دخولتسجيل الدخول

سورة التين | تأملات في آيات جزء عم

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وآله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد؛ فحياكم الله إخواني، وحياكم الله، وسدد على طريق الخير خطاكم. نكمل التعليق على قصار المفصل، ومعنا اليوم بإذن الله سورة التين.

هذه السورة سورة مكية في قول جماهير أهل العلم، بل نص الإمام ابن عطية على أنه لا خلاف في كونها مكية، وإن كان البعض يرى بأنها من السور التي نزلت في المدينة، ولكن جماهير العلماء هم من يقولون بأنها من السور التي نزلت في مكة. ولما نقول بأنها من السورة التي نزلت في مكة، لابد أن نستحضر معها واقع مكة؛ نستحضر معها واقع مكة وننظر ما أثر هذه السورة على الواقع الذي كان يعيشه النبي ﷺ وصحابته الأجلاء رضي الله عنهم وأرضاهم في مكة.

هنا الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العظيم: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: 1-3]. يقسم الله سبحانه وتعالى بالتين والزيتون وبطور سيناء وبهذا البلد الأمين؛ والله سبحانه وتعالى لا يقسم إلا بعظيم أو بمبارك، ولا يحق للبشر أن يقسموا إلا بالله سبحانه وتعالى. يقول النبي ﷺ: «من كان حالفًا فليحلف بالله، ومن حالف بغير الله فقد أشرك». فلا يجوز للإنسان أن يحلف بغير الله سبحانه وتعالى لما يتضمن الحلف من التعظيم، أما الله سبحانه وتعالى فيقسم بما شاء من خلقه، والله سبحانه وتعالى لا يقسم إلا بعظيم أو بمبارك؛ فهذا التين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين.

التين؛ قال جماعة من العلماء هو نفس الفاكهة المعروفة فاكهة التين، وكذلك الزيتون، وقيل بأن المراد منابت التين والزيتون، ثم اختلف العلماء كثيرًا في تحديد هذه المنابت مع الاتفاق أنهما موطنان في الشام، أي في دمشق وفي بيت المقدس، وفي هذا إشارة إلى مولد عيسى عليه السلام ومسكن عيسى عليه السلام. وطور سنين؛ الطور هو الجبل الذي حوله نبات وشجر، وسينين أي طور سيناء، وهذا الجبل الذي كلم الله سبحانه وتعالى موسى بن عمران عليه السلام عنده. ثم قال الله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾، أي البلد الآمن أهله، الآمن الداخل فيه في الجاهلية والإسلام، والمراد به بيت الله المعظم في مكة المكرمة.

فهنا الله سبحانه وتعالى يقسم في هذه المواطن الثلاث: التين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين؛ هذه الأماكن الثلاث هي التي أخرجت للناس الأديان الثلاثة، وهدى الله سبحانه وتعالى بها من يشاء من عباده. فأنزل الله سبحانه وتعالى التوراة على موسى عليه السلام، واستمر بنو إسرائيل على هدي موسى عليه السلام ما بين إقبال وإدبار، قرب وبعد، حتى بعث بعد ذلك الله سبحانه وتعالى عيسى عليه السلام، وهدى الله سبحانه وتعالى به الناس من الضلالة إلى الهدى، وأنار لهم الطريق وبين لهم دين الله سبحانه وتعالى. ثم بعد ذلك، بعد ما تنكر الناس وابتعد الناس عن الحق، بعث الله سبحانه وتعالى خاتم الأنبياء والمرسلين، واختار هذا النبي الكريم من أن يكون من خير بلاد الله سبحانه وتعالى إطلاقا وهي مكة المكرمة.

فهذا القسم في هذه الآيات الثلاث متعلق بنفس المواطن، والمقصود بها أماكن النبوة؛ أماكن النبوة، أماكن الخير التي أثمرت النور والهدى للناس بعدما غشيتهم الضلالة وعم الفساد. فهنا الله سبحانه وتعالى يذكر النبي ﷺ ويذكر الصحابة الأجلاء، ويذكر كذلك الكفار، بأن هذا النبي الكريم ليس هو بدعة من الرسل، إنما سبق برسل؛ سبق بعيسى عليه السلام وأنتم تعلمون هذا الدين، وسبق كذلك بموسى عليه السلام. فالله سبحانه وتعالى يقسم هذه الأقسام المعظمة ليدل على عظمة النبوة، وعلى عظمة التوحيد، وعلى خيرية هؤلاء الثلاثة الذين انبثق عنهم كل خير وكل هدى وكل صلاح.

وقسم الله سبحانه وتعالى هنا بالنبي محمد ﷺ ليدل بأنه هو خاتم الأنبياء خاتم المرسلين، وهو الذي ورث دعوة موسى عليه السلام وكذلك دعوة عيسى عليه السلام. والملفت للنظر هنا أن القسم بالتين والزيتون بنفس الفاكهة؛ لما في هذه الفاكهة من خير، لما في هذه الفاكهة من منافع، لما في هذه الفاكهة من أسرار سيكتشفها الناس على مر التاريخ وعلى مر العصر، ولم يزل الناس والعلماء يكتشفون الفوائد الكبيرة في التين وكذلك في الزيتون. فهذا القسم تضمن نفس الفاكهة والبلد المباركة التي تنبت فيها هذه الفاكهة.

فالقصد أن الله هنا أقسم بمولد عيسى عليه السلام أو مسكن عيسى عليه السلام، وكذلك بالموطن الذي تكلم الله سبحانه وتعالى به مع موسى عليه السلام، وكذلك في البلد الذي نزل بها جبريل على محمد ﷺ. لم يقسم الله سبحانه وتعالى بمولد موسى عليه السلام لأن موسى تنقل، فأقسم الله سبحانه وتعالى عند هذا الطور المبارك، عند هذا الوادي المبارك؛ فهذا الطور في هذا الوادي المبارك، وعمت بركة هذا الطور حتى شملت الوادي. فهنا الله سبحانه وتعالى يذكر الناس بهذه الأمور، بهذه الدلائل بنبوة هؤلاء الأنبياء العظماء. ولو لم يبعث الله سبحانه وتعالى الأنبياء، كيف سيكون حال الناس من غير مبعث الأنبياء؟ كيف سيعيشون؟ كيف سيعرفون الخير من الشر والصواب من الخطأ على وجه التفصيل؟

ثم بعد ذلك ذكر الله سبحانه وتعالى المقسم عليه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4]. خلق الله سبحانه وتعالى هذا الإنسان خلقًا مختلفًا عن بقية المخلوقات، يقول هنا الله سبحانه وتعالى: في أحسن تقويم؛ في صورته الباطنة والظاهرة. أما الظاهرة فهو متناسب الأعضاء متناسق الجسم، وأما في الباطنة فالله سبحانه وتعالى فطر هذا الإنسان على الفطرة المستقيمة، على الدين، على الإسلام، على الهدى. يقول النبي ﷺ: «ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». فالإنسان يولد على الفطرة، وهذه الفطرة متفقة ومطابقة تمام المطابقة للدين. وكذلك الله كرم هذا الإنسان بالعقل، ومنّ عليه سبحانه وتعالى بهذا العقل الذي يستطيع أن يميز الصواب من الخطأ، والخير من الشر على وجه الإجمال؛ فالله سبحانه وتعالى يستدل على هذا الإنسان ويذكر هذا الإنسان بخلقه سبحانه وتعالى له.

ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: 5]. ثم رددنا هذا الإنسان أسفل سافلين؛ اختلف العلماء هنا على قولين اثنين مشهورين: قيل بأن أسفل سافلين هو أرض العمر، وقيل بأن أسفل سافلين مراد بها النار. فهنا على القول بأن رددنا الإنسان في أسفل سافلين، أي أن الله سبحانه وتعالى يذكر هذا الإنسان بمراحله المختلفة؛ كيف الإنسان يكون نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم ينفخ فيه الروح، ثم يولد طفلًا ضعيفًا، ثم بعد ذلك يقوى.

ويقوى، ثم بعد ذلك يصل إلى سن الاستواء، ثم بعد ذلك يبدأ ينكس في الخلق، ﴿وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ ۖ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾. حتى يصل إلى «أسفل سافلين»، أي إلى أرذل العمر، ﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾.

﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. يكون هنا الاستثناء المراد به أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يردون إلى أرذل العمر، أو يكون استثناء المراد به أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستمر لهم الأجر. يقول النبي ﷺ كما جاء في الصحيح: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا». فالإنسان لما يكبر ولا يقوى على الصيام ولا يقوى على الصلاة كما كان يقوى عليها في شبابه، يكتب له هذا الأجر ولا ينقطع عنه، وهذا على القول الأول.

أما على قول ثانٍ، فالمراد هنا بـ«أسفل سافلين» النار، وهذا قول رجحه ابن القيم وقبل به شيخ الإسلام، واستدل له ابن القيم بعشرة أدلة، ورد على القول الأول وزيفه، وقال بأن هذه الآية مثل قول الله تعالى في سورة الانشقاق: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾. هنا الله سبحانه وتعالى يقول ثم رددناه أسفل سافلين، أي إلى نار جهنم والعياذ بالله، فهذا إنسان يرد إلى النار بعد ما يموت، يرجع إلى جهنم؛ لأنه كفر وكذب بالله.

ومصطلح الإنسان في القرآن الكريم لا يطلق إلا في سياق الضعف، إما الضعف الخلقي المتعلق بأنه مخلوق من نطفة، من ماء مهين، أو الضعف الديني، ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. فكذلك هنا يقول الله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾.

أهل الإيمان لهم أجر عند الله سبحانه وتعالى غير ممنون، أي غير مقطوع. هؤلاء يعملون في الدنيا مدة زمنية معينة، هؤلاء هم أتباع الأنبياء، أتباع الصالحين، أتباع الرسل؛ يؤمنون بهم، ثم بعد ذلك يثمر هذا الإيمان عمل الصالحات، ولا إيمان من غير عمل صالح. هؤلاء فلهم أجر غير ممنون، لهم أجر عند الله سبحانه وتعالى غير مقطوع، جزاء هذا الإيمان، جزاء هذا التسليم، جزاء هذا التصديق الجازم لهؤلاء الرسل، وكذلك جريان هذا التصديق وسريانه إلى الجوارح؛ فتنطلق جوارح هؤلاء بالعمل الصالح. قال الله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، يستمر هذا الأجر، يستمر هذا الجزاء إلى متى؟ إلى أبد الآباد، غير ممنون أي غير مقطوع.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾. فما الذي يكذبك أيها الإنسان بعد هذه الآيات وهذه الدلائل العظيمة؟ انظر إلى هذه الفاكهة، فاكهة التين والزيتون، وانظر كذلك إلى بلاد الشام، وكيف الله سبحانه وتعالى أخرج هذا النبي الكريم عيسى عليه السلام من غير أب، كيف الله سبحانه وتعالى قضى وقدر بأن تظهر قدرته في عيسى عليه السلام بأن يولد من غير أب، وانظر إلى شريعة عيسى عليه السلام والهدى الذي كان عليه عيسى عليه السلام.

ثم بعد ذلك انظر إلى نبوة موسى عليه السلام والخير الذي بعث الله سبحانه وتعالى وهدى به الناس على يد هذا الرسول الكريم موسى عليه السلام. ثم بعد ذلك انظر إلى هذا البلد الأمين، كيف الناس يتخطفون من حولكم يا أهل مكة وأنتم آمنون مطمئنون؟ كيف الله حماكم من أبرهة لما أراد أن يغزوكم وأن يهدم بيتكم المعظم؟ ثم انظروا إلى هذا النبي الكريم الذي بُعث بين أيديكم، ولا يدعوكم هذا النبي إلا إلى الخير والصلاح، الموافق لفطرته السليمة، وأنتم تعرفون بأنه هو الصادق الأمين ﷺ.

ثم بعد ذلك انظر أيها الإنسان في خلقك، كيف الله خلقك؟ كيف كنت نطفة ثم مضغة ثم علقة ثم مضغة، ثم بعد ذلك أصبحت هكذا تتشكل في بطن أمك حتى ولدت ضعيفًا مسكينًا لا تملك لأمرك شيئًا، تتعلم النطق من أبيك ومن أمك ومن مجتمعك ولا تحسن أي شيء، ثم تكبر فتكبر. هذه التنقلات التي تقع معك ما تكشف لك بأن هناك خالقًا لهذا الإنسان، بأن هناك مصرفًا لهذه الأمور، بأن هناك مسيرًا لهذه الخليقة، لهذه البشرية.

بعد هذا، كل الذي خلقك من عدم، أنت لا شيء من نطفة من ماء مهين، فما الذي يحملك على أن تكذب بالدين؟ ما الذي يحملك على أن تكذب بيوم القيامة؟ ما الذي يحملك على أن تستبعد وتستنكر يوم القيامة؟ ألم يخلق الله سبحانه وتعالى الإنسان ومعه عقل يستطيع أن يميز فيه الأمور الظاهرة والباطنة، الأمور الصحيحة والخاطئة على وجه الإجمال؟

ما هو الذي يدعوك إلى استنكار نبوة الأنبياء وبعث الأنبياء؟ ما الذي يدعوك إلى أن تنكر يوم القيامة؟ والذي خلقك من عدم، هو من باب أولى قادر على أن يعيدك بعد ما خلقك، وهذا أيسر عليه وهو أهون عليه. ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾، آيات عظيمات يقيم الله سبحانه وتعالى بها الحجة على الكفار، ويثبت الله سبحانه وتعالى بها المؤمنين.

فهنا لما ننظر في آيات مكة، كيف أن الآيات كانت تتكرر كثيرًا في إثبات نبوة الأنبياء، وكذلك التوحيد، وكذلك المعاد؛ هذا يدل على عظمة هذه الأمور وهذه الأصول. وإذا لم تستقر هذه الأصول، فمن الصعب جدًا أن ينطلق الإنسان وأن تنطلق جوارحه في نصر الدين. وكذلك الله يثبت أولياءه؛ لأن الشبهات التي يطلقها الكفار، وإن كانت ضعيفة وهزيلة، ولكنها تؤثر في الإنسان لما تكثر وتتتابع.

فيكون رد القرآن الكريم هنا بهذا الوضوح، وهذا البيان، وهذا الجلاء. ولما نعيش هكذا الحال في مكة، كم سورة نزلت في مكة؟ قريب من سبع وثمانين سورة على اختلاف العلماء رحمه الله تعالى في عدة السور التي نزلت في مكة. ننظر بأن السور كانت تنزل تباعًا، كل مدة، كل كم يوم، كل كم أسبوع تنزل سورة من سور القرآن الكريم. هذه السور لما تنزل تباعًا يثبت الله سبحانه وتعالى بها الذين آمنوا، ويثبت الله سبحانه وتعالى بها قبل ذلك النبي ﷺ، ويقيم الله سبحانه وتعالى بها الحجة على الكفار، حتى لما أقيمت الحجة عليهم ولم يدع الله سبحانه وتعالى لهم مجالًا للاعتراض والاستبعاد والاستنكار، هنا الله نقل النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، وشرع الله سبحانه وتعالى بعد ذلك الجهاد؛ لأن هؤلاء القوم لم يؤمنوا، والله سبحانه وتعالى يحب أن يعذر خلقه. لذلك الله سبحانه وتعالى يبعث الأنبياء ويكرر هذه الآيات حتى تقام الحجة بعد الحجة، والمرة بعد المرة، حتى لا يبقى.

الإنسان حجة، بعد ذلك لذلك الله يقول، لذلك يقول النبي ﷺ: «أعذر الله إلى امرئ آخر أجله حتى بلغ ستين سنة». بلغ ستين سنة، وإلى الآن هو ينظر تقلب الأمور وتصرف الأشياء، ومع ذلك لم يؤمن، ويرى العالم كيف يتقلب، وكيف لا يبقى في هذا العالم إلا ملكه سبحانه وتعالى، إلا سلطانه، ومع ذلك ما زلت إلى الآن مصرًا على عدم الانقياد للدين والاستسلام لملك الملوك سبحانه وتعالى وتعبد الله سبحانه وتعالى.

طبعًا هنا أعذر الله، أي بلغت الحجة والعذر إلى غايته، والإنسان تقابلت عليه الحجة بمجرد أن يبلغ وأن يكون عنده عقل يستطيع أن يميز. فإذا بلغ سن البلوغ، هنا الإنسان بعدما تطرق الحجة تكون قد أقيمت عليه. القصد من ذلك أن الله هنا يقول: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ أَيُّهَا الْإِنسَانُ﴾ بعد بالدين؟ ما الذي يحملك أيها الإنسان بعد هذه الآيات العظيمات، بعد هذه الدلائل العظيمة الدالة على قدرة القادر سبحانه وتعالى، على أن تكذب بهذا الدين؟ على أن تكذب بيوم القيامة؟ هنا الدين يحتمل أن يكون مراد به نفس الدين، الشريعة التي نزلت على محمد ﷺ، أو يكون المراد هنا الجزاء والحساب.

ما الذي يحملك على التكذيب ويدعوك إلى عدم القبول؟ أمر عجيب من هذا الإنسان كيف أنه ينفي يوم القيامة مع إقراره بوجود هذا الإنسان، مع إقراره بخلق الله هذا الإنسان من عدم: ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: 1-2]. كل ما في كون الله وفي الوجود يدعو إلى تعظيم الله سبحانه وتعالى ويدعو إلى إجلال الله سبحانه وتعالى، ولكن الإنسان مشكلته أنه ينسى بأنه إنسان، ولا يحب أن يُذكر بمثل هذه المعاني. لكن لما يتأمل بها يعرف بأنه إنسان مخلوق من ضعف، وأنه إنسان مخلوق من عدم. ومن الذي أوجدك من العدم؟ هذا كله يعيد التفكير إلى نصابه، ويبعد النفس، وهو الشيطان، وهو النفس.

تسلط الشيطان مع الإنسان، والشيطان حريص أن لا يذكر الإنسان بمثل هذه الحقائق فينسيه، وأجعله يعيش هكذا فقط في يومه في ساعته، أما أن يفكر ويتأمل في الكون وينظر إلى دلالات القدرة والإعجاز ويتفكر في حاله: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. الشيطان حريص على أن يمنع الإنسان، لذلك جاء عن السدي أنه قال: إن الشياطين تحوم حول السماوات تمنع بني آدم من التفكر في ملكوت الله. فالتفكر في السماوات وفي الأرض وفي الإنسان، هذا كله يدعو إلى تعظيم الله سبحانه وتعالى.

ثم قال الله بعد ذلك: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾. سبحانه وتعالى الذي بعث هؤلاء الرسل، وأنزل الكتب على هؤلاء الرسل، وخلق الإنسان، وتنقلت أحوال هذا الإنسان من طبق إلى طبق؛ هل يترك الله سبحانه وتعالى سدًا؟ هل الإنسان الذي يخلقه الله يخلق هكذا من غير أن يؤمر، من غير أن ينهى، من غير أن يوجه؟

ثم بعد ذلك، هل تظنون بأن لما يتسلط القوي على الضعيف في هذه الحياة الدنيا، ما يكون جزاؤه يوم القيامة؟ ما يكون له حساب؟ ما ينتصر الله سبحانه وتعالى للمظلوم من الظالم؟ إذا كانت الشاة التي لا تملك قرونًا ستقتص يوم القيامة من الشاة القرناء، فتطعنها كما طعنتها في الدنيا، وتنطحها كما نطحتها في الدنيا، فكيف بالإنسان الذي يعطاه الله سبحانه وتعالى العقل؟ هل يترك الله سبحانه وتعالى كذا سدًا، لا يؤمر ولا ينهى ولا يحاسب يوم القيامة، ولا يجازيه على ما كان يقوم به في هذه الحياة؟ هذا بعيد، هذا بعيد عن الحكمة، والله سبحانه وتعالى هو أحكم الحاكمين.

جاء في الحديث بأن النبي ﷺ بعد قراءته لهذه السورة وختمه بهذه الآية يقول: «بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين». وجاء كذلك في الصحيح أن النبي ﷺ كان إذا سافر يقرأ في صلاته العشاء بإحدى الركعتين: «بالتين والزيتون». إذاً هذا بعد ما يتعلق بهذه السورة الجليلة العظيمة. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وبارك الله فيكم.