الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف خلق الله وعلى نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد؛ فحياكم الله إخواني جميعًا من مدارسه.
معنا اليوم بإذن الله سورة الليل، وهذه السورة كذلك من السور التي نزلت على النبي ﷺ في مكة. يقول الله سبحانه وتعالى، بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ [الليل: 1-4].
أقسم الله سبحانه وتعالى بالليل في حال غشيانه؛ قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾، وهنا أتى بالفعل المضارع لأن الليل يدخل شيئًا فشيئًا فيغشى الناس شيئًا فشيئًا، والله سبحانه وتعالى يقسم بهذه الآية العظيمة الجليلة التي يراها الناس كل ليلة. ثم قال: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾، أقسم بالنهار إذا تجلى أي إذا ظهر وبان من بين الظلمة، إذا قشع هذا الظلام وظهر للناس.
ثم بعد ذلك قال: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ﴾، أقسم الله الآن بالآيات العلوية السماوية المتضادة بالليل والنهار، ثم بعد ذلك أقسم بالآيات السفلية الأرضية كذلك المختلفة والمتقابلة. قال: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ﴾، وهنا يحتمل أن تكون مصدرية فيكون القصد: وخلق الذكر والأنثى، ويحتمل أن تكون موصوله فيكون القصد: والذي خلق الذكر والأنثى، أي يكون القسم بالله سبحانه وتعالى.
هنا الله سبحانه وتعالى لفت الانتباه إلى الآيات العلوية التي نراها كل يوم، ثم بعد ذلك لفت الانتباه إلى الآيات السفلية؛ ذكر والذكر والأنثى في جميع أقسام المخلوقات من البشر، وكذلك الحيوانات، وكذلك حتى الجن؛ ذكر وأنثى، والذكر له خصائص وصفات وطباع، والأنثى لها خصائص وصفات وطباع. قال: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ﴾ أي والذي خلق الذكر والأنثى بهذه الصورة وهذه التركيبة.
ثم قال في جواب القسم: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾. انظروا، أقسم بالليل والنهار، ثم بعد ذلك بالذكر والأنثى، ثم بعد ذلك كان المقسم عليه موافقًا لهذا القسم: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾، أي أن عملكم الذي تجتهدون له وتعملون في حياتكم وتهتمون به لشتى، أي لمختلف؛ كاختلاف الليل والنهار وكاختلاف الذكر والأنثى.
فمنكم من يسعى لإنجاء نفسه، ومنكم من يسعى لإهلاك نفسه، منكم من يسعى للفوز بالجنة، ومنكم من يسعى للوصول إلى النار، منكم من يسعى لنيل الفردوس الأعلى، ومنكم من يسعى حتى يكون في الدرك الأسفل من النار. ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾، وسعيكم أخص من عملكم؛ فهنا كلمة السعي أخص من كلمة العمل، فالمراد هنا عمل مخصوص، أي السعي الذي يقصد الإنسان أو الذي يريد الإنسان أن يحققه، العمل الذي يكون معه قصد ومعه بذل ومعه جهد.
إذاً هنا الله يقول: إن سعيكم لشتى؛ هذا يفكر بكذا، وهذا يفكر بكذا، وهذا يريد كذا، وهذا يقصد كذا. ثم انتقى الله سبحانه وتعالى للحديث عن أقسام السعي في التعامل مع الله، وكذلك الأقسام في النتيجة يوم القيامة؛ إذاً هذه السورة سورة المتقابلات، سورة المترادفات.
قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾. القسم الأول: ﴿مَنْ أَعْطَىٰ﴾، ولم يذكر هنا مفعول أعطى؛ أعطى ماذا؟ أعطى كل شيء، وأول ما يدخل في أعطى أعطى الله سبحانه وتعالى قلبه؛ فإما من أعطى قلبه، أعطى ماله، أعطى وقته لله سبحانه وتعالى.
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾، أعطى المال؛ هذا دليل على سخاء النفس، وعلى كرم هذا الإنسان، وعلى إيمان هذا الإنسان، أعطى قلبه فالله يعلم بأنه لا يوجد في قلب أحد أعظم من الله، ولا أحد أحب إليه من الله ثم من رسول الله ﷺ ودين الإسلام. وكذلك أعطى وقته، هذا السعي أكثر؛ أين يذهب الوقت؟ أين يمضي؟ فيما ينصرف؟ هل فيما يقرب إلى الله سبحانه وتعالى فيما يعظم الأجور يوم القيامة أو في غير ذلك؟
قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ﴾، التقوى فعل المأمور وترك المحذور. قيل لطلق بن حبيب: ما التقوى؟ فقال: «أن تفعل طاعة الله على نور من الله ترجو ثوابه، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخشى عقابه». وسئل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، وأبي بن كعب رضي الله عنه عن التقوى، فقال: «يا أمير المؤمنين، أما سرت في طريق فيه شوك؟» قال: بلى. قال: «فما صنعت؟» قال: شمرت. لماذا شمرت؟ حتى ما أصيب هذا الشوك، حتى ما أدوس على هذا الشوك. قال: «هذه هي التقوى»، هذه معصية تبتعد عنها، هذه معصية تبتعد عنها، هذا يجوز تضع قدمك حيث المكان الذي يجوز لك أن تضعه وتبتعد عن المعاصي والذنوب وتتقي، أي تبتعد، تجعل بينك وبين الذنوب وقاية.
ويقول الشاعر: خلي الذنوب صغيرها وكبيرها ... ذاك التقى واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال ... من الحصى
قال: ﴿وَاتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ﴾. وصدق بالحسنى قيل: لا إله إلا الله، أي آمن بدين محمد ﷺ، آمن بالإسلام، وحد الله سبحانه وتعالى، لا معبود بحق إلا الله. وقيل: صدق بالجنة، أي بالآخرة بالعاقبة. وقيل هنا: صدق بالخلف، أي أن الله سبحانه وتعالى سيخلفه، إذا كان صاحب مال ينفق المال، والله سبحانه وتعالى سيخلف لهذا المال. القصد أن هنا التصديق كان بما جاء به النبي ﷺ، سواء بكلمة التوحيد وهذا هو الأصل، أو ما يتعلق بيوم القيامة، أو ما يتعلق بأفراد ما جاء به النبي ﷺ. هذا الذي يصدق بما جاء به الدين، ويؤمن بلا إله إلا الله وبالقيامة وبكل ما جاء به الدين، هذا سيُيسر اليسرى.
قال: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾، أي سنيسر هذا الإنسان لأن يكون سعيه وعمله لما يحب الله سبحانه وتعالى؛ فالذي يعطي الله، والذي يتقي الله، والذي يصدق بدين الله سبحانه وتعالى، هذا هو الذي سيُيسر إلى طاعة الله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك هذه الطاعة توصل إلى الجنة. قال: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ يعمل بالطاعة ويصدق ويتقي الله، يرتقي من حال إلى حال، من عمل إلى عمل، حتى يصل في النهاية إلى أن يدخل الجنة.
ثم قال الله في القسم المقابل لهذا القسم: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾. قالوا: أما من بخل، بخل بالمال، أمسك المال، شح بالمال عن النفقة وعن الصدقة، وقبل ذلك عن الزكاة. قال: ﴿وَاسْتَغْنَىٰ﴾، واستغنى عن ثواب الله سبحانه وتعالى -رحمه الله- لم يطلبها ولم يفكر بها، واستغنى بما عنده من مال، أو ما عنده من أبناء، أو ما عنده من جاه وسلطان، قال: واستغنى عن الله سبحانه وتعالى، عن ثواب الله سبحانه وتعالى.
والإنسان ما يستغني، ولكن يرى بأنه استغنى. يرى بأنه استغنى وهو لا يستطيع أن يستغني عن الله، لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يدبر أموره، هو الذي يسر له العيش في هذه الحياة. هو ما يستطيع لو استغنى عن الله؛ لم يستطع أن يقوم، لأن الله من أسمائه الصمد وجميع المخلوقات تقوم به، والله سبحانه وتعالى من الأسماء الحي القيوم، قائم بنفسه وكذلك مقيم لغيره، فلا يستطيع الإنسان أن يستغني.
لكن هذا يرى بأنه استغنى، أو يستغني بفعله؛ إذاً هنا استغنى عن ثواب الله، خلاص لم يعد يعمل من أجل دين الله ولم يسعَ من أجله. لماذا؟ لأنه يقول الثواب لا أريده أو لا يفكر به ولا يرغب به، والعياذ بالله. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ﴾ [الليل: 8-9]. كذب بلا إله إلا الله، لم يصدق بالدين، لم يؤمن بالبعث بيوم القيامة.
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾؛ أي أن خُلق للعسر، هذا سيفعل المعصية بعد المعصية لأنه ما عنده دين يرعاه، وما عنده إيمان يحميه، ولا توجد محبة تقيه. إن الله إذا أحب عبداً حماه؛ هذا غير محمي. كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ورجله التي يمشي بها، ويده التي يبطش بها، هذه غير موجودة عنده؛ لأنه لم يسر لليسرى، لم يصدق بالحسنى.
هذا كذب بالحسنى ودخل واستغنى، هذا سييسر العسرى؛ يعمل من معصية إلى معصية، سعيه كله معاصٍ وذنوب، فيستكثر منها حتى يوصل في النهاية -والعياذ بالله- إلى جهنم. جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: «ما من نفسٍ منفسة إلا كتب الله مكانها من الجنة أو النار»، فقال رجل: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال النبي ﷺ: «لا، ولكن اعملوا، فكل ميسر لما خلق له؛ فأما أهل الشقاء فييسرون لعمل أهل الشقاء، وأما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة». ثم تلى: ﴿فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى﴾ [الليل: 5-10].
هذه علامة، الإنسان ينظر في حياته: هل هو ينفق الوقت والمال، وقبل ذلك القلب، يعطيه الله سبحانه وتعالى؛ هل هو مصدق بما جاء به الدين؟ هذه علامة خير لهذا الإنسان. أما القسم المقابلة، فعلامة شر بشرط أن يكون هذا موافقاً لقلبه؛ لأن بعض الناس يعمل فيما يبدو للناس، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، والعياذ بالله.
وقيل إن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، لما اشترى بلالاً من أمية بن خلف بعشر أواقٍ، فأنزل الله سبحانه وتعالى به هذه الآيات: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ﴾ [الليل: 1-4]؛ يعني سعي أبي بكر وسعي أمية، أبو بكر ينفق المال ويتقرب إلى الله، وهذا يأخذ المال ولا يتقرب إلى الله ويكذب بما جاء به الدين.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾ [الليل: 11]. «وما يغني عنه ماله»؛ إما تكون استفهامية أو تكون نافية. «وما يغني» أي: وما الذي يغني مال هذا الإنسان عنه إذا تردى، أي إذا هلك ومات وهوى في جهنم، تردى في جهنم سقط في جهنم. أو تكون نافية، أن هذا لن يغني ماله؛ كما قال الله سبحانه وتعالى حكاية عن كافر لما يأخذ كتابه بشماله يقول: «ما غنى عني ماليه، هلك عني سلطانيه، خذوه فغلوه». خلاص ذهب السلطان ولم يغنِ المال ولم ينفع المال ولا البنون.
«وما يغني عنه ماله»؛ أنت الآن فوق الأرض وعندك هذا المال، تستطيع أن تنفق وتتقرب إلى الله، لكن لما تموت وهذا المال في رصيدك كله، ستسأل عنه يوم القيامة. قال: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ﴾.
ثم قال الله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ * وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَىٰ﴾ [الليل: 12-13]. يقول الله: من سلك الهدى فعلى الله سبيله، أي من أراد أن يصل إلى الله ليسلك هذا الطريق. الله أنزل هذا الكتاب هادياً إليه، مبيناً ومرشداً لما يحب الله سبحانه وتعالى من البشر. وهذه الآية لا نظير لها في القرآن الكريم إلا آيتين؛ في سورة الحجر وكذلك في سورة النحل: ﴿هَٰذَا صِرَاطٌ عَلَيْنَا﴾، و﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾.
قال: ﴿هَٰذَا صِرَاطٌ عَلَيْنَا﴾، وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾، وهنا قال: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾، أتى بحرف الاستعلاء «على» ولم يأتِ بحرف الغاية «إلى»، لم يقل الله: «إن إلينا للهدى»، إنما قال: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾. لماذا؟ لسببين والله أعلم: الأول أن «إن علينا الهدى»؛ ليكون المقصود الوقوع مباشرة على المقصود. العرب تقول في الأمور الكبيرة أو العظيمة: «على الخبير سقطت»، ولا تقول: «إلى الخبير وصلت». لما تقول: «على الخبير سقطت»، هذا في الأمر الدقيق أو الظاهر أو العظيم.
والأمر الثاني أنه هنا مباشرة يوصل إلى نفس المقصود، وليس يكون قريباً مثلاً، إنما يكون مباشرة موقعاً إلى نفس الشيء. فإذا جمع الأمرين: عظم الشيء وكذلك الدقة في الوصول إلى المكان أو الشيء، عظم هذا الأمر: «على الخبير سقطت» أو وصلت، وكذلك الدقة في الوصول إلى هذا الشيء. فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾؛ أي من أراد الوصول إلى الله، الوقوع مباشرة على المقصود، فليسلك هذا الطريق. والهدى هو العلم النافع، وهذا القرآن الكريم هدى؛ ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: 2-3]، فهؤلاء هم الذين يهتدون بالقرآن الكريم وينتفعون بهذا الكتاب العظيم.
إذاً الله سبحانه وتعالى تكفل ببيان الطريق الموصل، وبين بأن هذا الطريق إذا سلكه العبد سيوقع مباشرة على نفس المقصود؛ قال: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَىٰ﴾، ثم قال: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَىٰ﴾. من أراد الآخرة فهي في ملكنا، ومن أراد الأولى -أي الدنيا- فهي في ملكنا؛ إذاً لماذا تلتفت لغير الله؟ لماذا تتعلق بغير الله سبحانه وتعالى؟ الإنسان يتعلق بغير الله، أو يتعلق بالشخص لما يملك شيئاً، ولا يملك أحد على الحقيقة إلا الله سبحانه وتعالى. والله من أسمائه الملك سبحانه وتعالى، والله هو مالك الدنيا والآخرة؛ لماذا تلتفت أو تخاف أو ترجو غير الله سبحانه وتعالى؟ هنا الله يعلم البشر، وبين للبشر من هو سبحانه وتعالى؛ قال: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَىٰ﴾.
وبعد ما قام بالحجة وبين هذه الآيات العظيمة، قال محذراً ومخوفاً هذه النفوس المتجبرة الطاغية المتكبرة: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ﴾. نبهتكم وبينت لكم وخوفتكم هذه النار التي تتلظى؛ قال: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾. نار تتوقد وتتوهج، لا يصلى هذه النار ولا يقاسي حرها إلا الأشقى؛ الذي كذب وتولى. من هو الأشقى؟ الذي كذب بمحمد ﷺ ولم يؤمن بالإسلام وتولى؛ أي بعمله كذب بقلبه وتولى بعمله، فقد يعادي الدين أو لا ينقاد إليه.
الدين، ويسعى ويتحت في أمور لا قيمة لها ولا تقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وقد يكون فيها أعداء للدين. قال الله تعالى بعد ذلك: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾، انظر إلى المتقابلات، تذكر تباعًا: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾، أي هذا التقي، من هو الأتقى؟ ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾؛ يقدم ماله ويعطي ماله ويهلك ماله حتى يتطهر، حتى يتزكى، حتى يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى.
وهذه الآية نزلت في الصديق رضي الله عنه وأرضاه، كان أبو بكر يبتاع الضعفاء، يشتري الضعفاء فيعتقهم، فقال له أبوه: «يا بني، لو كنت تبتع من يمنع ظهرك؟». الصديق كان يعذب مع جملة الصحابة الذين كانوا يعذبون في مكة أحيانًا، فوالده رق له وقال: هذا المال الذي تنفق الآن في شراء هؤلاء الضعفاء، تشتري بلالًا وتشتري النهدية وابنتها وكذلك زنيرة وأمها، لماذا تنفق هذا المال وتهلكه وأنت تاجر في شراء هؤلاء الضعفاء؟
فكان يشتري الصديق هؤلاء ويعتقهم في سبيل الله، فقال له: «كنت أبتع من يمنع ظهرك؟»، فكان يقول الصديق: "منع ظهري"؛ أريد أن أفعل ما أفعل حتى لا أدخل النار، حتى أفوز برضوان الله سبحانه وتعالى، الله أكبر. ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾.
﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾؛ أي يعطي هذه المعطيات وليس لأحد عليه فضل وليس لأحد عليه منة، إنما هو ينفق هذه الأموال فقط تقربًا لله سبحانه وتعالى. حتى بلال، حتى كان بلال يقول للصديق بعد ما مات النبي ﷺ، أراد بلال أن يخرج من المدينة إلى الشام، وأراد الصديق أن يبقى حتى يؤذن، فقال: «يا أبا بكر، إن كنت اعتقتني لله فتركني، وإن كنت اعتقتني لنفسك فسابقى»، فقال: «لا، بل اعتقتك لله»، فذهب إلى الشام.
إذن هو الله يبين بأن هذا الرجل صالح، كان ينفق الأموال الكثيرة الطائلة ولم يكن يريد من أحد شيء، ولم يكن يطلب من أحد شيء، وليس لأحد عليه فضل ولا منة. ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾؛ ليس لأحد على الصديق فضل ولا منة تجزى، وهذه منزلة عظيمة، الصديق حتى كان يقول النبي ﷺ: «ما لأحد لنا يد إلا وقد كافاناه، ما خلا أبا بكر، له علينا يد يكافئه الله يوم القيامة». وكان يقول كذلك النبي ﷺ: «ما نفعني مال، ما نفعني مال أبي بكر»، فبكى الصديق رضي الله عنه وأرضاه وقال: «يا رسول الله، وهل أنا وما لي إلا فداء لله ولرسوله» ﷺ.
﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾؛ أن ينفق هذه الأموال ويفعل هذه الأفعال ويسعى هذا السعي فقط حتى ينال ما عند الله، إلا ابتغاء فقط، يريد ما عند الله، ثواب الله سبحانه وتعالى، إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى. ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾؛ سوف ترضى يا أبا بكر، سوف يرضيك الله سبحانه وتعالى، ولم يذكر الله سبحانه وتعالى ما الذي سيصنع لأبي بكر لعظم هذا الجزاء، لعظم هذا الجزاء، فالله سيعطيك حتى ترضى. ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ من الذي سبحانه وتعالى بأن يرضي هذا الصاحب الجليل رضي الله عنه وأرضاه؟ لما كان يقوم به، وكل من يفعل فعل الصديق رضي الله عنه وأرضاه كله نصيب من هذه الآيات.
إذن هذا بعد ما يتعلق به هذه السورة الجليلة، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري