دخولتسجيل الدخول

بلغة الوصول إلى علم الأصول - في تعريف أصول الفقه «٢» | معهد ملكة | المجلس الثاني

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وصل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

حياكم الله في المجلس الثاني من التعليق على كتاب بلغة الوصول لابن نصر الله الكناني الحنبلي رحمه الله تعالى عليه. في الدرس الماضي أيها الكرام شرعنا في الصفحة الأولى، وبدانا في المناقشات العلمية والذهنية الواردة في هذه الصفحة، وكانت تقتصر على تعريف أصول الفقه باعتباره لقباً وباعتباره مركباً إضافياً. وقلنا إن ابن نصر الله سلك طريقة الطوفي، والطوفي يعني معتمد كثيراً على ابن الحاجب؛ يعني هذا الباب احنا صحيح نقول إن الطوفي -وأنا أظن كتبناها اليوم في المجموعة والقناة- إن الطوفي وإن كان يسمى مختصراً لروضة الناظر، لكنه باعتبار المجموع وليس باعتبار كل ما كتبه، هناك كثير من العبارات اللي استعملها الطوفي لم يستعملها ابن قدامة في روضة الناظر، وإنما أخذها الطوفي من ابن الحاجب.

ونحن عرفنا أن منتهى مدرسة الجمهور، منتهى مدرسة الجمهور في علم الأصول إلى مثنيين، ما هما؟ مختصر ابن الحاجب، مختصر يسمى منتهى السول والامل في علمي الأصول والجدل، والثاني البيضاوي، مختصر البيضاوي اللي هو يسمى منهاج الوصول إلى علم الأصول. وكثير من الحنابلة المتأخرين تأثروا بطريقة ابن الحاجب في تعاريفهم وعباراتهم، واعتمدوا على المادة التي كتبها ابن الحاجب.

وإن كنت أنا بشكل عام يعني بميل لمادة المنهاج، مادة المنهاج أجدها أكثر أحكاماً واختياراً للعبارة، وأجدها أكثر ضبطاً، يعني لا ترد على عبارته من الإشكالات ما ترد على عبارة ابن الحاجب من النقاشات والاشكالات والأمور، وأنتم لاحظتم هذا من بداية الكتاب. طيب، فقال في أصول الفقه إنه علم منقول من مركب إضافي فله بكل اعتبار حد.

وقلنا: لماذا بدأ بالتعريف اللقبي على عكس ما هو متوقع؟ قلنا: في العادة العلماء يبدؤون، مثلاً أكثرهم يبدأ بالتعريف الإضافي ثم ينتقل للتعريف اللقبي باعتبار أن التعريف اللقبي لا يفهم إلا إذا عرف التعريف الإضافي قبله، لكن ابن الحاجب وتبعه الطوفي وابن الكناني كلهم عكسوا، لماذا؟ ما هو السبب؟ يعني حلل لماذا فعكسوا؟

نعم، قالوا: لأن التعريف اللقبي هو المقصود في هذا العلم، والتعريف الإضافي مجرد معين على الفهم، فقدم المقصود على الوسيلة، وهذه الطريقة يعني والشان لا يعترض في مثل هذا.

فماذا عرف ابن الحاجب والطوفي وابن نصر الله أصول الفقه؟ ماذا عرفوا؟ عرفناها، يلا، من كان معنا تفضلوا. نعم، علم بقواعد موصلة إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية.

قلنا: ما الفرق بين تعريف ابن الحاجب وتعريف البيضاوي؟ نعم، إيه، لا خلي الأخ، هذه رفعت يدك. خفته ابن الحاجب كان من خلال الموضوع أي حكم الثمرة، فاهم هيك، بس إنه بدك عكست شوي.

ايوه، ابن الحاجب عرف باعتبار ماذا؟ باعتبار الثمرة؛ أن هذا أصول الفقه هو علم بقواعد، الهدف من هذه القواعد أن أصل إلى كيف استنبط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية، بدها تعلمني هذه القضية. أما تعريف البيضاوي وبتعريف الأكثر طولاً، اللي هو إيش؟ أنه ما معرفته، ما تعريفه أولاً، معرفة قواعد الأدلة الإجمالية وكيفية الاستفادة، هذا المستفيد هذا يركز على إيش؟ على طبيعة هذا العلم المادة والأبحاث التي يدرسها، قواعد الأدلة الإجمالية، كيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد. ذاك ركز على المواضيع وهذا ركز على الثمرة، وكل خير يعني في النهاية.

هذا التنوع أيضاً في التعاريف ما يشعر الطالب بالقلق، بالعكس يشعر بالثراء، إنه يصير يفهم العلماء وكيف كل عالم يفكر بطريقة تختلف عن الآخر، يعني ربما تعريف أصول الفقه هو التعريف الذي ستجلس فيه فترة جيدة، لكن أحياناً ضبط التعريف الأساسي مهم من عدة وجوه: أولاً تعرف ما هو طبيعة هذا العلم بالضبط، ثانياً يعتاد الطالب إعمال العقل، الكتب الشرعية القديمة خاصة كتب أصول الفقه هي تعتمد كثيراً كثيراً على المناقشات الذهنية والفكرية، فالطالب البليد الذهن اللي ما بحب أبداً يشغل دماغه رح يتعب معه الأصوليين، عمرك ما رح تعرف تقرا كتاب أصولي لا لا حنابله ولا شافعية ولا مالكية ولا، مش رح تعرف تقرا شيء في أصول الفقه لأن هذه الكتب هي أساسها النقاش والحوار، وأي التعاريف أصوب، وأي المصطلحات أدق، فهذا مع الدربة يصبح سهل، لكن بدك تتعب لك شوي حتى تصبح لديك هذه الدربة.

طيب، ثم انتقل إلى تعريفه إضافياً، فقال: وحده إضافياً، نعرف أصول الفقه باعتباره مركباً إضافياً من ايش؟ قلنا: مركب من ثلاث أشياء، أصول وفقه والنسبة الإضافية. فالأصول باختصار من حيث المعنى الاصطلاحي مباشرة: الأصول أفضل تعبير بها هنا الأدلة، تمام. الأصول هنا بمعنى اصطلاحاً: الأدلة، أدلة الفقه، أصول الفقه يعني أدلة الفقه باعتباره مركباً إضافياً.

والفقه، ما معنى؟ قلنا: الفقه في اللغة هو الفهم، قلنا: الفهم بالأمور المعنوية الذهنية وليس بالأمور التي تدرك بالحواس، هذا هو الضابط الذي عليه الأكثر.

وأما اصطلاحاً، وهذا الذي يعني غرقنا فيه، قال: واصطلاحاً هو العلم، هذا تعريف ابن الحاجب أيضاً، العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال.

قلنا: بدأ بكلمة ماذا؟ العلم. وهم يقصدون بالعلم ماذا؟ الإدراك الجازم. طبعا رح أعدل على هاي الكلمة، بس هم هذا يقصدون، خلينا نمشي.

قال: العلم، والمراد بالعلم ابتداء ما هو؟ الإدراك الجازم. طب قلنا: هذا الإدراك، العلم قد يكون علم بالذوات وبالصفات وبالأفعال، وهذه كلها ليست مقصودة هنا، وإنما المقصود: العلم بالأحكام، ممتاز.

لكن الأحكام أيضاً، هناك أحكام عقلية وعرفية ولغوية، المراد منها: أنا بدي أحكام شرعية، ما لي علاقة في الفقه بأي شيء آخر، علم بالأحكام الشرعية. طب العلم بالأحكام الشرعية، في أحكام في أصول الدين، وفي أحكام شرعية في أصول الفقه، وفي أحكام شرعية في أفعال المكلفين الفرعية، أنا أي موضوعي في الفقه؟ أفعال المكلفين، فلما قال: الفرعية، الفرعية ليخرج الأحكام الشرعية الأصولية، الأحكام الشرعية في أصول الدين والأحكام الشرعية في أصول الفقه، يعني كلمة الإجماع حجة هذا حكم شرعي، العام يبقى على عمومه وهذا حكم شرعي في النهاية بالنسبة، فهذه الأحكام الشرعية في أصول الفقه وأصول الدين ما لها علاقة بالفقه، الفقه: الصلاة حرام، الصلاة واجبة، الربا حرام، كذا، وهكذا.

