دخولتسجيل الدخول

سورة الشمس | تأملات في آيات جزء عم

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني وبياكم، وسدد على طريق الخير خطانا جميعًا.

نكمل مدارسة سور جزء عم، ومعنا اليوم بإذن الله سورة الشمس، وهذه السورة من السور التي نزلت على النبي ﷺ في مكة. هنا الله سبحانه وتعالى يقول بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: 1-7].

أقسم الله سبحانه وتعالى بـ 11 قسمًا، ولا وجود في القرآن الكريم لأقسام متتابعة بهذا العدد إلا بهذه السورة. سميت هذه السورة بسورة الشمس لأنها افتتحت بالقسم بالشمس. هنا الله يقسم بالشمس وضحاها، وذكرتها لكم بأن الله لا يقسم إلا بعظيم أو بمبارك. الشمس عظيمة وهي كذلك مباركة، فهي عظيمة بالخلق، عظيمة بالأثر، عظيمة بالصنع، وكذلك هي مباركة؛ إذ تصور الحياة من غير شمس. انظر إلى القطب الشمالي أو الجنوبي الذي لا تصيبه الشمس إلا قليلًا، أو يكون ستة أشهر ليل وستة أشهر نهار.

الشمس لا تستقيم حياة الإنسان إلا بها، ولا يستطيع أن يعيش الإنسان حياة سوية من غير الشمس؛ لأن نفس النباتات لا يمكن أن تخرج وتنبت إلا باكتمال عملية البناء الضوئي التي من شرطها وجود شعاع الشمس، فالشمس هي عظيمة وهي كذلك مباركة. هنا الله يقسم بالشمس ويقسم كذلك بوقت الضحى، أو يقسم بالنهار كله؛ سواء قسم هنا بوضحاها والمقصود به وقت الضحى، أي ارتفاع الشمس إلى قبل الزوال، أو يكون المقصود هنا النهار كله، فالنهار آية من الآيات العظيمة.

ووقت الضحى كذلك يعتبر من أعظم الأوقات التي شرع الشارع بها العبادة؛ لأن وقت الضحى يغفل عنه الإنسان، فلما يقسم الله سبحانه وتعالى في وقت معين يغفل فيه الناس، يدل هذا على أن هذا الوقت فيه بركة، وأن هذا الوقت إذا عمره الشخص في العبادة سيفوز عند الله سبحانه وتعالى. لذلك قال النبي ﷺ عن هذه الصلاة: «صلاةٌ لا تَرْمِضُ الفِصَالُ»، ترمض أي تبرك أبناء الإبل، متى ترمض؟ لما تحتر الشمس، متى تحتر الشمس؟ لما ترتفع، في الساعة التاسعة أو العاشرة، هكذا قبل الزوال يعني قبل وقت الظهر، هذه صلاة الأوابين.

لماذا صلاة الأوابين في هذا الوقت؟ لأن أكثر الناس في هذا الوقت يعملون، منشغلون بالدراسة وبالعمل، لكن قليل من هؤلاء من يعبد الله سبحانه وتعالى في هذا الوقت. وكذلك وقت النهار، وقت طلوع الشمس هذا وقت مبارك، ويروى في الحديث: «بورك لأمتي في بكورها»، فهذا الوقت هو وقت تقسيم الأرزاق ووقت البركة. فالشخص الذي ينام في هذا الوقت أو الذي يفرط فيه دائمًا يفوته شيء كبير من الخير، فوقت الضحى هذا وقت مبارك والله أقسم بوقت الضحى قال: ﴿وَالضُّحَى﴾، فأقسم بالضحى سبحانه، والله أقسم بالشمس وكذلك بوقت الضحى.

وقال بعد ذلك: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾، الآن قسم في آيات الله الكونية العظيمة؛ شمس ومعها نور، وفي هذا الوقت من النور سيأتينا قسم من النهار، ثم يأتي القمر. أقسم بالقمر في حال تلوه للشمس في الطلوع والأفول. يعني الآن لما تطلع الشمس ماذا يصنع القمر؟ يأفل، يغيب، هذا قسم. ولما تغيب الشمس ماذا يصنع القمر؟ يأتي، هذا كذلك قسم. هذه آية كونية، أفول القمر وظهور القمر بعد ذلك، وبين الأفول والظهور وقت طلوع الشمس وغيابها.

من الذي يسير الكون بهذه الصورة؟ من الذي يغير هذا القمر؟ كيف هو نور القمر بهذه الطريقة ونور الشمس بهذه الصورة؟ وكيف القمر يتغير مكانه ولا يظهر في مكان واحد؟ إنما يتغير مكانه، فتغرب الشمس يظهر القمر في مكان معين، وهذه منازل القمر، كيف تكون؟ من الذي يتحكم بهذا الخلق؟ من الذي يسيره بهذه الصورة؟ ألا تنظرون؟ ألا تعتبرون؟ وهذه آيات آثارها عظيمة جدًا على النفس البشرية لما تتأمل فيها. لذلك جعل السدي قال إن الشياطين تعوم حول السماوات تمنع بني آدم من التفكر في ملكوت الله.

انظر إلى السماء هذه العظيمة، وتأمل حتى تعرف صدق هذه المعاني. اجلس هكذا في يوم وتأمل في وقت طلوع الشمس وغروبها وظهور القمر وغيابه، اجلس ربع ساعة أو نصف ساعة، وانظر كيف أن هذا ينعكس عليك بالتعظيم والتدبر، وهذا التدبر ينعكس عندك بإجلال لخالق هذه المخلوقات، لكن الإنسان لا يفكر بهذا لأنه ينشغل بأمور أخرى اعتاد عليها، فالألفة تمنع التفكر وتمنع التذكر.

هنا يقسم الله بالقمر قال: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ ثم قال: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾، أقسم الله بالنهار. وآية الليل والنهار والشمس والقمر هذه مكررة في القرآن الكريم، والسماء والأرض، الشمس والقمر، الليل والنهار؛ هذه آيات مكرر الحديث عنها في القرآن الكريم لرؤية جميع البشر لها، ولاستواء جميع الناس في رؤيتها، ولعظمتها هي بذاتها.

قال: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾، أقسم بالنهار إذا جلى الظلمة. كيف أن هناك ظلامًا دامسًا لا ترى فيه شيء، ثم يأتي هذا الضوء، هذا النهار، فيجلي الأرض وترى الأشياء الدقيقة التي ما كنت تراها قبل ذلك، في وقت الظلام الدامس ما ترى الأشياء الكبيرة الواضحة، فلما يأتي النهار يجلي هذا كله حتى ترى الأمور الدقيقة. طيب، ما علاقة الليل مع النهار؟ وكيف هو الآن في النهار معاش وفي الليل سبات ونوم؟

قال: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ أي جلى الظلمة أو جلى الشمس حتى وضح نورها وضياء الشمس. ثم قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾، هذه الآية التي تقابل آية النهار، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ يغشى الأرض، يعم الكرة الأرضية، فكأن الليل الآن يلبس الأرض، أو الأرض تلبس الليل كأنه ثياب لها.

قال: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾، آيات عظيمات متتاليات يراها الشخص كل يوم. انظر إلى السماء، انظر إلى عظمة هذه السماء وسعتها وكبرها، وكان النبي ﷺ إذا أراد أن يدعو كثيرًا كان ينظر إلى السماء؛ لأن هذا يعظم الإيمان في القلب، فلما يواطئ هذا الإيمان اللسان يكون أثر الكلام ثقيلًا. قال: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾، وهنا «ما» يحتمل أن تكون مصدرية، فيكون "وبنائها"، أي يقسم بالسماء وبنيان السماء، أو تكون "ما" موصولة أي بمعنى الذي.

فيكون الله قد أقسم بماذا؟ بالذي بنى السماء والسماء وبانيها، ومن الباني؟ هو الله سبحانه وتعالى فأقسم بنفسه سبحانه وتعالى. قال: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ أي والذي بناها أو وبنيانها. ثم قال: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ تأمل في هذه الأرض كيف جعلها الله بهذه الصورة وهذه المثابة. ﴿وَمَا طَحَاهَا﴾ أي وطحو الأرض أي بسط الأرض، أو يكون المراد بباني الأرض أو طاحي الأرض والذي طحاها، فيكون القسم يعود إلى الله سبحانه وتعالى.

ثم أقسم بآية عظيمة بالغة في العظمة وهي النفس؛ قال: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾. شوفوا يا شباب، النفس مهما... إذا أردت أن تصل إلى منتهى النفس لا تستطيع، تستطيع أن تعرف جزءًا من النفس، وكلما كبرت بك السن وكثرت عندك التجارب والدراسة والتعلم اكتشفت جزءًا، لكن الوصول إلى نهاية النفس هذا لا يستطيع الإنسان عليه.

ومما حير العلماء النفس؛ هذه النفس كيف هي؟ ما هي النفس؟ حاول أن تفسر النفس. ما الفرق بين النفس والروح؟ نعم، هناك النفس قد تطلق على البدن مع الروح مجتمعة، وقد تطلق على الروح منفردة، وبعض يقول الروح أصل النفس، وهكذا. لكن هذه النفس تريد أن تعرف كيف تتغلب، كيف تؤثر بالإنسان؟ هذه النفس التي هي عبارة عن مادة حياة الإنسان، كيف هي؟ وكيف قسم من الناس تدعوه إلى الخير وقسم تدعوه إلى الشر؟ وكيف النفس تتمكن من هذه الأشياء؟ وكيف هذا الشخص نفسه بهذه الصورة وهذا الشخص نفسه؟ ولما ينام أين تذهب نفسه؟ وكيف تخرج منه؟ ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.

تأمل في خلقك الآن، انظر كيف الله سبحانه ذكر هذه المخلوقات التي يراها الإنسان ثم رجع الله سبحانه للحديث عن الإنسان نفسه؛ انظر أنت إلى نفسك، كيف هذه النفس؟ كيف أنك الآن لما تبدأ تكون نفسك أمارة بالسوء، ثم بعد فترة تصبح نفس لوامة، ثم بعد ذلك تنتقل وتصبح نفس مطمئنة. الآن الانتقال من أمارة بالسوء، يعني نفس تأمرك بالسوء، إلى أن تكون مطمئنة، يعني نفس ترتاح وتطمئن للطاعة. كيف يكون هذا الانتقال؟ وكيف يختلف الناس فيه؟

كيف يختلف الناس والخلاف بالنفوس ليس بالأبدان، ليس بالشكل في البدن في الظاهر، إنما بالنفس؛ كيف هي؟ كيف تعقل هذه النفس؟ وكيف هذه النفس تتقلب على صاحبها؟ النفس أمر عجيب أمر عظيم، كون الله أقسم بالنفس وعظمة هذه النفس. قال: ﴿وَنَفْسٍ﴾ والحديث عن النفس طويل، فالناس يتفاوتون بمعرفتهم بالإنسان، بمعرفتهم بالنفس وكذلك العقل.

أي شخص يتكلم أو يتصور أو يفعل في حياته أي فعل، هو عبارة عن نتيجة لأمرين اثنين: عن نفس وعقل. نفسه تريد شيئًا وعقله يريد شيئًا، فالنفس مع العقل يشتركان ثم تخرج النتيجة. نسبة تدخل النفس كم تكون؟ ونسبة تدخل العقل كم تكون؟ هذا هو الذي يحرك الإنسان، فالإنسان عبارة عن نفس مع عقل.

النفوس نفسها ليست واحدة؛ ففي نفوس هوائية، وفي نفوس ثابتة راسخة. يعني في بعض الناس نفسه ثابتة، صوابه حقه وباطله هو هكذا، ما يغير قوله، وبعض الناس يغير في اليوم قوله مئة مرة، هذا نفسه هوائية، والأول نفس صلبة ثابتة. هذا له طريقة وهذا له طريقة في التعامل. هذا الشخص نفسه تميل مثلًا إلى الراحة والدعة أكثر، وهذا الشخص تميل إلى الجد والحزم، مثل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، هذا الرجل لا يحب الباطل، هكذا هو. فبعض النفوس ما تحب كذا، وبعض النفوس تحب كذا، هذا الاختلاف الكبير جدًا.

كيف يكون هذا في نفس الإنسان؟ ومن الذي صنعه بهذه الطريقة؟ قال: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾، أي وتسوية هذه النفس، أو والذي سواها، فالله يقسم سبحانه وتعالى بنفسه الذي سوى هذه النفس، نفس البشر، نفوس الخلق.

قال: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. ألهم هذه النفس في أصل الخلقة الفجور والتقوى، يعني هذه النفس فيها قابلية للهدى وقابلية للفجور، قابلية للتقوى وقابلية للضياع، ولكن النفس تميز. فالنفس تميز بين أن القتل من غير أي جريرة هذا ظلم، فالظلم عند النفس مستنكر. أصل الظلم تفصيل لا بد فيه من الوحي، لكن أصل هذه المعاني النفس تميزها.

فالله أودع في هذه النفوس الفجور والتقوى، يعني مادة الفجور موجودة ومادة التقوى موجودة، أنت الذي تتحكم فيها؛ هل نفسك هي التي تسيطر عليك أو عقلك هو الذي يؤثر بك؟ فإذا كان عقلك أقوى من نفسك سيوجهك إلى ما فيه نجاة، ولكن إذا كانت نفسك أقوى من عقلك ستكون نتيجتك نتيجة هؤلاء المجرمين، قوم صالح عليه السلام، وثمود المذكورة قصتهم هنا. فهنا الله قال: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ أي هذه النفس، جعل فيها مادة التقوى ومادة الفجور، والنفس هذه تعرف أن هذا صواب وهذا خطأ بالأصل وليس بالتفصيل، إنما التفصيل لابد من شرحه.

أنا هذه الآيات نزلت في مكة، والخطاب الآن لابد أن نعي أو أن نعيشه ما عاش النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة والكفار في مكة، لأن القرآن كان ينزل على النبي عليه الصلاة والسلام، والذي يقرأ هذه الآيات ويستمع إليها النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة، وفي المقابل الكفار. فهؤلاء الصحابة الأجلاء نفوسهم قادتهم إلى الخير، لأن التقوى هي التي غلبت، وعلموا بأن هذا الكلام الذي يقوله النبي عليه الصلاة والسلام ليس كلامًا وإنما كلام الله سبحانه وتعالى، وأن هذا مبعوث من قبل الله، فهدوا إلى الخير.

أما الكفار، لماذا ما آمنوا؟ لم يؤمنوا لأنهم كانوا يعادون النبي عليه الصلاة والسلام ويكرهون النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يحبون أن ينزل القرآن على رجل من بني هاشم. «وإنا وجدنا آباءنا على أمة»؛ هذه كلها مشاكل نفسية. أبو جهل يقول: «ما كان محمد قط»، لكن لماذا لا تتبعه؟ «لا، كنا مع بني هاشم كفرس رهان». يعني المشكلة نفسية، ليس مشكلة عقلية؛ إذاً هنا النفوس هذه هي المشكلة.

وعندكم خيارين، والله أودع وأقام عليكم الحجة، وبين لكم بأن هذا هوى وهذا فجور، فلابد أن تغلب هذا الهوى وهذا الفجور بالطاعة، وتجعل العقل هو الذي يتحكم بالنفس وليس النفس. لكن الناس يتفاوتون في هذا الباب. قال: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، هذه النفس مستعدة تتقبل الخير ومستعدة تتقبل الشر، ولكنها تعرف أن هذا شر وهذا خير بالأصل وليس بالتفصيل. الظلم أصله واضح أنه ظلم، والعدل أصله واضح أنه عدل، أصل الظلم سيء وقبيح، وأصل العدل حسن، هذا بالنفس موجود بالفطرة البشرية، ولكن التفصيل هذا لابد من وحي هو الذي يبين. إذاً هنا الله يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾...

ذلك قال: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. ثم قال: هذا جواب القسم، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾. أفلح أي فاز، الذي زكى نفسه، زكاها بماذا؟ بأن طهر هذه النفس من الفجور، من المعاصي، من الذنوب، ونماها بالطاعة وعظم الطاعة فيها. قد أفلح من زكى نفسه وأخذ هذه النفس ترتقي وترتقي حتى وصلت إلى النفس المطمئنة، هذا هو الذي يفوز، هذا هو الذي أفلح، قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾.

﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. خاب أي خسر، دساها أي أخفاها، وهذه مستعملة الآن في بعض البلدان عندنا مستعملة، دس الشيء يعني غش الشيء أو أخفى هذا الشيء، فهنا تدسية أي إخفاء الشيء، ودس هذا الأمر أي أخفى هذا الأمر، هنا الله يقول: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ أي من أخفى نفسه بماذا؟ بالمعصية، بالفساد، بالفجور، بالإكثار من إعطاء النفس هواها.

إذا المرء أعطى نفسه كلما اشتهت ولم ينهها، تاقت إلى كل مطلب. النفس ما تتوقف إذا لم تُفطم النفس، النفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم، فالنفس ما تتوقف إلا إذا أنت ألزمت النفس. الشخص هذا إذا لم يلزم نفسه، نفسه ستؤدي به إلى الفساد، والنفس إذا لم تشغله بالخير لابد أن تشغله بالشر.

هنا الله يقول: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ أي من أخفى نفسه بالمعصية، ثم ذكر الله سبحانه وتعالى مثالاً على من دس نفسه، وهذا فيه تعبير ووعيد لهؤلاء الكفار الذين يعادون النبي ﷺ في مكة: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾. الطغوى متعلقة بالطغيان بالنفس، هؤلاء لماذا كذبوا صالحاً عليه السلام؟ لأنهم طغوا، فطغت نفوسهم، فلما طغت النفوس علوا، تجبروا وتكبروا، فكذبوا صالحاً عليه السلام ولم يقبلوا بما جاء به، وردوا على صالح دعوته، وهذا نفس الذي يفعله الآن الكفار في مكة مع النبي ﷺ، فانتبهوا من النفس.

هذا هنا خطاب واضح بعد هذه الأقسام العظيمة، خطاب مباشر إلى النفس: سبب عدم إيمانكم بمحمد عليه الصلاة والسلام هو النفس، أما الحجة العقلية فما عندكم حجة عقلية، أجبنا على جميع الحجج التي ذكرتموها، حتى لو كانت حجتها فيها، أجاب القرآن عليه، لكن بقيت عندكم فقط هذه النفوس السيئة.

قال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾. انبعث أي أسرع في تنفيذ الأمر، أشقاها أي أشقى ثمود وهو قدار بن سالف. النبي ﷺ يقول: «أشقى الأولين عاقر الناقة، وأشقى الآخرين من يقتلك يا علي». فأشقى الناس، أي أشقى الأولين، هو هذا المجرم قدار بن سالف، كان رجلاً عزيزاً منيعاً في قومه، لكنه كان طاغية متكبراً متجبراً، وتجرأ على الناقة التي هم سألوها؛ سألوا صالحاً بأن يخرج لهم ناقة من هذه الصخرة صفتها كذا وكذا، فحدث هذا الأمر، ومع ذلك كذبوا.

قال: ﴿إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾، انطلق هذا الأشقاء حتى يقتل هذه الناقة، فقال لهم رسول الله -أي صالح عليه السلام-: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾، احذروا، إن تعدوا على هذه الناقة سيحل بكم العذاب. وهذه الناقة اشترط عليهم صالح: ﴿لَكُمْ يَوْمٌ مَّعْلُومٌ وَسُقْيَاهَا﴾، لها شرب ولكم شرب يوم معلوم، لا تمسوها بسوء، انتبهوا، ﴿فَيأْخُذَكُم بِعَذَابٍ﴾.

فهؤلاء لم يبالوا بما قال صالح، وقام المجرم قدار بن سالف ومعه ثمانية أو تسعة، كلهم رهط من قوم صالح، وأرادوا قتل الناقة، ثم هموا بأن يبيتوا صالحاً وأهله ليلاً كما جاء في سورة النمل، ولكن الله سبحانه وتعالى حمى صالحاً عليه السلام، قيل نزلت الملائكة ورجمتهم، وقيل غير ذلك، القصد أنهم لم يسعفوا أن ينالوا من صالح ويعتدوا عليه.

قال: ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾، فكذبوه بالوعيد، بين لهم: لا تمسوها بسوء فيأخذكم العذاب، فلم يبالوا ولم يرعوا ولم يتراجعوا، ﴿فَعَقَرُوهَا﴾، ونُسب العقر لهم جميعاً، قال الله: ﴿فَتَعَاطَوْهَا فَعَقَرُوهَا﴾، تعاطى طلب وعقر هو الذي ذبح، أما هنا نسبت لهم جميعاً للقبيلة كلها لأنهم كلهم كانوا راضين بهذا، قابلين بهذا الشيء، فنسبت إليهم هذه الجريمة الشنعاء.

قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾. الفاء للتعقيب، يعني مباشرة تكذيب، ثم قتل وعقر للناقة، ثم دمدمة وعذاب. ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾، دمدم أي أطبق عليهم العقوبة، فجاءتهم العقوبة من السماء ومن الأرض، رجفت بهم الأرض وجاءت الصيحة من السماء، فدمدم عليهم أي أطبق سبحانه وتعالى عليهم العقوبة بذنبهم، أي بسبب هذا الذنب، وهذا الذنب أصله طغيان، يعني هم وقعوا في هذا الذنب بسبب طغيان النفس، السورة تدور حول هذا المعنى.

﴿فَسَوَّاهَا﴾ أي سوى العقوبة بينهم فلم يفلت منهم أحد، فلا تظنوا يا أهل مكة أنكم لن تعاقبوا، كلكم من أكبركم لأصغركم، من أبي جهل والوليد بن المغيرة وأبو لهب وأبي بن خلف وأمية بن خلف وهؤلاء العليا، وكذلك أنتم أيها الصغار، كلكم ستأتيكم العقوبة، ستسوى العقوبة بينكم، وهذا الذي وقع في بدر، قتل الصناديد وقتل معهم أتباعهم.

قال: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾، أي سوى العقوبة بينهم أو سوى بيوتهم عليهم، لما هموا بقتل صالح ولم يستطيعوا، بدأوا وظنوا أو أيقنوا أن عقوبة الله ستنزل عليهم، كيف قتل هؤلاء؟ ما الذي قتلهم؟ فأيقنوا بأن العقوبة ستنزل وحفروا قبورهم في بيوتهم، وأنجى الله سبحانه وتعالى صالحاً ومن آمن معه وخرجوا، ونزلت وجاءت الصيحة فسقطت البيوت على القبور، فسويت قبورهم عليهم من خلال بيوتهم، هذا المعنى الثاني.

قال: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ ثم قال: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾، أي الله سبحانه وتعالى عذبهم وقتلهم جميعاً ولا يخاف عاقبة هذا الفعل، وهذا كله تهديد ووعيد لهؤلاء الكفار المجرمين في مكة الذين كانوا يعادون النبي ﷺ بأن سياتيكم. وانظروا الآن في هذا الجزء كم تكرر هذا البيان والتنبيه والتهديد والوعيد والتخويف والزجر، ومع ذلك هؤلاء الكفار مصرون.

حتى جاء بعد ذلك يوم بدر وقتل سراة هؤلاء كبارهم وقتل الكثير من صغارهم، وأسروا سبعين وقتلوا سبعين، ثم جاءت الوقائع المتتالية في نصر الإسلام حتى جاء فتح مكة وأُحلت البلاد للنبي ﷺ ولم تُحل لأحد قبله، فلم يستطع هؤلاء الكفار أن يفعلوا شيئاً، حتى إن بعض كبارهم كان يفر، يترك مكة ويذهب إلى اليمن، ومنهم من ذهب إلى البحرين، ثم بعد ذلك جاء منيب تائب إلى الله سبحانه وتعالى، وأصبح من جملة الصحابة.

القصد أن القرآن الكريم كان يبالغ في إقامة الحجة على هؤلاء الكفار الصناديد، ومع ذلك ما آمن منهم في مكة إلا قليل بسبب طغيان النفس، وهذا فيه تنبيه لخطورة النفس، الشخص إذا لم يعود نفسه الاستجابة للخير، الاستجابة للحق، وعدم الطغيان، وعدم العلو على الناس حتى بالعلم، حتى بالعلم لا تطغى.

ولا تعلو على الناس فيه. هنا قد يصيب الشخص هذا الداء وهذا المرض، فيمتنع عن بعض الخير بسبب طغيان نفسه.

إذاً هذا بعض ما يتعلق بهذه السورة الجليلة. والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.