غراس العلم، طريقك نحو علم شرعي راسخ.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. حياكم الله في مجلس جديد من التعليق على مادة بلغة الوصول في علم الأصول. وصلنا إلى باب مباحث دلالات الألفاظ المتعلق بالكتاب والسنة، وسيتطرق إلى الأمر والنهي والعام والخاص والمطلق والبيان، إلى عموم يعني ما يتعلق بمباحث دلالات الألفاظ. وهنا المصنفون يختلفون في وضع مبحث دلالات الألفاظ؛ يعني بعضهم يفضل أن يوضع مبحث دلالات الألفاظ بعد الكلام عن الإجماع وقول الصحابي والقياس، البعض أو يؤخرون القياس لكن يفضلون دلالات الألفاظ بعد الكلام عن الإجماع وقول الصحابي، البعض لا، يقول لك بعد الكتاب والسنة مباشرة تكلم عن دلالات الألفاظ؛ لأن دلالات الألفاظ عموماً -التي هي الأمر والنهي والعام والخاص والمطلق والمقيد- هي إنما يعتنى بها عادة أين؟ في الكتاب والسنة، نعم. يعني هناك يحتاج إليها، وقول الصحابي يعتبر تبعاً؛ لأنه غير متفق على قوله مصدر تشريعي، فقضية أين توضع مباحث دلالات الألفاظ؟ عليك أن تفهم أن في كتب أصول الفقه يختلف أين يضعها الأصولي، وهذه مسألة اصطلاحية تتعلق بطريقة ترتيب الكتاب لا حرج فيها.
نبدأ الآن بالأمر فنقول: الأمر. بسم الله، بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، قال رحمه الله تعالى: «الأمر طلب فعل غير كف استعلاء». طب الآن شرع مباشرة في تعريف الأمر عند الأصوليين. مشكلة تعريف الأمر وتريف النهي -وقد ذكرت لكم ذلك في النظم الصغير- أنها متأثرة بالعقائد؛ يعني هنا أصلاً في أربع خمس مسائل ستأتي معنا في باب الأمر، كلها لها علاقة بالعقيدة والصراع العقدي بين الأشاعرة والمعتزلة، تتأثر بهذه المسائل. فأول مشكلة تأثرت بالعقيدة هي تعريف الأمر، فماذا عرفه جمهور المتكلمين ممن صنف في أصول الفقه؟ الأمر قال: الأمر طلب فعل غير كف، تمام، قضية استعلاء حطها في الأخير بس. الآن جعلوا الأمر هو إيه؟ هو الطلب، وقد بينت في النظم الصغير أن الأمر في الحقيقة هو ليس الطلب، الأمر في دلالات الألفاظ؛ الأمر هو اللفظ الدال على الطلب، أما تعريف الأمر بأنه الطلب، فهذا يسير على طريقة الأشاعرة في أنه ماذا؟ في أن الكلام ما هو؟ في أن الكلام هو النفسي وليس الصوتي. في العقيدة الأشعرية، الكلام ما هو الكلام عندهم؟
هو المعنى القائم في النفس، ويقسمونه إلى خبر وإنشاء، ويقسمون الإنشاء إلى أمر ونهي واستفهام. فالذي يسير على المنظومة الأشعرية؛ تقسم تقسيم الكلام عنده إلى خبر وإنشاء، والإنشاء إلى أمر ونهي وزي ما حكينا واستفهام إلى غير ذلك، هذا كله تقسيم للمعاني النفسية. والالفاظ عند الأشاعرة -الالفاظ الصوتية- هي تعبير عن المعاني النفسية ليس أكثر، فالالفاظ عند بعضهم لا تسمى كلاماً، وبعضهم يقول: لا يعني حتى أكون أنا منصفاً مع الأشاعرة أيضاً، أن بعض الأشاعرة يقول الكلام مشترك، تعرف المشترك اللي أخذتموه مع الفقهاء؟ مشترك يطلق حقيقه على المعنى النفسي، وحقيقه على الصوت اللساني. والقسم الآخر من الأشاعرة يقول: لا، يقول الكلام هو حقيقه المعنى النفسي، واطلاقه على الصوت اللساني مجاز؛ يعني هي خلافات داخل الأشاعرة. وأما أهل السنة والجماعة فيسيرون على ما تقتضيه اللغة ابتداء، أن الكلام حقيقة في الصوت اللساني ومجاز في المعنى النفسي، فإذا أطلقت الكلام وأردت المعنى النفسي بتحتاج قرينة، وأما إذا قلت كلاماً بدون قرينة فيحمل على الصوت اللساني.
