الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد، فحيّاكم الله إخواني جميعًا وبياكم، وأسأل الله أن يسدد على طريق الخير خطانا جميعًا.
نكمل مدارسة سور جزء عمّ، ومعنا اليوم بإذن الله سورة الفجر. وهذه السورة كذلك من السور التي نزلت في مكة على النبي ﷺ. يقول الله سبحانه وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: 1-5].
هنا الله سبحانه وتعالى يقسم بالفجر، وهل المراد به فجر معين مخصوص؟ أو المراد العموم؟ الظاهر العموم، ويحتمل الخصوص؛ فذهب جماعة من المفسرين إلى أن المراد هنا بفجر يوم النحر، أعظم الأيام على الإطلاق. يقول النبي ﷺ: «أحق وأعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم النحر». فيوم النحر هو يوم الحج الأكبر على صحيح قول العلماء، أي يوم عيد الأضحى.
هنا الله سبحانه وتعالى يقسم بالفجر، أو المراد وقت الفجر، ويتضمن هذا صلاة الفجر. وذكرنا بأن الله سبحانه وتعالى يقسم إلا بعظيم أو بمبارك، فهنا اجتمعت العظمة مع البركة؛ أما العظمة ففي التغيير الكوني، وأما البركة فهذا الوقت هو الذي شرعت فيه صلاة الفجر، ففي هذا الوقت يصلي المصلي لله سبحانه وتعالى، وهذه الصلاة من أعظم الصلوات، هي مع صلاة العصر، صلاة الفجر مع صلاة العصر.
قال الله: ﴿وَالْفَجْرِ﴾، ثم قال: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾. عرّف الفجر ونكر الليالي لماذا؟ للتعظيم، تعظيم هذه الليالي. وليالٍ عشر، ما المراد بهذه الليالي؟ أكثر العلماء يرون بأن المراد ليالي عشر ذي الحجة، وأعظم الأعمال عند الله سبحانه وتعالى التي تكون في هذه الأيام العشر، لأن هذه الأيام العشر هي أعظم الأيام على الإطلاق. يقول النبي ﷺ: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله سبحانه وتعالى من هذه العشر»، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء». إذن هذه الأيام العشر، أيام عشر ذي الحجة، هي أعظم الأيام على الإطلاق.
وقيل المراد هنا بالعشر، العشر الأواخر من رمضان، والعشر الأواخر من رمضان هي أعظم الليالي، لأن فيها ليلة القدر، وعشر ذي الحجة فيها يوم عرفة، وفيها كذلك يوم النحر. فهنا قال: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، أي عشر ذي الحجة المعظمة، المفخمة، الكبيرة. وكانت العرب في الجاهلية تعظمها، وهذه السورة نزلت في مكة قبل أن يفرض صيام شهر رمضان، والعرب في الجاهلية كانوا يعرفون الأشهر الحرم، وكانوا يتعبدون الله سبحانه وتعالى في هذه الأشهر، وأهل مكة كانوا يسمون الحمس، فما كانوا يشهدون مع الناس العرفة، إنما كانوا يبقون في مزدلفة.
فالقصد أن هذه الليالي معظمة، وهنا في إشارة إلى نبي الله إبراهيم عليه السلام، وإبراهيم عليه السلام هو الذي علم الناس صفة الحج وطريقة الحج. فالله يقسم بالفجر، هذا المشهد الكوني العظيم وبما يتضمنه من صلاة الفجر، وكذلك يقسم بهذه الليالي العظيمة.
ثم قال: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾، يشمل كل شفع وكل وتر، يشمل الصلاة المثناة، صلاة الشفع، ويشمل كذلك صلاة الوتر كصلاة الليل، آخر ركعة، صلاة الوتر، أو يوتر بثلاث ركعات. والله سبحانه وتعالى وتر يحب الوتر. هنا الله سبحانه وتعالى يقسم بكل شفع ويقسم بكل وتر، أو يشمل هذه الأيام التي هي شفع، كاليوم الثاني والرابع والسادس والثامن، والأيام كذلك الوتر، كيوم عرفة، واليوم التاسع من ذي الحجة.
القصد أن الله سبحانه وتعالى يقسم بكل شفع وكل وتر، وهذا فيه دلالة وآية وعلامة على تنوع المخلوقات، وكذلك تنوع الشرائع إلى هذين القسمين الكبيرين: الشفع والوتر. فإذا قلنا بأن المراد هنا الوتر، والله سبحانه وتعالى وتر، فرد، أحد، واحد، سبحانه وتعالى، فيكون البشر كلهم شفع، وكل إنسان له ما يقابله؛ فمثلاً عمر الخطاب يقابله أبو جهل، وهكذا، فكل إنسان من الصالحين يقابله رجل من الطالحين، والملائكة تقابلها الشياطين، وجبريل يقابله إبليس، وهكذا. إلا الله سبحانه وتعالى هو الوحيد الوتر، لذلك الله سبحانه وتعالى يحب هذه الصلاة، صلاة الوتر؛ «أوتروا يا أهل القرآن، فإن الله وتر يحب الوتر».
القصد أن الله هنا يقسم بالشفع والوتر، ثم قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾، أي أقسم بالليل في حال سريانه وتحركه، وهذا يشمل صلاة المغرب وكذلك صلاة العشاء، فأقسم بصلاة الفجر هذا المبتدأ، ثم ختم بصلاة المغرب وكذلك صلاة العشاء، وكذلك أقسم بهذه الآية الكونية العظيمة، تحرك الليل وسريان الليل، كما أقسم بالليل إذ أدبر، والصبح إذا أسفر، والصبح إذا تنفس، والليل إذا عسعس، والليل كذلك أقسم بالليل إذا أقبل. قول الله سبحانه وتعالى يقسم بالليل إذا تحرك، إذا سرى الليل، وكذلك قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾. فالله يقسم بهذه الآية ويروع القسم بها باختلاف الأوقات في الليل، وهذا كله يدل على عظمة العظيم سبحانه وتعالى، عظمة الخالق سبحانه وتعالى.
ثم قال: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ﴾، هل في هذا القسم عبرة؟ لذي حجر أي لصاحب عقل، وسمي العقل حجراً لأنه يحجر صاحبه عما لا يليق، وسمي العقل عقلاً لأنه يعقل صاحبه عما لا ينبغي. هذا العقل الذي يميز به الإنسان، هل في هذه الأقسام دلالة له على عظمة الخالق؟ على أن هذا النبي مبعوث من قبل الله سبحانه وتعالى؟ على أن الله سبحانه وتعالى هو الرب، هو الإله الحق سبحانه وتعالى؟ على أن هذا الكلام كلامه سبحانه وتعالى؟ فهذه الأقسام تضمنت القسم بربوبية الله سبحانه وتعالى وأفعال الله سبحانه وتعالى، وكذلك شرع الله سبحانه وتعالى، وتذكيراً بنبوة إبراهيم عليه السلام، وكذلك نبوة النبي ﷺ هي من جزء نبوة إبراهيم.
قال: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ﴾، ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾، هنا الرؤية علمية، ونزلت منزلة الرؤية البصرية للتواتر، فالعرب كانوا يعرفون الذي جرى والذي وقع لعاد لأنهم عرب مثلهم. قول الله يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر: 6-8]. هنا وصف عاد بالقوة، كان الرجل من عاد يحمل الصخرة التي لا يحملها عشرة من الرجال، وقيل أكثر من ذلك، حتى كان يقال بأن الرجل منهم كان يصعد الجبل ويأخذ الصخرة الكبيرة ويرميها على الناس.
هذا القسم من الناس ميزوا بالقوة، حتى لو يقال بأن الذين بنوا الأهرام هم قوم عاد، وهذا هو المشهور؛ أن قوم عاد هم الذين بنوا الأهرام، هذه الأهرام العظيمة الثقيلة الكبيرة التي قام ببنائها قوم عاد، فكانت أبدانهم كبيرة وعالية وقوية، لذلك طغوا وتجبروا وتكبروا.
هنا الله يصف هؤلاء بالقوة، ولكن ماذا تنفع هذه القوة مقابل قوة القوي سبحانه وتعالى؟ ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾. هنا الله قال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾؛ إرم ذات العماد، إرم نسبة إلى جد من أجدادهم، ذات العماد أي ذات الأعمدة الطويلة، وقيل هنا العماد المقصود بها أبدانهم لطول هذه الأبدان التي لم يخلق مثلها في البلاد، أي لم يخلق مثل هذه القبيلة في البلاد بالقوة، أو هذه البيوت التي هي هذه الأعمدة.
ولكن ما نفعتهم هذه القوة، لم تنفعهم ولم تغنِ عنهم شيئًا من عقوبة الله سبحانه وتعالى لما نزلت. وهذا كله في تذكرة لنا أن الكفار مهما بلغوا من القوة والسطوة والتكبر والتجبر، أنهم لا يخرجون عن قوة الرب سبحانه وتعالى، هم في النهاية عبيد لله سبحانه وتعالى، لا يخرجون عن قدر الله سبحانه وتعالى مهما بلغوا من القوة.
كما ذكر الله القوم الجبارين، الذين هم قوم جبارين: ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. هذا فعل قوم موسى، بخلاف أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، والله لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، بل نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. وموسى عليه السلام كان يخبرهم ويقول: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ * وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾، ولكنهم ما توكلوا على الله.
هنا الله سبحانه وتعالى يرشد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه القوة لا قيمة لها إذا الله سبحانه وتعالى ما أذن، مهما بلغت القوة ومهما وصلت إلى ما وصلت إليه هي في النهاية داخلة في حيز البشر ضعيفة أصحابها مقارنة بقوة القوي سبحانه وتعالى.
ثم انتقل الله سبحانه وتعالى للحديث عن ثمود، قال: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾. جابوا أي قطعوا. كذلك قوم ثمود كانوا يفخرون ببساتينهم ومساكنهم وأموالهم وقوتهم، ولكن كل هذا لم ينفعهم. العرب تعرف عاد وتعرف ثمود؛ فعاد بمدائن العلا، مدائن صالح، وثمود في الأحقاف، والعرب تعرف هؤلاء وأولئك. وعاد نبيهم هو هود عليه السلام، وثمود نبيهم هو صالح عليه السلام.
ثم انتقل الله سبحانه وتعالى للحديث عن فرعون، السلطان، فتنة الملك، السلطان، القوة. قال: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾. صاحب الأوتاد التي كان يعذب بها الناس، يقال إن فرعون لما عذب آسية ربطها بأربعة أوتاد ووضع عليها صخرة كبيرة حتى ترجع لدينها فأبت. فالله سبحانه وتعالى يصف فرعون بأنه ذو الأوتاد، ملك مصر عنده من الجند العدد الكبير الذي يثبت ملكه.
إن هؤلاء لشرذمة قليلون، عدد بني إسرائيل كان 600,000 ويقول قليلون، إذاً كم كان عدد جنده؟ في كم مليون؟ ممكن أكثر من ذلك، مليون و100,000. فالقصد أن فرعون صاحب الجنود لكن هذه الجنود ما نفعت فرعون، صاحب القوة وصاحب البطش، هذا كله لم ينفع فرعون لما جاء قدر الله سبحانه وتعالى. بل أهلك الله فرعون بالمال الذي أنفقه فرعون في تربية موسى عليه السلام: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. هذا الغلام هو الذي أسقط فرعون بقوة الملك سبحانه وتعالى، بقوة القادر.
وهنا الله سبحانه وتعالى يبين لأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام قدرته على إسقاط هؤلاء. فالله أهلك عاد بريح من السماء، بريح صرصر عاتية، وأهلك ثمود بالصيحة بالدمدمة، وأهلك فرعون بالغرق، كلها أمور قدرية. فالله سبحانه وتعالى سينصركم كذلك، لا تنتصرون بقوتكم أنتم، إنما بقوة القادر سبحانه وتعالى، بقوة القوي سبحانه وتعالى.
وكذلك فيه تخويف لهؤلاء الكفار، انظروا كيف الله سبحانه وتعالى صنع بهؤلاء وسيصنع بكم مثل ما صنع بهؤلاء. وهذا هو الذي وقع في بدر، لما قتلوا على يد النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه ونزلت الجهود القدرية؛ أنزل الله المطر: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ﴾، وكذلك أنزل الله الملائكة لتثبت الذين آمنوا، وكانت الأرض زلقة أرض الكفار في المعركة بخلاف أرض المسلمين. فهناك جرت أمور قدرية، ولكن هنا الأمور القدرية تقع لأمتنا بخلاف الأمم السالفة؛ يعني نبذل ونجتهد ونفعل ثم يأتي قدر الله بصورة نعيم بن مسعود، بصورة ريح الأحزاب، هكذا تأتي ريح تفرق الكفار، ونعيم بن مسعود يسلم، يرجع إلى اليهود ويقول لهم كلام ويقول لغطفان كلام وهكذا يتفرقون.
وهذا هو الذي سيقع لنا. اليوم الهيمنة والقوة كبيرة جدًا للأعداء، لكن هذه لن تنفع، لا بد أن تتغير، كيف ما ندري، لكن لا بد أن نفعل الذي يريده الله سبحانه وتعالى، ثم الله سيسلط الأعداء كما وقع لفرعون. فرعون بذل لموسى كل شيء، ولم يستطع أن ينتصر على موسى، حتى قال: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، فرأوا العذاب الأليم.
نوح عليه السلام بعد ما بدد كل شيء قال: ﴿رَبِّ إِنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ﴾، ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر، وفجرنا الأرض عيونًا، نزلت جنود الله سبحانه وتعالى. فكذلك الذي سيقع بإذن الله لنا مع هؤلاء الكفار، وبإذن الله فتح قريب لبيت المقدس إن شاء الله تعالى. هذه القوة وهذه العلوم من الكفار هو مؤذن بإذن الله لإسقاط هؤلاء الكفار إذا وجدت المجموعة التي ستعمل للإسلام كما يريد الله سبحانه وتعالى، كما وقع مع هؤلاء الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم وأرضاهم.
قال: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ﴾؛ بلغ الطغيان مداه، فلما وصلوا إلى درجة الطغيان التي وصلوا إليها هنا الله سبحانه وتعالى أخذهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لِيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ﴾. واليوم اليهود يتكبرون ويتجبرون، سنقضي على كذا ثم نقضي على كذا، وكذلك النصارى، هذا كله علامة استدراج وعلامة قرب الأخذ بإذن الله، بشرط أن توجد المجموعة التي تحسن عبادة الله، أما إذا لم توجد فلم يحدث هذا الأمر.
قال: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾. هذا الذي لقوه في الدنيا عبارة عن سوط، يعني الذي وقع لهم من الغرق وكذلك الصيحة والدمدمة والريح، هذا عبارة عن سوط، عبارة عن جزء واحد فقط يسير من العذاب مقارنة بما سيلقونه بإذن الله في يوم القيامة.
قال: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. يسمع ويرى وينظر ويبصر سبحانه وتعالى، ويعلم، هو محيط بكل شيء سبحانه وتعالى بعلمه وبقدرته.
ثم قال: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا﴾. هذا الإنسان المراد به كافر هنا، وذكر لكم أن المصطلح "الإنسان".
إذا جاء في القرآن الكريم إما أن يراد به ضعف الدين والكفر، أو يراد به ضعف الإنسان الخلقي. هنا الله يقول: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾. فيقول هذا الإنسان الضعيف ديناً إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه، فيقول: ربي أكرمني، الله يعطيه من الأموال، فإذا أعطي له هذه الأموال يقول: هذا لي، إنما أوتيته على علم عندي.
هذا الإنسان لا ينسب النعمة لله سبحانه وتعالى، فالذي أعطاك المال هو الله ويستحق الثناء، لكنه يقول: أنا ولي وعندي أصول الشر. قال الشيطان: «أنا خير منه». لماذا أنت خير منه؟ وقال الرجل في قصة أصحاب الكهف، وقال قارون صاحب المال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾. إنما أوتيته على علم عندي، أنا ولي وعندي أصول الخطايا، أصول الشر، أصول الفساد.
هذا الإنسان الله أعطاه المال، فاختبره؛ هذا العطاء ليس نعمة محضة، إنما تكون نعمة لما تشكر: ﴿هَٰذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۚ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾. الله أعطاك هذه النعمة، هذا العقل، هذا الذكاء، هذا المال، هذا المنصب، هذا الجمال، هذه القوة؛ هذا العطاء معه شكر، فإن شكرت انقلبت هذه النعمة في حقك نعمة محضة، أما إذا ما شكرت ستسأل عنها يوم القيامة.
العبد يوم القيامة لما تنشر له ثلاث دواوين: ديوان الحسنات، وديوان السيئات، وديوان النعم. فتأتي النعمة وتقول: أي ربي أريد حقي، إذا ما كان الشخص شاكراً. إذا لم يشكر العبد ربه على ما آتاه الله سبحانه وتعالى من نعم، هذه النعم ستكون وبالاً عليه، أما إذا شكر، وهبه الله سبحانه وتعالى ديوان النعم لا يحاسب عليه؛ لأنه شكر.
قول الله سبحانه وتعالى يمكن على هذا الإنسان إذا ما ابتلاه ربه واختبر بهذا المال، قال: ربي أكرمن، أي ربي أكرمني لأني أنا أستحق الكرامة، وهو كافر، هو عاصٍ، هو ضال، هذا الكلام غير صحيح. الله يبين بأن هذه الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة، لو كانت الدنيا تزن عند الله سبحانه وتعالى جناح بعوضة لما سقى منها كافر شربة ماء. فالعبرة ليست بالدنيا، إنما العبرة بالآخرة، العبرة بالإيمان. انظر مقامك حيث أقامك سبحانه وتعالى، هل تقوم بنصر الدين؟ بعبادة الله سبحانه وتعالى؟ إذاً أنت عبد مكرم أو مكرم.
وأعظم الكرامة لزوم الاستقامة، ولزوم الاستقامة أعظم من ألف كرامة، فهذه هي الكرامة: أن تكون عبداً لله سبحانه وتعالى، تشكر الله، تحمد الله، تذكر الله. هنا الإسلام يبين هذه المعايير؛ إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من أحب، العبرة بهذا، بالإيمان، بالصلاح، بالتقوى.
قال: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ﴾ أي بهذا المال ونعمه فيقول: ربي أكرمن، ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾. لا، ليست بهذه الصورة، قد يكون الرجل صالحاً فقيراً، وقد يكون الطالح صاحب مال وفير وكثير، فالعبرة ليست بالدنيا، إنما العبرة بنفس هذا الإنسان.
يقيس الصلاح عند الله بنعمة الله سبحانه وتعالى عليه الدنيوية، فإذا كانت له نعمة دنيوية يقول: أنا عبد عظيم الجاه عند الله، عظيم القدر عند الله، الله يحبني، وإذا لم يكن بهذه الطريقة يقول: إذاً الله لا يحبني أبداً، ليس الأمر بهذه الصورة، إنما العبرة بالإيمان. والله سبحانه يبرز هذا المعنى، معنى الإيمان؛ العبد الذي يحب الله يقربه منه ويدنيه منه، والذي لا يحبه يدفعه في الدنيا ما يدخل بها ويضيع بها، كلا ليس الأمر كما تقول أيها الإنسان، ليس كما تظن، العبرة ليست بهذا، إنما العبرة بطاعة الله وتقواه.
كلا ثم قال الله تعالى: ﴿كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾. لا يكرمون اليتيم، وكانوا يظلمونه ولا يحسنون معاملته، وهذا دليل على قسوة القلب. ﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ أي لا يحث بعضكم بعضاً على طعام المسكين، ومن باب أولى لا يطعم المسكين، يدفع اليتيم، ونهى النبي عليه الصلاة والسلام عن دفع السائل، وقال: «فأما السائل فلا تنهر»، ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، فالسائل إما أن تعطيه أو أن تعرض عنه بالتي هي أحسن، تخاطبه بكلام حسن.
والله يبين قسوة هؤلاء، أن سبب عدم إيمان هؤلاء هو هذه القسوة الموجودة في قلوبهم؛ يتيم ضعيف مسكين، صغير مات والده، ومع ذلك لا يكرمونه ولا يهتمون به ولا يعتنون به. ﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾، المسكين هو الذي لا يملك ما يكفيه، لا يحث بعضهم بعضاً على الإنفاق وعلى الصدقة وعلى طعام هؤلاء المساكين، فهذه القسوة هي التي منعت الإيمان من الدخول والولوج إلى القلب. لذلك الشخص إذا أراد أن يسلم، أو إذا كان كافراً وأراد أن يهتدي هداية كبيرة، لابد أن يطيب قلبه دائماً، ويجعل قلبه دائماً مستقبلاً لهذه الأوامر، ودائماً يكون رحيماً، دائماً يكون قريباً من المساكين والضعفاء. بل يروى في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام دعا الله سبحانه وتعالى بأن يحشر في زمرة المساكين، بل أن يقول: «اللهم أحييني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين».
قال: ﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾، ثم قال: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾. التراث أي الميراث، تأكلون التراث أكلاً لماً، أكلاً شديداً، كانوا يمنعون الصغير ويمنعون المرأة كذلك، وهذه من عادات الجاهلية التي إلى الآن موجودة في بعض البلاد أن المرأة تمنع من الميراث ولا تأخذ حقها ونصيبها من ميراث أبيها أو أمها. ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾ ظلماً، ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ أي حباً كبيراً عظيماً مفرطاً.
وهذا الشغف الكبير للمال هو الذي جعل المال يستعبدكم: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميله». والمال أظهر النعم الدنيوية التي يتعلق بها الإنسان، ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾، يحب المال يريد أن يجمع المال من أي طريق، من حلال أو من حرام. وكذلك يدخل في المال كل ما يشغل الإنسان، من باب المثال، كل ما يشغل الإنسان عن طاعة الله سبحانه وتعالى يدخل في هذا، في الدراسة، الوظيفة، إلى آخره، الانشغال الزائد بها وليس الطلب الطبيعي لها، إنما أن الشخص يتوقف ويقصر في العبادة التي يريدها الله سبحانه وتعالى له بحجة كذا وكذا من أمور الدنيا، هذا كله يدخل في هذا.
قال: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾، والمال يسأل عنه العبد يوم القيامة سؤالين: سؤال من أين اكتسب؟ وسؤال فيما أنفق؟ من أين اكتسبت هذا المال؟ وفيما أنفقت هذا المال؟ حتى جاء في الآثار أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه هو صاحب مال وفير وكثير، يكون آخر من يدخل الجنة من الصحابة.
حتى يقول النبي ﷺ فيما يروى عنه: «إني يئست من دخول عبد الرحمن». وسبب هذا ليس أنه لم يكن مفرطًا في المال، إنما إن ماله وفير وكثير. جاء في الحديث أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنياء المهاجرين بنصف يوم، أي بـ 500 سنة. لماذا؟ للسؤال، لكن ليس معنى هذا أن الصالح تكون درجته أقل، لا، بل نعم المال الصالح للرجل الصالح، ولكن إذا كان صالحًا. القصد أن هذا المال يسأل عنه الصالح يوم القيامة: من أين أتيت بهذا الدينار؟ وفيما أنفقت هذا الدينار؟
قال: «وتحبون المال حبًا جما»، ثم قال: كلا. ما كان ينبغي أن يكون حالكم بهذه الطريقة؛ أنكم تأكلون الميراث وتمنعون المسكين ولا تكرمون اليتيم وتجمعون المال حياتكم كلها جمعًا في المال والسفر من أجل الدنيا ومطاردة للدنيا، كلا، ليس الأمر كما تفعلونه، هذا كله سيذهب.
قال: ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا * وَقِيلَ مَا فُرْقُهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الفجر: 21-22]. إذا دكت الأرض دكًا، تدك الأرض وتكسر الأرض حتى تصبح قاعًا صفصفًا، الجبال؛ فهذه الأرض تزلزل وتدك دكًا بعد دك وتكسر حتى تصبح قاعًا صفصفًا. ثم بعد ذلك يأتي الله سبحانه وتعالى، ويجيء كذلك معه الملائكة.
وجاء ربك سبحانه وتعالى للفصل بين الناس والقضاء بعد ما يحشر الناس، والجن كذلك والحيوانات كلها تحشر وتنزل الملائكة، ثم يأتي الله سبحانه وتعالى مع الملائكة مع حملة العرش. قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 22]. الملائكة مصفوفة صفًا بعد صف، تحيط بأرض المحشر، تحيط بأهل المحشر.
قال: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: 23]. يجتمع الناس كلهم في هذه الأرض، والملائكة محيطة بهم لا يستطيع الواحد منهم أن يفلت، وهم في هذا المشهد المخيف المريع. يؤتى بجهنم، ولون جهنم سوداء، سميت جهنم لسوادها ولبعد قعرها، ولها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، كل هؤلاء يجرون جهنم جرًا.
﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ﴾، بذلك اليوم يتذكر الإنسان منع اليتيم وعدم إكرامه له، وكذلك عدم إنفاقه على المسكين، وجمع المال والذنوب والمعاصي التي قام بها، يتذكر كل ما قام به في هذه الدنيا ويندم، ولكن ولا تزال ساعة مندم؛ لا ينفع الندم في هذا الموقف.
قال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ﴾ [الفجر: 23]. أنى تنفع هذه الذكرى؟ نعم يتذكر كل شيء فعله ويقول ليتني فعلت كذا، ليتني، لكن خلاص، ليتني هذه ما تنفعك الآن، هذا كله ذهب، أنت الآن تعيش فوق الأرض تستطيع أن تعمل، أما لما تموت خلاص تطوى الصحيفة.
يقول هذا الإنسان بملء فيه: «يا ليتني قدمت لحياتي». ويقول الله في آية أخرى: ﴿وَيَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ﴾ [الفرقان: 27]. في الدنيا الشخص الذي يتحسف على أمر فعله وندم عليه يعض أصبعه، في يوم القيامة يعض على يديه. ألم تكن حياتك التي مضت؟ لا، إنما الحياة هي هذه، هي الحياة الحقيقية، الله يقول: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64]، أي لهي الحياة الحقيقية لو كانوا يعلمون.
لكن مشكلة هؤلاء أنهم لا يعلمون، هو يتمنى أن يرجع إلى الدنيا وأن يعمر ثواني حياته في طاعة الله سبحانه وتعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: 77]. سيندم على كل ما فعل في الدنيا من أعمال لا تثمر شيئًا يوم القيامة، يندم على تضييع الأوقات، يندم على كل شيء. حتى أهل الجنة يجيء كما يروى في الحديث أنه ليس يتحسر أهل الجنة على شيء إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله سبحانه وتعالى فيها.
أما هذا الكافر فيندم ندمًا عظيمًا، يقول: «يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدري ما حسابيه، يا ليتها كانت القاضية، ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانيه». خلاص هذا ذهب، وقت العمل ذهب. يقول: «يا ليتني قدمت لحياتي».
﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ أي في ذلك اليوم العظيم، لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد. في مكة كان الكفار يعذبون الصحابة، وكذلك كان يوثق مثل بلال، كان يلبس الحديد ويعطى الغلمان يطوفون به في مكة يذلونه، هذا الوثاق الذي وقع لبلال سيعذب به الكفار يوم القيامة، لكن شتان بين حبل وحبل، ووثاق ووثاق، وعذاب وعذاب. الزبير كذلك تم أسره، وكذلك طلحة وكذلك أبو بكر وكذلك خباب، هذا كله تفعله الآن سترونه يوم القيامة، لكن شتان بين بلاء وبلاء، وعذاب وعذاب. قال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: 25-26].
ثم قال الله سبحانه وتعالى يا أصحاب النفوس الطيبة الطاهرة المطمئنة: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ [الفجر: 27-28]. إذا حضرت العبد الصالح الوفاة أتته ملائكة الرحمة وقالت: يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك، اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان، فتخرج هذه النفس وهي مستبشرة لما ستلقاه من النعيم.
والله ذكر في كتابه العظيم ثلاث أنفس: النفس المطمئنة، والنفس اللوامة، والنفس الأمارة بالسوء. والله ذكر النفس المطمئنة التي اطمأنت إلى دين الله سبحانه وتعالى ووصلت إلى اليقين، وكذلك اطمأنت إلى جزاء الله سبحانه وتعالى. من صام رمضان وقام رمضان إيمانًا واحتسابًا، هؤلاء يصومون ويقومون مؤمنين محتسبين يعلمون بأن هذا لن يذهب سدى، قال: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه».
هذا هو الذي يصل إلى هذا الاطمئنان، هذا الشخص يصل إليها مع المجاهدة، مع المجاهدة، ومع تلاوة القرآن ودعاء الله سبحانه وتعالى وسؤاله، تبدأ النفس ترتقي. فتكون أمارة بالسوء تحضه على السوء وتأمره بالسوء، ثم بعد ذلك تبدأ النفس تلومه، إما تلومه على ترك الخير أو تلومه على فعل الشر، فتلومه هذه النفس اللوامة. وهذه كذلك نفس العبد الصالح، إذا كانت تلومه على فعل الشر أو ترك الخير: لماذا فعلت كذا؟ لماذا تركت كذا؟ هكذا هذه النفس اللوامة.
أما اللي أعلى منها فالنفس المطمئنة، هي النفس التي اطمأنت إلى نعيم الله سبحانه وتعالى وإلى جزاء الله سبحانه وتعالى، وقبل ذلك إلى دين الله سبحانه وتعالى فلم يكن فيها شك، وهي نفس إبراهيم عليه السلام حين قال: ﴿رَبِّ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260]، فوصل إلى هذا الاطمئنان.
قال: ﴿ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾. هذه النفس المطمئنة يقال لها في سكرات الموت: ارجعي إلى ربك، إلى الله سبحانه وتعالى. انظروا كم مرة تكرر الآن اسم الله "الرب" في هذه السورة في سياق كل بطش وشدة وعذاب، وفي سياق الرحمة والحلم والمغفرة والعفو.
قال: ﴿ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً﴾ بما عملتيه، بما قمت به، ﴿مَّرْضِيَّةً﴾ مرضيًا عنك عند الله سبحانه وتعالى، ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ هنا ياء تشريف، فادخلي في جملة عبادي. هذه دعوة الأنبياء: «توفني مسلمة وألحقني بالصالحين».
وكذلك دعوة سليمان عليه السلام. فالعبد الصالح هذا حلمه في الحياة أن يكون مع الصالحين، مع جملة الصالحين.
والنبي عليه الصلاة والسلام في سكرات الموت قال: «اللهم الرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى». قالت أم عائشة: إذن لا يختارنا، علمت بأنه يخير.
هنا الله يقول: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾، في جملة عبادي، أي في جملة عبادي المصطفين، المختارين، المعظمين، المشرفين. ثم قال: ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾؛ ادخلي هذا النعيم المقيم العظيم الذي أعده الله سبحانه وتعالى لعباده الصالحين.
نسأل الله العظيم رب العرش العظيم في هذه الليلة المباركة أن نكون وإياكم ممن يدخل في جملة هؤلاء العباد، وممن كتب له دخول الجنة، وسبق في علم الله سبحانه وتعالى نجاته من النار. إنه ولي لقادر عليم. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري