الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد، فحيّاكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطانا جميعاً.
نكمل مدارسة سور جزء عمّ، ومعنا اليوم بإذن الله سورة الضحى وكذلك سورة الشرح. هذه السورة وكذلك سورة الشرح من السور التي نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام في مكة. وسورة الضحى نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام بعد انقطاع الوحي؛ فكان الوحي ينزل على النبي عليه الصلاة والسلام، ووقعت حادثة أو جاء وقت فانقطع الوحي.
واختلف العلماء؛ قيل بأن سبب الانقطاع هو عدم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن شاء الله» لما سألوه عن الروح، وسألوه كذلك عن الفتية وعن ذي القرنين. وقيل بأن سبب انقطاع الوحي هو عدم قيام بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام بسنن الفطرة، كتقليم الأظافر وبقية سنن الفطرة، فلما هذا لم يقع لم ينزل الوحي. وقيل بأن سبب عدم نزول الوحي أو التأخر فيه أن هناك كان جرو ميت في بيت النبي عليه الصلاة والسلام، والملائكة ما تنزل ولا تدخل بيتاً به كلب ولا صورة.
وقيل من ذلك أن الوحي انقطع فترة، فلم يعد ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم، حتى جاءت المجرمة الخبيثة زوج أبي لهب، أم جميل، وقالت: «ما أرى شيطانك إلا قد قلاك». فأنزل الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالضُّحَىٰ * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾ [الضحى: 1-3].
هنا الله سبحانه وتعالى يقسم بالضحى، ويقسم كذلك بالليل إذا سجا. وهذه السورة تحدث النبي عليه الصلاة والسلام عن النعم، وهي سورة عظيمة الأثر هي والتي تليها في نفس النبي عليه الصلاة والسلام. هنا الله يطمئن النبي عليه الصلاة والسلام بأن الله سبحانه وتعالى ما ودعك، أي ما تركك، وكذلك ما قلاك، أي ما أبغضك.
لكن قبل ذلك يقسم سبحانه وتعالى بالضحى: ﴿وَالضُّحَىٰ﴾. والضحى هو الوقت الذي يكون بعد طلوع الشمس وارتفاعها إلى وقت انتصاف الشمس في كبد السماء، هذا الوقت يسمى وقت الضحى، وذكرنا لكم بأن هذا الوقت وقت مبارك، وفي هذا الوقت صلاة الضحى، وهي صلاة الأوابين، وأوصى النبي عليه الصلاة والسلام أبا هريرة بثلاث، منها ركعتا الضحى.
قال الله: ﴿وَالضُّحَىٰ﴾ يقسم بهذا الوقت الطيب المبارك. لماذا أقسم هنا بالضحى وبدأ السورة بهذا القسم؟ لأنه سيذكر بعد ذلك إشارة بالوحي، ففي آخرها قال: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾؛ أي بالنبوه، بالرسالة، بالوحي، بالنبوة فحدث. هنا بدأ بالقسم بالضحى، هذه الآية السماوية العظيمة.
ثم قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾. أقسم بالليل، والليل إذا سجى أي إذا سكن، يقال بحر ساج أي بحر ساكن. وانظروا إلى تنوع الأقسام بالليل؛ يقسم الله سبحانه وتعالى بالليل إذا أقبل، والليل كذلك في حال إدباره، والليل إذا أدبر، ويقسم الله سبحانه وتعالى بالليل إذا يغشى. قال هنا: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾، و﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾، أي هذا هنا أتي بالفعل المضارع «يغشى» تدريجياً، أما الآن يقسم بالليل إذا سكن. فالله أقسم بالليل على اختلاف الحالات والأحوال.
فهنا الله يقول: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾، أي غطى. وقت الضحى يكون النور قوياً، ثم بعد ذلك يقول: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾، أي إذا أظلم الليل وسكن الليل وأدلم الليل وغطى الليل الكرة الأرضية. أقسم بآيتين عظيمتين، ثم قال: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾. ما ودعك أي ما تركك، وما قلى أي ما أبغضك. فالله سبحانه وتعالى يحبك، وأنت أحب العباد إلى الله سبحانه وتعالى، وأقرب العباد إليه. ما ودعك، ما تركك منذ قربك، وما قلاك منذ أحبك.
ثم قال: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ﴾. ما ودعك ربك وما قلى، ما أبغضك ولا أبعدك، وهذا يتضمن ما سيعطيك الله سبحانه وتعالى إياه في الدنيا، شيء عظيم. وقال له: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾. ولكن مع هذا كله، ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ﴾؛ أنت الآن في مكة تعاني، وتُسب، وتُشتم، ويُطعن بك، ولكن هذا الأمر لن يدوم طويلاً، فسيزول وينقطع.