هذا الاختلاف في المنظومة الفكرية يؤثر في أصول الفقه في التقسيمات والتعريفات؛ فهم لما جعلوا الكلام هو المعنى النفسي وقسموه -عادي مش الكلام سواء نفسي ولا لساني- خبر وإنشاء؛ شيخ يقسم الخبر ما يحتمل الصدق والكذب، الإنشاء ما لا يحتمل الصدق والكذب، الإنشاء بيقسموه إلى طبعا انشاء طلبي، انشاء غير طلبي، اللي بيفعرف في اللغة شوي. فالإنشاء من أقسامه، من الإنشاء الطلبي، أمر ونهي واستفهام. فالآن أصبح الأمر، إذاً ما هو الأمر؟ نوع من أنواع الإنشاء، والإنشاء هو نوع من أنواع الكلام. طيب الكلام ما هو عندهم؟ النفسي، إذاً الإنشاء سيكون شيئاً نفسياً، إذاً أنواعه ستكون أموراً إيش؟ نفسية. فاصبح الأمر الآن، إذا بدك تعرف الأمر باعتباره شيئاً نفسياً، ما هو الأمر في النفس؟ الأمر أني بدي أطلب من فلان يفعل هذا الشيء، هيك معناه. الأمر كمعنى نفسي هو أن يقوم في قلبي أنني أريد أن أطلب من عثمان القيام، أو أريد أن أطلب من فلان الجلوس؛ فالامر بالمعنى النفسي هو ما عرفوه: طلب فعل غير كف.
طبعا ليش شو بقولوا غير كف؟ نعم، استثناء النهي، استثناء ايش؟ النهي. استثناء النهي، لأن النهي -وهي مرت معنا في أول- هل النهي فعل؟ لما ينهانا عن أشياء، هل النهي فعل؟ نحن قلنا نعم، النهي أيضاً فعل، بس ما هو الفعل المطلوب في النهي؟ فلو قالوا في تعريف الأمر هو طلب فعل وسكتوا، لدخل النهي في الأمر، ليه؟ لأن النهي أيضاً هو طلب فعل، بس ما هو الفعل المطلوب في النهي؟ هو الانكفاف. وما هو الفعل المطلوب في الأمر؟ لا، هو شيء وجودي مطلوب منك تفعله. فحتى نفرق بين الأمر والنهي، كان لابد من الاستثناء، فنقول: الأمر هو طلب فعل، لكن هذا الفعل ليس هو الكف؛ لأنه إذا كان الفعل هو الكف ما عاد أمرا صار نهيا. طيب إذا الأمر طلب فعل غير كف، نقول: هذه على طريقة الأشعرية.
والأشاعرة لأنهم يعرفون الأمر النفسي، فبالتالي يحصل عندهم بعد ذلك الخلاف، فبعضهم قال: طلب فعل غير كف على وجه الاستعلاء. شو يعني على وجه الاستعلاء؟ أن يكون المتكلم يشعر شعوريا أنه أعلى من السامع المخاطب، يعني أن يكون الأمر يشعر شعورياً أنه أعلى من المامور، حتى ولو ولو لم يكن في الواقع كذلك؛ يعني ممكن واحد شوي مضروب على دماغه، شوي جاي بحكي مع الملك بيقول له: قوم من مكانك! تمام. هس من حيث الواقع إيهما أعلى من الآخر؟ أكيد الملك أعلى من المواطن، لكن هذا المواطن هيك شوي جاي محمس وشايف حاله نفسياً فبيحكي للملك: قوم من مكانك! قوم. فنقول هذا أمر ليه؟ لأنه طلب فعلا منه وهو شاعر بالاستعلاء، وإن لم يكن في الواقع كذلك، وإن لم يكن في الواقع أنت أعلى منه. فالاستعلاء هو شعور نفسي حقيقة.
الحنابلة الذين تأثروا بالعقيدة الكلامية هنا، يقولون: هو طلب فعل غير كف على وجه العلو. حتى الحنابلة هم لا يوافقون ابن نصر الله على تعريفه -والذي هو أخذه من الطوفي طبعا- لا، بقولوا له: نحن بنقول الأمر طلب فعل غير كف على وجه العلو. طب شو الفرق بين العلو والاستعلاء؟ أحسنت، العلو الحقيقي. فعلى هذا المواطن اللي إجا قال للملك: قوم! شايف حاله مستعلي، هل هذا كلامه يعتبر أمراً عند الحنابلة في المذهب؟ لا؛ ليه؟ لأنه صح أنت شاعر بالاستعلاء، بس أنت في الحقيقة أدنى. حتى يكون علو حقيقي، آه، إن الملك يحكي للمواطن: قوم! آه هنا طلب فعل غير بكف على وجه العلو. لكن كل هذا نحن لا نؤمن به أهل السنة والجماعة، نحن لا نقول إن الأمر يشترط فيه العلو ولا الاستعلاء؛ لأن الأمر عندنا هو الصيغة اللفظية التي تدل على طلب الفعل، والصيغة اللفظية ما لها علاقة بالمشاعر والأحاسيس أو الواقع؛ يعني إذا قلت: اضرب، هذا اسمه أمر، سواء أنا أعلى منك ولا أنت أعلى مني، ولا أنا شاعر بالاستعلاء ولا أنت مش شاعر بالاستعلاء. اضرب هي أمر، قم هو أمر، اجلس هو أمر، فاشتراط في الأمر حتى يسمى أمرا العلو أو الاستعلاء، هذا خلاط دخيل من أفكار عقدية وليس من علم اللغة العربية الأصل نحاكم عليه الكتاب والسنة.
فلذلك نحن ماذا قلنا في النظم الصغير في تعريف الأمر؟ هو اللفظ الدال على طلب فعل غير كف، بس دون اشتراط علو ولا استعلاء. لكن إذا أنت رح تقرا للمرداوي في اللي هو إامام المتاخرين، ستجد أن المذهب المعتمد عند الحنابلة ما هو؟ اشتراط العلو حتى يسمى الأمر أمراً. وهنا ابن نصر الله هو مشى مع الطوفي، والطوفي مشى مع ابن الحاجب اشتراط الاستعلاء، وهي مذاهبهم أربعة؛ يعني منهم من يشترط العلو فقط، ومنهم من يشترط الاستعلاء، ومنهم من يشترط العلو والاستعلاء. ولا علمك بعض الأشاعرة قالوا: لا يشترط العلو الاستعلاء، ترى هذا مذهب عندهم؛ يعني الأشاعرة لهم أربعة أقوال في الأمر، هم متفقون على أنه طلب، لكن بعضهم قال: طلب مع استعلاء، البعض قال: طلب مع علو، البعض قال: طلب مع علو واستعلاء -يعني لازم تكون أنت عالي حقيقة وتشعر بالاستعلاء وأنت بتهدي- وأقول الرابع: إنه طلب ولكن دون اشتراط لا علو ولا استعلاء. أما أهل السنة، ماذا نقول؟ هو اللفظ الدال على طلب الفعل غير الكف، دون اشتراط علو ولا استعلاء. فهذا أول مشكلة تتعلق بالصيغة.
المشكلة الثانية، اقرا: قال وله صيغة تدل بمجردها عليه. وهي المسألة هي أصلاً بحد ذاتها متفرعة على العقيدة الأشعرية أو الكلامية عموماً. هناك مسألة أصولية يقولون: هل الأمر له صيغة؟ هذا السؤال مين اللي راح يساله؟ الذي يعتقد أن الأمر شيء نفسي، فهو سياسل: نعم، الأمر شيء نفسي كما فهمنا، لكن هل وضعتم له صيغة لسانية؟ فبيجوا يناقشون هيك المسألة. لكن أنا كإنسان سني أقول إن الكلام هو اللفظ، ما راح أسال: هل الأمر له صيغة؟ ما هو الأمر أصلاً هو الصيغة، يعني أنا بعرف الأمر هو الصيغة، بعدين بروح أسال: هل له صيغة؟ ما هو الأمر هو الصيغة! فهذا السؤال أصلاً هو متولد عن فكر أشعري، لذلك حتى السيوطي في الكوكب الساطع اعترف بهذا، ماذا يقول السيوطي: لمثبت النفسي خلف يجري، هل صيغة يخصه بالامر؟ يعني يقول: الذين يقولون إن الكلام هو المعنى النفسي، هم الذين اختلفوا -لمثبت النفسي، الذين يقولون إن الأمر هو المعنى النفسي- هم الذين اختلفوا هل هذا المعنى النفسي وضعت له العرب صيغة أو لم تضع له صيغة؟ أما الذين لا يقولون إن الكلام والامر هو المعنى النفسي، بل هو الصوت اللساني، هؤلاء ما في حاجة أن يرد هذا السؤال عندهم أصلاً.
فما هذا ما قيمة أن تدرس أصول الفقه على عقيدة أهل الحديث؟ وعند رجل يمكن نوعاً ما يكون فاهم الإشكالات؛ لأنه بعض مشايخنا حتى الافاضل اللي درسنا عليهم مش عارف مدى يعني الإشكالات في هي الأسئلة وعلى عقيدة أهل الحديث، بس لما يدرسنا أصول الفقه بدرسها زي ما. بس لما أنت ترجع تقرا وتتمكن من معرفة، لا، أن الشيخ سامحني أنا عارف أنك أنت لا تقول بهذا القول، بس هذا القول مش قولك أنت نفسك، بس أنت مش منتبه أن هذه الطريقة في التفكير هي طريقة أشعرية، ولذلك يعني انطلت حتى على بعض المتاخرين من الحنابلة الذين على عقيدة أهل الحديث. مش كل شارح لأصول الفقه يعرف وين اللمسات الأشعرية والمعتزلية فيها، بس هذا بدي اياك تفهمه. فلا تعتقد أن أصول الفقه بريئة، لا، فيها إشكالات وفخاخ كثيرة، بدك تنتبه أن هاي المسألة أصلاً لا ترد عندي كإنسان على عقيدة السلف.
المهم، فقوله: وله صيغة تدل بمجردها عليه، ما هي؟ قال: وهي هذه الصيغة، التي هي صيغة أفعل أو لتفعل. ما هي صيغة الأمر؟ أفعل أو لتفعل، أما الأمر المجرد أو الفعل المضارع المتصل بلام الطلب، أو ايش قلنا كذلك في النظم الصغير؟ أو اسم فعل الأمر زي صه ومه، أو المصدر، اسم المظهر، أو المصدر، أو اسم المصدر، على خلاف بينهم الذي يقوم مقام الأمر زي: ﴿فضرب الرقاب﴾ [محمد: 4]. فاحنا ذكرنا في النظم الصغير أن الأمر إما بصيغة أفعل، أو بالفعل المضارع المتصل بلام الطلب لتفعل، أو اسم فعل الأمر زي صه ومه وما شابهها، أو بماذا بالمصدر الذي يقوم مقام الأمر زي: فضرب الرقاب، يعني اضربوا الرقاب.
طيب هذه هي الصيغ الأربع عادة الموجودة. طب هذه الصيغ الأربع: أفعل ولتفعل، وصه اسم فعل الأمر، هي على ماذا تدل؟ يقول: هي حقيقة في الطلب الجازم، مجاز في غيره كالندب والإباحة. هي المسألة الشهيرة، أن صيغة أفعل إذا تجردت عن القرائن تدل على الجزم وهو الوجوب، ولا على الندب؟ احنا قلنا إن صيغة الأمر إذا تجردت عن القرائن تدل على الوجوب وهو الجزم، تمام. هذا معنى قوله: أنها حقيقة في الجزم، أي في الوجوب، مجاز في غير الجزم كالندب والإباحة. فلما أقول لك إن صيغة أفعل هنا فقط للندب، هذا مجاز بده قرينة. أما تقول لي هي للإباحة: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2]، فاصطادوا هنا للإباحة. والله كيف عرفت أنها للإباحة مش للجزم؟ في قرينة؛ أن هو كان مباحاً له الصيد ابتداءً، ثم منع منه أثناء الإحرام، فلما زال الإحرام عنه عاد إلى الإباحة، ولا يمكن أن يكون المقصود وجوباً عليك بعد ما تتحلل من الإحرام تروح تصيد، يعني هذا ما قاله عاقل فيما أعلم.
وكذلك من المعاني المجازية لصيغة أفعل غير الندب والإباحة؛ التعجيز، كقوله تعالى: ﴿قُولُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء: 50-51]. هنا هذه ليست لا للإيجاب ولا للندب ولا، هذه للتعجيز، أن تقول للشخص: يلا كن، كن ذئباً، كن ثعلباً. طب ما كيف وهذا تعجيز اسمه. ولها معاني مجازية تصل أكثر من خمسة عشر معنى مجازياً، صيغ الـ صيغ الأمر لها معاني كثيرة مجازية في المطولات، هنا بيضك بس الفكرة العامة، أنها حقيقة في الطلب الجازم مجاز في غيره.
طيب المسألة اللي بعدها، قال: ولا يشترط في كونه أمراً إرادته، خلافا للمعتزلة لعدم تلازمهما، وكأمر أبي لهب بالإيمان. شوف المشكلة العقيدية الثالثة، كلها مشاكل عقيدية اليوم. هل يشترط في الأمر إرادة الأمر وقوع المامور به؟ سهلة شغلة أنا.
ممكن أمرك بشيء صح؟ لكنني داخلياً لا أريد منك أن تفعل، تمام ماشي ممكن أقول لك خلص غيب عن الدرس يا شيخ أمرتك غيب عن الدرس، بس أنا داخلياً هل أنا مريد أنك تغيب؟ لا، هل هذا هل يجوز أن أمرك بأمر وأنا داخلياً لا أريد منك الامتثال؟
ما في مشكلة في ذلك، بس طبعا هي المسألة وين طغت ها. بشر، لكن الكلام عن الأمر العظيم سبحانه وتعالى، فهنا مسألة عقدية طرحت بيننا وبين المعتزلة: هل يجوز أن يأمر الله شخصاً بشيء؟ ركز، لأنه أنا بتكلم على كتلة البعد سيختلف الآن، وهو لا يريد قدراً وكوناً أن يوقع أن يقع منه الفعل.
فهم، أعيد السؤال مرة أخرى: الله سبحانه أمر أبا جهل بالإسلام، طبعا تقول ليش ما أمر؟ طيب، هل أراد قدراً وكوناً أن يقع منه الإسلام؟ لا، هنا المشكلة مع المعتزلة. ليش؟ اللي فيكم دارس عقيدة بيعرف شو شو مشكلة المعتزلة في باب الإرادة؛ المعتزلة لا تثبت أي إرادة، الإرادة الكونية ولا الشرعية.
هون شوف، هون اللي بيدرس عقيدة بيفهم في أصول الفقه، المعتزلة لا تثبت الإرادة الكونية أصلاً، المعتزلة بتقول العبد يخلق فعله بنفسه صح؟ إذاً المعتزلة ما في عندها إرادة كونية، لا تؤمن بالقضاء والقدر الكوني، وإنما تثبت فقط لله الإرادة الشرعية، فبالتالي ما دام المعتزلة لا يثبتون لله الإرادة الكونية في أفعالنا، يعني هم ممكن يثبتونها في الشمس والقمر والأمور، لكن في أفعال العباد مش أصلاً مش عقيدتهم، العدل شو العدل عندهم؟ إنه ربنا ما يتدخل في قراراتك، وأنت بتعمل اللي بيطلع معك، ويوم القيامة بحاسبك، هيك مفهوم العدل عندهم، وليس عندهم أن أفعال العباد بإرادة الله المسبقة.
فباختصار، المعتزلة ماذا تنفي؟ الإرادة الكونية في أفعال العباد، فبالتالي ايش بيقولوا؟ لا يجوز أن الله يامرك بأمر ويكون هو كوناَ لا يريد أن يقع منك، ما بيزبطش، فبالتالي ماذا اشترطوا؟ ماذا اشترطوا؟ قالوا: يشترط في الأمر الإرادة. يشترط في الأمر ايش؟ الإرادة. بالتالي هيك فكرة المعتزلة، بالتالي قالوا: حتى يكون الأمر أمراً يشترط أن يكون لما أمرك أراد داخلياً أن يقع هذا الفعل منك.
طيب هذه كيف بدنا نطبقها على رب العزة سبحانه أو كيف سيطبق هذا المثال في علاقة الإنسان مع الله؟ ما هي بتزبط، لأنه أنتم فاهم أنتم كمعتزلة أنتم مش تؤمنوا بالإرادة الكونية، هم لاغين تماماً الإرادة الكونية، فهم يقولون: إذا أمر الله أبا لهب بالإيمان، إذاً هو فعلاً أراد منه الإيمان، أراد منه فعلاً الإيمان.
فنحن بنقول لهم: لا مش رح يضبط هذا الكلام، كلام غير صحيح ولا يتفق مع عقيدة السلف. الله سبحانه وتعالى طلب من أبي لهب الإيمان نعم يعني أمر بالإيمان، لكنه لم يرد كوناَ منه الإيمان.
إذا عرفتم الآن وين المشكلة بينا وبين المعتزلة؟ المعتزلة تقول: إذا أمر الله الشخص بشيء فهو يريد منه أن يقع هذا الشيء، ونحن بنقول: لا، قد يأمرك الله سبحانه وتعالى بشيء وهو لا يريد قدراً أن يقع منك هذا الشيء وإن كان يريده شرعاً.
وهي هي مشكلة المصطلحات؛ نحن لما نقول: الله إذا أمرك بشيء هو شرعاً يحب أن يحصل هذا الشيء منه، لكنه قدراً هل أراد أن يحصل؟ لا، فنحن أهل السنة ما عندنا مشكلة أن نقول إن الله أمر بشيء وهو لا يريد أن يقع، أما المعتزلة ماذا تقول؟ إذا أراد الله إذا أمر الله بشيء لا يكون أمراً حتى يكون يريد الوقوع، فأحنا بنقول إذاً هنا رجعنا للمشكلة العقدية اللي معكم وهو أنكم تدفون عن الله الإرادة الكونية القدرية.
فبالتالي هذه المسألة في ضوء في صورتها الطبيعية الشافعي وغير وغيرهم ما ناقشوها، ما كانت واردة عندهم أصلاً في النقاش، لأننا نؤمن أن الله عز وجل يأمر بأوامر ولكن لا يريد أن تقع، فهنا عليك أن تفرق. بعدين، إذا أمر الله بشيء أمر الله بالشيء هذه اسمها الإرادة الشرعية، وأما إرادته أن يقع في الخارج فهذه اسمها الإرادة الكونية.
إذا قصدتم يا معتزلة أن الله إذا أمر بشيء أراد حصوله قدراَ عذراً شرعاً احنا ما عندنا مشكلة، بس أن تقولوا أنه أراد وجوده كوناَ لا، هذه فيها مشكلة، لأن الأمر قد يأمر بشيء وهو لا يريد كوناَ وواقعاً أن يقع واضح.
ونفس الشيء حتى أنا كإنسان بشري قد أمرك بشيء تمام ولا أريد لهذا الشيء أنه ايش أن يقع، ربما لمصلحة ما فيه. خلص، ثاني أبوي قال لي: روح اطلب من أخوك كذا وأمره بكذا، ها بأمرك بكذا بس أنا لا أريد أن يقع هذا الأمر لبعد بشري بس. وقص عليه ولله المثل الأعلى، فالبعاد الإلهي الله سبحانه وتعالى له حكم وله مقاصد، فقد يأمرك بشيء وهذا يمثل الإرادة الشرعية، لكن قد لا يريد وقوع هذا الشيء قدراً منك ليه؟ لححكمة.
فستقوله: طيب ليش أمرني شرعاً إذا هو قدراً لا يريد أن يقع هذا الشيء؟ ما احنا قلنا لحكم كثيرة، هو يريد أن يختبر، أن يجعلك فتنة للآخرين، وأن يبتلي بك الناس، وأن يسلط الكافرين على المؤمنين ويحصل المعارك، فالله أمر الجميع بالإيمان، أمر الكافر والمؤمن، لكنه لم يشأ قدراً أن يقع هذا الشيء من الكافر، وشاء قدراً أن يقع هذا الشيء من المؤمن.
فباختصار، باختصار لا يوجد تلازم وترابط بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية، لأنه الإرادة الشرعية هي الأمر والنهي، فالله شرعاً قد يأمر بأشياء وينهى عن أشياء وإن كان لا يريدها أن تقع، ماذا؟ وإن كان لا يريدها أن تقع قدراً.
فلذلك ماذا يقول أهل السنة؟ ولا يشترط في كون الأمر أمراً إرادة الوقوع في الخارج قدراً، خلافاَ للمعتزلة، لأنهم يقولون: لا، إذا الأمر لا يسمى أمراً إلا إذا أراد الوقوع. طيب ما دليلنا نحن؟ قال: لعدم تلازمهما. أنا ممكن أمرك بشيء لكنني لا أريد أن يقع، ما في تلازم بين الأمر بالشيء وإرادة الوقوع.
تمام، المهم أنني خلص سمعتك الأمر ووصل إليك الأمر، الآن إرادتي أن يقع ولا أن يقع هذا باب آخر غير مرتبط بالباب الأول. يعني حتى على مستوى مستوى البشر، سبحان الله، حتى على مستوى البشر قد فعلاً أنت تكون تؤمر شخص بشيء وترجو أن لا يقع هذا الشيء، بس في أمر الله لأنه أمر الله إذ نافذ يعني أنت أنت ممكن ما بتمنى يحصل بس يحصل غصباً عنك، لكن في أمر الله أمر الله نافذ، فالله إذا أمر أمراً ولم يرد أن يقع لا يمكن أن يقع لأن أمر الله نافذ.
فنقول إذاً بشكل عام لا يوجد تلازم بين الأمر وبين إرادة الوقوع، أنا ممكن أمرك ولكن لا يمكن لا يوجد إرادة للوقوع.
ثم قال: والامر المجرد عن قرينة للوجوب لا للندب ولا للاباحة ولا للوقوف، خلافاَ لزاعمي ذلك، لقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: 63]. طب ستجبي لي ما الفرق بين هذا النص والنص السابق؟
في الأعلى، لما قلنا صيغة الأمر ايش قلنا فيها؟ قال: وله صيغة تدل بمجردها عليه وهي حقيقة في الطلب الجازم صحيح. هنا قال: والامر المجرد عن قرينة للوجوب، إذا صارت ها المسألة هي المسألة ايش نقول؟ لا أنت يا شيخ أنت رحت احنا خلصنا المسألة هذيك احنا هسه في سيستم جديد، الآن الأمر المجرد عن قرينة للوجوب، شو الفرق بين هذه المسألة ومسألة الأعلى لما قلنا: وله صيغة تدل بمجردها عليه وهي حقيقة في الطلب الجازم؟ أيوه، ضرار.
طيب هنا بعد، لا خليني أريحك، الآن ممكن تكتب هذه الفائدة: البحث الأولي كان بحثاً في اللغة، والبحث الثاني بحثاً في الشرع. لما قال في البداية: وله صيغة تدل بمجردها عليه، هذه الصيغة اللي هي افعل أو لتفعل أو اسم فعل الأمر في اللغة ماذا تدل أصلاً؟ على الطلب الجازم، فدلالة صيغة افعل على الطلب الجازم هل هذه الدلالة فقط ماخوذة من الشرع، ولا هي أصلاً في اللغة كذا؟ هي في اللغة كذا. هذا الذي أراد أن يثبته بالقاعدة الأولى. فقوله: وهي أي الصيغ حقيقة في الطلب الجازم أي هذا مش في الشرع بس لا هناك مسألة لغوية.
الان هنا جاء يعطيك إياه وحتى شرعاً، الأمر المجرد عن القرينة هو للوجوب، فكلمة الوجوب كلمة الوجوب هنا بالمعنى الشرعي، أما فوق لما قلنا نقول إنه حقيقة في الطلب الجازم أي للوجوب هناك بالمعنى اللغوي، بغض النظر يعني المعنى اللغوي أي بغض النظر في إثم ولا في إثم في الآخرة في عذاب، احنا بحث لغة، كلغة افعل تدل على الطلب الجازم سواء كان في إثم ولا في إثم.
طب في الشرع؟ آه، افعل تدل على الطلب الجازم الذي يفيد الوجوب بمعنى أنك آثم، فالاثم هنا ماخوذ اللغة شرعي صح؟ الإثم في الآخرة هذا من الشرع مش من اللغة، فإذاً اكتب: في الأعلى كان يتكلم عن الدلالة اللغوية، وهنا أصبح يتكلم عن الدلالة الشرعية، وفعلياً لا فرق بين الدلالة اللغوية والشرعية. إذاً فالأمر المجرد عن القرينة للوجوب لا للندب ولا للاباحية في إذا تجرد عن القرائن، ولا للوقوف.
الوقوف في مذهب كبير في أصول الفقه اسمه مذهب الواقفية في الصيغ، وهؤلاء أشاعرة أصلاً ومن وافقه وعلى رأسهم الباقلاني، الباقلاني في الإشار والتقريب خرج بفكرة ايش؟ الوقف الصيغ، وهو أنه أي صيغة يقول فش صيغة للوجوب أو الندب أو الاباحية أو العموم، أو مذهب كامل عنده في دلالات الألفاظ اسمه مذهب الواقفية طلع فيه الباقلاني، أن احنا الصيغة نتوقف فيها حتى تاتي القرينة، هيك ما في عنده أي دلالة لها، ما في إنه شيء الأصل في الأمر الوجوب، أو الأصل في الندب في هذا الندب، أو الأصل لا، يقول لك كل الصيغ أنا عندي إياها ايش؟ متوقف فيها حتى تاتي القرينة، حتى تاتي القرينة كأنه نوع من الإجمال صح؟ كأنه صارت لفظ مجمل وأحتاج إلى بيان.
طيب، خلافاَ لزاعمي ذلك، لقوله تعالى: ما الدليل على أن الأمر الأصل في الشريعة إنه للوجوب؟ قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]. فما دام الله حذر الذي يخالف الأمر احذر أن تصيبك فتنة أو عذاب أليم، إذاً الأصل في الأمر أنه لايه؟ للوجوب، لأنه لو لم يكن الأصل فيه الوجوب لما توعد بالفتنة أو العذاب الأليم لمخالفة.
فما دام قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]، وجود الوعيد هيك بتكتب: وجود الوعيد على مخالفة الأمر يدل على أن الأصل في الأمر أنه للوجوب، هذا وجه الدلالة.
طيب، نقف عند هذا القدر وصلي اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل