الحمد لله، الصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد، فحيّاكم الله إخواني جميعًا وبياكم، وسدّد على طريق الخير خطانا جميعًا. نكمل مدارسة هذا الجزء، جزء عمّ.
وكنا قد توقفنا عند سورة القدر. يقول الله سبحانه وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: 1-5].
هذه السورة اختلف العلماء في موطن نزولها؛ فقيل في مكة، وقيل في المدينة. وهذه السورة خالصة في الحديث عن الليلة التي نزل بها القرآن الكريم؛ في بيت العزة من السماء، من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا. ثم بعد ذلك نزل على النبي عليه الصلاة والسلام منجمًا، فأول ما نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في هذه الليلة.
في رمضان، يقول الله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، ويقول الله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، ويقول الله هنا: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. فالقرآن نزل من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا كاملًا، ثم بعد ذلك نزل على النبي عليه الصلاة والسلام منجمًا، أي مفرقًا.
هذه الليلة ليلة مباركة، ليلة عظيمة، عظّم الله سبحانه وتعالى من شأن هذه الليلة؛ لأن الله سبحانه وتعالى اختار هذه الليلة حتى ينزل فيها أعظم كتبه، وهو القرآن الكريم. والله يقول: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾، خلق جميع الليالي ولكن اختار منها هذه الليلة الشريفة العظيمة.
هنا الله يقول: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ تفخيمًا وتعظيمًا، والضمير هنا يعود إلى القرآن الكريم في ليلة القدر. سميت هذه الليلة بليلة القدر، والقدر قيل: من التقدير، من الحكم، من الفصل، من القضاء. وقيل: القدر أي ذات المنزلة العالية الرفيعة، الشريفة العظيمة؛ تقول فلان صاحب قدر، أو فلان له قدر، أي له مكانة ومنزلة. وقيل غير ذلك، ولكن أشرف ما قيل هذان القولان: القول الأول هو أنها ليلة الفصل، ليلة الحكم، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العظيم: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، والقول الآخر أنها صاحبة المكان العالية العظيمة؛ فعظم الله سبحانه وتعالى من شأن هذه الليلة وفخم شأنها.
ثم قال الله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. هنا ليلة القدر الاسم الظاهر تكرر ثلاث مرات: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾، ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾، ولم يقل: وما أدراك ما هي، إنما جيء بالاسم الظاهر. هنا الإتيان بهذا الاسم الظاهر ثلاث مرات متتالية، ولم يؤت بالضمير، ليدل على عظمة هذه الليلة، وشأن هذه الليلة كبير عند الله سبحانه وتعالى.
والله سبحانه وتعالى جعل هذه الليلة من قامها إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، أي هذه الليلة تساوي بقية الليالي، وهذه الليلة تساوي شهر رمضان. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، وقال: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، وقال: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». هذه الليلة هي أعظم ليالي العام على الإطلاق وبالاتفاق.
هنا الله يقول تفخيمًا وتعظيمًا لهذه الليلة: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، أي العبادة في ليلة القدر خير من العبادة في ألف شهر. لكن ما المراد بالعبادة هنا؟ هل المراد مطلق العبادة، أو المراد عبادة خاصة معينة محددة؟
من العلماء من يقول بأن المراد مطلق العبادة، أي جميع العبادة، أي نوع من أنواع العبادة؛ أي عبادة يعبد العبد بها ربه سبحانه وتعالى في هذه الليلة خير من العبادة التي يقوم بها الشخص في غير هذه الليلة؛ فأي عمل تقوم به في هذه الليلة من تسبيح، وتكبير، وتهليل، وصدقة، يساوي أو خير من عبادة ألف شهر. هذا القول، والقول الثاني أن التفضيل هنا خاص بالقيام؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «كان النبي ﷺ إذا دخلت العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله». فالمراد هنا عبادة خاصة، نعم بقية العبادات معظمها، ولكن ألف شهر على القول الآخر أنها خاصة بالقيام، أي قيام ليلة القدر، وكذلك لما جاء في الحديث: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، فالحديث خص هذا العمل بالذات، فيكون هنا العموم يخص بالحديث، وأن قيام ليلة القدر أعظم من قيام ألف شهر.
سواء قلنا بأن القول الأول هو الراجح أو القول الثاني، على كلا القولين يتفق العلماء بأن أفضل ما يعمل في ليلة القدر من العبادات هو قيام الليل. يذكرونها في الحديث أن «رباط ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود»، هنا كذلك تم ذكر نفس الليل، فالقصد أن العبادة المعظمة هنا قد تشمل جميع العبادات، ولكن لا شك بأن القيام هو الأفضل على الإطلاق. بل كذلك قراءة القرآن داخل الصلاة أعظم من قراءة القرآن خارج الصلاة، والتسبيح داخل الصلاة أعظم من التسبيح خارج الصلاة، والدعاء داخل الصلاة أعظم من الدعاء خارج الصلاة؛ فإذا كان الإنسان سيدعو ويقرأ القرآن، لماذا لا يكون هذا كله داخل الصلاة؟
فحري بالعاقل أن يجتهد في هذه الليلة بهذه العبادة على وجه الخصوص، فيقوم الليل كله إن استطاع. ولا يستحب قيام الليل كاملاً إلا في العشر الأواخر من رمضان؛ لقول أم عائشة رضي الله عنها وأرضاها: «كان إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله»، ولم يكن النبي عليه الصلاة والسلام ينام إلا بعد الفجر، فكان إذا صلى الفجر دخل معتكفه.
وهذه الليلة الله سبحانه وتعالى أعطانا إياها أمة محمد صلى الله عليه وسلم لقصر أعمار هذه الأمة، وكذلك ميزة لهذه الأمة؛ فهذه الليلة العبادة بها في مثل هذه الصورة أكثر من ألف شهر، أي 83 سنة. فلو قدر بأن شخصًا مثلاً يعيش 50 سنة، كم سنة سيكون قد قامها؟ لو قدر بأن شخصًا سيعيش أكثر من ذلك. فلذلك من فاتته العبادة في هذه الليلة فقد فاته خير كبير لا يمكن أن يعوض.
لا يمكن أن يعوض. إذا كانت التسبيحة في رمضان، كما يقول جماعة من السلف مثل الزهري والنخعي وغيرهم من العلماء، بأنها تعدل ألف تسبيحة أو خيراً من ألف تسبيحة، فكيف في العبادة في هذه الليلة العظيمة؟ فالعاقل لا يفرط في ثواني هذه الليلة، بل يجتهد غاية ما يستطيع بأن يحضر قلبه فيها، وأن يكثر من دعاء الله سبحانه وتعالى في السجود، وكذلك تلاوة القرآن في القيام، ويطيل الركوع في هذه الليلة. فمن استطاع أن يقوم الليل كاملاً، فهذا لا شك بأنه هو الفائز في هذه الليلة.
الليل يبدأ من بعد غروب الشمس، فمن بعد غروب الشمس تبدأ العبادة في هذه الليلة المعظمة. واختلف العلماء في وقت القيام؛ هل يكون من بعد صلاة المغرب أو بعد صلاة العشاء؟ فبعض العلماء من الحنابلة يرونه من بعد المغرب، واستدلوا بما جاء عن أنس رضي الله عنه وأرضاه بأن قيام أصحاب النبي ﷺ كان بين المغرب والعشاء، لكن الوتر بالاتفاق يكون بعد صلاة العشاء، أو يكون القيام بعد صلاة العشاء.
وهناك قول الجمهور عموماً: بعد ما تغرب الشمس، إن استطاع أن يطيل القيام في الساعات كلها يصلي، فليصلِّ عشر ساعات ينصب رجليه لله سبحانه وتعالى، وهذا أمر ليس صعباً على الإنسان لكن يحتاج إلى شيء من المجاهدة. ومع ذلك إذا لم يستطع، فممكن يصلي وهو جالس، ولكن يفوته شيء كبير من الأجر فيأخذ نصف الأجر، ولكن الصلاة وهو جالس أفضل من قراءة القرآن من غير الصلاة؛ يعني لو واحد قرأ القرآن وهو جالس وهو يصلي أعظم من أن يقرأ القرآن في غير الصلاة.
وأعمارنا قصيرة نحن أمة محمد ﷺ، وهذه الليلة مما يتضاعف فيها أو يعظم فيها العمل. فلذلك الشخص يأتي يوم القيامة ممكن يكون عبد الله سبحانه وتعالى في ليلة واحدة، ولكن هي في الميزان 83 سنة أو أكثر من ذلك.
وجاء في السنن أن رجلين قدما من قبيلة بلي، فأضافهما طلحة بن عبيد الله الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه، وكان أحدهما مجتهداً في العبادة ومات شهيداً، وأما الثاني فكان مقتصدًا في العبادة ومات على فراشه، لكن مات بعده بسنة. فنام طلحة بن عبيد الله ورأى في المنام أن القيامة قد قامت وأن الجنة قد أزلفت، فدخل الثاني قبل الأول، وكانت منزلة الثاني الذي مات على فراشه أعظم من منزلة الذي قتل شهيداً.
فتعجب طلحة بن عبيد الله، ولما أصبح ذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «مما تعجبون؟ أليس قد عاش بعده سنة، وأدرك رمضان وصلى كذا وكذا ركعة؟»، لما بينهما أعظم مما بين السماء والأرض، مع أن هذا مات قبله، لكن هذا لأن عمره طال. وفي الحديث: «خير الناس من طال عمره وحسن عمله».
عموماً هذه الليلة الشخص لا يفرط فيها، وإن استطاع أنه لا يحدث أحداً، وإن يعتزل الناس فليفعل. متى موطن هذه الليلة؟ هي في العشر الأواخر من رمضان قطعاً، ولكن ما بعد ذلك فظن وليس يقيناً. هي في الوتر آكد منها من الشفع، وجماهير العلماء يرون بأنها آكد ما تكون في ليلة 27، ولكن ثبت في الصحيح أنها كانت في زمن النبي ﷺ في ليلة 21، وكذلك جاء في السنن عن أُبي بن كعب أنها ليلة 24، فهي متنقلة على الصحيح من أقوال العلماء في العشر الأواخر من رمضان. يقول النبي ﷺ: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان»، وفي رواية: «في الوتر منها».
ولها علامات كثيرة، من أظهر العلامات أن الشمس تخرج في صبيحتها لا شعاع لها، يعني يكون شعاع الشمس أضعف من غيرها. وكذلك من أقوى علامات الرؤيا بأن الناس يرون في المنام ليلة القدر، وهذه تحدث عند كثير من الصالحين، يرون في المنام ما يرشدهم إلى وقت ليلة القدر أو علامة من هذه العلامات، وهذه تكثر.
وكذلك جاءت في زمن النبي ﷺ قال: «أرى رؤياكم قد تواطأت»، فتواطؤ الرؤيا يكشف موطن هذه الليلة. والنبي ﷺ رأى في المنام بأنه يسجد في صبيحتها على طين، فرأى علامة تدل على ليلة القدر. فرأى الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم النبي ﷺ في ليلة 21 ونزل المطر من السماء، وفي صلاة الفجر صلى النبي ﷺ في مسجده ورأوا آثار الطين على جبهته، فعلموا بأنها ليلة 21. القصد من ذلك أنها كذلك ترى في المنام، وهذا من أقوى العلامات التي من خلالها الشخص يميز ليلة القدر.
ولكن لن يفوز بليلة القدر من لم يستعد قبلها، فالشخص إذا لم يستعد لليلة القدر قبل ذلك بالدعاء والاستعانة بالله ورجاء الله سبحانه وتعالى تفوته ليلة القدر أو يفوته كثير من الخير فيها.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: 4]. لم يقل تنزل الملائكة فقط، بل جاءت "تنزل" زيادة في المبنى تفيد زيادة في المعنى، أي إشارة إلى كثرة نزول الملائكة في هذه الليلة العظيمة. قال: والروح فيها، يعني ليست فقط بقية عامة الملائكة تنزل، بل كذلك الملك الخاص الموكل بالرسالات، وهو السفير بين الله سبحانه وتعالى وبين أنبيائه ورسله، هو على وجه الخصوص كذلك ينزل.
قال: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾، أي ينزلون من الله سبحانه وتعالى بإذن ربهم من كل أمر في هذه الليلة، مثل ما ذكرنا يُفرق كل أمر حكيم، أي في هذه الليلة تنزل مقادير العام. والمقادير تقسم على أنواع؛ هناك مقادير كتبت في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الله سبحانه وتعالى السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: بما أكتب؟ قال: اكتب بما هو كائن إلى يوم القيامة. وكذلك هناك مقادير متعلقة بحال الإنسان، مثل لما ينفخ فيه الروح بعد أربعين الثالثة، أي بعد أربعة أشهر يرسل إليه ملك، فيؤمر بكتابة عمره ورزقه وأجله وكذلك شقي...
وكذلك مقادير، هناك مقادير حولية سنوية، هذه المقادير الحولية السنوية تنزل في ليلة القدر، قال تعالى: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ [الدخان: 4]. ثم قال: «سلام»، سلام هي؛ هذه ليلة سلام، ليلة بركة، ليلة أمن، ليلة حفظ.
سلام هي، يسلم الله سبحانه وتعالى على عباده المصطفين، وكذلك الملائكة تسلم على من يصلي في هذه الليلة، وتمر على المساجد وتسلم على أهل المساجد. سلام هي، هذه ليلة تسليم، ليلة بركة، ليلة عطاء، وهنيئًا لمن يأخذ العطاء في هذه الليلة في ثبات على الدين وزيادة في الطاعة، هنيئًا لمن يقسم له هذا القسم من العطايا الإلهية.
من كل أمر سلام هي، السلام ممتد إلى مطلع الفجر، سلام هي حتى مطلع الفجر، أي إذا طلع الفجر ارتفعت الملائكة وصعدت الملائكة. هذه ليلة موفقة، هذه ليلة عظيمة ومباركة، والموفق من يقوم بهذه الليلة ويفتح الله سبحانه وتعالى في الدعاء فيها.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يمن علينا وعليكم بإدراك هذه الليلة وحسن التعبد لله سبحانه وتعالى فيها، هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري