف عنه في بعض الصور؛ ملاحظين أنه مكره مع بقايا أنه مكلف، أما أنك تنفي أصلاً أنه مكلف سيتعارض كلامك هنا في مسألة القتل مع تأصيلك هناك، فأنت تجعل المكره.

على القتل، والله بطل مكره وخرج عن حد الإكراه؛ لأنه صار مختارًا، والاختيار موجود في جميع الصفات. فبالتالي، أكثر ما يعترض به على كلام الطوفي قضية الإكراه بالقتل؛ أن الإنسان لو أُكره بالقتل لا يجوز له أن يفعل، ويُخاطب وهو مُكره ألا يفعل، إذاً هو مُكلف على الأقل في بعض الصور.

وقولك إنه صار كالإله في تقريرك السابق؛ قسط الملجأ غير الملجأ على الملجأ، برضو هذا في بعد؛ لأن هو ليس كالإله حقيقة، ما زال في مساحة من الاختيار موجودة عنده، وبالتالي عدل الله وحكمه الله تقتضي أن يخفف عنه في بعض الاختيارات، لكن لا تقتضي وتلزم وجوب رفع التكليف عنه تمامًا، وهذا خلاصة ما يمكن أن يقال هنا.

كفينا مشايخ عشان نأخذ الـ... خلينا نكمل. عن الفقه، الكفار مخاطبون بفروع الإسلام، وقيل بالنواحي منها فقط، وقيل لا مطلقًا. سأعلق سريعيًا على هذه المسألة: قضية الكفار، هل الكافر مكلف ولا غير مكلف؟ نحن قلنا التكليف عقل، ففهم خطاب الكافر عاقل، إذاً هو مكلف. فقال الحنابلة: الكفار مخاطبون بفروع الإسلام.

الآن نريد أن نشوف ما فائدة هذه المسألة، وما مأخذ الخلاف فيها؟ يعني في ناس بتخالف يقول لك الكفار لا، مخاطبون فقط بالأصل وهو شهادة أن لا إله إلا الله، إذا شهد أن لا إله إلا الله بعدها أخاطبه بفروع الإسلام. أولًا أريدك أن تفهم المسألة؛ جمهور الفقهاء والأصوليين على أن الكفار مخاطبون بالتوحيد، ومخاطبون بالصلاة والزكاة وترك الربا وغض البصر وعدم أكل مال اليتيم، وكل هذه الأشياء مخاطبون فيها.

الطرف الآخر ماذا يقول؟ يقول يا عم هذا كلام ليس صحيحًا، كيف تقول هو مخاطب بالصلاة والزكاة وغض البصر وهو ليس مسلمًا؟ يعني لو راح صلى وزكى، هل تقول صلاته صحيحة؟ تقول لا، لأنه ليس مسلمًا. إذاً الأصل تقول إن الكفار مخاطبون بأصول الشريعة، ولا تقول إنهم مخاطبون بفروعها. حقيقة الجمهور لا يخالفون ذلك، ويقولون الكفار كما هم مخاطبون بأصول الشريعة، مخاطبون أيضًا بفروعها.

ما هو سبب الخلاف بين القولين؟ هنا الطوفي ذكر سبب الخلاف وهو سبب صحيح، يقول الطوفي: سبب الخلاف كما ذكره ابن الحاجب في مسألة صار فيها خلاف، هل حصول الشرط الشرعي شرط في صحة التكليف، أو ليس شرطًا في صحة التكليف؟ هل حصول الشرط الشرعي للعبادة شرط في صحة التكليف بهذه العبادة، أو ليس شرطًا في صحة التكليف بهذه العبادة؟ لقد عدلت العبارة حتى تكون أوضح.

لنأخذ مثالًا لنفهم: الله سبحانه وتعالى أمرنا بعبادة الصلاة، ومن شروط الصلاة الطهارة. هل نقول الإنسان ليس مكلفًا بالصلاة حتى يتطهر، فإذا تطهر صار مكلفًا بالصلاة؟ أم نقول: إذا دخل وقت الظهر أنت مكلف بالطهاره، فإذا فعلت الطهارة -وهي شرط الصلاة- بعد ذلك تصبح مكلفًا بالصلاة؟ أم أنت مكلف بالصلاة وبما لا تصح الصلاة إلا به وهو شروطها؟ أنت مكلف بالصلاة وبما لا تصح الصلاة إلا به وهو وضوؤها.

قالوا نفس الشيء بالنسبة لهذه المسألة: هل نقول الكفار مخاطبون بالصلاة والزكاة، ومخاطبون بما هو شرطها وهو ما لا تصح الصلاة والزكاة إلا به وهو الإسلام؟ أو نقول لا، هم فقط مخاطبون بالإسلام، فإذا أسلموا صاروا مخاطبين بفروع الشريعة؟ هي قاعدة واحدة تدخل تحتها جميع هذه المسائل؛ فالصحيح والصواب أن الإنسان مخاطب بالعبادة وبما لا تصح العبادة إلا به من الشروط، وهذا كما يكون في الصلاة، أنت مخاطب بها وبما لا تصح إلا به كستر العورة والطهارة. كذلك في مسألة الكفار، فهم مخاطبون بالصلاة وبما لا تصح الصلاة إلا به وهو الإسلام. ولذلك نحن بالأمس عندما أخذنا في شروط الوضوء، قلنا في شروط الوضوء أول شيء شروط الإسلام والعقل، فهو شرط، لكن أنت مخاطب بالوضوء وبما لا يصح الوضوء إلا به، ومخاطب بالصلاة وبما لا تصح الصلاة إلا به؛ فالصحيح إذاً أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.

ما فائدة هذه المسألة؟ هل يعني سنذهب إلى كل كافر ونقول له: تعال صلِّ، تعال زكِّ، تعال صُم رمضان معنا؟ ما الفائدة وهو ليس مسلمًا؟ وهذا يعني في الدولة الإسلامية اليهود والنصارى الذين يعيشون معنا، لا نذهب إليهم ونقول لهم: تعالوا صلوا وزكوا، نحن ندعوهم للإسلام عمومًا، فإذا أرادوا دفع الجزية انتهينا. فما فائدة هذه المسألة؟

قالوا لها عدة فوائد؛ أول فائدة ذكرها الطوفي في الصفحة 211 في آخر نص، وهي فائدة وجوب فروع الإسلام على الكفار، وعقابهم على تركها في الآخرة. هي أول شيء أنهم سيعاقبون على تركها يوم القيامة، وهذا من أدلة صحة هذه المسألة. الله عز وجل لما يخاطب الكفار: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: 42-46]، فإذاً هم لم يعاقبوا فقط على الكفر، بل عوقبوا على ترك الصلاة وعدم إطعام المساكين، وإذا عوقبوا على أشياء كثيرة ومنها فروع الإسلام، فالفائدة الأولى هي عقابهم على تركها؛ فالكافر سيعاقب في جهنم على تركه التوحيد، وعلى ترك الصلاة والزكاة وغض البصر وأكل الربا وما شابه ذلك.

ثم يقول الطوفي: «وقلت وهذه الفائدة -أعني عقابهم على ترك الفروع في الآخرة- بعض الأصوليين يعينها»، يعني بعض الأصوليين عندما يذكر ثمرة هذه المسألة، مسألة أن الكفار مخاطبون، يذكر أن الفائدة هي أنهم يعاقبون في الآخرة فقط، لكن بعضهم ذكر فوائد أخرى لها، ولذلك أنا حريص على نقل كلام الطوفي هنا. الطوفي اعتمد على القرافي، والقرافي أحد أئمة الأصوليين، في شرح تنقيح الفصول، والقرافي ذكر فوائد أخرى لهذه المسألة؛ مسألة أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.

أولاً: إذا قلنا إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، فهذا يفيد في ماذا؟ قال في تيسير الإسلام على الكافر: لما تقول للكافر أنت مخاطب بفروع الشريعة، أنا أيسر الإسلام عليه، كيف ييسر الإسلام عليه؟ قال: لأنه الكافر إذا علم أنه مخاطب بفروع الشريعة ربما سهل عليه فعلها دون فعل أصلها وهو الإيمان. شوف كيف يفكر القرافي؛ أنت عندما تأتي لكافر تقول له: ترى أنت مأمور أن تترك الربا أيضًا، ومأمور...

إنك تغض بصرك، قال: ربما الكافر يسهل عليه ترك الربا وغض البصر، وإن كان صعب عليه الإيمان فيسهل عليه أن يفعل هذه الفروع، وإن كان لم يفعل أصلها. طيب، شو رح يستفيد إذا فعل الفروع وهو لم يفعل التوحيد؟ قال: لأن فروع الشريعة لماذا الكافر قد يحب فعل بعض فروع الشريعة وإن لم يفعل أصلها؟ قال: لأن فروع الشريعة كلها حسن من حيث العقل؛ فالشريعة تأمر بكل شيء حسن حتى في العقول البشرية، قال: لأن فروع الشريعة كلها حسن عقلاً تميل الطباع إليها. وقد كان في الجاهلية من ليس بينه وبين أن يكون ولياً لله إلا الشهادتان؛ يعني بيقول لك بعض كفار قريش، يعني أبو طالب، لو سألتك أبو طالب فش بينه وبينه يكون من أعلى المجاهدين في سبيل الله إلا أنه ما تشهد؛ يعني بينه وبين أن يكون بطلاً مجاهداً ونعمل له التمثال لأنه نصر الدعوة إلا أنه بس ما قالش الشهادتين.

فيقول: إذا فهمنا ذلك، قال أيضاً: هو ذكر مثال حاتم الطائي، قال: مثل حاتم الطائي على ما عرف من جوده؛ يعني بيسمع قصص حاتم بيقول لك هذا رجل يتبرك به، بس المشكلة أنه لم يقل يوماً: يغفر لي خطيئتي يوم الدين. طيب، من حيث محبته للجود ومحبته للعدل ومكارم الأخلاق ومن حيث التوكل والإيمان بالمعاد، قال: وبعض من أدرك الدعوة الإسلامية أجاب إلى جميع ما وردت به، لكنه امتنع من الصلاة لما فيها من إرغام الأنوف. المهم أنه يريد يقول لك أنه فعلاً الكافر قد يسهل عليه فعل بعض فروع الشريعة وإن كان لم يفعل أصله. طيب، شو رح يفيده هذا الكلام؟ نحن بدنا في الأخير شو رح يفيده، مش وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا؟ فيقول: فإذا علم الكافر أنه مخاطب بها -أي بفروع الشريعة- وفعلها بنية الطاعة والإجابة لداعي الشرع وإن لم تكن له نية صحيحة بسبب كفره، بس هو خلص نوى أنه يفعلها طاعة، فربما يسر الله عليه الهدى ببركة ذلك المعروف.

والبر إخواني، في كثير من الكفار بيسلم آخر عمره بسبب أنه كان يبر والديه، ربنا بيوفقه للإسلام بسبب شيء جميل عمله في حياته، ربنا ببركة هذا الشيء الجميل اللي عمله قد يهديه للإسلام ويدخله فيه، يعني يوفقه للإسلام في آخر عمره. ويروى في الحديث أن المؤمن ليختم له بالكفر بسبب كثرة ذنوبه، قال: فنقيس على هذا الآن كلام القرافي أن يختم للكافر بالإيمان بسبب كثرة حسناته. شو فهمتوا من هذه العبارة؟ قال: فيناسب ذلك أن يختم للكافر بالإيمان بسبب كثرة حسناته. شو معنى هذه العبارة؟ طيب، أن يختم للكافر بالإيمان بسبب كثرة حسناته، شو معنى كلام القرافي هنا؟ فيوفق لأيش في آخر.. هذا الكلام هو المفهوم، أنا ليش أنا متعجب من كلام الشيخ عبد الله التركي في الحاشية لما رد على الطوفي وقال له: وهذا كلام فيه نظر، فإن الختم للكافر بالإيمان بكثرة أعماله يتنافى مع النصوص التي تقول: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].

الحقيقة كلام الشيخ عبد الله غير صحيح، ما أعتقد أن الشيخ -على جلالة قدره طبعاً، الشيخ عبد الله وهو محقق شهير- لم يدرك ماذا قصد الطوفي أو القرافي بهذه العبارة. هو لم يقصد القرافي أن الإنسان الكافر إذا فعل أفعالاً صالحة أن الله سبحانه وتعالى لما يميت سيقبلها منه حتى تعترض عليه، هو يقول: فيناسب أن يختم للكافر بالإيمان بسبب كثرة حسناته، يعني أن الكافر بسبب كثرة حسناته ربنا بيوفقه للإيمان في اللحظات الأخيرة من حياته، وهذا معنى صحيح. فما بنعترض عليه أنه لا كيف تقول أنه سيموت على الإيمان وهو مات كافراً؟ ما قال لك أنه هو، بيقول لك سيوفق للإيمان، هو سيوفق للإيمان؛ فأنا بس حبيت أنبه على أنه اعتراض الشيخ عبد الله في غير مكانه في هذا المكان.

طيب إذا شوف هذه الفكرة الجميلة اللي اقترحها القرافي بهذه المسألة أنه: احكوا للكفار أخبار أنكم مخاطبون بفروع الشريعة، لعل وعسى يعملون بها فيوفقهم ذلك إلى الإيمان في آخر أعمالهم. هي فائدة أخرى. ثالثاً ومنها: الترغيب في الإسلام، فإن الكافر إذا علم أنه مخاطب بالفروع وأنه يثبت في حقه الوجوب والحظر، وقد أتى منها الكبائر كالقتل والظلم والفساد وأنه آثم لذلك، وأن إثم ذلك لاحق له، ثم عرف أن الإسلام بمجرد أن يسلم سيجب كل ما قبله؛ يعني أنت لما تحكي للكافر: ترى شايف إنك بتزني والله تتحاسب على الزنا، وهذا والله تتحاسب على الربا، فإنه هو بخاف شوي شوي، فلما تقول له: بس شوف، إذا أنت أسلمت الإسلام بيمسح عنك كل خطاياك اللي فعلتها، هذا بتعطيه دافعية، بقول لك: يا عمي خليني أسلم وأخلص من ورطة كل الزنا والربا والفواحش اللي فعلتها، فهذا إذاً شكل من أشكال ترغيبه في الإسلام.

أيضاً ومنها -أي من فوائد هذه المسألة-: الحكم بتخفيف العذاب على الكفار بفعل بعض الخيرات وترك بعض الشرور يوم القيامة، وهذا منطق صحيح؛ الكفار اللي ما حاربوا الإسلام عذابهم يوم القيامة زي الكفار اللي حاربوا الإسلام؟ لا، فالنار دركات. فمن فائدة هذه المسألة أن الكافر إذا بر الوالدين وأطعم الطعام وأمن الناس وكان إنساناً جيداً وبيشتغل بحقوق الإنسان والمنظمات الإغاثية وبيعمل أشياء منيحة، مرة حكى لك كلمة منيحة لإخواننا في غزة، ممكن هذا يكون سبباً في تخفيف العذاب عنه. فإذا قلت له: ترى أنت مخاطب بفروع الشريعة فاعمل أشياء منيحة في حياتك، ماشي هي الأشياء ربنا ما رح يتقبلها منك كثواب، بس إنك بتخفف حالك في نار جهنم والعياذ بالله، برضه بتكون هذه المسألة فوائد.

إذاً هذه فوائد عامة. الآن هل لها فوائد من حيث الأحكام التكليفية العملية بالنسبة للفقه الإسلامي؟ حقيقة نعم، وفي كتب الفروع الفقهية يذكرون عدة مسائل يبنونها على هذا، منها مسألة الكفار هل يملكون أموال المسلمين بالغنيمة أو لا؟ يعني إذا كفار هجموا على ديار مسلمين وهجروا منها المسلمين وحطوا أيديهم على أموالهم وبيوتهم، هل الكفار المحاربون يملكون بيوت المسلمين بالسيطرة عليها؟ الآن من قال إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة شو بقول؟ بقول: لا يملكون، ليه؟ لأنهم محرم عليهم أن يملكوها؛ هي أموال أخذوها بغير حق، وهم كما لا يخاطبون بالإسلام يخاطبون بعدم الاعتداء على أموال الناس. فمن قال إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة ماذا سيقول؟ ليس لهم أن يملكوا هذه البيوت.

القول الثاني وهو قول طائفة كبيرة من الفقهاء يقولون: لا، إن الكفار يملكون بيوت المسلمين إذا استولوا عليها في الغزو، يملكونها وتعتبر ملكاً لهم، بنوها على أن ماذا؟ على أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، وبالتالي الكافر إذا استولى على بيت لمسلم في أثناء الغزو والحر، فقد أصبح مالكاً له. طيب يا شيخ الاستيلاء على أموال الآخرين بغير حق؟ ما هو ماشي، بس هو غير مخاطب بهذا الحكم. هسا بعد ما يجي الإسلام ونصير نحاول نقنع فيه، الآن النبي عليه الصلاة والسلام لما عاد إلى مكة ماذا قال لصحابته المهاجرين: وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟ ما معنى هذا؟ أن الصحابة لما هاجروا إلى المدينة، كفار قريش وضعوا أيديهم على أموالهم وبيوتهم، فصاروا في حكم المالكين لها؛ لذلك لما فتحت مكة ما في واحد من المهاجرين صار يدور على بيته، تعال أنت كنت هذا بيت يطلع منه، ما حدا رجع على بيته، ليه؟ لأنها خلص ذهبت وأصبحت في ملك هؤلاء القوم.

مسألة طويلة مش هذا موطن النقاش، وستجد أمثلة كثيرة يذكرها الفقهاء لقضية الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، لكن حتى أكون واقعياً هذه الأمثلة التي يذكرونها هي من قبيل الحكم الوضعي وليست من قبيل الحكم التكليفي، يعني كل الأمثلة سواء مسألة ملكهم لأموال المسلمين أو مسألة ظهار الكافر، الكافر إذا ظاهر عند الحنابله عليه كفارة، بس هذه الكفارة تكون بالإطعام، هذا كل ما ستجده مذكوراً، أن الكافر عليه، هذا كله حقيقة ليس من قبيل الحكم التكليفي بل من حيث الحكم الوضعي، بس هو مخاطب من حيث الحكم التكليفي نعم، بس أثر هذا أين سيظهر؟ يوم القيامة، والفائدة اللي حكيناها قضية تيسير الإسلام عليه وما شابه ذلك، أما أنه أجى أقول له تعال بدي أخاطبك بهذا الحكم التكليفي الفرعي في الدنيا، لا يقع هذا، وإنما يكون من قبيل الحكم الوضعي.

هل العقد هذا يصح ولا لا؟ والتكليف عليّ أنا كمسلم مش عليه هو، يعني أنت حرام تبيع، بس هو بالنسبة له الحكم هل يصح الشراء ولا لا كحكم وضعي، صح ولا باطل؟ أما هو كنفسه لن يخاطب، بدليل أنه هو لو اشترى من يهودي مثله رح يصحح البيع، هم في أنفسهم أهل الذمة لو اشتروا فيما بينهم سيصحح البيع كحكم وضعي، وإن كان من حيث الحكم التكليفي سيحاسبون عند الله على إفطارهم؛ فالحكم التكليفي هنا بالنسبة لك أنت، وأما بالنسبة له هو سيشتري من صديقه اليهودي.

طيب القول الثاني في المسألة بس حتى أختم به، أنه إذا الكفار مخاطبون بفروع الإسلام، وقيل بالنواهي منها فقط، اللي قال: في بعض العلماء قالوا الكفار لا يخاطبون بالأوامر لكن يخاطبون بالنواهي، هذا القول الثاني وإن كان مش مذهبنا، بس برأيكم إيش علته؟ واضحة أظن علته، اللي قال إن الكفار مخاطبون بالأوامر وليس بالنواهي، أو مخاطبون بالنواهي ومش بالأوامر، ماذا ستكون العلة؟ الأوامر تحتاج لنية، الصلاة الزكاة تحتاج لنية حتى تصح، فبالتالي قالوا لا يخاطبون بها، أما النواهي لا تزني لا تشرب الخمر أنت بإمكانك لا تزني تشرب الخمر بدون نية أصلاً؛ فالنية لا تصح من كافر، فالأشياء التي لا تحتاج إلى نية -شو هي؟ النواهي- لا يحتاج تركها إلى نية، بخلاف الأوامر فهي تحتاج إلى نية فلا يخاطبون بها، هذا رأي من رأى التفريق بين الأوامر والنواهي.

والقول الثالث قال: إنه لا يصح تكليفهم مطلقاً، هؤلاء ركزوا على قضية أنه يعني في الحياة الدنيا لا فائدة من تكليفهم، بس الفكرة أنه نقول لا، هو في فائدة من تكليفهم للآخرة، ونصوص الشريعة ظاهرها تدل على أنهم مكلفون بها، خاصة آية المدثر: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾. هيك بنكون انتهينا من مناقشة من يدخل في حد التكليف ومن لا يدخل؛ عرفنا أن الصبي مميز ولا غير مميز ليس مكلفاً، المجنون ليس مكلفاً، النائم ليس مكلفاً وإن كان يقضي، الناسي ليس مكلفاً وإن كان يقضي، المغمى عليه ليس مكلفاً وإن كان يقضي في بعض الصور، السكران قلنا المعتمد أنه مكلف، طيب المكره إيش اسم المعتمد في المذهب؟ إذا كان ملجأ غير مكلف، وإذا كان غير ملجأ مكلف، الكفار مكلفون؛ هيك بس احفظها هيك أنت رتبها كأفكار عامة. وهيك بنكون ناقشنا ماذا يحصل والاعتراضات والأمور، الآن سننتقل الدرس القادم لبيان الفعل المكلف به ما شروطه وضوابطه. وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.