دخولتسجيل الدخول

سورة البلد | تأملات في آيات جزء عم

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حياكم الله إخواني وإياكم، وأسأل الله أن يدلنا على طريق الخير وإياكم جميعًا. نكمل مدارسة جزء عم، ومعنا اليوم بإذن الله سورة البلد. هذه السورة من السور التي نزلت في مكة على النبي عليه الصلاة والسلام بالإجماع.

يقول الله سبحانه وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَٰذَا الْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَٰذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 1-4].

هنا الله يقول: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَٰذَا الْبَلَدِ﴾، أي أقسم قسمًا مؤكدًا بهذا البلد، وهو مكة. الله سبحانه وتعالى أقسم في مكة المكرمة، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: 1-3]. هنا الله يقول: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَٰذَا الْبَلَدِ * وَأَنتَ حِلٌّ بِهَٰذَا الْبَلَدِ﴾، فالله سبحانه وتعالى يقسم في مكة المكرمة، والنبي عليه الصلاة والسلام حلال فيها.

هنا "حل بهذا البلد" يحتمل أن يكون المراد الإقامة، ويحتمل أن يكون المراد أن الله سبحانه وتعالى أباح مكة للنبي عليه الصلاة والسلام. وعلى هذا تكون هذه الآية من البشريات، وكذلك من الإعجاز الغيبي في القرآن الكريم. فهذه الآية نزلت في مكة، والنبي عليه الصلاة والسلام أباح الله سبحانه وتعالى له مكة ساعة من نهار، ولم يبحها لأحد من البشر قبله، ولا لأحد من البشر بعده، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا إنها عادت حرمتها إليها اليوم كحرمتها بالأمس، فإن أحد تعذر به رسول الله ﷺ، فقولوا: فإن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم». فالله سبحانه وتعالى أباح مكة للنبي عليه الصلاة والسلام ساعة من نهار، وعادت حرمتها كما كانت قبل ذلك. وهذه من كرامة النبي عليه الصلاة والسلام على الله أن الله يبيح له بيته المعظم، بيته الحرام.

هنا الله يقسم بهذا البلد، يقول: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَٰذَا الْبَلَدِ﴾، أي يقسم بهذا البلد، ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَٰذَا الْبَلَدِ﴾؛ هنا "لا" أتي بها للتوكيد، كما قال الله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: 38-39]. ثم أقسم الله سبحانه وتعالى بالوالد وما ولد، قال: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾. الوالد هنا قيل آدم عليه السلام، وما ولد أي ذرية آدم. وقيل الوالد إبراهيم عليه السلام، وما ولد أي ذرية إبراهيم عليه السلام. وقيل جنس البشر، أي أن الله أقسم بكل والد وبكل مولود.

وأين وجه القسم هنا؟ ذكرنا بأن القسم يكون في عظيم أو في مبارك. فإن كان المراد إبراهيم عليه السلام وما جاء في ذرية إبراهيم عليه السلام من الصالحين، فهذا يكون بذرية مباركة، بالنسل المبارك، والنبي عليه الصلاة والسلام من ذرية إبراهيم عليه السلام. أما إذا كان المقصود هنا القسم بكل والد وكل مولود، فالله سبحانه وتعالى يقسم بما شاء من خلقه، لكن المخلوق لا يقسم إلا بالله سبحانه وتعالى. وهنا يكون القسم لبيان عظمة هذا التناسب وعظمة هذا الخلق؛ كيف أن هذا الوالد يكون المولود في ظهره، في صلبه، فكيف أن هذا الماء الذي يخرج من الظهر ينشأ منه مولود، يخرج أسنانًا ولسانًا وشفتين وقدمًا وسمعًا وبصرًا؟ هذا كله كيف يخرج بقطرة ماء أو قطرات ماء تكون موجودة ومكنونة في ظهر الأب؟ فهذا وجه العظمة، أي في خلق الخالق سبحانه وتعالى.

ثم قال الله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾. هذا الإنسان مخلوق في كبد، كبد أي مشقة، في نصب. فالإنسان يعالج أمور الدنيا، وكذلك هموم الآخرة أو عقبات الآخرة، كربات يوم القيامة. فالدنيا مليئة بالكربات، والآخرة كذلك بها كربات أهوال القيامة، وكذلك الإنسان يعالج العبادة في الدنيا. فالإنسان مطلوب منه أن يشكر إذا أعطي نعمة، وأن يصبر إذا وقع عليه بلاء، وحياة الإنسان بين البلاء وبين النعم. فالإنسان هنا يسأل عن هذه النعم، وكذلك يسأل عن تعامله مع الله في البلاء.

فالإنسان مطلوب منه دائمًا أن يشكر الله وأن يصبر على أقدار الله سبحانه وتعالى. هذه حياة الإنسان لا يخرج منها إنسان، ولكن البشر يتفاوتون في النسبة، ولكن أصل هذا المعنى موجود. فلا يوجد إنسان لا يموت له قريب، ولا يوجد إنسان ما يصاب بمرض، ولا يوجد إنسان ما يفقد شيئًا يحبه؛ فالإنسان هنا لابد أن يعاني. هنا لما تعاني، كيف تتعامل مع هذا البلاء الذي يقع؟ وكيف تتعامل مع النعمة التي يمن الله سبحانه وتعالى بها عليك؟ الله هنا يكشف لنا طبيعة حياة الإنسان، وهذا فيه بيان كذلك أن هذه الدنيا ليست هي المنتهى، هذه الحياة فيها تنغيص، هي طبعت على كدر. وتريدها صفوًا من الأقذاء والأكدار؟ لا يمكن، فهذه الحياة هي مطبوعة بهذه الطريقة، أنك تمرض وغيرك يمرض، وهكذا وتتقلب بك البلاءات.

بل من العجيب ما يقع للإنسان في الدنيا، أن في باطن أو في نفس ما يرجوه الإنسان فيه حزنه؛ بمعنى الشخص يتمنى الولد مثلاً، وهذا الولد نفسه هو يكون سبب حزنه إذا ابتعد أو إذا مرض. يعني نفس الوجه أو الباب الذي فيه خير هو نفسه يكون الذي فيه شر، يطلب المال ثم إذا فقد هذا المال يحزن. أي نفس هذا الأمر هو في باطنه يكون الحزن. هنا الله يبين للإنسان أن الحياة كلها عبارة عن كبد، تكابد المصاعب في الدنيا، وتكابد الأهوال كذلك يوم القيامة. هنا الله سبحانه يبين للإنسان طبيعة هذه الحياة التي يعيشها.

وقيل هنا المقصود بالإنسان إنسان معين محدد، وهو رجل يقال له أبو الأشدين الجمحي، كان يعارض النبي عليه الصلاة والسلام، وينفق المال الكثير في معاندة النبي عليه الصلاة والسلام. وقيل لا، بل في رجل آخر، لما أسلم كان ينفق في الكفارات، فيقول: أهلكت مالي في الإنفاق في الكفارات، وافتقرت منذ دخلت في دين محمد. هنا الله يقول: أيحسب أي هذا الإنسان أن لن يقدر عليه أحد؟ يقول أهلكت مالاً لبداً، أي كثيرًا. هذا الإنسان هل يظن بأن لا يوجد أحد يقدر عليه؟ هذا أبو الأشدين الجمحي، هل يظن بأن قوته ستمنعه من الله سبحانه وتعالى؟ هل يظن بأن هذا الإنسان، إنفاقه لهذا المال الكثير في أعداء النبي عليه الصلاة والسلام غير مرصود وغير محسوب عليه؟ هذا أبو الأشدين قوته كانت تحرك من تحت الوسادة أو البساط وتتقطع وهو لا يتحرك، يعني تسحب من قوة ثباته هي تتمزق وهو لا يتحرك، هذا الإنسان هل يظن بأن هذه قوته ستمنعه؟ وهذا المال الذي أنفقه في أعداء النبي عليه الصلاة والسلام، هل يظن بأن هذا المال الكثير لن يحاسب عليه؟ ولن يسأل عنه؟ ولن ينقلب عليه؟ وإذا كان المعنى الآخر الذي أنفق المال في الكفارات، هذا هل يظن بأن هذا الشخص الذي...

أنفق المال هذا في الكفارات، وأن الله سبحانه وتعالى ما يعلم وهذا المال من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ سيسأل، وكل شيء مرصود وكل شيء محسوب، ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾.