ثم ذكر قيداً، قال: هذا القيد هو اللي عملنا ايش؟ مشكلة، الله يسامح ابن الحاجب، مش سوى تمام؟ وأنا فعلا مشكلة، كان بامكانه هو أصلاً ما يوقع، يعني لا يقع فيها ويكون أكثر وضوحاً، ولذلك حتى الطوفي -من يقرا فيكم من الطوفي- هو لم يفعل كما فعل ابن نصر الله الكناني. ابن نصر الكناني أخذ التعريف مسلماً، الطوفي من يقرا في البلبل قال: والفقه اصطلاحاً قيل، هي قال: قيل العلم بالأحكام الشريعة التفصيلية، بعدين هو مش ما اقتنع في كثير تعريف ابن الحاجب، ففي شرحه اقترح تعريفاً آخر، قال: وقيل. ابن نصر الكناني لا، أخذه كما هو بدون أن يقول قيل، لأنه بوجز يقول لك: إنه الآن ما بدي أوشح الطالب باقتراحي العمليات.

تعال المهم، خلونا يعني نتذكر هذا القيد، قلنا: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية، الفرعية، عن أدلتها التفصيلية.

هذا القيد هو بدك شوي تركز: عن أدلتها التفصيلية. هسه، إذا قلنا عن أدلتها التفصيلية، بدي أراجع هذا لأنه كان آخر المحاضرة الماضية، ورايت رؤوساً قد أينحت قطف، فقلت خليني أعيده مرة ثانيه، مش مشكلة.

الان، إذا قلنا عن أدلتها التفصيلية أيضاً قيد احترازي، إذن سيكون هناك علم، سيكون هناك علم بأحكام شرعية فرعية، رح يكون هناك نوعين، هيك بده يكون، رح يكون هناك علم بأحكام شرعية فرعية عن أدلة إجمالية، أو علم بأحكام شرعية فرعية عن أدلة تفصيلية.

فهو لما أراد، أراد أن يحصر الفقه، قال: الفقه ما هو؟ هو علم بأحكام شرعية فرعية عن أدلة تفصيلية، حتى أخرج ايش؟ حتى ما تدخل معي العلم بأحكام شرعية فرعية عن أدلة إجمالية، هذا يعمل لنا مشكلة.

طيب، هو في الحقيقة، في علم بأحكام شرعية فرعية عن أدلة إجمالية هيك بدون أدلة تفصيلية؟ فهمتوا هون المشكلة التي وقع فيها ابن الحاجب، أن مفهوم كلامك أنه في علم بأحكام شرعية فرعية عن أدلة إجمالية، هذا مش داخل معنا، اللي داخل معنا في تعريف الفقه: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية إذا كان عن ايش؟ أدلة تفصيلية.

فهنا نفس الطوفي والشراح مع ابن الحاجب وقعوا في ماذا؟ في قلق، هل هناك علم بأحكام شرعية فرعية عن أدلة إجمالية؟ ماذا قصد بالدلة الإجمالية هنا؟

إذا كان المقصود علم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلة إجمالية اللي هي قواعد أصول الفقه، هذا المراد بالادله الإجمالية، نحن قلنا شو الأدلة الإجمالية؟ هي قواعد أصول الفقه، تمام. الأدلة الإجمالية هي قواعد أصول الفقه، فهذا حقيقة لا يصلح، لأنه السؤال سألك سؤال: هل هناك -وركز في السؤال وخلينا نفكر ونحلل شوي- هل هناك علم بأحكام شرعية فرعية عن أدلة إجمالية، إذا فسرت الأدلة الإجمالية بأنها قواعد أصول الفقه؟ يعني باختصار هل قواعد أصول الفقه وحدها وحدها تنتج لي علم بأحكام شرعية فرعية؟ لا، يعني لو قلت لك: العام يبقى على عمومه، خلص، هاي القاعدة وحدها تنتج حكم فرعي، شو الحكم الفرعي؟ الحكم الفرعي يعني هي القاعدة أصلاً تحتاج لدليل تفصيلي، فهي وحدها أصلاً لا تنتج أحكام شرعية فرعية، فإذن هذا الاحتراز اصبح مشكلاً، لأنه إذا قلنا الأدلة الإجمالية هي قواعد أصول الفقه، فقواعد أصول الفقه لا تنتج وحدها أحكام شرعية فرعية، هي دائماً تحتاج إلى قاعدة أصولية تسقطها على تفصيلي فينتج لي أحكام، فهذا اللي خلط -طبعاً الطوفي قال طلق، هو متفق معنا أنه في إشكال، لكن سبب الإشكال عنده أنا في الحقيقة لم اقتنع به، وشعرت أنه في إشكال في إشكاله- فلذلك بس ما بدي أناقش كثير معكم حتى ما تضيعوا ما تتيحوا، بس أنا عندي ملاحظة حتى على استدراك الطوفي.

الطوفي قال: وأظن أنني وهمت لما فسرت الأدلة الإجمالية بقواعد أصول الفقه، واضطر أن يعطي تعريف آخر أو تفسير آخر لمعنى الأدلة الإجمالية، وهون نحن استفدنا أن الأدلة الإجمالية لها إطلاق آخر عند أهل العلم، الإطلاق المعروف كان ايش هو؟ قواعد أصول الفقه.

اليوم من خلال هذا التعريف استفدنا أنه لا، الأدلة الإجمالية لها إطلاق آخر، ما هو الإطلاق الآخر؟ مين يتذكره؟ نعم، العبارات المستعملة في علم الجدل الفقهي.

طبعاً هذا لأنه نحن مش موجود في زماننا واحد بيستغربها، في الجدل الفقهي بين المذاهب قديماً كان يضعون هيك زي طقوس الجدل الفقهي فيقول: يقول مثلاً الشافعي: ثبت الحكم أن سقوط القصاص لوجود مقتضيه. فيقول الآخر: لم يثبت الحكم عندي لوجود المنافي. مجرد كلمة وجود المقتضي أو لم يثبت الحكم لوجود المنافي هذه حقيقة تعتبر أيضاً من قبيل الأدلة الإجمالية، وكانوا نعم يستعملونها في العلم بالأحكام الشرعية الفرعية، يعني كانوا يستعملونها وسيلة في أثناء الجدل الفقهي، وسيلة للعلم بالأحكام الشرعية الفرعية. فيقول الحنبلي: ثبت الحكم عندي لوجود المقتضي، بس ما يذكر ما هو المقتضي بالضبط بالتفصيل، عبارة فضفاضة بس، أو لم يثبت الحكم عندي لوجود ما ينافيه. مجرد استعارتك هاي العبارة برضه هذه عبارة فضفاضة، لا طيب شو هو المنافي بالتفصيل؟ ما يكون في هناك توضيح دقيق للموضوع.

بس هذا كما قلت هذا استعماله فقط في علم الجدل الفقهي، فإذاً اصبح الاحتراز هنا عن ماذا؟ عن الأدلة الإجمالية بمعنى العبارات المستعملة في الجدل الفقهي. وحقيقة هذا الجدل الفقهي هو غير وارد معنا هنا، فما كان في داعي حقيقة للاحتراز من أحياناً بعض الاحترازات بتعمل شلبكة بدل ما تحل الموضوع، ففي اعتقادي لم يكن لا داعي أن يفعل ابن الحاجب ذلك، ما كان في داعي لأن يدخل نفسه في هذه القضية، ولو قال كما قال الجمهور: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المكتسب من الأدلة التفصيلية، كان انتهينا من كل هذه القصة.

فأحياناً زيادة بعض القيود بطريقة غير واضحة هي فعلاً تعقد الأمور أكثر من كونها تعالج إشكالاً، بس أنا بيهمني تفهم وين الإشكال وكيف حلينا، أنه خلص حملنا الأدلة الإجمالية على ماذا؟ ليس على القواعد الأصولية لأن القواعد الأصولية أصلاً هي لا تنتج أحكام شرعية فرعية وحدها، فلا بد شو الشيء اللي بينتج أحكام شرعية فرعية وحده عندهم وهو من الأدلة الإجمالية؟ ما هو؟ ما في حل قالوا إلا نحملها على عبارات الجدل الفقهي: ثبت بالمقتضي وانتفى لوجود المنافي، فهذه خلص مشيناها وحملنا العبارة عليها، لذلك هو ماذا قال آخر شيء؟

وقلنا: بالتفصيلية احترازاً عن الأدلة الإجمالية، نحو قولنا: ثبت الحكم المعين لوجود مقتضيه، أو انتفى الحكم المعين امتنع لوجود ما ينافيه، وهكذا.

ثم ختم بقوله بماذا؟ بالاستدلال. هذا القيد الأخير أخرجنا به ماذا؟ قلنا: أخرجنا به أي علم بأحكام شرعية فرعية من أدلة تفصيلية، لكنه لم يحصل من خلال عملية استدلال واجتهاد، فخرج بهذا ماذا؟ علم الله، أن الله سبحانه علم الأحكام الشرعية الفرعية وبأدلتها التفصيلية لكن لم يحتج سبحانه وتعالى إلى استدلال، كذلك علم الملائكة، وكذلك علم من على الصحيح. خرج علم المقلد على الصحيح ليه؟ لأنه البعض -وهذا أيضاً مذهب ابن الحاجب- ستستغربون، لا، هو يرى أن المقلد أيضاً يدخل في تعريف الفقيه، وانه يمكن أن يأخذ الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية تمام، هو يرى أنه يمكن أن يكون المقلد يأخذ الأحكام الشرعية الفرعية من الأدلة التفصيلية ولكنه يأخذه تبعاً من إمام مذهبه ويسمى فقيهاً، ولكنه اعترضوا على.

ابن الحاجب ناقشوه أنه المقلد لا يقوم بالاستدلال، حتى لو المقلد علم الحكم الشرعي الفرعي من الدليل التفصيلي؛ إنما يكون فقط اتباعاً لشيخ المذهب. يعني أنا لو أعطيتك مسألة معينة من المسائل التي أخذناها في كتاب الطهارة قبل قليل، وقلت لك دليل أحمد بن حنبل فيها كذا وكذا، هل مجرد معرفتك بالدليل ومعرفتك بالمدلول معناه أنك مستدل؟ لا، أنا فقط عرفت الارتباط، فإدخالي كمقلد في حد الفقيه هذا نوع تجوز ولا يدخل حقيقة، لكن ابن الحاجب يرى دخوله الحقيقي، وسنعرف بعد قليل الإشكال الذي حصل.

الآن سيذكر هذا، نبدأ بدرس اليوم إن شاء الله. ماذا أورد على هذا التعريف من الإشكالات؟ قال: «بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله»، قال رحمه الله: وأورد أن الأحكام شرعية مظنونة لا معلومة، وأجيب أن الحكم معلوم والظن في طريقه. هذا أول إشكال معرفي حصل في هذا التعريف، وليس هذا خاصاً عند ابن الحاجب بل حصل في تعريف كثير من الأصوليين. هذه المسألة هي حقيقة مهمة ومفيدة لذلك سنحررها قليلاً.

الآن ابن الحاجب بماذا بدأ تعريف الفقه؟ العلم بالأحكام. طيب العلم سيأتي معنا عند المتكلمين وعند الأصوليين، ماذا يقصد بالعلم؟ الإدراك الجازم. الإدراك الجازم المطابق للواقع الذي لا يقبل الشك بوجه من الوجوه. الآن لو فسرنا العلم بهذا المعنى المتداول عند المتكلمين والأصوليين، لو قلنا الفقه العلم وفسرنا العلم بالإدراك الجازم، شوفوا شو راح يصير التعريف: الفقه هو الإدراك الجازم بالأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية.

طب سؤال، هل الفقه كله إدراكات جازمة قاطعة؟ ولا 85% من الفقه مسائل ظنية؟ هذا اعتراضهم، هكذا هم يقولون. قال المتكلمون والأصوليون الذين على طريقة المتكلمين: الأحكام الشرعية الفرعية كلها عندهم من قبيل الظنون. هذه علقت عليها سابقاً، المتكلمون، وهنا لاحظ كيف ستتأثر العقيدة بأصول الفقه، كيف تكون التأثرات. المتكلمون قالوا المسائل والأحكام الشرعية القطعية هي الأحكام الشرعية في أصول الدين وما جرى مجراها، وأما الأحكام الشرعية الفرعية فهذه التي تسمى فقه، وهذه لا تكون إلا ظنوناً.

قلنا لهم: وجوب الصلاة، هل هو وجوب الصلوات الخمس حكم مظنون ولا مقطوع؟ قالوا: مقطوع، بس هذا لا يعتبر عندنا من الفقه أن تعرف أن الصلوات الخمس واجبة. طيب وجوب الزكاة مقطوع، لكنه لا يعتبر عندهم من الفقه. قال المتكلمون: نحن نريد أن نحصر الفقه في ماذا؟ فقط في الأحكام الشرعية الفرعية المظنونة التي لم يصل فيها الإنسان لدرجة الجزم، وأي حكم شرعي فرعي مقطوع به 100% هذا لا يدخل تحت الفقه، هذا ألحقوه بأصول الدين.

بناءً على هذا صار في تناقض في فكرهم، عندما عرّف منهم الفقه بأنه العلم بالأحكام، مع أنه يعتقد أن أحكام الفقه كلها أحكام ظنية. شوف هذا التعارض عندهم الذي حصل وكيف حاولوا يحلّوه، ركز معي؛ هم يعتقدون أن الفقه كله أحكام شرعية فرعية ظنية، لكن كثيراً منهم لما عرّف الفقه بماذا بدأ؟ هل قال الظن بالأحكام الشرعية؟ ماذا قال؟ العلم بالأحكام الشرعية. طيب العلم ما هو يا جماعة؟ الإدراك الجازم. هيك حيّرتونا، أنتم جعلتم الفقه هو الإدراك الجازم بالأحكام الشرعية، ونحن نقول أن الفقه كله ظنون، صار في تعارض. أنا بدي إياك تفهم التعارض عشان تفهم بعدين كيف بدنا نحله.

المتكلمون يعتقدون أن الفقه كله من قبيل الظنون، ممتاز، لكن مع ذلك كثير منهم لما عرّف الفقه بماذا ابتدا؟ قال: الفقه هو العلم بالأحكام، والعلم هو جزم وقطع، فكيف أنت تعتقد أن الفقه كله من قبيل المسائل الظنية، ثم لما تعرّف وتعبر عنه تقول هو الجزم بالأحكام الشرعية؟ هيك صارت الأمور متعارضة وغير منطقية. الرازي انتبه لهذا الإشكال، فقال: لا، ما في مشكلة، يمكن أن نبقي تعريف الفقه بأنه العلم بالأحكام وإن كنا نعتقد أن الأحكام الفقهية كلها ظنية. بس كيف سنحلّها؟ قال: وأجيب.

لاحظ ماذا قال الشيخ بن نصر الله الكناني، أورد على هذا التعريف أن فيه مشكلة، ما هي المشكلة؟ أن الأحكام الشرعية مظنونة لا معلومة. طبعاً في المتون إخواني، أنت لو قرأت: وأورد على هذا التعريف أن الأحكام الشرعية مظنونة لا معلومة، أنت مش فاهم شو المشكلة؟ لا، أنت فاهم، يعني اكتب كل الكلام الذي حكيته؛ أن الفقه عند المتكلمين من المالكية والشافعية ومن تأثر بهم من الحنابلة كله من قبيل الظنون، فكيف تم تصدير الفقه بأنه العلم بالأحكام، والعلم هو الجزم عندهم؟ فحصل التناقض. فبما أجيب؟ من الذي أجاب؟ الرازي، وبيعتبروه من كبرائهم، فماذا أجاب الرازي حتى يحل المشكلة؟

قال: وأجيب أن الحكم معلوم والظن في طريقه. شو معنى كلام الرازي هنا؟ كيف حل الرازي المشكلة؟ ما معنى أن الحكم معلوم؟ قال الرازي الحل لهذه المشكلة أن نقول: معنى قولنا في تعريف الفقه أنه العلم بالأحكام الشرعية، أن المجتهد لما اجتهد حتى وصل للحكم الشرعي الفرعي من الدليل التفصيلي بالاستدلال، لما اجتهد وصل إلى ظن صحيح، هو يعلم أنه يظن هذه المسألة، فصارت الأحكام الشرعية الفرعية جزمية قطعية بأي معنى؟ أجزم أنني أظن. أي مثلاً مسائل أظن كراهية استقبال النيّرين مثلاً، أنا أجزم أنني أظن. زي ما حكينا: الميتة لا تطهر بالدباغ. فإذا أصبح العلم بالأحكام الشرعية شو معناه عند الرازي؟ الجزم بظن. يعني أنا أجزم أنني وصلت إلى درجة الظن في أن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ، أنا أجزم أنني وصلت إلى درجة الظن في أن استقبال النيّرين مكروه.

الآن هل هذه الإجابة، هل هو حل للمشكلة؟ أنت ما حللت المشكلة، لأنه شو أصبح التعريف معناه؟ أصبح الفقه اصطلاحاً العلم (يعني الجزم بأنني) أظن الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال. وهذه حقيقة نوع من الهروب من التعريف، مش تقديم حل له. حتى الطوفي لاحظ أن هذه الإجابة غير موفقة. ماذا قال في صفحة 155؟

قال: وهذا جواب الإمام فخر الدين الرازي في المحصول، هكذا يقول الطوفي. وهذا الجواب اللي مذكور هنا قرأناه مع بعض هو جواب الإمام فخر الدين الرازي في المحصول، ولفظ الرازي: فإن قلت الفقه من باب الظنون فكيف جعلته علماً؟ كيف عبرت الفقه أنه علم بالأحكام وأنه كله من باب الظنون؟ قلت: المجتهد إذا غلب على ظنه مشاركة صورة لصورة في مناط الحكم، قطع بوجوب العمل بما أدى إليه ظنه، فالحكم معلوم قطعاً والظن وقع في طريقه.

وهذه طريقة أخرى أيضاً في تعبيره، أنه قال المعلوم هو أنه يظن فيه، والمعلوم شيء آخر جعله ما هو، وهذا نسيت أن أقوله، جعل المعلوم أيضاً ماذا؟ وأنا أعلم وجوب العمل بما أدى إليه ظني. يعني أنا أعلم أنني أظن أن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ، وأعلم أيضاً أنني إذا وصلت إلى حكم بالظن فيجب أن أعمل به. أنت مش ربنا تعبّدنا أن نعمل بالظنون؟ أي حكم؟ هي كل أخصر المختصرات أغلب ظنون، وكل كتاب فقهي كله ظنون، ونحن يجب علينا نحن نعلم ونجزم يقيناً بأنه يجب علينا أن نعمل بالظن، وإلا لو كنت لا تعمل إلا باليقين، أغلب الفقه الإسلامي ما راح تشتغل فيه.

فإذن الرازي يقول: فهو الذي يعلمه وجوب العمل بما أدى إليه ظنه، فالخلاصة فالحكم معلوم قطعاً والظن وقع في طريقه. هو بيستعمل شوية بنطف العبارة، شو يعني الحكم معلوم؟ أنت بتحكي فالحكم معلوم قطعاً، شو المعلوم فيه؟ المعلوم فيه أني وصلت إلى الظن بس، وأنني يجب أن أعمل بالظن. لكن هو الحكم، أنت ما حللت المشكلة، الحكم نفسه ما زال في طريق أو في سبيل الظن.

يقول الطوفي مجيباً على الرازي، ماذا يقول الطوفي وهو يناقش الرازي؟ يقول: وما ذكرناه من الجواب عن السؤال المذكور يقتضي -لو بدنا نمشي مع طريقة الرازي- أن لفظ التعريف سيصبح هكذا: الفقه -شوف الآن الطوفي شو بيحكي للرازي- بقول: أنت على كلامك شو راح يصير التعريف؟ الفقه هو العلم بوجوب العمل بالأحكام الشرعية الفرعية التي حصلناها عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال، أو العلم بحصول ظني بحصول الظن بوجوب العمل، أو العلم بحصول ظن الحكم أساساً. إلى آخر هذه التقديرات، أنت أخذت التعريف إلى مربع آخر، يعني أصبح تعريف الفقه عندك شو هو؟ أن تعلم وجوب العمل بماذا؟ بالظن، أو أن تعلم أنك وصلت إلى الظن في الحكم.

وهذا مش الفقه، الفقه هل بالله عليك هل الفقه هو أن أعلم وجوب العمل بالظن؟ هل هذا هو الفقه، ولا الفقه هي نفس المسائل؟ الفقه هي نفس المسائل أنه هذا حلال. مش الفقه أن أعلم أنني وصلت إلى الظن أو أعلم وجوب عملي بما أداه إلي ظني. أنت خرجت إلى مربع آخر تماماً يا رازي. فيقول وقد تقرر سابقاً أن المراد بقولنا الفقه هو العلم بالأحكام أنه إذا غلب على ظننا حكم، يعني هو يناقش ويقرر ما يقوله الرازي، الفقه إذا قلنا هو العلم بالأحكام على طريقتك، كأنك تقول: إذا غلب على ظننا حكم علمنا بالإجماع وقطعاً وجوب العمل به، فصار بالضرورة تقدير الكلام في الحد أن الفقه هو العلم بوجوب العمل بالأحكام الشرعية الحاصلة عن الطرق الظنية.

شو يقول؟ شوف كلام الطوفي، هذا مش كلامي، أن بعض الناس لما تناقش الرازي قولوا ليش بتناقشوا الرازي؟ بيعتبروا الرازي خط أحمر في النقاش. لا، عادي، يناقش الرازي، ويصوّب فيما أصاب ويخطّأ فيما أخطأ. يقول الطوفي: وفيه تعسف لا يليق بالتعريفات، يعني بقول هذا كلام الطوفي يقول وفيه تعسف لا يليق بالتعريفات. وإذا بدي أقدّر أن معنى التعريف العلم بوجوب العمل بالظن، أصبح في هناك كلمات مقدّرة في التعريف لازم تُقدّر حتى يُفهم، والتعاريف من أكثر الأشياء الخاطئة فيها أن تكون محتاجة أن تُقدّر لكلمات محذوفة. يعني لو بدك تمشي على طريقة الرازي ماذا سيؤدي هذا؟ أنني أحتاج أن أقدّر كلمات محذوفة، لأنه على كلام الرازي معنى التعريف الفقه هو العلم بوجوب العمل بالظن، أو العلم بأنني وصلت إلى الظن في الأحكام، في كلمات أصبحت محذوفة من التعريف لازم تُقدّر حتى يُفهم التعريف.

فماذا يقول؟ يقول الطوفي والحذف يقتضي إبهام المعنى وخفاءه، والحد يقتضي كشف المعنى وإظهاره، فطريقتك يا رازي ستؤدي إلى غموض في التعريف وليس إلى ظهور وكشف فيه. فباختصار هو يرى أن طريقة الرازي في حل المشكلة لم تحل.

بقي المشكلة إذاً قائمة، أن الفقه عندكم عندنا ظنون، وعرّفناه بأنه علم والعلم هو جزم، ما أعجبكم جواب الرازي؟ طيب تفضل يا طوفي، أعطينا جواب. ماذا قال الطوفي؟ وتقريره رحمه الله أن المراد بقولنا الفقه هو العلم بالأحكام أن الفقه، المراد بالعلم هنا هو الظن وليس الإدراك الجازم. شوي، نرجع للغة العربية، في اللغة العربية هل يجوز أن نطلق العلم بمعنى الظن؟ نعم، مين يعطيني آية قرآنية أطلق العلم فيها بمعنى الظن؟

لا هنا الظن أُطلق بمعنى العلم، العكس، بدي العلم بمعنى الظن. أحسنت، ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10]، أنت لما تختبر المرأة المسلمة، أنت لا تستطيع أن تجزم، أنت بتتعامل بالظاهر. فمعنى ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ قال المفسرون: فإن ظننتموهن مؤمنات. وهذا عموماً مقرر في قطر الندى، وشرحناه سابقاً في اللغة العربية أن العرب أحياناً تطلق العلم وتقصد به الظن، فأقول: علمت هذه المسألة بمعنى شو؟ ظننتها. فالطوفي قال لك: حلّيتها. شو قال لك؟ قال لك: نقول العلم هنا في هذا التعريف ليس المراد به الإدراك الجازم، مش المراد به الإدراك المظنون. فاصبح معنى قولنا العلم بالأحكام شو؟ الظن بالأحكام. وهيك نحن خلصنا من كل الإشكال. تفضل، أحسنت. ما هذا بدنا نصله آخر شيء، بس خليني أنا بشيء حبة حبة. لأنه الطوفي مشى معهم. وتقريره، يعني الجواب كيف يقرر بشكل صحيح في وجهة نظر الطوفي؟ أن يقال أن تقول: أنت قلت الفقه هو العلم بالأحكام، فنقول: الفقه، المراد بالعلم هنا ايش هو؟ الظن. فاصبح هو الظن بالأحكام، فلا يرد قولهم عندئذ الفقه من باب الظنون، فكيف تسمونه علماً؟ لأن مرادنا بالعلم هنا الظن على سبيل المجاز. بعدين بيحاول أن يفهمك ليش العلم.

يطلق بمعنى الظن هذا تقريره لغوي. طيب هنا خلص فهمتوا إذا شو الحل الأكثر منطقية؟ شوف حل الطوفي على طريقة المتكلمين الأكثر منطقية إذا أنتم مقتنعين أن الفقه كله من باب الظنون، فانتم بين أمرجين، يا بتقولوا ابتداء في تعريف الفقه هو الظن بالأحكام، بتشيلوا كلمة العلم، أو بتفسر العلم بمعنى شو؟ الظن. بس احنا أهل السنة والجماعة بدنا نرجع خطوة للوراء هنا دور إخواني. ليش بقول أصول الفقه شوية منطقة حساسة؟ والذي لا يعرف عقيدة أهل السنة ولا يعرف كيف تأثر أصول الفقه بمعتقدات الأشاعرة والمعتزلة، كيف شوي بضيع؟ وبيعرف أن المسألة لها أصل عقدي مش كلها أصلها أصولي.

شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الاستقامة أيضا ناقش طريقة الرازي في الإجابة عن هذه المشكلة، وأن الرازي قال إن الحكم معلوم والظن في طريقه، وبين أن هذا الجواب كله خطأ اللي قدم الرازي، وإن كان كثير تبعوا الرازي على خطاه، يعني هذا يدل إخواني -ركزوا- أن بعض العلماء الأفاضل رحمه الله عليهم مشوا مع الرازي وكانوا ياخذوا كلامه يعني باللغة الإنجليزية كوبي بيست، هذا يدل بس هيك فكرة أن ليس الكل ينقح، حتى من العلماء الأفاضل رحمه الله عليهم، جزاهم الله خير، بيكتبوا كذا، بس مش لأنه أنت، لأنه كتاب تراثي معناته أنا أغلق دماغي وما بخطئ، لا، إذا وجدت تخطئة وكلام غير صحيح يخطأ، هذا ليس كلام، هذا ليس وحي، هذا اجتهاد بشري يقبل التخطئة.

وهناك من العلماء من هو متسم بالذكاء مثل الطوفي. ليش أنا أقول لكم شخصية الطوفي ممتازة؟ في كتابه الطوفي جريء، يعني الطوفي ما بحط لحد يعني ما عنده أن الإمام رازي الصح والغلط غلط عنده، ما بحط، وبيناقش وبيقتحم الأبواب المغلقة. كثير ممن هم في طبقة الطوفي لا بهابوا، بقول لك يعني أنا بدي أناقش الرازي؟ أنا لا، ما بدي أخطئ، وبلاش يقال عني.. لا، الطوفي ما مش مهتم؛ لأن بعض الناس يعني عنده مشكلة يعني إذا قلت له أي الرازي إما أنه يخطئ، ابن تيمية عادي، أنت مش فكرة أن تجد هو أشعري يقول لك أنت من أنت حطيت تخطي الرازي؟ طيب من أنت حطيت تخطي ابن تيمية؟ يعني هي مش قضية مهاوشة يعني، زي ما أنت بتخطي ابن تيمية عادي نخطي الرازي مش مشكلة في هذا، وعادي نخطي ابن تيمية برضه يعني إذا ثبت علميا أنه في خطأ عادي جدا، فبحث علمي مش تشنج فكري.

المهم قول المتكلمين ابتداء -يا شباب- أن أصول أن الفقه كله من قبيل الظنون هي المقدمة الأولى أصلا هي خطأ، ابن تيمية ينتقد المقدمة الأولى، أنتم بتقولوا الفقه من قبيل الظنون فكيف عرفتم الفقه بأنه العلم؟ لا لا استنى استنى، احنا مين قال لك أننا مسلمون للمقدمة الأولى؟ من قال أن الفقه كله من قبيل الظنون؟ شيخ الإسلام يقول في الاستقامة: أغلب الفقه من قبيل الجزم، يعني هو مش عكس الطبقة كله، قال: أغلب الفقه من طريق ايش؟ أغلبه مجزوم به وليس مظنون. بس برضه هذه العبارة شوية، هل هي صحيحة؟ هل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أن أغلب الفقه أصلا مجزوم به صحيحة؟ طب نحن هينا ماسكين أخصر المختصرات يا شيخ، وأغلب الكتاب نحن شايفينه من قبيل الظنون، فكيف يقول ابن تيمية أن أغلب الفقه وأغلب المسائل الفقهية الشرعية الفرعية مقطوع بها؟ خلوني أقرا لكم وجهة نظره حتى تناقشوها.

نعم، طبعا شيخ الإسلام ذكر إجابة الرازي اللي موجودة عندنا في بلغة الوصول، أن الرازي حل الموضوع بأن الحكم معلوم والظن في طريقه، وبين أن كثير من الناس من المصنفين لم يفهموا معنى كلام الرازي وخطأ الرازي، وسبب خطأه وأنا خلص يعني أنتم فهمتم ما سبب خطأ الرازي، ثم ذكر أي إجابة أبو الخطاب الكلوذاني، ونسمع يا شيخ، اسمع يا شيخ إجابة أبو الخطاب الكلوذاني.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد تجيب طائفه أخرى، الآن هناك احنا عرفنا إجابة الرازي عن المشكلة، وعرفنا إجابة مين؟ الطوفي. الطوفي قال: العلم بمعنى الظن وخلصناه. طيب، من يرى من يرى أن الفقه يشمل الأحكام المقطوعة والأحكام المظنونة؟ هذا الأمر عنده سهل، هذا سيقول: العلم هنا في هذا التعريف بماذا سنفسره؟ من يرى أن الفقه لا هو ليس خاص بالأحكام المظنونة بل يشمل الأحكام المظنونة والأحكام المقطوعة، هذا بماذا سيفهم تعريف الفقه بأنه العلم بالأحكام الشرعية الفرعية؟ سيحمل كلمة العلم هنا على ماذا؟ على مطلق الادراك، على الإدراك سواء كان إدراكا جازما أو إدراكا مظنونا. وهذا معنى العلم عند المناطقة، أن العلم -مين قال أن كلمة العلم لا تطلق فقط إلا للإدراك الجازم؟- العلم هو أي إدراك سواء كان جازما أو مظنونا، فإذا فسرنا العلم في هذه التعاريف بأنه مطلق الإدراك سواء كان جازما أو مظنونا، عندئذ نحن حلينا المشكلة وصار الفقه يدخل فيه ماذا؟ المسائل المعلومة على سبيل الجزم والمسائل المعلومة على سبيل الظن.

إذا لاحظوا هنا ماذا حصل؟ صار عندنا في كلمة العلم ثلاث إطلاقات؛ بعضهم يطلق العلم بمعنى الإدراك الجازم فقط وهذا هو المستعمل عند الأصوليين، وسياتي إن شاء الله معنا في الفصل الجاي إن شاء الله، البعض يقول لك لا، زي الطوفي، شو قال لك؟ العلم بمعنى شو؟ الظن. الطريقة الثالثة في الحل أن تقول: العلم في هذا التعريف في تعريف الفقه هو مطلق الإدراك سواء كان جازما أو مظنونا، وهذا حقيقة هو أقرب الحلول، يعني هذا هو أفضل الحلول حقيقة، هذا هو الحل الصحيح أن نقول: كلمة العلم هنا في هذا التعريف ما معناها؟ هو إدراك الأحكام، مطلق الإدراك للأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال، ما نقول هو الإدراك الجازم للأحكام، لا، هو الإدراك بدون زيادة كلمة الجازم؛ حتى يشمل الإدراك جزما والإدراك ظنا، وهيك بنكون دخلنا في الفقه المسائل الفرعية الجزمية والمسائل الفرعية ايش؟ الظنية.

فهذه هي الطريقة الصحيحة في تعريف كلمة العلم فيما بين أيديكم، وهذه الطريقة هي اللي تبناها أبو الخطاب الكلوذاني على خلاف في ضبط من أصحابنا. يقول هنا ابن تيمية: وقد تجيب طائفة أخرى كأبي الخطاب من أصحابنا عن هذا السؤال بأن كلمة العلم في تعريف الفقه تتناول اليقين -اللي هو الجزم- والاعتقاد الراجح -اللي هو ايش؟ الظن- تقريبا الجزم والظن، كقوله تعالى: ﴿فَإِنۡ عَلِمۡتُمُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10]، تمام. وأن تخصيص لفظ العلم بالقطعيات، أن العلم هو الإدراك الجازم فقط، هذا اصطلاح المتكلمين، وأما في اللغة فكلمة العلم لا تختص بالقطعيات، بل العلم في اللغة يطلق على الجزميات وعلى المظنونات كليهما، ليست مختصة، هذا أنتم المتكلمين اللي حبيتوا تخلو كلمة العلم هي فقط الإدراكات الجازمة، أما في اللغة، اللغة لا تستلزم ذلك، ولذلك أصلا الطوفي كيف استطاع أن يفسر العلم بأنه الظن؟ إلا لأنه أصلا يعرف أن اللغة تحتمل أن العلم يطلق بمعنى الظن.

بس لأنه الطوفي الآن، الطوفي شو مشكلته؟ مين يحكوا لي وين الآن الطوفي؟ خطأ الرازي صح، بس وين نحن من بنخالف الطوفة؟ مالك؟ أحسنت، أنه سلم للمتكلمين بأن الأحكام الشرعية كلها ظنية، فحل المشكلة بأن قال العلم بمعنى الظن، لا، نحن بنقول: نحن مش مسلمين في المقدمة الأولى، مين اللي قال أن الأحكام الشرعية الفقهية الفرعية كلها ظنية؟ هذا كلام خطأ، بل كثير منها قطعي، بل ابن تيمية الآن يرى أن أكثرها قطعي. يقول الآن -شوف ايش يقول ابن تيمية، هذا كلام سريع في كتاب الاستقامة- يقول: ومن المعلوم لمن تدبر الشريعة أن أحكام عامة افعال العباد معلومة لا مظنونة، وأن الظن فيها -أي في الأحكام الشرعية الفرعية- قليل جدا في بعض الحوادث لبعض المجتهدين، فأما غالب الأفعال -أي غالب أفعال العباد- فغالبها أحكام معلومة أي مجزومة ولله الحمد.

فإن قلت: ماذا تقصد بأنها مجزومة؟ قال: وأعني بكونها معلومة أن العلم بها ممكن، أنه أن تصل بها إلى درجه الجزم ممكن، ماشي بجوز أنت الآن تظن بها لعدم سعة اطلاعك، لكن لو أطلعت على الأدلة وأعطيتها حظها ستصل في أكثرها في أكثرها إلى الجزم. وأعني بكونها معلومة مجزومة أن العلم يعني أن الجزم بها ممكن حاصل لمن اجتهد واستدل بالأدلة الشرعية عليها، لا أعني أن الجزم حاصل بها لكل أحد، لا، أنا مش قصدي، لكن أنا أقصد أن أغلب الأحكام الشرعية الفرعية لو أنك أعطيتها حظها من النظر والتتبع في الأدلة لوصلت فيها إلى الجزم.

طيب، إذا الرجل قد يكون يرى مذهب بعض الأئمة، ثم قال: أي لا أعني أن العلم بها حاصل لكل أحد بل ولا لغالب المتفقهة المقلدين لأئمتهم، وبيقول أغلب اتباع المذاهب مسائلهم كلهم نعم ظنية؛ لأنهم لا يجتهدون بأنفسهم. افتاره ابن تيمية يذم التقليد، بس يذم التقليد لمن كان متاهلا للاجتهاد، فهو يقول: بل ولا لغالب المتفقهة المقلدين لأئمتهم، بل هؤلاء المتفقهة غالب ما عندهم ظن، هو ابن تيمية يقر أن أغلب اتباع الشافعية والمالكية والحنبلية أغلب ما عندهم ظن، بس المشكلة إذا ليس في أن الفقه هو ظني، لا، المشكلة فيكم أنتم، انتم اللي بدكم تتعبوا حتى توصلوا فيها إلى العلم، وقنعتم بالتقليد، وإلا لو اجتهدتم ونظرتهم في الأدلة كنظر أئمتكم، يعني أولا وصلتم إلى مراتب الاجتهاد وتعبتوا حتى تكونوا مجتهدين ونظرت في الأدلة بحق لوصلتم فيها إلى درجة اليقين.

شوف هذا الكلام العميق، إذا ابن تيمية يرى أنه ليش أخصر المختصرات فرضا أغلبه ظن؟ ليس لأن طبيعة المسائل ظنية، بل لأن طبيعة المتاخرين قنعوا بالظن ولم يتعبوا ليصلوا إلى مراحل الاجتهاد والنظر الصحيح ليصلوا إلى العلم، وإلا يمكنك أن تصل للعلم، المشكلة فيك مش في المسألة، المشكلة فيك أنت مش في المسألة، وإلا أغلب المسائل يمكن تصل فيها إلى العلم. هذه القضية الأولى عند ابن تيمية يقول: إذ الرجل قد يكون يرى مذهب بعض الأئمة وصار ينقل أقوال هذا الإام في تلك المسائل بل وربما قربها بدليل ضعيف، يعني هو يذم المقلدة ما بيعرفوا حتى يجتهدوا، قربها بدليل ضعيف من قياس أو ظاهر، هذا يعني إذا كان هذا فاضل، لسه هذا من فضلاء الحنابلة ورس تمام، والا بعضهم يكفيه مجرد نقل المذهب، بس هو حافظ أخصر المختصرات حتى أن يقرر المسألة بدليل ضعيف ما بيعرف، هو يذم الوهن العلمي الذي حصل عند المتاخرين وكيف أنهم قنعوا بالتقليد وضعفت دروباتهم في الاجتهاد.

قال: ولا ريب أن الحاصل عند هؤلاء أكيد من المسائل ليس علما، هؤلاء ما بيعرفوا يجتهدوا أصلا ولا يعرفون النظر، فما عندهم ليس بعلم، كما أن العامة عوام الناس الأطباء المهندسين المقلدين للعلماء فيما يفتونهم ليس لديهم علم وجزم، وإنما يظنون أن الشيخ أفتهم بصواب فمشوا عليه. وهذا الأصل الذي ذكرته، أن تفهم أن الخطأ أن الظن ليس لأن المسائل بطبيعتها لا يمكن الوصول فيها إلى العلم، بل لأن الهمم ضعفت، وهذا الأصل الذي ذكرته أصل عظيم، فلا يصيب المؤمن العليم عنه صاد، يعني أحذر أن يلبس عليك المتكلمون؛ فانه لكثرة التقليد والجهل والظنون عند المنتسبين إلى الفقه والفتوى والقضاء، استطال عليهم أولئك المتكلمون.

شو اللي صار؟ ابن تيمية في زمنه كان علماء أصول الدين يستطيلون على الفقهاء، شو بقولوا لهم؟ احنا اللي عندنا القطعيات، أنتم الفقهاء مساكين كل اللي عندكم ظنيات، فابن تيمية بقول لك يا أيها الفقيه لا أعرف شو اللي عندك؟ أنت ما عندك ظنيات، بس بل الأغلب اللي عندك قطعيات، لا تخلي علماء الكلام يستطيلون على الفقهاء ويقولون كل ما تتكلمون فيه ظنون ونحن ما نتكلم فيه جزم، بل نحن عندنا أكثره جزم، بس نحن المشكلة فينا، قال: ولاجل هذا الضعف استطال عليهم علماء الكلام حتى أخرجوا الفقه من أصل العلم، أي من أصل العلوم الجزمية، لما رأوه لما رأوه من تقليد أصحابه وظن.

فالمتكلمون -خلص زي الرازي وغيرهم- شو أصبحوا يرون؟ يرون أن الفقه كله ظنيات، وأن القطعيات فقط هي مسائل أصول الدين على طريقتهم في التفكير.

يقول ابن تيمية: ومما يوضح هذا الأصل -يعني طب اقنعنا أكثر يا ابن تيمية بوجه نظرك- أنه من المعلوم أن الظنون غالبا إنما تكون في مسائل الاجتهاد والنزاع. الآن نحن بدنا نكون مثلا نحرر الظن، متى يأتي في المسائل التي وقع فيها اجتهاد بين المذاهب الأربعة وأئمتها؟ فأما مسائل الإيمان، ومسائل الإيمان اللي هي العقائد، ومسائل الاجماع، المسائل التي اتفق عليها السلف، فهذه مسائل جزمية.

طيب ما دام مسائل الإجماع مسائل ظنية -إذا كان كذلك- فمن المعلوم أن أشهر ما تنازعت فيه الصحابه من المسائل لو هيك بقول خلينا نرجع للصحابه الكرام، شو أشهر المسائل اللي اختلفوا فيها الصحابة؟ والاشهر ما تنازع فيه الصحابه مسائل مسائل المواريث، وقع بينهم خلاف في كم مسألة من مسائل المواريث؟ كما مثل تنازعهم في مسألة الجد مع الإخوة هل يكون شراكي ولا يكون حاجب لهم؟ ومسألة العمريتين وما شابه ذلك، وكان أئمة هذا الباب من الصحابه الكرام عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس. ثم قال: وإذا كانوا تنازعوا في الفرائض، وإذا كانوا تنازعوا في الفرائض أكثر من غيرها، يعني أكثر باب نقل فيه خلاف بين الصحابة باب المواريث، وإذا كانوا تنازعوا في مسائل المواريث أكثر من غيرها فمن المعلوم -شوف- أن عامة أحكام الفرائض هي مجزومة منصوص عليها في الكتاب والسنة جزما وقطعا، يعني بقول لك أكثر باب اختلفوا في المواريث، ومعلوم أن أكثر مسائل المواريث مسائل مجزوم بها مقطوع بها، بالتالي يعني حجم مسائل المواريث اللي وقع فيها الخلاف بين الصحابة كم مسألة؟

15% أو 10%، بس أنا عندي 70% أو 75% من مسائل الفرائض لم ينقل عن الصحابة اختلاف فيها. إذاً مسائل الفرائض 75% جزمية، و10% إلى 15% ظنية. إذاً ما الأكثر؟ الجزم، مع أن باب الفرائض من أكثر الأبواب التي وقع فيها خلاف بين الصحابة.

لذلك قال: «وأما المسائل، فإن الذي يفتي الناس في الفرائض قول لك لسان المفتي، اليوم لما يفتي الناس في الفرائض يقسم ألف مسألة على العائلات ولا يقع في مسألة نزاعية، يكون أغلب فتواه في المسائل الاتفاقية، وإنما بالكات تمر عليه ثلاث أو عشرين مسألة نزاعية من كل ألف مسألة». لذلك قال: «وأما المسائل المنصوصة في علم الفرائض المجمع عليها، فالجواب فيها دائم بدوام الموتى».

ولهذا لم يكن شيء من المسائل نزاعاً على عهد النبي ﷺ مع وجود الموت بشكل دائم والفرائض بشكل دائم. المسائل التي اختلف فيها الصحابة بعد وفاته ﷺ، لماذا اختلفوا فيها؟ شوف الذكاء في هذه المسائل الفرضية، مسائل المواريث التي اختلف فيها الصحابة بعد وفاة النبي ﷺ، لماذا اختلفوا فيها؟ لأنها لم تقع في حياة النبي ﷺ. متخيل أن النبي ﷺ عاش عشر سنين في المدينة يوزع فرائض، وفي مسائل لم تقع في مدة عشر سنين لم تقع ولا مرة! إذاً هي المسائل التي يقع فيها الخلاف هي مسائل نادرة قليلة وفي العادة لا تحصل، ولذلك يكون النبي ﷺ تركها للاجتهاد.

أما المسائل التي تقع بشكل دوري في الأسر والعائلات، النبي ﷺ كان حاسم الأمر فيها ومنتهي. إذاً حجم الخلاف في الفرائض قليل جداً. ولكن لما فتحت بلاد الإسلام وكثر أهل الإسلام في إمارة عمر بن الخطاب، صارت تحدث المسائل النادرة. يعني في زمن النبي ﷺ المجتمع المدني أحكي مثلاً 20,000، لما صار عدد المسلمين بمئات الآلاف، يعني بنحكي مليون وكذا لما توسعت الخلافة ودخل العرب والعجم، صارت تحصل بعض المسائل النادرة القليلة التي أفضت إلى حصول الاجتهاد والخلاف بين علماء المذاهب.

هذا مع أن علم الفرائض من علم الخاصة، من علم المتخصصين، حتى إن كثيراً من الفقهاء لا يعرفه، فهو عند العلماء من علم الفقه اليقيني المقطوع به، وليس عند أكثر المنتسبين إلى العلم فضلاً عن العامة. مسائل الفرائض كثير من العلماء بيفهموها، روح اليوم على عالم تفسير أو عالم عقيدة، تعال قول له قسم لي مسألة فرضية، يقول لك أنا بعرف، لكن في الفرائض وقف على جنب.

أغلب العلماء بالنسبة لهم مسائل الفرائض مسائل ظنية، لأنه ليس متخصصاً فيها، وأغلب العامة برضه ما بيعرفوها، ففي ظنهم أن الفرائض باب ظني. بس من الذي يعرف أن أغلب الفرائض قطعية؟ الممارس لهذا العلم الذي يعمل فيه، كابن تيمية؛ لأنني أمارس الفقه على درجة الاجتهاد أنا أعرف أنه أغلب مسائل الفقه قطعية. هو يريد أن يجعلك تقيس على مسائل الفرائض، وأغلب الشباب الفقهاء اليوم في زمنه كابن تيمية، لأنهم لا يصلون إلى الفقه كما وصل إليه، يظل يتوهم توهماً أن أغلب مسائل الفقه ظنية، وهذا ليس صحيحاً، بل أنتم الذين لا تجتهدون في الدين ولا تعرفون الفقه كما أعرفه.

ثم أيضاً تكلم عن باب الحيض قال نفس الشيء. باب الحيض لو أردت أن تتكلم في مسائله الأساسية التي يمر بها 90% من النساء هي نفس المسائل، هي حوالي ثلاثون مسألة تدور بين النساء، التي تخرج عنها هي المسألة بالنادر وبالقليل، وهذه تحتاج إلى شيء من الاجتهاد، لكن أساسيات مسائل الحيض المفيدة -وهنا نصيحة ابن تيمية المفيدة التي يحتاجها الناس في واقعهم- أغلبها مجزوم بها.

فإن قال قائل: يا أخي، طب مسائل الاجتهاد والخلاف في كتب الفقه التي نراها يا ابن تيمية كثيرة جداً، لو فتحت المغني لابن قدامة ما شاء الله، المغني كله في مسائل الخلاف، لو فتحت كتاب ابن الجوزي أو كتب ابن عبد البر، كل هذه الكتب المجموع شرحها كلها تتحدث عن خلافات في آلاف المسائل، كيف تقول يا ابن تيمية إن أغلب المسائل معلومة؟

هذه كتب الخلاف، كتب الفقه المقارن ماذا تفعل؟ قيل له: شوف جواب ابن تيمية، مسائل القطع والإجماع بقدر مسائل الخلاف أضعافاً مضاعفة، وإنما كثرت مسائل النزاع لكثرة أعمال العباد وكثرة أنواعها، فإنها أكثر ما يعمله الناس مفصلاً، ومتى كثر الشيء إلى هذا الحد كان كل جزء منه كثيراً.

سبب الوهم أن أغلب المسائل ظنية هو أن العلماء عندما صنفوا في الفقه، صنفوا المسائل التي فيها الخلاف، ولم يصنفوا المسائل التي فيها الإجماع. أنت في العادة كتب الخلاف الفقهية تذكر المسائل التي فيها النزاع، فلما كثرت المصنفات التي تذكر النزاع الفقهي وأضرب كثير من العلماء عن ذكر مسائل الإجماع، توهم المتأخرون أن المغني فيه 5000 مسألة خلافية، ولكن مقابلها كم في مسألة إجماعية؟

هذه قضية تدوين الفقه المقارن والخلاف المذهبي هي التي أوهمت كثيراً من الناس أن أغلب الفقه ظنيات، لكن عليك أن تفهم أن سبب ظهور كتب الخلاف المقارن هو ظهور المذاهب الأربعة، ولما ظهرت المذاهب الأربعة ظهر هذا النوع من التصنيف في الخلاف المذهبي الغرض منه نصرة المذاهب. لكن المغني مثلاً فيه 5000 مسألة، وأنا عندي 20 أو 30 ألف مسألة مجمع عليها، أنت لا تأتي عينك فقط على مسائل النزاع فتعرضها وترى أن مسائل الاتفاق قليلة.

قال: «كان كل جزء منه كثيراً»، يعني الذي ينظر للمغني وحده يرى مسائل النزاع كثيرة، والذي ينظر للاستذكار وحده لابن عبد البر يرى النزاع كثيراً، فلا يرتسم في نفسه إلا ذلك. يقرأ المغني فيقول: شيخ، كل الفقه خلافيات! فلا يرتسم في نفسه إلا أن الفقه كله من قبيل الخلافيات، كمن يطالع تواريخ الفتن والناس والفتن وهي متصلة في الخبر.

فيرتسم في نفسه أن العالم ما زال فيه ذلك. متواصلاً؛ شو يعني لما تفتح البداية والنهاية لابن كثير وتقرأ: «وحصل في هذا العام انقلب الأمير الفلاني على الأمير الفلاني»، بعدين تفتح الصفحة الثانية: «وقد حصل في هذا العام انقلاب في منطقة على كذا»، لما تقرأ التاريخ متصل شو بتقول؟ يا زلمة! أوف! هذا التاريخ الإسلامي كل يوم واحد بيموت، واحد بينذبح، واحد بينقلب عليه، كذا.

يقول لك ابن تيمية: هذا وهم نشأ من إيش؟ أنك عم تقرأ الفتن وراء بعضها في كتاب واحد، فينش عندك تخيل أنه التاريخ الإسلامي كله مذابح، لكن هو في الواقع لا. هذه هي المشكلة؛ بكون صار سنتين ثلاث من حيث الواقع، بس أنت قرأتهم صفحتين وراء بعض ففكرت أنه هو حصل في اليوم الثاني، بس الزمن مر، أنت بس قلبت صفحة مش قلبت تاريخ. وهذا الوهم الذي يحصل عند من يقرأ كتب الخلاف المقارن، يظن أنه كل الفقه من قبيل الخلاف المقارن، وهذا ليس بصحيح.

لذلك قال: «والمكتوب في الكتب شيء والواقع في حياة الناس أشياء كثيرة، فكذلك أعمال العباد وأحكامها ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك». سأقتصر على هذا النقل. إذاً ابن تيمية ماذا يريد أن يقول؟ أنه حصل وهم عند كثير من المتأخرين حيث تصوروا أن الفقه من باب الظنون. هذا الوهم نشأ من شغلتين، هذا خلاصة ما يقول ابن تيمية.

الشغلة الأولى ما قلّة علمهم ودرايتهم؛ أنهم لم يصلوا إلى مراتب الاجتهاد ففرضوا وقنعوا بالتقليد، ومن رضي بالتقليد رح تكون المسائل ظنية عنده. السبب الثاني الذي أوهمهم أن الفقه كله من باب الظنون ما هو؟ يا مالك؟ أحسنت؛ أنهم كانوا يقرؤون فقط في كتب الخلاف الفقهي، فارتسم في ذهنهم أن الفقه كله ظنون. ولكنهم لو ابتعدوا شوي عن كتب الخلاف ونزلوا على الواقع، على الميدان، أغلب مسائل الناس التي يسألونك عنها: "يا شيخ أنا طلقت زوجتي ثلاث شو حكمها؟"، هي نفس المسائل تتكرر، 80% منها على مسامعنا ونحن خلاص نعرف الاتفاق العام فيها من حيث وجوب الصلوات والركوع والسجود.

طبعاً لا تدخل لي الآن، هو ابن تيمية فيما أعتقد أنه يخرج المسائل الفرعية من هذا النقاش؛ قضية السبابة كذا وكذا، قضية وضع اليد كذا وكذا. أنا أعتقد أن ابن تيمية يرى أن مثل هذه الأمور أغلبها من خلاف التنوع المسموح، يعني ليس نزاعاً حقيقياً، تعمل كذا تحط يدك هنا، طريقة وضع الأيادي، والله عند الحنابلة فوق؛ عند هذه الأمور لا يعتقد ابن تيمية أنها مسائل خلاف حقيقي تستحق أن يُنظر إليها. لكنه يتكلم عن مسائل الخلاف الحقيقي الدسمة، هذه لا تتجاوز 4000 أو 5000 مسألة ويقابلها أغلبها.

بالتالي يصل ابن تيمية إلى قناعة أنه ما في داعي أن نقول إن الفقه من باب الظنون، هذه المقدمة خاطئة، بل الفقه أغلبه مقطوع به وفيه ما هو مضنون بالتأكيد. وبالتالي في تعريف الفقه نقول: «الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية». ماذا نقصد بالعلم؟ كيف نحلها؟ بمطلق الإدراك، حتى ندخل في الجزم والظن، حتى ندخل فيه المجزومات والمضنونات. وبالتالي هكذا اليوم كله، حتى تعرف أصول الفقه، كان لحل لهذا الإشكال لما قال وأورد على تعريف الفقه أن الأحكام الشرعية مضنونة لا معلومة، وأجيب أن الحكم معلوم والظن وقع في طريقه.

شو يعني «الظن وقع في طريقه»؟ يعني الظن وقع في الدليل والحكم معلوم. عرفنا أن كل هذا الكلام الذي ذكره الرازي هو غير صحيح، وأن الاعتراض يجاب عنه بنفي المقدمة الأولى؛ هل الأحكام الشرعية مضنونة لا معلومة؟ هذا الإيراد من بدايته غلط، من قال لك إن الأحكام الشرعية كلها مضنونة لا معلومة؟ فتخطئ أصلاً الإيراد وتقول: بل منها ما هو معلوم، عفواً يعني منه ما هو مجزوم وإنما هو مضنون. والحل أن نفسر العلم في التعريف بماذا؟ ليس بالإدراك الجازم ولا بالظن فقط، بل بمطلق الإدراك الذي يشمل الجزم والظن. وبقي إيراد أن تقوم... الدرس القادم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.