دخولتسجيل الدخول

سورة الأعلى | تأملات في آيات جزء عم

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد. فأحييكم إخواني جميعًا وإياكم، وسدد على طريق الخير خطانا جميعًا.

نكمل مدارسة هذا الجزء، جزء عم، واليوم إن شاء الله تعالى سنبدأ بالحزب 60 ومعنا سورة الأعلى. هذه السورة من السور التي نزلت في مكة على النبي عليه الصلاة والسلام، ولها عدد من المواطن التي تقرأ فيها؛ تقرأ في صلاة الجمعة مع سورة الغاشية، وكذلك تقرأ في صلاة العيد مع سورة الغاشية، وكذلك تقرأ في الوتر مع سورة الكافرون وسورة الإخلاص. فإذا أوتر الشخص بثلاث ركعات يقرأ بالركعة الأولى بسورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الركعة الثانية بسورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الركعة الثالثة بسورة الإخلاص.

يقول الله سبحانه وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. هنا يؤمر النبي عليه الصلاة والسلام بتسبيح الله سبحانه وتعالى. لماذا قال هنا: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ولم يقل: سبح ربك الأعلى؟ ليدل على أن التسبيح المقصود منه هنا اللسان مع القلب وليس فقط القلب؛ فالذكر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ذكر في القلب، وذكر باللسان، وذكر باللسان مع القلب، وأقوى وأعلى أنواع الذكر أن يواطئ القلب اللسان.

فلما يقول الشخص: "سبحان ربي الأعلى" ويستحضر معنى التسبيح الذي هو بمعنى التنزيه وكذلك التعظيم لله سبحانه وتعالى، قال: ﴿الْأَعْلَى﴾. الأعلى هنا يشمل علو الذات وعلو الصفات، علو الذات وعلو القهر وعلو الغلبة؛ فالله سبحانه وتعالى هو الأعلى. وهنا الله سبحانه وتعالى يأمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن يقول: "سبحان ربي الأعلى"، ولما نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ: «اجعلوها في سجودكم»، فكان يقول: "سبحان ربي الأعلى" إذا سجد.

فنزلت هذه السورة في مكة، وهنا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بتنزيه الله سبحانه وتعالى وتعظيمه عن كل ما لا يليق به. ومصطلح التسبيح تلاحظون بأنه يأتي دائمًا أو كثيرًا بعد ما ينسب إلى الله سبحانه وتعالى الولد، فيقول: ﴿سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾، وهكذا. فهنا جاءت السورة وافتتحت بهذا الذكر.

وعندنا سبع سور من سور القرآن الكريم افتتحت بالتسبيح؛ سورة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾، وكذلك عندنا سورة الحديد: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وكذلك عندنا سورة الحشر: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وعندنا سورة الجمعة والصف كذلك: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾، وعندنا التغابن: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾، وعندنا هذه السورة: ﴿سَبِّحِ﴾. فجاءت بمصدر، وجاءت بالفعل الماضي، وجاءت بالفعل المضارع، وهنا أتت بفعل الأمر: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.

فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: "سبحان ربي الأعلى"، والتسبيح من الباقيات الصالحات؛ يقول النبي ﷺ: «لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، وهن الباقيات الصالحات». سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، هذا هو الذي يبقى. فالإنسان يذكر عند الله سبحانه وتعالى لما يسبح الله سبحانه وتعالى.

ثم قال: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾. وهنا المراد مواطأة القلب للسان، أتى باسم: ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ ولم يقل: سبح ربك الأعلى مباشرة، إنما قال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؛ هنا أتى بذكر الاسم للدلالة على مواطأة القلب واللسان، على أن يذكر العبد ربه بلسانه وليس فقط بقلبه فيستحضر عظمة الله وينزه الله، ثم يقول سبحانه: ربي الأعلى.

ثم قال: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾. الآن شرع في بيان من هو الله سبحانه وتعالى، هنا الله سبحانه وتعالى يعرف عباده في مكة من هو الله؛ الله هو الذي خلق سبحانه وتعالى، فالذي خلق المخلوقات كلها هو الله سبحانه وتعالى، والذي سوى هذه المخلوقات وجعلها متساوية الأعضاء، جعل الإنسان معتدل القامة، وسوى هذه السماء وسوى كذلك هذه الأرض، هو الله سبحانه وتعالى الأعلى.

قال: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾. الله سبحانه وتعالى قدر كل شيء ثم هدى هذا المخلوق لما قدره، فلا يمكن للإنسان أن يخرج عن تقدير الله سبحانه وتعالى مهما ظن ومهما حاول؛ لأن التقدير خاضع لعلم الله سبحانه وتعالى. هنا الذي قدر هو العليم الخبير سبحانه وتعالى، الله سبحانه وتعالى قدر وكذلك هدى هذا الإنسان لما قدر له، إذ لماذا نعمل؟ اعملوا، فكل ميسر لما خلق له، الإنسان ما يعرف ما الذي هو مكتوب عليه، ولكن الله سبحانه وتعالى يعلم، لذلك الله سبحانه وتعالى كتب وقدر.

ثم قال: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾. أي الذي أخرج النباتات، فالذي أخرج هذه النبات وكانت هذه الأرض قاحلة صفراء يابسة، صعيدًا جرزًا، صعيدًا زلقًا، ثم أصبحت بعد ذلك مخضرة هو الخالق سبحانه وتعالى، هو الله سبحانه وتعالى. إذاً هنا الله يذكر البشر بهذه الآيات العظيمات الدالة على جميل خلق الله سبحانه وتعالى وصنع الله سبحانه وتعالى. انظر أيها الإنسان إلى حالك، إلى نفسك، إلى قامتك، إلى يديك، إلى شكلك، من الذي خلقك بهذه الصورة وهذه الطريقة؟ الله.

والذي قدر كل شيء ثم هدى الإنسان؛ هذا الإنسان مهدي إلى أمور كثيرة مقدرة له، كيف هذا الإنسان يهدى إلى الزواج من بيت فلان؟ كيف هذا الإنسان يهدى إلى العمل في المكان الفلاني؟ يهدى إلى الرزق الفلاني؟ هذه الهدايات كيف تقع؟ وكيف يكون هذا التقدير؟ هذا كله خاضع لعلم الله سبحانه وتعالى.

ثم قال: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾، هذه النباتات التي تخرج من الأرض، من الذي أخرجها؟ ولو ما أخرج هذه النباتات كيف ستعيش هذه وكيف سيقتات؟ هو الله سبحانه وتعالى. ثم قال: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾. جعل هذا المرعى، هذا الشجر الأخضر، جعله غثاءً أي هشيمًا يابسًا، أحوى أي متغير مسود؛ هذه الأرض يابسة ثم بعد ذلك تنبت هذه الأرض، ثم بعد مدة من الزمان هذا اللون الأخضر يصبح أصفر ثم يتهشم ويتكسر، أحوى أي أسود.

هذا التغير الذي يقع دائمًا في كل سنة، نرى هذه الفصول وهذا التغير، من الذي يغير الأرض بهذه الصورة وهذه الطريقة؟ الله سبحانه وتعالى. إذاً، الذي خلقك وأنت كنت ضعيفًا ثم أصبحت قويًا، بعد ذلك ستصبح أحوى، ستصبح ضعيفًا وترجع إلى الضعف، ولن تستطيع أن تغالب سنة الله سبحانه وتعالى ولا أن تغيرها مهما حاولت أيها الإنسان. نعم، أنت الآن ترى بأنك قوي، لكن بعد مدة من الزمان.

إذًا، من الذي يصنع هذا؟ ومن الذي يغير هذا الخلق؟ ومن الذي يصنع هذه الأمور؟ هو فقط الله سبحانه وتعالى، فقط الله سبحانه وتعالى.

ثم قال: ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾. ثم قال: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى﴾. كان النبي ﷺ إذا قرأ عليه جبريل القرآن الكريم، كان يردد معه ويحرك لسانه حتى لا ينسى. فالله سبحانه وتعالى هنا قال: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى﴾، كما قال له في سورة القيامة.

ستحفظ هذا الكلام بمجرد أن ينتهي جبريل من تلاوته عليك، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾. هنا الله يقول: ﴿فَلَا تَنسَىٰ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾، أي إلا ما شاء الله أن تنساه. والذي سينساه النبي ﷺ هو الآيات المنسوخة؛ فما ننسخ من آية أو ننسها، نأت بخير منها أو مثلها. أو يكون المعنى هنا ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾، أي النسيان الطبيعي الذي يقع أحيانًا.

فقد صلى النبي ﷺ مرة بالناس فارتجت عليه، ثم ركع وأتم صلاته، فلما التفت نظر إلى أبيّ، قال: «ما صليت معنا؟» قال: نعم. قال: «ما منعك؟ لماذا لم تفتح علي؟». هنا قد يقع هذا النسيان العارض، أو يكون هنا في سياق الاستثناء على شيء لم يقع. إذاً هنا ﴿فَلَا تَنسَىٰ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾.

ثم بعد ذلك عاد الخطاب إلى الله سبحانه وتعالى، إنه بيان تمام العلم: ﴿يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾. شوفوا يا شباب، هذه الآية هي التي تكشف الإنسان؛ إنه يعلم الجهر وما يخفى، يعني يعلم الذي تفعله أمام الناس، ويعلم الذي تفعله فيما بينك وبين نفسك، الذي تسره. ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾.

تقول لي: أنا عندي معاصي، عندي ذنوب في الخفاء. أقول لك: هذه الذنوب حاول أن تتقال منها، وزاحمها في طاعة الخفاء. ذنوب الخلوات قاضية ومدمرة، إلا إذا زاحمها الإنسان بطاعة الخلوات. فطاعة الخفاء تقوى على ذنوب الخفاء، بخلاف طاعة العلن، فلا تقوى على ذنوب الخفاء. احفظوا هذا الكلام وافهموا هذه القاعدة: طاعة الخفاء تقوى على ذنوب الخفاء وتستطيع عليها فتغالبها وتزاحمها، ولكن طاعة العلن لا تقوى على ذنوب الخفاء؛ لأن طاعة العلن معها شيء من النفس، لكن طاعة السر ليس معها شيء من النفس.

فهنا الذنب الخفي، الطاعة الخفية تستطيع عليه وتقوى عليه وتدمره وتقضي عليه إذا تكاثرت. ولكن إذا لم يكن الأمر بهذه الصورة والطريقة، هنا قد لا تقوى، لكن من الخطر جدًا أن يكون الشخص دائماً عمله ظاهر ولا يكون عنده أي عمل خفي. وفي الحديث: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه». لماذا؟ لأن هذا الذي يذكر الله خالياً يدل على صدق وعلى محبة عظيمة، وليس حرصًا على ثناء الناس، إنما هو يريد ما عند الله سبحانه وتعالى.

هنا الله يقول: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾، ثم قال: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾، سنسهل لك الطريق الميسر إلى الجنة، فتتيسر لك الأعمال الصالحة التي ستقودك في النهاية إلى دخول الجنة، وكذلك سنشرع لك شريعة سهلة سمحة، يقول النبي ﷺ: «بعثت بالحنيفية السمحة».

ثم قال الله: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾. إذا لم تنفع الذكرى كذلك فذكر، هنا ليس المقصود التذكير بمعنى أن "إن" شرطية، أنه إذا نفعت الذكرى ذكر، وإذا ما نفعت لا تذكر، لا. إنما المقصود ذكر أظهر الأمرين، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ والبرد كذلك. فالقصد هنا الله يقول: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾، سيتذكر من يخشى، الذي سينتفع من الذكرى هو الذي يخشى.

إنما أنت منذر ﴿مَن يَخْشَاهَا﴾، أما الذي لا يخشى فهذا لا ينتفع من الذكرى. نذكره أم لا نذكره؟ حتى لا يأتي يوم القيامة ويقول: لم يبلغني أحد، لم يذكرني أحد، لم تقم علي الحجة. لا بد أن يذكر، ولا بد أن تقيم الحجة، وتبين للناس الحق.

وهذه الآية لعلها هي سر ذكر سورة الأعلى في صلاة الليل في الوتر، وكذلك في صلاة العيد وصلاة الجمعة؛ لأن صلاة الجمعة معها خطبة، وصلاة العيد معها خطبة، وصلاة الليل مسبوقة بآيات من القرآن الكريم في الوتر، وقبل الوتر هناك قراءة هذه الآيات التي سمعتها أو التي قرأتها تنفع الذي يخشى، أما الذي لا يخشى ما تنفع كثيراً.

هذا القرآن له طريقة في تلقيه، ويعمل القرآن بقدر وجود الإيمان في القلب، بقدر وجود الخشية، فتعظيم الإيمان وتعظيم الخشية مع القرآن يثمر. لا يوجد إيمان، لا يوجد تعظيم، لا توجد خشية، فالقرآن ما يثمر؛ شخص يحفظ القرآن كاملاً لكن ما عنده خشية، ما يتأثر، ويكون القرآن حجة عليه. لكن شخص آخر عنده نية صالحة ونية حسنة، القليل من آيات القرآن الكريم تثمر فيه.

القرآن له طريقة في تلقيه، والشيطان دخل في هذا الباب وغير طريقة تلقي القرآن الكريم، فجعل الناس يعتنون بالتجويد، يعتنون بالقراءات، يعتنون بالحفظ، أكثر من عنايتهم بالإيمان وأكثر من عنايتهم بالعيش مع القرآن الكريم، وهذا كله من الشيطان. والعجيب أن هذه النصوص متواترة، أقصد تتابع العلماء في ذكرها من ابن عمر إلى زمننا هذا، والعلماء يذكرون ويقولون إن القرآن له طريقة في التلقي.

حتى يقول الإمام الشعبي: لم يحفظ القرآن من الخلفاء الراشدين الأربعة إلا عثمان بن عفان، يعني أبو بكر وعمر وعلي لم يكونوا يحفظون القرآن، تصوروا! ومع ذلك هم خيار الأمة. ويأتي شخص، وليس معنى هذا أن الحفظ غير مهم أو غير عظيم، هو عظيم لكن لا بد أن يكون معه عمل، معه هداية.

قال: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾، سيتذكر من يخشى، ويتجنبها الأشقى، الذي يصلي النار الكبرى، الذي لن يستجيب ولن ينقاد لما تقوله ولا لما تذكر. قال: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾، هنا وصف النار بأنها كبرى، نار عظيمة أعظم من جميع النيران التي في الدنيا، فضلت نار جهنم على نيران الدنيا بسبعين ضعفاً.

ثم قال: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾. ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾، الذي أفلح هو الذي تزكى، هو الذي تطهر، هو الذي طيب قلبه بالأعمال الصالحة.

بالنوايا الحسنة، والتخلي عن الذنوب والمعاصي؛ هذا الذي تزكى هو الذي سيفلح. هنا قد التحقيقية، يعني أفلح الذي تزكى؛ كما قال الله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾. انتهى الأمر، أفلحوا انتهوا، والفلاح هو نهاية الفوز وأعظم الفوز.

قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ﴾. ذكر اسم ربه فصلى؛ قال الله أكبر ثم صلى. وقيل هنا ذكر اسم ربه أي تكبيرات العيد، فصلى بعد ذلك بعد هذه التكبيرات صلاة العيد. قال: وذكر اسم ربه قال الله أكبر وصلى، دخل في الصلاة.

ثم قال الله: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. المشكلة عند البشر أنهم يعظمون الدنيا، ويقدمون الدنيا، ويجعلون الدنيا هي الأصل بالنسبة لهم. والله دائما يذكر بالدنيا ويصف الدنيا بأنها دنيا، واسم الدنيا معناه دناءتها، وكذلك دنو زوالها، سرعة زوالها. لكن مشكلة البشر أنهم دائما يتعلقون بهذا الظاهر.

قال: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾. خير من الدنيا وأبقى، أدوم، أطول، أعظم. قال: والآخرة خير وأبقى. إن هذا، أي هذه السورة أو هذه الموعظة «قد أفلح من تزكى»، إن هذا، أي هذا التذكير، هذه الموعظة، لفي الصحف الأولى؛ صحف من؟ صحف إبراهيم وموسى.

أي هذه الذكرى موجودة في الكتب المقدمة، المتقدمة، كتب الأنبياء. والله سبحانه وتعالى يبعث أنبياء حتى يذكروا الناس بهذه المعاني الجليلة العظيمة. إذن هذا ما يتعلق بهذه السورة الجليلة، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.