دخولتسجيل الدخول

سورة العلق | تأملات في آيات جزء عم

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فحيّاكم الله إخواني جميعًا وويّاكم، وسدّد الله على طريق الخير طرائقنا جميعًا. نكمل التعليق على سور هذا الجزء، واليوم بإذن الله معنا سورة العلق، يقول الله سبحانه وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5].

هذه الآيات الخمس هي أول ما نزل من القرآن على النبي ﷺ. تقول أمي عائشة رضي الله عنها وأرضاها: «أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزل إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق» -وفي رواية: حتى فجأه الحق- وهو في غار حراء.

فجاءه الملك فقال: «اقرأ»، فقال: «ما أنا بقارئ»، قال: «فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني»، فقال: «اقرأ»، قلت: «ما أنا بقارئ»، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: «اقرأ»، فقلت: «ما أنا بقارئ»، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.

فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، وفي رواية: بوادره، فدخل على خديجة فقال: «زملوني، زملوني»، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة: «ما لي؟» وأخبرها الخبر، وقال: «والله لقد خشيت على نفسي»، فقالت: «كلا، وأبشر، والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق»، وفي رواية: «وتصدق الحديث».

فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وكان ابن عم خديجة، وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية، ويكتب الكتاب العبراني، وفي رواية: بالعربية ما شاء الله أن يكتب، فقالت: «يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك». فقال: «يا ابن أخي، ماذا ترى؟»، فأخبره رسول الله ﷺ ما رأى، فقال ورقة: «هذا الناموس، أي: صاحب السر، الذي نزل على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، إذ يخرجك قومك»، فقال عليه الصلاة والسلام: «أو مخرجيَّ هم؟»، قال: «لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي»، وفي رواية: «أوذي»، «وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا». ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي.

فكان أول ما نزل على النبي ﷺ هذه الآيات الخمس، ونبئ النبي ﷺ بـ: ﴿اقْرَأْ﴾، وأرسل بالمدثر: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: 1-7]. إذاً هنا أنبئ النبي ﷺ، ونزل عليه جبريل بالنبوة.

ولا شك بأن هذه السورة من السور التي لا بد أن يكون وقوف الشخص عندها طويلاً؛ لأن هذه السورة هي أول ما نزل، وأول نور نزل، افتتح الله سبحانه وتعالى هذا الكتاب العظيم أو هذه الرسالة العظيمة بـ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. النبي ﷺ كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب، والله سبحانه وتعالى ما أنزل عليه جبريل إلا ليقول له: «اقرأ»، إذاً ما المراد؟ المراد بيان أهمية القراءة.

إذن العلم مهم، والعلم من أعظم الأدلة الدالة على خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان، لذلك قال الله هنا: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾، وقال: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، يعني العلم يعظم قدر الله سبحانه وتعالى في قلب الإنسان. ولكن أي علم؟ هل كل علم ممدوح بالشريعة؟ أم العلم الممدوح في الشريعة هو علم معين محدد؟ العلم الممدوح في الشريعة هو العلم الذي يثمر تعظيم الله سبحانه وتعالى، هو العلم الذي تحته عمل.

لذلك افتتح هذه السورة بـ «اقرأ» واختتمها بـ «واسجد واقترب»؛ فإذا لم يكن هذا العلم يثمر العبادة ويعين الشخص على أن يحقق العبادة لله سبحانه وتعالى كما يريد الله سبحانه وتعالى، فهذا العلم ليس من العلم النافع. لذلك جاء في الحديث: «وأعوذ بك من علم لا ينفع». إذاً العلم منه ما ينفع ومنه ما لا ينفع، العلم الذي ينفع هو الذي به معرفة لله وللدين، العلم الذي به تعظيم لله سبحانه وتعالى، العلم الذي يحمل على العمل الذي يحبه الله سبحانه وتعالى، وكل ما سوى هذا النوع فليس من العلم النافع.

الله سبحانه وتعالى يبين لنا هنا منهج التفكير وطريقة التعامل مع هذه الحياة؛ هل العلم ممدوح؟ نعم، ولا بد أن نتعلم، لكن أي علم؟ هو العلم الذي يثمر العبادة. في هذه الآيات بيان لأهمية العلم وعظمة العلم وضرورة العلم، لأن الشخص إذا لم يتعلم سيبقى جاهلاً، وإذا بقي جاهلاً سيعبد الله سبحانه وتعالى كما كانت النصارى تعبده.

والعلم لا يكفي لوحده، فالعلم النافع هو الذي يثمر العبادة، لأن العلم من غير عبادة هذه طريقة اليهود، ونحن في سورة الفاتحة نقول: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، والمغضوب عليهم هم اليهود، علموا ولم يعملوا. لذلك قص الله لنا أبشع مثلين في القرآن الكريم في أهل العلم الذين لا يعملون بعلمهم، وكلا المثلين في اليهود: مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارًا، حملوا التوراة ولم يحملوها بالعمل، لم يطبقوا ما فيها، تعلموا التوراة ولكن لم يعملوا.

وكذلك قصة بلعام بن باعوراء المذكورة في سورة الأعراف: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: 175-176]. والقسم المقابل هم النصارى الذين كانوا يعبدون الله سبحانه وتعالى على جهل. أما نحن فلا نختلف عن هؤلاء وأولئك، نحن أمة العلم وأمة العمل الموافق للعلم، فالعلم إذا لم يحمل صاحبه على العمل فهو علم غير مفيد. أن يستكثر شخص من العلم حتى لو كان في علم الشريعة، ولكن لا يحمله على العمل، فهذا خطير.

فلابد أن يجمع بين هذا وهذا؛ فالعلم قد يكون بأصله نافعًا، ولكن ما يزيد التعظيم لله، ولا يحمل الشخص على القيام بما يأمره العلم، هنا خطر كبير، ليس في العلم، ولكن في طريقة التعامل معه، أما العلم بذاته فهو صحيح.

إذا كنا افتتحت هذه السورة بهذا الفتح العجيب، بهذه البداية العظيمة، التي يبين لنا الله سبحانه وتعالى أن الطريق إليه يكون عن طريق العلم. الطريق إليه عن طريق العلم، هذا صراط مستقيم، إن علينا الهدى كما ذكرنا في سورة الليل، فلابد للشخص أن يجمع بين العلم والعمل، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. أما عمل من غير علم، فهذا قد يضل الشخص، قد يبتدع، وقد يعبد الله سبحانه وتعالى على جهل، فيقع في أخطاء.

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. قوله سبحانه وتعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، أُوتي باسم الرب سبحانه وتعالى هنا للدلالة على العناية، دلالة على الاهتمام، دلالة على التأييد والاحتواء والتربية. ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، والخلق يرجع إلى اسم الله الرب سبحانه وتعالى، إلى توحيد الربوبية. ﴿خَلَقَ مَن يَا رَبِّي؟﴾ خلق الإنسان. ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾، وهنا لم يقل من نطفة، ولم يقل من مضغة، إنما قال: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾؛ لأنها بداية التغير.

خلق الإنسان، أي ذرية آدم، أبناء آدم كلهم خلقوا من نطفة، ثم هذه النطفة تصبح علقة بعد أربعين يومًا، ثم تصبح مضغة، ثم بعد ذلك تنفخ فيها الروح وتتشكل وتتصور، هنا بداية الانتقال. بداية الانتقال: نطفة، ثم تصبح علقة، ثم بعد ذلك مضغة، ثم هكذا يتشكل الإنسان ويتصور، وتنفخ فيه الروح. قال: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾.

﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾. أي صاحب الخير الكثير، والأكرم على وزن الأفعال، والله سبحانه وتعالى هو الكريم، والكرم كثرة الخير، والخير كله من الله سبحانه وتعالى وإلى الله سبحانه وتعالى. قال: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾، جمع بين هذين الاسمين: الرب، وكذلك اسم الله سبحانه وتعالى الأكرم. ومن كرم الله سبحانه وتعالى على نبيه الكريم أن بعثه بهذه النبوة، واختاره الله سبحانه وتعالى من بين عموم خلقه. كم شخصًا كان يعيش على الأرض في ذلك الزمان؟ ولماذا بالذات اختير هذا الرجل في هذا الغار؟ في هذا الجبل؟ في هذه البلدة؟ هذا كله يرجع إلى كرم الكريم سبحانه وتعالى.

﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾. هنا الله سبحانه وتعالى استدل على نفسه بالقلم، بالتعليم بالقلم. كيف تعليم القلم؟ شخص يكتب، هذه الكتابة، هل تفكرنا فيها يومًا كيف أنها عبارة عن حروف تجتمع تشكل كلمات ثم جمل، ثم تحدث هذه الكتابة ما تحدثه من تغيير للناس؟ بها يتقاتل الناس، وبها ينكح الناس، وبها تستحل الدماء، وبها يبيع الناس، وبها تذهب الأموال وتأتي الأموال، كلها بالكتابة.

هل تفكرنا هذه الكتابة بميزة الإنسان بالكتابة؟ هل الحيوانات تكتب؟ لا تكتب. لماذا بالذات الإنسان؟ والكتابة هذه هل ممكن تكون من غير وجود عقل؟ إذاً هنا الذي علم بالقلم قبل الكتابة هناك عقل؛ هذا العقل هو الذي يرتب. هذا العقل الذي كان من علق وعقل وكتابة وقلم، كيف يكون؟ وكيف انتقل الإنسان من طور إلى طور حتى تعرف كيف يكتب؟ ثم كيف هذه الكتابة تحدث هذه التغيرات الكبيرة في حياة الإنسان؟ تثمر عندها المعرفة والتعلم والتعليم إلى آخره، والبيع والشراء إلى آخره، ما تثمر هذه الكتابة إلا هذا التعليم بذاته، وهذا خاص بالإنسان، غير موجود عند الحيوانات وبقية الكائنات.

إذاً هنا الله سبحانه وتعالى يعرف خلقه بأنه منّ عليهم وعلمهم الكتابة، وقبل الكتابة يستلزم تعريف شخص الكتابة أن يكون عنده عقل، وكذلك النطق. كيف يكون النطق؟ كما ذكرنا في سورة البلد، هذه أمور يراها الإنسان ويعيشها لكن للأسف ما يتفكر فيها.

قال: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. هذا الإنسان يولد ما عنده شيء، ولا يعرف شيئًا، ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾؛ أعطاك الأدوات التي من خلالها تحصل على العلم. هو ينشأ ما يعرف شيئًا، ثم يبدأ يتعلم كيف يتكلم، ويأخذ النطق بالأصل من والديه ومن المجتمع، ثم بعد ذلك يرتقي إلى أن يموت، هو يتعلم ما لا يعلم.

هل تفكرت في يوم كيف أن أصبحت خبرة الحياة عندك أكبر؟ وتعرضك على الإنسان أكثر؟ وكذلك تعمقك في هذا العلم؟ ومن الذي علمك هذا الشيء؟ وكيف الناس هكذا يبدأون يكتشفون ما في هذا الكون من أسرار مع مرور الأيام والليالي والسنوات والتعلم والتعليم والكتابة، من خلالها يرتقون في المعارف إلى آخره؟ هذا كيف يكون؟ هذا كله الله سبحانه وتعالى يعلم الإنسان بأنه هو الذي منّ عليه بهذا الشيء.

كيف الآن نحن في الأجواء هذه التي نعيشها الآن، أجواء الحرب؟ كيف أن هذه القنابل الآن تؤثر في الناس هذا التأثير الفظيع؟ وكيف من خلال مكونات موجودة في الأرض يصنعون مثل هذه المتفجرات التي تؤثر في الناس والطائرات والسيارات؟ هذه كلها تدخل في قول الله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. فالتعلم هنا يشمل تعليم الإنسان الخاص، أنه هو يبدأ في رحلة الحياة يبدأ يتعلم، فالإنسان هو الذي لا يعرف شيئًا ثم يرتقي ويرتقي، وكلما تقدم في السن والعلم يقول: لو فعلت كذا قبل ذلك.

قال: ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. هذه الآيات الخمس هي التي بُعث فيها النبي عليه الصلاة والسلام وبُدئ بها، وهذه الآيات بها أسرار كثيرة، ولكن الوقت عندنا ما يسع، حتى تكلم من العلماء أكثر وأطنبوا في الحديث حول هذه الآيات الخمس. ما السر في هذه الآيات الخمس التي جعلت الناس يسلمون؟ أو أقام الله سبحانه وتعالى الحجة بها على الناس؟ قبل أن نتكلم عن الإعجاز الغيبي ونتكلم عن الإعجاز العلمي إلى آخره من أنواع الإعجاز الكثيرة، هذه الآيات الخمس هي التي أثرت في النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.

هذا ليس كلام البشر. فالنبي عليه الصلاة والسلام لما أتاه هذا الكلام واستمع له وحفظ هذا الكلام، وانطلق إلى ورقة بن نوفل وقص عليه ما جرى وذكر له هذه الآيات، مباشرة ورقة عرف بأن هذا جبريل، وأنك أنت النبي المقصود في آخر الزمان، وأن هذا الكلام ليس كلام البشر.

ثم قال الله سبحانه وتعالى بعد هذا المطلع العظيم في هذه الآيات الخمس: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6-7]. "كلا" هنا بمعنى حقًا، إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى. هذه الآية نزلت في أبي جهل، الذي كان يعادي النبي ﷺ عداوة شديدة، وكان بينه وبين النبي ﷺ بالعمْر سنة.

وكانت بنو مخزوم تنافس بني هاشم في السيادة والريادة، فكان النبي ﷺ بين أبي جهل وبينهم بالعمْر سنة واحدة. وهذا المجرم أبو جهل كان يريد أن يجعل بني مخزوم هم سادة قريش، وشق عليه كثيرًا أن يكون النبي ﷺ ليس من بني مخزوم، إنما يكون من بني هاشم، وهم من المنافسين التقليديين لهم.

هنا الله يقول: كلا حقًا إن هذا الإنسان ليطغى؛ متى يا ربي؟ أن رآه استغنى. في سورة الليل قال: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ﴾ ولم يذكر الرؤيا، أما هنا ذكر أن رآه استغنى. الإنسان لا يستطيع أن يستغني عن الله سبحانه وتعالى، لكن في سورة الليل استغنى، أي هو فعل فعل المستغني، وذكر هناك سبب الهلاك، فسبب الهلاك هو أنه تعامل مع الله سبحانه وتعالى تعامل مستغني عنه. أما هنا في سورة العلق فالله سبحانه وتعالى يبين سبب الطغيان؛ لماذا طغى؟ أن رآه استغنى. هو لا يستغني، ولكنه شعر بأنه استغنى؛ فلما أتاه المال وأصبح غنيًا، له جاه وسلطان وأتباع -أي هذه الفتن من فتن الدنيا كالعلم والمنصب والشهادة- رأى بأنه استغنى، فيرى الناس أنهم لا شيء، وأنه هو الذي يملك كل شيء، وهؤلاء هم الذين يحتاجون إلى العبادة، أما هو فلا، خلاص مستغني بما عنده.

مسكين هذا الإنسان، "كلا حقًا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى". هنا القرآن يكشف لنا طبيعة هذا الإنسان، لذلك لما نأخذ هذه الآيات ونأخذ معها الأحاديث الكثيرة جدًا، بل كذلك الآيات كثيرة جدًا الواردة بالفتن؛ ففي سورة الكهف ذكرت أنواع الفتن: تكلمت عن الفتنة في الدين، وتكلمت عن الفتنة بالمال، وتكلمت عن الفتنة بالعلم في قصة موسى والخضر، وتكلمت عن الفتنة بالملك في قصة القرنين، وذكرت فتنة الأموال وكذلك البنين.

أنواع الفتن هذه تؤثر على الإنسان لما تحضر نفسه، فإذا كانت نفس الإنسان حاضرة هنا تلتصق به الفتنة. "لا يطغى أن رآه استغنى"، هنا طغى لماذا؟ لأنه عنده جاه، إذاً هذه فتنة: الجاه، السلطان، المال. هذه الفتنة مع حضور نفسه، يعني نفسه لم تكن نفسًا مستكينة، ساكنة، طيبة، رحيمة، إنما نفس طاغية، فالتصقت الفتنة بالنفس فازدادت النفس طغيانًا؛ كان الطغيان كامنًا بالنفس.

انظروا الآن لما يكون الشخص إنسانًا عاديًا مثلاً، ثم بعد ذلك يؤتى مال كثير، فيغتر بأقاربه كيف يعلو عليهم؟ ويبدأ لا ينظر إليهم ويتنكر. كيف الإنسان يكون عاديًا، ثم بعد ذلك لما يكون صاحب منصب أو يصبح مشهورًا يتغير تغيرًا كاملًا، تقول هذا ليس هو الأول، هذا إنسان آخر! لماذا؟ لأن الطغيان أو الشح موجود في باطن النفس، وأحضرت الأنفس الشح، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10]. فالنفس إذا لم يزكها صاحبها، لما تأتيها الفتنة -أي نوع من أنواع الفتنة أياً كانت- يطغى الإنسان ولا يرى أحدًا، إلا أن يعينه الله سبحانه وتعالى على هذه النفس.

هذا المجرم أبو جهل طغى لأنه بني مال، لأنه أكثر أهل الوادي كما يزعم هو مجلساً وأتباعًا. هو طغى، فلما دعاه النبي ﷺ ونصح، طغى ورأى بأنه استغنى. والله سبحانه وتعالى هنا يذكر هذا العبد في الآبق، هذا العبد الكافر، هذا المسكين، هذا الضعيف، يقول: ﴿إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ﴾ [العلق: 8]، أنت ترجع إلى الله سبحانه وتعالى وسيحاسبك الله سبحانه وتعالى على ما تقوم به.

ثم اتق الله سبحانه وتعالى للحديث عن القصة التي وقعت بين النبي ﷺ وبين أبي جهل، قال: «أرأيت الذي ينهى عبدًا إذا صلى؟ أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى؟». كان النبي ﷺ يصلي عند البيت ويسجد، والعرب كانت تستعظم هذا الفعل أي السجود، فما كانوا يسجدون، فكان النبي ﷺ يأتي ويسجد عند البيت. فغضب أبو جهل وقال: «هل يعفر محمد وجهه بين ظهوركم؟» فقيل له: نعم. فقال: «واللات والعزى، لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه في التراب».

قال: فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي، وعزم أن يطأ على رقبته، ثم بعد ذلك فاجأهم وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه. فقيل له: ما لك يا أبا الحكم؟ فقال: «إن بيني وبينه لخندقًا من نار، وهولًا، وأجنحة». فقال رسول الله ﷺ: «لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا». فأنزل الله: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ * إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ * أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَىٰ * عَبْدًا إِذَا صَلَّىٰ * أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَىٰ * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَىٰ﴾ [العلق: 6-11].

هنا "أرأيت" استفهام تعجبي، وكرر هذه اللفظة؛ كيف هذا الإنسان ينهى هذا العبد الذي يريد أن يصلي؟ ما الذي فعله؟ "ينهى عبدًا إذا صلى"، هو يريد أن يصلي ويتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، كيف ينهاه؟ "أرأيت إن كان هذا العبد -أي محمد ﷺ- على الهدى أو أمر بالتقوى؟" هذا كان فعله؛ كان يأمر بالتقوى، ويأمر بالإخلاص، ويأمر بالتوحيد والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى وعبادة الله سبحانه وتعالى، وينهى عن المنكرات والفواحش، فما جاء به هو الموافق للفطرة، وهو الموافق كذلك لدين أبيكم إبراهيم. أنتم يا أهل مكة كلكم تزعمون بأنكم أتباع لإبراهيم عليه السلام، نعم أنتم أبناء إبراهيم عليه السلام، أبناء إسماعيل كذلك، ولكن هل أنتم من أتباع إبراهيم حقيقة، أو أنتم من القسم الظالم لنفسه؟

إذاً هنا النبي ﷺ كان يدعو وكان يأمر الناس بالهدى ويدعوهم إلى التقوى، ولكن كان هذا المجرم الخبيث واقفًا أمام النبي ﷺ ومانعًا له، ولكن لم يستطع أن ينال من النبي ﷺ ما كان يريد أن يفعله. قال: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾ [العلق: 13]. الآن الخطاب لأبي جهل: أرأيت يا محمد إن كذب هذا أبو جهل وتولى؟ ألم يعلم هذا المجرم بأن الله يرى وسيحاسب ويعاقب؟ هذا المجرم الذي يمنع عباد الله سبحانه وتعالى من القيام بما يريده الله سبحانه وتعالى منهم، هذه هي لجميع المجرمين والطغاة على مر العصور الذين يعادون أولياء الله سبحانه وتعالى.

﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: 8]. سبحانه وتعالى قال: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾؛ كذب بقلبه وتولى بعمله، ألم يعلم هذا الكافر بأن الله يرى سبحانه وتعالى؟

ثم قال: ﴿كَلَّا ۖ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾. كلا، ليس الأمر كما يفعل، ولا تطعه يا محمد. كلا، لئن لم ينتهِ لنسفعًا بالناصية؛ إذا ما انتهى هذا المجرم عن أذائه لنبيّه وصفيه من خلقه، وكذلك لأصحابه. لنسفعًا بالناصية، أي لنأخذن بناصيته أخذًا شديدًا ثم نقذفه في النار، كما قال الله: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾، فيؤخذ بالنواصي والأقدام.

ثم قال: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾. الناصية هي مقدم الرأس، الشق الأمامي من الرأس، هذه هي الناصية. وهنا التعبير عن الناصية لا شك بأنه مقصود، وإن كان المراد هو نفس الشخص، أي هذا الإنسان هو المقصود، كما قال: تبت يدا أبي لهب وتب؛ ليست فقط اليد، بل هو كذلك.

ولكن التعبير عن الناصية مقصود، وقد أعلمنا النبي عليه الصلاة والسلام إذا تزوج شخص أن يضع يده على ناصية زوجته ويدعو الله سبحانه وتعالى بالدعاء الوارد: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها ومن شر ما جبلتها عليه». القصد أن هذه الناصية بها سر، وقد اكتشف علماء الطب بأن أخلاق الإنسان محلها في الناصية؛ هذه الجمجمة، هذا العقل أو المخ أو الرأس هو المدبر لأعضاء الإنسان، وكل أعضاء الإنسان ترجع إلى الخلايا الموجودة في هذا المكان، لكن مقدم الرأس هو المتعلق بالأخلاق والصفات.

والعجيب أنه يقال بأن شخصًا أصيب بجمجمته بحادث وتم إجراء عملية له وخرج، فلما خرج رجع عقله يعرف إلى آخره، ولكن المشكلة أن أخلاقه تغيرت. ويقال بأن هذا الأمر تكرر، فذكر بعض علماء الطب بأن هذا المكان هو المسؤول عن صفات الإنسان، والله أعلم.

القصد من ذلك أن ذكر الناصية مقصود، والناصية هي التي يُعرف من خلالها كرم الإنسان أو يظهر فيها زهده؛ لذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام لما يلبس العمامة كان يكشف ناصيته، وهذه العمامة ما تكون مغطية لجميع الرأس، إنما مقدم الرأس تكون مبدية، وهذه علامة الزهاد وغير المتكبرين من البشر، فما يكونون هكذا حتى في لباسهم يكون فيها ما يظهر زهدهم وعدم علوهم وعدم تكبرهم. وهذا كان يتنقل أبو جهل بالأموال والمكانة، فلذلك هو طغى بهذه الصورة.

قال: ﴿كَلَّا ۖ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾، هذه الناصية كاذبة خاطئة، أي صاحبها كاذب وكذلك مخطئ فيما يقوم به وما يفعله. ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾؛ لأنه لما نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الصلاة انتهره، فرد عليه أبو جهل وقال: أتنهاني يا محمد؟ لقد علمت ما بها أكثر نادياً مني، أي أكثر أتباعاً، ثم قال: فوالله لأملأن عليك هذا الوادي إن شئت خيلاً جرداً ورجالاً مرداً، يقصد الأتباع كثر من بني مخزوم، ولو شاء لملأ هذا الوادي، وادي مكة، من هؤلاء.

فالقصد هنا الله سبحانه وتعالى يرد عليه ويقول: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾؛ ادع هؤلاء أتباعك وأنصارك وأقاربك، سندعو الزبانية. الزبانية هم ملائكة النار، هم زباني جهنم، سموا بها لأنهم يدفعون أهل النار إليها؛ فالزبن هو الدفع. هم ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم، يدفعون أهل النار في النار. قال: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾؛ سندعو الزبانية، لا ندعو القسم من الملائكة الرحماء، إنما سندعو هذا القسم الغليظ الشديد، أصحاب الغلظة والشدة، وإنما خلقوا من أجل هذا.

ثم قال الله: ﴿كَلَّا﴾؛ أي ليس الأمر على ما عليه أبو جهل، ﴿لَا تُطِعْهُ﴾ دعه عنك وانصرف عنه، ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب﴾؛ اسجد لله صلي لله واقترب من الله سبحانه وتعالى. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد»، فأكثروا الدعاء.

ولما قال النبي عليه الصلاة والسلام لربيعة الأسلمي -وكان يخدم النبي عليه الصلاة والسلام-: «سلني»، فقال ربيعة: يا رسول الله، أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: «أو غير ذلك؟»، قال: هو ذلك، قال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود». والسجود والصلاة في أعظم العبادات العملية على الإطلاق، فأعظم عبادة عملية هي عبادة الصلاة، فالذي يكثر من الصلاة والسجود لله سبحانه وتعالى هذا حري بأن الله سبحانه وتعالى يوصله هذه المرتبة العالية، الفردوس الأعلى.

ولما اختار الله سبحانه وتعالى مريم ابنة عمران واصطفاها على نساء العالمين، بينت لها الملائكة بأن هذه المرتبة تحتاج إلى شكر، والشكر يكون بالركوع والسجود: ﴿ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ * وَاقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾. وكان النبي عليه الصلاة والسلام كثير الصلاة، حتى كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، هو عليه الصلاة والسلام أكثر الناس يغلب ومع ذلك كان يصلي بهذه الطريقة. فالذي يريد المراتب العالية في الجنة لابد أن يطيل القيام والركوع والسجود في هذه الدنيا، ومن أطال القيام في هذه الدنيا خفف الله سبحانه وتعالى عنه طول القيام في ذلك اليوم العظيم.

إذن هذا بعض ما يتعلق بهذه السورة الجليلة، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.