يقول هذا الإنسان: أهلكت مالاً لبداً، وهذا يكذب؛ ليس كل شيء هو كما زعم بأنه أنفق كل هذا المال في الكفارات ولم ينفق كل هذا المال. فهذا شخص كان مع النبي ﷺ ثم انقلب وأصبح مع الكفار حتى يصد الناس عن دين النبي ﷺ، وهذا كلام في بيان ما يعنيه الدعاة؛ فلا يتعجب الداعية لما يكون مع شخص ثم بعد مدة ينقلب عليه، وهذا يكون فتنة للذين يدعوهم الداعية.

الله يحذره هذا النوع من الأشخاص الذي ينتكس أو الذي يترك ويقول: كنت مع المتدينين ما وجدت إلا كذا وفعلت كذا، وهو ما فعل، يكذب. هذا سيحاسب، والله سبحانه وتعالى ينظر إليه ولن يتركه، لذلك قال: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾؟ هل يظن بأن هذا الفعل الذي يفعله وهذا الإنفاق هذا كله غير مرصود؟

ثم قال الله سبحانه وتعالى مذكراً هذا الإنسان بنعمه العظيمة عليه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾. هذا الله يمن على هذا الإنسان بهذه النعم. تفكر في بصرك، كيف تنظر؟ وكيف هذا البصر يرى الأشياء ويتأمل فيها؟ انظر في هذه العين، كيف هذه العين تبصر وكيف تنظر؟ هذه النعمة لو قدرت بثمن كم سيكون ثمنها؟

إذاً عرفت الآن أنك إنسان غني، ليس الغنى في المال فقط، بل نفس الصحة، غنى البصر هذه نعمة عظيمة، هذه كم تساوي؟ لو قيل لك يعطونك مليار مقابل بصرك هل تقبل؟ قطعاً الجواب لا. إذاً ما تفكرت بهذه العينين؟ تفكرت في خلق الله لها؟ ثم هل شكرت الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة العظيمة، نعمة البصر؟

سبحان الكريم، في حديث للصالحين يقول: أنا أحياناً أغمض عيني وأحرك يدي ثم أفتحها وأقول: اللهم لك الحمد، وهذا تمام التعبد. هذا هو، وكان كثير من السلف الصالح يفعلون مثل هذه الأشياء، فكان واحد منهم هكذا يعيش بأن جاءت القيامة ثم يرجع يقول: الحمد لله أني عدت. والآن يحث نفسه ويحمل نفسه على العبادة، وكان يتلو قول الله تعالى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾، يقول لنفسه الآن عدت، فهو يذكر نفسه بهذه الآيات.

قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا﴾، توقف عند اللسان؛ انظر اللسان كيف يتحرك، ولما يتحرك كيف يخرج الكلام؟ الكلام عبارة عن هواء يخرج من الجوف، ثم بمجرد حركة اللسان مع الأسنان تخرج الحروف. هذا الحرف كيف يخرج؟ النون، الصاد، الضاد، الهمزة، الباء؛ هذه كيف تخرج؟ هذا اللسان لما يتحرك تخرج هذه الحروف التي تشكل كلمات، ثم بعد ذلك تقع معاني معينة يريد الشخص أن يوصلها للناس. هذا اللسان ما تفكرت فيه؟ عشت حياتك كلها تتفكر وتتأمل في أشياء عادية وما تفكرت باللسان.

ثم هل شكرت الله على هذه النعمة العظيمة، نعمة اللسان؟ هذا اللسان ما فيه عضلة، وهذا شيء عجيب، هذا اللسان لا يتعب، لو يتكلم اليوم كله ما يتعب، لماذا؟ لأنه ما فيه عضلة. طيب هذا اللسان هل بنيت له بيوت في الجنة؟ هل أكثرت من ذكر الله؟ هل قلت «سبحان الله العظيم وبحمده، نخلة في الجنة»؟ انظر إلى سهولتها. يأتي شخص يوم القيامة بحسنات عظيمة جداً وقد هدمها بلسانه، وشخص آخر يدخل الجنة ويجد بساتين وخيرات عظيمة كلها بسبب اللسان.

وكان يذكر أن هناك في الجنة ملائكة بنائين وظيفتهم البناء، ومادة البناء الذكر أو سبب البناء هو الذكر، فإذا توقف اللسان توقفت الملائكة. فمن رحمة الله سبحانه وتعالى أن الذكر أجر عظيم وسهل وميسر على الإنسان. فانظر إلى هذا اللسان ماذا صنعت بلسانك؟ هذه النعمة كيف تعاملت معها؟ هل شكرت الله عليها بالقول وكذلك بالقلب؟

قال: ﴿وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾، انظر إلى الشفة، ميزة الشفة في الوجه، وكذلك بعض الأحرف ما تخرج إلا مع تماسك الشفتين؛ حرف الميم، الباء. لو ما كان عندك شفتين حاول أن تقول الميم، تقول الباء. هذه الشفة انظر كيف صورتها في وجه الإنسان، هذه الشفة مع اللسان هي التي تشكل الحروف والمعاني، وكذلك ما فيها من جمال في خلق الله سبحانه وتعالى في هذا المخلوق. طيب شفتين كيف تعاملت مع هذه النعمة؟ هل شكرت الله عليها؟ هل تأملت فيها؟

قال: ﴿وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾، والله يذكر الإنسان بالأمور الواضحة البينة لماذا؟ لأنه يغفل لأنه ينسى. والله يخاطب هذا الإنسان الذي يقول أنفقت مالي في إعدام محمد، أنفقت مالي في الكفارات، هذا لا يحرك لسانه بهذا الكلام، يحرك لسانه بهذا الكلام ويزعم أشياء غير صحيحة كان يقول بأنه يفعلها. توقف، هذا اللسان تقول له تفصح، هذا من أين؟ أعطاك، من الذي أعطاك إياه؟ من الذي خلقه بهذه الصورة؟

قال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾، من الله عليك أيها الإنسان بأن هداك إلى الطريقين؛ طريق الخير وطريق الشر، ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. اختر أيها الإنسان، هل تريد طريق الخير أو طريق الشر؟ الله سبحانه وتعالى أنزل الكتاب وبين الطريق، هذا صراط مستقيم، ﴿إِنَّا هَدَيْنَا﴾، تريد الوصول إلى الله هذا هو الطريق، أو تريد الطريق الآخر، طريق الشيطان.

﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾، أي أن الله لم يحاسبك ولن يعاقبك قبل مبعث الرسل، هذه من رحمته سبحانه وتعالى. والله يستطيع أن يخلقك ويدخلك النار من غير أن ينزل عليك وحياً ومن غير أن يبعث إليك رسولاً، لكن من تمام رحمته سبحانه وتعالى أنه لم يفعل هذا الشيء، لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى رحيم، وكتب على نفسه سبحانه وتعالى الرحمة، وكتب على نفسه بأنه لا يعاقب الناس إلا بعد ما يبعث الرسل إليهم، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.

هؤلاء البشر ما الذي يملكونه؟ لو أراد الله أن يعذبهم ما الذي يستطيعون أن يفعلوه؟ لو أراد الله أن يدخلهم النار ما الذي يستطيعون أن يفعلوه؟ لا شيء. لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه، كما يقول النبي ﷺ: «لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خير من أعمالهم».

لكن الإنسان ينسى لذلك هو يطغى، ولا أنت من أنت أيها الإنسان؟ لو أراد الله أن يعذبك ويدخلك النار ماذا تستطيع أن تفعل؟ من الذي سينقذك؟ إذا كان شخص مع البشر، مع حكام ضعفاء، ما يملكون من أمرهم شيء، لما يعذبونه ويبتلونه ما يستطيع أن يفعل شيئاً، يستسلم. فكيف مع الخالق سبحانه؟ لكن من رحمة الله سبحانه وتعالى التي كتبها على نفسه، لم يلزم أحداً الله سبحانه وتعالى بهذا الشيء.

إنما هو سبحانه وتعالى من تمام رحمته كتب على نفسه هذه الرحمة، وأنه ما يعذب البشر إلا بعد ما يبعث الرسل، أما قبل مبعث الرسل فلا ما يعذبهم، إلا إذا كانوا يختبرون يوم القيامة سبحانه وتعالى.

لكن الإنسان ينسى نفسه، لذلك هو ينسى هذه المعاني، وأحيانًا يا شباب الإنسان يرى إلى الفضل بأنه حق. تعرفون في التعامل البشري، مثلًا لما يكون الأب مع أبنائه فهو في حق وفي فضل، فهو يعطيهم الحق، ثم هو إذا زاد، الابن أحيانًا يظن أن هذا الفضل حق. هذا الفضل ليس حقًا، لو منعك من هذا فهو ما قصر معك، لكن هو محض فضله، الأب أعطاك.

إذن هذا المعنى حتى بين الناس يقع أحيانًا، بين الزوج والزوجة، بين الصديق والصديق، ما يفرقوا بين حد الفضل وحد الحق. الله سبحانه وتعالى ليس للبشر عليه حق من أنتم حتى تفرضوا على الله شيء؟ حتى يكون لكم حق عند الله، لكن هو سبحانه وتعالى من تمام رحمته وفضله وكرمه أنه وضع هذا الحق، ولا ما تستطيع، لو أراد الله أن يعذب البشر كلهم ما في أحد يستطيع أن يمتنع ولا يقول شيء.

لكن الإنسان ينسى، لذلك هذا المعنى يا شباب، معنى العبودية ومعنى الألوهية لابد أن نفقهه كما هو، هو سبحانه وتعالى الرحيم. ولو ما بعث الله سبحانه وتعالى لنا رسل كيف سيكون حالنا؟ ولو أراد أن يعذبنا ما يستطيع أحد أن يفعل شيء. بل حتى لما يعمل الإنسان عملًا ليس هو الذي يدخله الجنة، إنما رحمة الله.

يقول النبي ﷺ: «لن يدخل أحدكم عمله الجنة»، قالوا: «ولا أنت يا رسول الله؟»، قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته».

قال تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: 11]. هنا "فلا" إما أن يكون إخبارًا أي فلم يقتحم العقبة، أو تحضيضًا، فهلا اقتحم العقبة؟ هذا شخص عنده مال، والعقبة هذه كؤود لا يجوز إلا للمخفوفين. عقبة كؤود عبارة قيل أنها جسر جهنم، وقيل الصراط، وقيل عقبة في آخر القنطرة أواخر الجسر، وقيل هي صورة عما يعانيه الإنسان في الدنيا من بذل وجهد وكبد، فهو كأنه الآن يرتقي ويقتحم العقبة، القصد أن معناها شاق.

الإنسان يجابه في الحياة نفسه، الشيطان، والدنيا، هذه كلها تعاونه والهوى. "يا ربي إني بليت بأربعة يرمينني بالنبل من قوس لها وتير: الشيطان، والدنيا، ونفسي، والهواء، يا ربي أنت على الخلاص قدير". فالإنسان مبتلى في هذه الحياة، الطريق طويل، والنفس متقلبة، والشيطان موجود، فالإنسان يحتاج أن يقاوم هذه النفس. فالله هنا يقول: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾، يعني هل هذا اقتحم وجاهد نفسه واقتحم العقبة؟ وهذه الجنة محفوفة بالمكاره، هل هتك الحاجز وجدار المكاره ودخل الجنة؟ هذه لن تستطيع أن تدخل الجنة إلا بعد ما تقتحم العقبة، إلا بعد ما تهتك هذا الحاجز بالبذل والتعب.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ [البلد: 12]. يقول سفيان بن عيينة: إذا قال الله "وما أدراك" فقد أدراه سيدريه، وإذا قال "وما يدريك" فلم يعلمه. يعني "وما أدراك" علم الله رسول الله ﷺ بعد ذلك، أما إذا قال "وما يدريك" فلا يخبر الله، مثل قوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [البلد: 18]، لم يخبر الله سبحانه وتعالى رسوله ﷺ متى الساعة.

هنا الله يقول: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: 11-13]. يعني اقتحام العقبة يكون من خلال فك الرقبة، فك الرقبة يعني إعتاق العبد، هذه كفارة.

قال تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: 14-16]. إطعام في يوم شديد الجوع، ليتيم وقريب، فالأجر عظيم جدًا في الإنفاق عليه، أو مسكين ومن شدة فقره ألصق الفقر بالتراب، فحاجته ماسة. فلما تطعم في يوم المسغبة، وتطعم اليتيم القريب، وتطعم المسكين الذي ألصق الجوع في التراب فأصبحت حاله صعبة ويحتاج إلى الطعام وإلى الشراب وإلى ما يقيم أوده، هذا الإنسان اقتحم العقبة، يقتحم العقبة بهذه الأموال التي أنفقها في مثل هذه الحالات وهذه الصور.

لذلك يقول سفيان الثوري: "مجنون من عنده مال ولم يقتحم به العقبة"، مجنون من عنده مال ولم يدخل به الجنة. عندك مال تستطيع أن تقتحم العقبة وتدخل الجنة، وهذه فرصة لما تكون الناس بحاجة إلى الأموال وشخص عنده مال يقتحم العقبة. وعثمان اقتحم العقبة عدة مرات وفاز بالجنة واشترى الجنة بماله، والصديق كذلك بذل الأموال الكثيرة، وكذلك عبد الرحمن بن عوف وكثير من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.

فالله يقول ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾، وعظمة من شأن هذه العقبة هي "فك رقبة"، أي أن الجنة لن تدخلها إلا مع البذل، إلا مع التضحية، إلا مع العطاء، إلا مع الإنفاق. قال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾.

ثم كان هذه الأعمال لن تنفعك إلا إذا كنت مؤمنًا، أما إذا ما كنت مؤمنًا هذه الأعمال كلها لا تنفعك. جاءت أم عائشة رضي الله عنها وذكرت النبي ﷺ عبد الله بن جدعان، وكان من بني تيم، وكان رجلًا غنيًا وكان ينفق في مكة قبل الإسلام، فسألت النبي ﷺ عن مصيره، فقالت: "في النار؟"، فقال: «في النار». فقالت: "لماذا؟"، قال لأنه لم يقل يومًا: "ربي اغفر لي خطيئتي يوم الدين"، أي كان يفعل هذه الأفعال ويعمل هذه الأعمال من أجل أن يقال عنه.

كذلك حاتم الطائي مشهور بالكرم، لما سألت ابنته النبي ﷺ وكذلك ابنه عدي، قال: "إن أباك كان يطلب شيئًا فناله"، يعني كان يطلب الجاه ونال هذا الشيء، وإلى اليوم حاتم يذكر بالكرم. فهنا الشخص ما يحصل أجورًا عند الإنفاق إلا إذا كانت معها نية صالحة ومعها دين، يعني شخص مسلم مؤمن وينفق هذه الأموال ليس رياءً ولا سمعةً ولا يتبع هذه النفقة بأذى كقول: "أنا أعطيتك" أو "أنا فعلت"، إنما ينفق هذه الأموال طاعةً وقربةً لله سبحانه وتعالى.

والله يقول: ﴿ثُمَّ كَانَ﴾، أي وكان مع هذه الأعمال، ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ۚ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [البلد: 17-18]. يعني مع هذه الأعمال هو كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر على البلاء في الدنيا، والصبر على طاعة الله سبحانه وتعالى، والصبر كذلك عن معصية الله سبحانه وتعالى، وتواصوا بالمرحمة.

...يفعله الكفار، كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين، أما هؤلاء فكانوا يتواصون بالرحمة. هؤلاء من طبعهم أن يوصي بعضهم بعضًا برحمة الناس، فهو ينفق وكذلك يوصي غيره بالإنفاق.

قال: ﴿أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾، هؤلاء هم أصحاب الميمنة الذين سيأخذون كتابهم بأيمانهم يوم القيامة.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾. هؤلاء الذين ينفقون هذه الأموال في عداء الإسلام وعدم الإيمان بالنبي ﷺ، والذين يرتدون وينتكسون، هؤلاء لن يضروا الله شيئًا.

ومصيرهم يوم القيامة في النار وعليهم نار مؤصدة، أي مطبقة عليهم؛ لا يستطيعون الخروج منها، فهي مؤصدة مغلقة، لا يستطيع الواحد منهم أن يخرج من هذه النار. هذا بعض ما يتعلق بهذه السورة الجليلة، والله أعلى وأعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد.