دخولتسجيل الدخول

سورة الغاشية | تأملات في آيات جزء عم

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد، فأحييكم إخواني وأياكم ويسدد على طريق الخير خطانا جميعًا. نكمل دراسة جزء عم، ومعنا اليوم بإذن الله سورة الغاشية.

وهذه من السور التي نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام في مكة. يقول الله سبحانه وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: 1-6].

هنا الله سبحانه وتعالى يفخم من شأن هذه الغاشية ويعظم منها، يقول الله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾؛ هل أتاك تفخيم وتعظيم لشأن الغاشية؟ انظروا كيف القرآن الكريم يبدأ هذه الآيات بهذه الصورة. فالقرآن الكريم تنوعت طريقة البدء فيه، تارة يبدأ بالحروف المقطعة، وتارة يبدأ بالتسبيح، وتارة يبدأ بالأمر بالتحميد، وتارة يبدأ بذكر السماء والقسم بالسماء، وهنا بدأ بالحديث عن الغاشية مباشرة بأسلوب التفخيم والتعظيم، كما قال الله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: 1-3]، وكذلك في سورة القارعة.

الغاشية اسم من أسماء يوم القيامة، وسميت بالغاشية لأنها تغشى الناس، كما قال الله سبحانه وتعالى. وسماها بالطامة الكبرى في سورة النازعات، تطم كل شيء، تعلو كل شيء، فهنا سماها سبحانه وتعالى الغاشية، ثم ذكر بعد ذلك مصير الناس يوم القيامة.

القسم الأول: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾؛ وجوه يومئذ خاشعة، ذليلة، منكسرة، خائفة. وجوه من هذه؟ وجوه الكفار، وجوه الذين كانوا يعاندون الله سبحانه وتعالى، وجوه الضلال. قال الله: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾؛ تعمل وتجتهد وتكدح وتتعب، ومع ذلك النهاية في جهنم.

هنا «عاملة ناصبة» قيل في الدنيا؛ تعمل في الدنيا وتكدح وتتعب وتنصب، وهذا كله لا قيمة له عند الله، لماذا؟ لأن عملهم لم يكن لله أو لم يكن موافقًا لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه في رحلته إلى الشام على راهب يتعبد، فلما رآه عمر بكى وقال: عاملة ناصبة. يتعبد الله ولكن ليس بهدي محمد صلى الله عليه وسلم، لن ينفع هذا العمل.

يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار». لا يقبل الله سبحانه وتعالى العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه الكريم، وكذلك موافقًا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا تعبد العبد الله سبحانه وتعالى عبادة لم يرضها سبحانه وتعالى، هذه العبادة مردودة عليه. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، ويقول: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد». فإذا أردت أن أصلي صلاة الظهر أربع ركعات، وأريد أن أصلي ست ركعات، هذه الزيادة مردودة، كأنك لم تصل الظهر، وهكذا.

الله سبحانه وتعالى يريد الإنسان أن يعبد كما يريد هو سبحانه وتعالى. لما طاف ثلاثة من الناس في زمن النبي عليه الصلاة والسلام على بيوت أزواج النبي عليه الصلاة والسلام وسألوا عن عبادته فكأنهم تقالوها، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي ولا أرقد، أصلي الليل ولا أرقد. وقال الثاني: أما أنا فأصوم ولا أفطر. وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء، أو قال: لا آكل اللحم. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فصعد المنبر وغضب وقال: «أما والله إني أتقاكم لله وأخشاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، من رغب عن سنتي فليس مني». فلا يأتي الشخص ويزيد على ما جاء به الإسلام أو ينقص، إنما الواجب على الشخص أن يعبد الله كما يريد الله سبحانه وتعالى منه أن يعبد.

والله يقول: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾. القول الأول: أنها في الدنيا عاملة ناصبة في الدنيا ومصيرها يوم القيامة تصلى نارًا حامية، لماذا؟ لأنها لم تكن تعبد الله كما يريد الله، لم تكن تنقاد إلى دين الله سبحانه وتعالى. القول الثاني: أنها عاملة ناصبة في جهنم، أي تعمل في جهنم، وتنصب في جهنم وتصلى النار الحامية في جهنم؛ فكانوا في الدنيا في دعة، في سكون، في راحة، لم يكونوا يعملون وينصبون في طاعة الله سبحانه وتعالى، أي لم يكونوا يقومون بالصلاة ولا بالصيام ولا بغيرها من العبادات، فكانت النتيجة في يوم القيامة يعملون وينصبون في جهنم، يجرجرون الأغلال، ويقال بأنهم يقال لهم: اصعدوا هذا الجبل، فيصعدون الجبال في جهنم، وهكذا. وقيل: عاملة في الدنيا ناصبة في الآخرة؛ تعمل في الدنيا لكن العمل ليس موافقًا للهدي النبوي، فستنصب هذه التي تعمل في الدنيا مخالفة، عمل مخالف لما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، تنصب وتتعب في جهنم، نسأل الله السلامة والعافية.

وكم من الناس اليوم يعيشون على غير الهدى، على غير الإسلام، ويظنون بأنهم يحسنون. كم من النصارى من العباد من الرهبان، وكذلك من غيرهم ممن يظن بأنه على حق، ولكن هذا الظن لا يغني من الحق شيئًا. إذا وصلت رسالة الإسلام إلى الناس وطرقتهم وطرقت الأسماع، هنا يرفع العذر عن هؤلاء. هداية الكثير محتاجة إلى المسلمين، محتاجة إلى دعوة المسلمين لهداية الناس، إلى دعوتهم إلى دين محمد صلى الله عليه وسلم.

وكذلك ممن يقع في أخطاء، ممن يظن بأنه جاء بالدين كما يقع من بعض المبتدعة، ممن يبتدع في الدين عبادات لم يأت بها الإسلام، فيأتي هنا ويتأول في هذه البدع. فالله سبحانه وتعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما كان موافقًا لهدي النبي عليه الصلاة والسلام، وليست العبرة بكثرة العمل، إنما العبرة بحسن العمل، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]، ولم يقل أكثر عملًا، فالعبرة كلها بحسن العمل وليس بكثرة العمل، وحسن العمل الذي يكون موافقًا للنبي عليه الصلاة والسلام، وقبل ذلك يكون صاحبه مخلصًا.

جاء في سنن أبي داود أن رجلين من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام خرجا في سفر، فأرادا الصلاة ولم يجدا الماء، فتيمما وصليا، ثم حضر الماء، فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة ولم يعد الآخر. فلما رجعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وذكرا له ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «للذي أعاد لك الأجر مرتين»، وقال للذي لم يعد: «أصبت السنة»، وإصابة السنة أعظم من أن لك الأجر مرتين. لماذا؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لو كان موجودًا في هذه الحادثة لفعل مثل ما فعل هذا الشخص. فالذي أعاد له الأجر مرتين؛ الأجر الأول أنه صلى، والأجر الثاني أنه اجتهد وأخطأ، أما الثاني فله ثلاثة أجور: صلى، واجتهد، وأصاب فله أجران.

إذا حكم الحاكم فاجتهد وأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر. فأصبت السنة هنا أعظم، لك الأجر مرتين مع أنه أقل عملاً، لكن العبرة بموافقة هدي النبي عليه الصلاة والسلام. لذلك ينبغي على المسلم أن يسأل دائماً عن هدي النبي عليه الصلاة والسلام في كل شيء؛ ما الذي كان يفعله نفعله.

ثم قال الله تعالى: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: 3-5]. تصلى ناراً حامية شديدة الحرارة، بلغت الذروة في الحرارة. تسقى من عين آنية، كذلك هذه العين حارة، بلغ الماء إلى درجة عالية من الحرارة، حتى قيل إن لو قطرة واحدة من هذا الماء نزلت في الدنيا لذابت لها الجبال من شدة حر هذا الماء، وقد جاءت فيه أحاديث كثيرة.

ثم قال: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: 6]. بعد ما ذكر الشراب أنه شراب شديد الحرارة، قال: ليس لهم طعام إلا من ضريع، أي لا يأكل هؤلاء إلا من هذا الطعام الذي يسمى الضريع، والضريع هو الشبرق، أي طعام فيه شوك لم تكن الدواب تأكله لشدة كثرة الشوك الموجود فيه، وكذلك يقال بأنه كان به سم. هؤلاء أي في جهنم الكفار يأكلون من هذا الطعام. ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: 6-7]. هذا الطعام لا يسمن ولا يغني من جوع، أي فائدة طعام غير موجودة بهذا الطعام، هذا الطعام لا يسد الجوع.

ثم انتقل الله سبحانه وتعالى للحديث عن أصحاب اليمين، عن المقربين، عن الأخيار. واستمعوا لهذه الآيات واقرأوا هذه الآيات وكأنكم مع النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه في مكة. كيف الآن هم يعذبون؟ كيف الآن هم مبتلون؟ كيف هم يعانون؟ والله سبحانه وتعالى يحكم ويبين، بين هؤلاء الكفار ستكون نتيجة يوم القيامة هي هذه: تصلى ناراً حامية، تسقى من عين آنية، ليس لهم طعام إلا من ضريع.

أما أنتم، قال الله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ [الغاشية: 8-11]. وجوه يومئذ ناعمة، أي أثر النعيم انعكس على الوجوه، وجوه ذات نعمة، والوجه يظهر عليه آثار النعيم، فإذا كان الوجه عليه آثار النعيم، فمعنى ذلك أن القلب فرح، ومعنى ذلك أن البال سعيد وأصلح بالهم، ألم نشرح لك صدرك؟ فمعنى هذا أن هؤلاء قلوبهم منشرحة وصدورهم منشرحة.

قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾، راضية بسعيها في الدنيا؛ الصيام والقيام والذكر والأعمال الصالحة التي كانوا يقومون بها في الدنيا، ترضى بهذه الأعمال. كما قال الله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: 24]. وفي الجنة عالية، أي عالية المقام، فالجنة في السماء السابعة، وسقف الجنة هو عرش الله سبحانه وتعالى، عرش الرحمن، وكذلك عالية القدر.

﴿لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾، لا تسمع في الجنة كلمة لغو، ولا تكذيب، ولا سب، ولا شتم، ولا طعن، ولا غيبة، ولا نميمة؛ فالكلام الرديء أو الكلام اللاتئم أو الكلام المؤثر في النفوس لا وجود له في الجنة. ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾، أي في الجنة عين جارية، تجري مع صاحبها وتجري في أنهار وتسرح في بساتين الجنة. ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾، إذا أراد شخص أن يركب على هذا السرير ينزل السرير له ويرتفع به.

هنا الله سبحانه وتعالى يذكر لنا بعض الأوصاف حتى تستوعب العقول؛ لأن العقل لو لم تذكر الأوصاف التي تقرب الصورة والمشهد إلى ذهنه لا يستوعب المعنى. لذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء»، أما حقيقة هذا السرير وصفته وكيف تكون عند الله سبحانه وتعالى، فهذا من باب التقريب. ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾، أكواب معدة للشرب لمن أراد أن يشرب. ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾، نمارق وهي وسائد مصفوفة مرتبة معدة لهم. ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾، أي بسط منثورة وموزعة.

ثم انتقل الله سبحانه وتعالى بعد ما عد هذا النعيم العظيم لأصحاب اليمين، للمقربين، لمن آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام، يتكلم ويبين دلائل القدرة: لماذا تكفرون؟ لماذا لا تؤمنون؟ من الذي يحملكم على الإنكار؟ انظروا كم تكررت هذه المعاني في القرآن الكريم.

قال: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: 17-20]. هؤلاء الكفار، انظروا إلى الإبل، هذا المخلوق العجيب، هذا المخلوق العظيم الذي يصبر طيلة هذه الأيام عن الشراب، كيف يصبر؟ كيف يتحمل؟ ومن الذي خلقه بهذه القوة يحمل متاعاً ثقيلاً، ويستفاد من لحمه وكذلك يستفاد من لبنه وحليبه.

﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾، انظروا إلى السماء فوقكم، من الذي رفع هذه السماء ومسكها بغير عَمَدٍ ترونها أن تزول؟ ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾، انظروا إلى هذه الجبال العظيمة التي ثبتت بها الأرض، من الذي نصبها بهذه الصورة وهذه الطريقة؟ ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾، كيف مدت هذه الأرض؟ وهل الأرض كروية أو مسطحة؟ الصواب أنها كروية وهذا قول جماعة من العلماء، ولكن هنا سطحت بعين الناظر، كيف هذه الأرض مسطحة بهذه الصورة التي ترونها وتنظرون إليها وتنتفعون منها.

يأتي السؤال: لماذا تتكرر هذه الآيات في القرآن الكريم؟ لأنها قريبة من النفس وقريبة من العقل، فهذا التكرار يفك العوائق الموجودة بالنفس ويكسر ويهتك الحجاب الذي يمنع من الاستجابة. وهذه من عظمة القرآن الكريم أن يخاطب الإنسان بما هو مباشر، لا يخاطبه بالأمور المعقدة البعيدة، والإنسان من طبعه يتأثر بالمباشر أكثر مما يتأثر بالبعيد.

قول الله سبحانه وتعالى يخاطب الإنسان بما هو مباشر أمامه، بما يراه كل يوم، فإذا وافقت هذه النظرة أو هذا التدبر وهذا التأمل صحة في القلب وإيماناً، ولجت هذه المعاني إلى النفس وأثرت فيها، ولكنها إذا لم توافق لا يتأثر الإنسان كثيراً. هو ينظر إلى السماء ويتعجب من أمر ليس كالسماء بالعجب، فالسماء أعجب من كل شيء يتعجب منه الإنسان، لكن الإنسان يتعجب هذه الأمور يسيرة. كيف الآن الجهاز؟ يعني أول ما تم اختراع الفاكس، كيف كان الفاكس ينقل الكلام؟ والناس كانوا يتعجبون ويضحكون ويستبعدون، ثم بعد ذلك أصبحوا يتقبلونه. وهكذا تدريجياً مع التطور الذي نعيشه في واقعنا هذا السريع جداً، خاصة في الخمسين سنة الماضية، هذا لا يوجد له في التاريخ إلا في زماننا هذا، الناس يتعجبون وكلما جاء شيء سهل الذي قبله. طيب هذا كله صح يدعو إلى العجب، ولكن...

الذي أعجب منه هو هذه السماء العظيمة، هذه السماء، هذه الكواكب، هذا الكون الواسع الشاسع الذي لم يستطع الإنسان أن يصل إلى نهايته. ألا يثير العجب؟ ولا يدعو إلى التأمل والتفكر؟

قال: ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾. ثم قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم فذكر؛ ذكر هؤلاء، وعظ هؤلاء، انصح هؤلاء. ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾. دورك أيها الرسول التذكير، البيان، البلاغ؛ لست عليهم بمسيطر، وما أنت عليهم بجبار.

أي لست بالذي تكرههم على الإيمان، فالذي يدخل الإيمان في القلوب هو الله سبحانه وتعالى، والله أعلم من يصلح أن يدخل الإيمان في قلبه ومن لا يصلح. لكن الواجب عليك أن تبين. والقرآن يجمع بين بذل السبب وبين التوقف عند النتيجة؛ فابذل السبب، وذكر، وانصح، وعظ، ولكن النتيجة ليست لك لا تدخل بها.

وهذا الأمر يتكرر في القرآن الكريم كثيرا؛ لماذا؟ لأن الداعي إلى الله سبحانه وتعالى بعد مدة من الزمن يضجر ويتذمر: لماذا لا يهتدون؟ لماذا لا يستجيبون؟ لماذا؟ ليست لك، لله سبحانه وتعالى لا يجوز لك أن تدخل بها؛ لأن الله هو الذي يعلم. إنما الواجب عليك أن تبين وتبلغ، لا يغلب عليك التعلق بالناس أو رغبة هداية الناس عن الاستجابة لأمر الله سبحانه وتعالى وتطبيق ما يريد الله سبحانه وتعالى منك.

لذلك لما قال النبي عليه الصلاة والسلام -بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام- من رحمته وحبه للناس، في أحد لما قُتل أصحابه وشُج وجهه الشريف عليه الصلاة والسلام، وقعت له البلاءات العظيمة، حتى قالت أم عائشة رضي الله عنها وأرضاها: يا رسول الله، هل مر عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: «كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟».

شجوا نبيهم، حفروا له حفرة فسقط بها، ودخلت حلقتي المغفر في وجنتيه الشريفتين عليه الصلاة والسلام وتصببت الدماء الطاهرة من ذلك الجسد الطاهر، فقال عليه الصلاة والسلام: «كيف يفلح قوم». استبعد النبي عليه الصلاة والسلام هداية هؤلاء وفلاح هؤلاء؛ شجوا نبيهم، فأنزل الله: ليس لك من أمره شيء، لا تدخل في هذا الباب، هذا ليس للبشر، هذا خاص بالله سبحانه وتعالى.

وهدى الله سبحانه وتعالى القادة الأربعة: أبو سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وخالد بن الوليد. هؤلاء القادة الأربعة الذين كانوا يقودون جيش الكفار يوم أحد كلهم أسلموا وحسن إسلامهم. قال: لست عليهم بمسيطر، لست بالذي تكرههم على الإيمان، إنما الذي يدخل الإيمان هو الله سبحانه وتعالى هو الذي يختار.

ثم قال: ﴿إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ﴾؛ هذا استثناء منقطع، أي ولكن من تولى بفعله وكفر بقلبه فيعذبه الله العذاب الأكبر. ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾؛ سيعودون إلينا، وهذا في تقدير البعث، سيرجعون إلى الله سبحانه وتعالى بعد ما يموتون. ثم قال الله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾؛ الحساب يرجع إلى الله، هو الذي سيحاسبهم ويجازيهم على هذه الأعمال السيئة في جهنم.

وقيل هذه الآيات نسخت بآيات الجهاد؛ ففي مكة كان الواجب الدعوة، ولكن بعد ذلك شرع الجهاد في سبيل الله. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا يحل سفك دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة». فشرع الجهاد حتى يتم نشر رسالة الإسلام، ولكن الإكراه لا يكون في الدين؛ ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾.

إذن هذا بعض ما يتعلق بهذه السورة الجليلة، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.