وفي بداية السورة التي تليها: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾. فالله سبحانه وتعالى رفع ذكر النبي عليه الصلاة والسلام، أما في الآخرة فالناس كلهم يلجؤون إليه، بعد ما يذهبون إلى آدم عليه السلام وكل نبي يعتذر ويقول: «نفسي نفسي»، حتى يصلوا في النهاية ويقول عيسى عليه السلام: «اذهبوا إلى محمد»، فيأتون النبي عليه الصلاة والسلام.
قال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾. فأقع ساجداً لربي، فيفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه لأحد قبلي، ثم يقال: «يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع، واسأل تعطى، واشفع تشفع». وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أمتي يا رب، أمتي يا رب».
ويبعثه الله سبحانه وتعالى مقاماً محموداً، هذا بعد ما سيلقاه النبي عليه الصلاة والسلام في الآخرة. يقول الله له: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ﴾، أي ما ستلقاه في يوم القيامة وبعدها في الجنة خير مما ستلقاه في الدنيا. ثم قال: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾. لا تخف يا محمد، دينك هذا سينتصر وسيعلو حتى ترضى، وسيرضيك الله سبحانه وتعالى في أمتك، فسيخرج منهم العلماء والدعاة والمجاهدين والعباد والصالحين الذين تقر عينك بهم. ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾، ما زال في خزائن الله سبحانه وتعالى الشيء الكثير الذي ستؤتاه حتى ترضى.
ثم قال الله سبحانه وتعالى معدداً نعمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ﴾. هو أصلاً ما تركك قبل أن يبعثك، قبل أن يبعثك هو لم يتركك، إنما كان يصنعك سبحانه وتعالى على عينه، كما صنع موسى عليه السلام: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾. ألم يمت والدك وأنت حمل في بطن أمك؟ ألم تمت بعد ذلك والدتك وعمرك ست سنوات؟ ثم بعد ذلك كفلك جدك عبد المطلب ثم مات ثم أبو طالب. هذا التنقل، هذا الحفظ، هذه الحماية، من الذي كان يكفلك؟ من الذي كان يحميك؟ والله سبحانه وتعالى، فقال: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ﴾، آواك سبحانه وتعالى وحماك.
ثم قال: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ﴾. وجدك ضالاً فهدى، أي ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ما كنت تعرف كيف تصلي، فمن الله سبحانه وتعالى عليك بالهداية، واختارك من بين جميع البشر حتى ينزل هذا النور العظيم عليك. لم تكن تقبل بما كان يفعله الكفار في مكة، ولكن لم تكن تعرف ما هو الطريق، والله اختارك من بين جميع هؤلاء.
ورقة بن نوفل، ولم يختر زيد بن عمرو بن نوفل، ولم يختر أمية بن أبي الصلت، ولم يختر فلانًا وفلانًا، إنما اختارك أنت بالذات، واصطفاك من بين جميع هؤلاء. والنبي عليه الصلاة والسلام يعرف الحنفاء، ويعرف كذلك أهل الكتاب، لكن لماذا أنت بالذات؟
هذا محض عطاء الله سبحانه وتعالى، فالذي منّ عليك بهذا العطاء الكبير الذي لا يشاركك أحد به من البشر حتى الأنبياء، فأنت على الأنبياء رتبة أو مرتبة عند الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يتركك، ولا يمكن أن يدعك. تصوروا هذا الكلام الآن لو يقوله لك شخص عالي المقام، هكذا يثني عليك ويعطيك من هذا الكلام، كيف ستكون سعادتك؟ عظيمة جدًا، هنا الله جل جلاله هو الذي يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الكلام.
قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ﴾ [الضحى: 7-8]. كنت فقيرًا فأغناك الله سبحانه وتعالى بخديجة، والله سبحانه وتعالى يسخر الأسباب، وييسر الأسباب التي يغني بها من يشاء من عباده. فالله سبحانه وتعالى أغنى النبي عليه الصلاة والسلام عن أموال الناس، ومنّ عليه بالزواج من هذه المرأة الصالحة الطيبة، وكذلك منّ على هذه المرأة بالنبي عليه الصلاة والسلام.
لكن القصد أن الله هنا يبين أنه هو الذي مهد لك هذا الطريق، هو الذي يسر لك هذه الأسباب، وهو الذي حماك واحتواك وقربك منه سبحانه وتعالى. قال: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ﴾؛ ذكر الآن ثلاث نعم، لكن هذه النعم الثلاث تحتاج إلى شكر، فالنعمة إذا ما شكرها صاحبها تذهب.
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: 9]. كما كنت يتيمًا لا تقهر اليتيم. والعرب كانت قلوبهم قاسية، ما كانوا يحسنون إلى اليتيم ولا يتعاملون معه تعاملًا حسنًا، وكانوا يأكلون مال اليتيم، وكانوا يقهرون اليتيم لأنه لا يوجد من يدافع عنه ويحميه. أما هنا فدين جديد، والآن سيبعث النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الدين الجديد وهناك ميزان مختلف غير الذي كان يفعله الناس؛ القلوب القاسية هذه، الجلفة هذه، ستتغير الآن، سيأتي نظام آخر مختلف تمامًا.
لذلك تلاحظون أن هذا يتكرر في القرآن الكريم في التعامل مع اليتيم والمسكين والعطاء كثيرًا، خاصة في هذا الجزء، جزء عم، وهذا كله ينعكس على الإنسان بالرحمة، ولطيب الخلق، وطيب المعدن، وطيب النفس التي تتلقى هذا الدين ويثمر فيها هذا الدين. فهناك ارتباط وثيق يا شباب بين القرآن الكريم وبين قلب الإنسان؛ القلب لما يكون قاسيًا القرآن الكريم ما يؤثر فيه، فالقلب هذا لابد أن يلين إذا لان القلب تأثر، أما إذا قسى القلب وصدأ حتى لو يسمع آيات مزلزلة ما يتأثر، لكن لما يلين القلب هنا يتأثر.
هنا عدم قهر اليتيم وعدم الشدة والرحمة؛ هذه الرحمة لم تكن موجودة عند العرب، خلق الرحمة من الأخلاق المفقودة عند العرب. العرب عندهم عزة، عندهم قوة، عندهم شجاعة؛ لذلك جاء في الحديث: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». وأتمم في أخلاق ما كانت موجودة، لكن هناك أخلاق لم تكن موجودة عند العرب منها خلق الرحمة، العرب عندهم قوة هذه يعتبرونها ضعفًا فلم تكن موجودة عندهم، أما الآن الدين يريد أن يقرر أخلاقًا جديدة، يريد أن يقرر أخلاقًا موافقة للفطر التي تقوم عليها المجتمعات.
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: 9]. اليتيم لا تقهره ولا تذله ولا تكسره ولا تأكل ماله ولا تقربه بأي صورة من صور القهر. هذا يتيم، هذا فاقد الأب، واليتيم فاقد الأب، ولا يتم بعد الاحتلام، يعني بعد ما يحتلم ويبلغ خلاص لا يسمى يتيمًا، لكن قبل هذا إذا مات المعين له الذي هو والده هذا يسمى يتيمًا، لكن إذا ماتت الأم لا يسمى يتيمًا؛ لأن اليتيم هو الذي يموت الذي يعينه، الذي يعيله وينفق عليه هو الذي يسمى يتيمًا.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: 10]. السائل يريد منك المال، لا تنهره، إما أن تعطيه أو ترده برفق. الآن يأتي شخص يقول لك هذه الحادثة، والآن السؤال كثر في هذا العصر ولا ندري من الصادق من الكاذب، إذا ما غلب على ظنك أنه صادق ممكن أنك ما تعطيه، لكن ما تعطيه إيش؟ برفق، لأنه قد يكون هو محتاج حقيقة، ولذلك جاءت الأحاديث الأخرى الشديدة في سؤال الناس خاصة إذا كان الشخص لم يكن محتاجًا أو إذا كان قادرًا على العمل، ولكن إذا كان شخصًا محتاجًا وأنت لا تعرف الغيب، فهنا إما أن تعطيه إذا غلب على ظنك أنه محتاج، أو ترده برفق، ترده بلين، لكن ما تشد عليه.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11]. أما بما أنعم الله عليك بالنبوة والقرآن والخير والصلاح فحدث، والله سبحانه وتعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عباده. جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فرآه النبي عليه الصلاة والسلام في ثوب دون، فقال: «ما آتاك الله من المال؟»، قال: «من الإبل والبقر والخيل والشاة»، فقال: «إذا آتاك الله مالًا فليُرَ أثر نعمته عليك».
الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، وهنا وقفة؛ فرق كبير بين الشخص الذي يري الناس نعمة الله عليه من باب نسبة النعمة إلى الله، وبين الشخص الذي يعلو على الناس. عندنا حديث في إظهار النعمة وبيانها، وعندنا حديث كذلك في البذاذة من الإيمان. البذاذة هي الملابس الرثة أو العادية جدًا، فكيف تكون البذاذة من الإيمان وإظهار النعمة؟ الجمع بينهما هو في نفس النية.
فالذي يلبس الثياب العالية أو الثياب الجيدة حتى يظهر أثر نعمة الله وينسب هذه النعمة إلى الله سبحانه وتعالى فهذا ممدوح، ولكن الذي يفعل هذا حتى يبين للناس أنه عندي مال، هكذا ينسب النعمة إليه هو والفضل إليه هو وحتى يتكبر على الناس، هذا مذموم. وكذلك الذي يلبس الثياب النازلة من باب التواضع وعدم الترفع على الناس فهذا محمود، ولكن إذا كان يفعل هذا من باب أن يقول الناس عنه: انظروا فلان متواضع، هذه كلمة "انظروا"؛ هذا مذموم إذا كان هذا قصده.
وجاء في الصحيح أن ثلاثة: أبرص وأعمى وأقرع، كانوا كلهم فقراء، وجاءهم ملك بصورة إنسان، فذهب إلى أقرع وقال: ما الذي تتمنى؟ فقال: أتمنى الشعر الحسن، وذهب إلى أبرص قال: أتمنى الجلد الحسن، والأعمى قال: أتمنى أن أبصر، وكل واحد احتج أن هؤلاء الناس كرهوني ونفروا مني بسبب عدم ظهور الشعر وبسبب الجلد وهذا يقول بسبب العمى، فأعطى أحدهم البقر.
والثاني الأبرص والأعمى أعطاهما الغنم، ودعا لهما بالبركة، فكثر هذا المال. فرجع هذا الملك، وأراد الله أن يبتليهما أن يختبرهما، فذهب إلى الأول الأقرع، وقال رجل فقير انقطعت به السبل: «أنشدك الله أن تعطيني بعيراً أتبلغ به»، فقال: «إنما ورثته كابراً عن كابر»، فقال: «ألست أنت الذي كنت كذا وكذا، كنت أقرع ثم أتاك الله هذا الشعر الحسن؟» وذكر في البداية بنعمة الله عليه، قال: «أنشدك الله الذي أعطاك هذا الشعر الحسن»، فقال: «إنما ورثته كابراً عن كابر»، قال: «لم تكن كذا إن كنت كاذباً، فصيرك الله إلى ما كنت».
فأفقر هذا الشخص، ثم ذهب إلى الثاني ودعا كذلك وطلب منه، وقال: «وأسألك بالذي أعطاك الجلد الحسن أن تعطيني»، فلم يعطه وقال: «إنما ورثته كابراً عن كابر»، فدعا الله سبحانه وتعالى بأنه إن كان كاذباً أن يصيره إلى ما كان، فوقع معه هذا الشيء. ثم ذهب إلى الأعمى وذكر بالنعمة، فاستجاب وقال: «نعم الله هو الذي أعطاني ومنّ عليّ، وخذ ما شئت»، فقال: «أمسك عليك مالك». إنما أراد الله سبحانه وتعالى يختبركم، فنجا هذا وسقط صاحبه.
هنا الله سبحانه وتعالى يبين لنبيه عليه الصلاة والسلام بالتذكير بهذه النعمة، وبعض الناس سبحان الله تكون عنده نعم لكن دائماً تضجر من الدين، حتى لو كان تحت مسمى الخوف من العين، ليس معنى هذا أن الشخص ما يحتاط، لكن معنى هذا أن لا يبالغ بهذا الأمر. بعض الناس كل ما تأتيه -الله المستعان- "نحن فقراء، نحن وضعنا المادي كذا"، هو أحسن من غيره بكثير ما يحمد الله إنما دائماً يتشكى، وهذا يا إخوان من باب كفران النعمة.
وفارق كبير بين الشخص الذي لا يظهر النعمة حتى لا يحسد، وبين الشخص الذي لا يظهر النعمة بالمبالغة هكذا حتى تكون عنده مبالغة خوف من الناس أو التفاف القلب لغير الله سبحانه وتعالى. وفارق كبير بين الشخص الذي يظهر النعمة حتى يظهر فضل الله سبحانه وتعالى ويقرب العبيد إلى المعبود سبحانه وتعالى، وبين الشخص الذي يظهر النعمة حتى يعلو على الناس ويطغى. الفارق هو أنت نفسك. هنا الله سبحانه وتعالى يبين بأن هذه النعمة لها حق، ومن حق النعمة أن تشكر الله سبحانه وتعالى وأن تذكر الناس بأن الله هو الذي منّ عليه وهو الذي أعطاني هذه النعم العظيمة.
ثم قال الله سبحانه وتعالى بعد ذلك في سورة الشرح: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 1-4]. قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، من أسعد الناس؟ النبي عليه الصلاة والسلام. طيب من أكثر الناس بلاءً؟ النبي عليه الصلاة والسلام. كيف؟ هنا وقفة؛ أسعد الناس على الإطلاق هو النبي عليه الصلاة والسلام، وأكثر شخص ابتلي هو النبي عليه الصلاة والسلام.
أشد الناس بلاءً الأنبياء، يبتلى الرجل على قدر دينه. بلاءات النبي عليه الصلاة والسلام كثيرة جداً، مات كل أبنائه وبناته في حياته إلا فاطمة، ستة ماتوا. ابتلي بأحب الناس إليه، طعن في عرضه الشريف في عائشة ابتلي بها، ذهب إلى الطائف وقالوا له ما قالوا، وردوا عليه برد ثقيل جداً على الشخص العادي فكيف على الشريف؟ وفي مكة عانى ما عانى عليه الصلاة والسلام، وفي الغزوات عانى ما عانى، بلاءات عظيمة جداً وقعت عليه عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك هو أكثر الناس انشراحاً للصدر.
هنا الله يمنّ على النبي عليه الصلاة والسلام ويذكره بهذه النعمة العظيمة: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾. تصور النبي صلى الله عليه وسلم في مكة والكفار يعادون ويطعنون ويتكلمون، والله سبحانه وتعالى ينقل النبي عليه الصلاة والسلام إلى تفكير آخر ويذكره بهذه النعمة العظيمة: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، جعلناه رحباً واسعاً يستطيع أن يحتمل هذه الدعوة. هذه الدعوة تحتاج إلى رجال، تحتاج إلى أناس أقوياء، والله منّ عليك بهذه القوة. أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه. فالله منّ عليك بهذا الانشراح العظيم، ومع كل هذه البلاءات كان أسعد الناس وأكثر الناس انشراحاً للصدر.
وكان يقول جرير بن عبد الله البجلي: «ما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت إلا تبسم». شخص يبتلى بكل هذه البلاءات ويتبسم، وهذا أمر عجيب، سبحان الله. لما نعيش مع النبي عليه الصلاة والسلام وننظر كيف عاش، شيء يسير من بلاءات النبي عليه الصلاة والسلام كفيلة بأن تقطع الإنسان، لكن مع ذلك هو ما انقطع. طبعاً هذا لا شك أنه عطية إلهية، وكذلك الله منّ عليه بطريقة معينة في التعامل. تصور في غزوة يرجع في الطريق يتزوج، كيف؟ هذه الحياة. ما كان النبي عليه الصلاة والسلام يعيش مع المشكلة، إنما كان يتعامل مع الحياة على أنها حياة، لذلك هو أصح الناس نفساً على الإطلاق.
وكان يعيش مع نفس الحادثة في وقتها وكان يستمتع بها، وكان في هذا الشيء العجيب. الآن الشخص متى يفكر؟ في وقت الليل قبل أن ينام، هذا كله ما كان يفكر، كان يقرأ القرآن النبي عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك مباشرة ينام ثم يقوم ثم يستمر في حياته بهذه الطريقة. أنبياء الله يقتلون ويقع كذا ويقال عنه كذا ومع ذلك كان يعيش الحياة كما هي الحياة، وهذا أمر عالي جداً.
هذا له شرح، لكن قصد الآن الناس لما يمرضون هذه الأمراض النفسية؛ لماذا تجد أن وقعت له مشكلة في حياته، والمشكلة بالبداية تسبب اكتئاباً، ثم بعد ذلك يصبح اكتئاباً حاداً، وتقع عنده مشكلات، في النهاية تكون انتحاراً. هي لها تسلسل؛ بدايتها اكتئاب ونهايتها انتحار. ولما تدخل في المشكلة تريد أن تعرف لماذا انتحر؟ تجدها لا شيء. لماذا هذا كله؟ لأن هو عاش ولا، هذه الطريقة في العيش معناها خطأ. النبي عليه الصلاة والسلام مع كل هذه البلاءات ومع ذلك أصح يبتسم ويضحك.
القصد من ذلك أن الله هنا يمنّ على النبي عليه الصلاة والسلام، وكل من كان تابعاً للنبي عليه الصلاة والسلام أقرب له له نصيب من شرح الصدر، له نصيب في إصلاح البال، وهذا صلاح البال نعمة عظيمة لا تقدر بثمن. تقول أمي عائشة بعد ما رأت النبي عليه الصلاة والسلام يوماً...
«وهو فرح. قالت يا رسول الله إني أراك طيب النفس. قال: نعم، وطيب النفس من النعيم».
طيب النفس من النعيم. الآن الشخص لماذا يحصل على الأموال؟ من الذي يريده من المال؟ حتى يرتاح، حتى يسعد. النبي ﷺ لم يكن صاحب مال كثير، وكان يقول: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً»، وكان يسأل الله الكفاف، ومع ذلك عاش؛ لأن السعادة من الله.
فرق كبير جداً بين المتعة وبين السعادة؛ المتعة لحظية، لكن السعادة دائمة وقلبية. المتعة الآن لما تأكل، لكن خلاص تمل بعد ذلك. ولكن السعادة هذه من الله، هو الذي يعطي السعادة سبحانه وتعالى غير المتعة. المتعة ممكن تأخذها، والمتعة ممكن تصبح عند الإنسان عادة؛ يعني شخص يعتاد أن يعيش بطريقة معينة، فإذا ما فعل هذا يتعب، وإذا فعل ما يسعد.
أضرب لكم مثالاً بالنزهة مثلاً؛ لو شخص كان يخرج كل يوم إلى النزهة، اعتاد ذلك، هل يستمتع؟ لا، لكن هو اعتاد، إذا ما خرج يشعر بضيق. وشخص آخر يخرج للنزهة لما يحتاج، هل يسعد أو ما يسعد؟ يسعد ويفرح بهذا. لماذا نتعامل مع أنفسنا بطريقة صحيحة؟
هذه كلها السعادة أو المتعة إن صح التعبير دنيوية، لكن الذي يعطيها الله سبحانه وتعالى للإنسان هذا فوق هذا كله؛ هو يشعر مع البلاءات وكذا لكن قلبه يعيش سعادة، لماذا؟ لأن الله أسكن في قلبه محبته، فأصبح يعيش في سعادة عظيمة. وكان النبي ﷺ يسعد بالصلاة: «وجعلت قرة عيني الصلاة»، «أرحنا بها يا بلال». هذا الكلام ليس كلاماً عاطفياً إن صح التعبير، لا، هو حقيقة؛ بعض الناس يسعد بالصلاة، لكن هذه عطية، هذا إنسان موفق، هذا إنسان الله سبحانه وتعالى أحبه ففتح عليه هذا الفتح ومن عليه وأكرمه بأن يكون صدره بهذه الصورة وهذه الطريقة.
إذاً الله سبحانه وتعالى يمتن على نبيه ﷺ ويقول: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: 1]، ثم قال: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: 2]. قيل: ذنبك، فالله سبحانه وتعالى قد غفر لنبيه ما تقدم من ذنبه وما تأخر. هل الأنبياء يقعون بالذنوب والمعاصي أصلاً؟ هم لا يقعون بالكبائر قطعاً، ولا يقعون بالصغائر المخلة للمروءة، ولكن الصغائر التي من قبيل ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ﴾ [عبس: 1]، هكذا لتقع، ممكن يقعون فيها، لكن الله هنا يطمئن نبيه بأن هذا النوع غفر الله سبحانه وتعالى له.
على قول آخر، أن وزرك هنا أي الأحمال الثقيلة المتعلقة بالدعوة، فالله سيعينك عليها فلا تخف، ولكن القول الأول هو الأشهر. والله ذكر عن آدم عليه السلام مثلاً أنه عصى ربه وتاب الله سبحانه وتعالى عليه، وظن داود: ﴿أَنَّمَا فَتَنَّاكَ﴾ [ص: 24] فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب، وهكذا فالأنبياء يقعون. وذكر الحسن البصري أن الله لم يذكر أخطاء الأنبياء حتى تعيروهم، إنما يكون ذكر أخطاء الأنبياء حتى تعرفوا كيف تفعلون لما تقعوا بهذه الأمور أو حتى لا تقعوا بها.
فقصد من ذلك أن الله هنا يطمئن نبيه: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: 2-3]. البعير لما يحمل طاقته، يصدر صوتاً اسمه صوت النقيض، هذا متى يكون لما يكون الحمل ثقيلاً جداً. الآن الأنبياء ما يقعون بالكبائر، ولا يقعون بشيء، والذي يقعون فيه شيء يسير، لكن هذا بالنسبة لهم حمل ثقيل. وكلما كان الشخص أكثر صلاحاً كان الذنب ثقيلاً عليه.
الكبيرة ربما ما يراها بعض الناس شيئاً، لكن الكفر يخاف منه ولا يقترب منه، وبعض الناس الصغائر ممكن يتوسع فيها ولا يبالي بها، لكن الكبيرة يقول لك هذه كبيرة ما أفعلها، وصغيرة إذا كانت صغيرة يقول لك صغائر. وبعض الناس لا، الصغائر يقول لك ممكن أفعلها كل فترة، وبعض الناس لا يتورع حتى من الصغائر إلا ما لا بد الإنسان يقع فيه. القصد أن الأنبياء عندهم هذه الصغائر التي تقع يسيراً في الحياة كلها ربما موقف أو موقفين فقط، وهذا تقي جداً. ومع ذلك النبي ﷺ يقابل فضل الله عليه وفتحه وعطاءه ومغفرته بأن يصلي حتى تتفطر قدمه، ثم يقال: يا رسول الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فيقول: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟».
إذاً هنا الله يقول الذي أنقض ظهرك، ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4]. لا أذكر إلا وتذكر معي، الأذان ما ينقطع اليوم من العالم، الأذان مرتبط بحركة الشمس، وأمة الإسلام امتدت من المشرق إلى المغرب، وصل المسلمون إلى كل مكان. فلما تظهر الشمس أو قبل ظهورها وقت الفجر يؤذن، ومع كل حركة في أذان، فالأذان لا ينقطع في 24 ساعة. وفي الأذان: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله»، فاسم محمد ﷺ مذكور مع اسم الله سبحانه وتعالى على مدار 24 ساعة.
وسبحان الله، عملوا قبل 10 سنوات تقريباً بحث، نظر الغرب لنا، هم كانوا يقيسون تميز المسلمين إلى آخره، وكانت الهجمة الغربية في ذلك الوقت قد بدأت، فتعجبوا بأن الأسماء الإسلامية هي المشتهرة، فنظروا في العرب فوجدوا بأن أكثر اسمين مشتهرين هما محمد وأحمد. أول 10 أسماء عربية كلها إسلامية، ليست أسماء ليس لها امتداد تاريخي، محمد، أحمد، عبد الله، عبد الرحمن، يوسف، خالد، علي، عمر، هذه الأسماء كانت منتشرة. فهم حرصوا وقالوا هذا خطر، أن هذه لها امتداد تاريخي إسلامي، بخلاف مثلًا أسماء النساء، وجدوا بأن أكثر اسمين هما محمد وأحمد.
القسم من ذلك أن الله سبحانه وتعالى رفع ذكره. وكان يحدثني أحد المشايخ يقول: ذهبت إلى إحدى البلدان، وكنت في محطة الوقود، فقال العامل لي هذا، وكان حاكم البلد مجرماً وسقط هذا الحاكم ومات، الحمد لله، وكان يريد أن يمنع الإسلام.
هكذا يضيق، وأضيق كثيرًا حتى على الحجاب، وهذا معروف. فالقسم من ذلك أن هذا الشخص يريد أن يخفض ذكر النبي ﷺ، يقول: «ورفعنا لك ذكرك». هذا الذي يحدثني به مدرس تفسير، دكتور في التفسير، يقول: والله لفت انتباهي إلى معنى عجيب، يقول الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4]. من أنت حتى تخفض ذكره؟ وذهب هذا وانقلب عليه شعبه وطرد ومات ذليلًا حقيرًا بعيدًا عن بلده، وبقي ذكر محمد ﷺ، ولم يستطع أحد أن يخفض ذكره لأن الله سبحانه وتعالى هو رافع ذكره.
بل الله سبحانه وتعالى حتى لما يقع الخصوم فيه، هنا يرفع ذكره أكثر. لذلك كانوا يقولون الصحابة، أو كانوا يقولون المجاهدون، لما نحاصر الحصن ويقع أهله في النبي ﷺ، نستبشر مع شدة غيظهم منا باقتراب فتح الحصن، خلاص، لما وقعت الآن في محمد ﷺ النتيجة الحتمية هي النصر لنا. الله رفع ذكره، فمن الذي يستطيع أن يخفض ذكره بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام؟ وشق له حتى الله سماه محمدًا. يقول حسان: «وشق له من اسمه ليجله، فذو العرش محمود وهذا محمد». عليه الصلاة والسلام، محمد وأحمد.
أحمد على وزن أفعل، هو أحمد الناس لله سبحانه وتعالى، ومحمد هو أكثر الناس حمداً لاجتماع صفات الكمال البشري فيه عليه الصلاة والسلام. ثم قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]. لن يغلب عسر يسرين، جاءت أحاديث كثيرة في هذا ولكنها ضعيفة، لكن يشد بعضها بعضًا.
هنا لن يغلب عسر يسرين، لماذا؟ لأن النكرة إذا كررت تكون أخرى، أما العسر معرفة، والمعرفة إذا جاءت بعد المعرفة تفيد نفس المعرفة، فهنا العسر واحد معرفة، والنكرة «يسراً» اثنتان؛ فلن يغلب عسر يسرين. وكان يقول السلف: إذا دخل العسر دخل اليسر معه. وقيل في القول الثاني: أن هنا اليسر لما تكرر النكرة تفيد التعظيم، فالعسر يكون يسيرًا ولكن اليسر يكون عظيمًا، وهذا الذي وقع مع النبي ﷺ؛ فإن مع العسر يسراً، عسر في مكة وبلاء، لكن الفتح الذي وقع بعد ذلك في المدينة، ثم توالي هذه الفتوح، ثم انتشار الدين بهذه الصورة وهذه الطريقة.
ثم قال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ [الشرح: 7]. إذا فرغت من عمل فانصب في عمل، إذا فرغت من الصدقة فانصب بعبادة أخرى كالصلاة، إذا فرغت من فريضة فانصب بالنافلة. نحن أمتنا أمة عمل، ليست أمة جلوس، إذا فرغت من شأن الدنيا فانصب بأمر الآخرة. لا يوجد عندنا انقطاع، أو أمة كلام أو أمة جلوس، هذا لا وجود له عندنا، فنحن أمة عمل. فإذا فرغت فانصب، وسبحان الله هذا الذي يعمل هو الذي يسعد، من طبع الحياة هكذا. قال: «فإذا فرغت من عمل فانصب في عمل»، فرغت من الجهاد فانصب بالصلاة، فرغت من كذا فانصب بكذا. وهذه كانت حياة النبي ﷺ، فكان ينتقل من عمل إلى عمل.
وشعائر الإسلام كثيرة جدًا؛ يصلي، بعد ذلك يكون في صلة رحم، يكون في «وإن لزوجك عليك حقا»، يكون في العناية بالضعفاء والمساكين، يكون في تعليم، يكون في قراءة قرآن، يكون في صدقة. والإنسان إذا ضيق العبادة تقع عنده مشكلة، لكن العبادة واسعة؛ صلاة، صيام، صدقة، صلة رحم، نشر الخير، حتى إدخال السرور على مسلم من أعظم الأعمال عند الله، ومن أحب الأعمال إلى الله عز وجل إدخال السرور على مسلم.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾، ثم قال: ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾ [الشرح: 8]. هنا قدم المعمول، قال: «وإلى ربك» قدم الجار والمجرور، قال: «فارغب» أي لا ترغب إلا إلى الله، قلبك هذا لا توجهه إلا له سبحانه وتعالى إن أردت أن تعيش هذه الحياة بكل سعادة وراحة وانشراح صدر. يقول النبي ﷺ: «من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن أسخط الله برضا الناس سخط الله عليه وأسخط عليه الناس».
ابن القيم عنده كلمة جميلة جدًا يقول: «من أحب غيره عذب به ولا بد». انظر، شخص يتوجه إلى ابنه ويعذب بابنه، يقدم أقرب الناس إليه على الله، هو لا مشكلة في حبه لهم ولكن لا لما ترضيه في مقابل سخط الله، هنا الخطر هذا ينقلب عليك ولا بد؛ لأن هذا قلبه هو أصلاً لا يملكه، فهو سينقلب عليك لأن هذا قلبه بيد الله سبحانه وتعالى. «فمن أحب غيره عذب به ولا بد»، «ومن انشغل بغيره لم يبارك له فيه»، «ومن خاف غيره سلط عليه». انظروا إلى هذا كيف يكون شاهدًا، سبحان الله كيف الشخص يخاف من الكفار فيسلط الكفار عليه، لماذا؟ ما توجهت إلى الله سبحانه هو سيحميك من هؤلاء.
سبحان الله هكذا الذي يقع عند الإنسان الذي لا يعظم الله. القصد من الله يربي نبيه ﷺ وكذلك أتباع نبيه ﷺ، بأن يرغبوا إلى الله، وأن يتوجهوا إلى الله وألا يلتفتوا لغير الله سبحانه وتعالى. إذن هذا بعض ما يتعلق بهذا السؤال، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري