الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا قائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن تبعه، أما بعد: فحياكم الله إخواني وبياكم، وأسأل الله أن يسدد خطانا جميعًا. نكمل هذه المجالس التي بها تأملات في آيات، ومعنا اليوم سورة البينة.
هذه السورة يرى جمهور العلماء بأنها نزلت في المدينة، ويرى بعض العلماء بأنها نزلت في مكة. يقول الله سبحانه وتعالى في هذه السورة: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً﴾ [البينة: 1-2]. هذه الآية من هذه السورة يرى بعض العلماء بأنها أغمض وأعظى آية في كتاب الله سبحانه وتعالى؛ لماذا؟ لأن الله هنا يقول: ﴿مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾، وجاءت البينة والمُراد بها هنا هو رسول الله ﷺ، ومع ذلك لم ينفك هؤلاء عن كفرهم.
واختلف العلماء كثيرًا في تفسير هذه الآية، حتى ذكر الألوسي وكذلك القرطبي بضعة عشر قولًا، وعادها الشيخ طاهر بن عاشور إلى خمسة أقوال، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى تفسير التحرير والتنوير لطاهر بن عاشور. هنا في تفسير هذه الآية: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، هنا من بيانيه من أهل الكتاب أي اليهود والنصارى، ﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾ أي ممن كان يعبد الأوثان في جزيرة العرب خاصة في مكة وما حولها، ﴿مُنفَكِّينَ﴾. الإشكال كله في تأويل كلمة ﴿مُنفَكِّينَ﴾، ما المراد في ﴿مُنفَكِّينَ﴾؟ ابن تيمية بعدما ذكر الخلاف قال: ﴿مُنفَكِّينَ﴾ أي متروكين، أي لا يؤمرون ولا ينهون.
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ﴾ أي متروكين لا يؤمرون ولا ينهون، ﴿حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾. من هي البينة؟ ما المراد بالبينة؟ ﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً﴾ فيها كتب قيمة. هؤلاء الكفار من أهل الكتاب وكذلك من المشركين ممن عبد الأوثان كانوا يعيشون حياة البهائم حتى بعث النبي ﷺ، فلما بعث النبي ﷺ أمرهم ونهّاهم؛ أيحسب الإنسان أن يترك سدى، أي لا يؤمر ولا ينهى؟ فلما بعث النبي ﷺ أمرهم بالحق ونهّاهم عن الباطل، فجاءت البينة التي يعرفها أهل الكتاب.
وكان أهل الكتاب يقولون سيخرج في هذا الزمان رجل نقاتلكم -أو قالوا نقتلكم- به قتل عاد وإرم، فلما بعث النبي ﷺ كفروا به وارتدوا على عقابهم ولم يؤمنوا به بأبي أمهم عليه الصلاة والسلام. هنا الله يبين بأن هذه البينة ﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً﴾ أي القرآن الكريم مطهر من الشك من الباطل من الخطأ من الخلل، لأن هذا الكتاب من الله سبحانه وتعالى، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا، أي ليس اختلافًا قليلًا، بل لابد أن يكون الاختلاف كثيرًا؛ لأن الإنسان كان ضعيفًا لا يستطيع أن يدرك الحقائق ولا يعرفها، فلما يأتي هذا الإنسان أو يريد أن يعرف الإنسان الأمور التي لا يستطيع أن يصل إليها بعقله، هنا لابد أن يقع في كلام اضطراب كثير وكبير وليس قليلًا.
﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ رسول مبعوث من قبل الله سبحانه وتعالى، ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً﴾ فيها، أي في هذه الصحف المطهرة من الشك من الباطل من الخطأ، ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ فيها كتب، أي فيها أحكام، فيها شرائع قيمة أي مستقيمة ليست معوجة. قال ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ والمراد هنا أن ما يؤمر به الرسول هو موافق لفطرة الإنسان وموافق كذلك لعقل الإنسان الفطري، فلماذا هذا الإنسان لا يؤمن بهذا الكلام الموافق لخلق الله سبحانه وتعالى؟ السبب الرئيسي هو النفس، بل السبب الوحيد هو النفس.
﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾، هؤلاء أهل الكتاب لم يتفرقوا عن دينهم إلا من بعد ما جاءتهم البينة، هنا قيل البينة هي الأولى أي الرسول، وقيل البينة هنا أي الآيات كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: 76]. فهنا لما جاءتهم البينات أي الدلائل الواضحة الظاهرة في كتبهم، اختلف أهل الكتاب.
وهنا العلماء منهم من يقول بأن إذا كان أهل الكتاب أو أهل العلم اختلفوا بعد ما جاءتهم البينات والدلائل فأهل الجهل من باب أولى. وقيل هنا بأن العلم إذا لم يكن معه إيمان يبغي الإنسان، كما قال الله ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾، يعني هم عندهم علم لكن مع ذلك اختلفوا إلى سبعين فرقة. كيف اختلفوا سبعين فرقة واليهود وهم عندهم علم؟ البغي هذا هو نفسي، فنفس الإنسان لما تبغي بالعلم لا تستفيد ولا تنتبه، من عنده علم، عنده دلائل، عنده بيانات، عندها آيات، لكن هذه دلائل وبيانات وآيات لا ينتفع منها الإنسان إذا لم يكن صافي الفطرة، إذا لم يكن نقي النفس بمجرد دخول حظ النفس.
هنا لا بد أن تحدث مشكلة في فهم الكلام أو في تطبيقه فيبغي الإنسان البغي. كثير ما يكون عند أهل العلم هو الضلال، ويكون عند أهل الجهل القصد من ذلك هنا، الله يقول: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أي اليهود والنصارى، ﴿إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾، تأتيهم البيانات الظاهرة فيتفرقون. كيف يتفرقون بعد ما تأتيهم الدلائل؟ البغي هذا؛ هذا العالم، هذا الحبر، لا يريد أن يترك مقامه، فحتى لا يترك مقامه يتأول الآيات التي عنده وهي واضحة بينة بأنها ليست له، بأن الحق مع هذا الشيء، لكن هو هنا يختلف ويخالفه ولا يقبل بقوله، لماذا؟ البغي.
ثم قال الله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾، وما أُمروا هنا على لسان رسول الله ﷺ أي ما أمرهم النبي ﷺ بالإخلاص، أو ما أُمروا على لسان أنبيائه أي في كتبهم. ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5]. هنا الله يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أي الله سبحانه وتعالى بعث هذا النبي الكريم أو بعث الرسل الذين قبله حتى يأمرهم بعبادة الله سبحانه وتعالى مخلصين له الدين، لا يتم الإشراك مع الله سبحانه وتعالى غيره أبدًا.
يقول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه عز وجل: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه». أي إنسان يشرك مع الله سبحانه وتعالى بنيته، بقصده، الله سبحانه وتعالى لا يبالي بهذا العمل، الله لا يقبل العمل إلا لما يكون خالصًا لوجهه الكريم وموافقًا لما جاء به النبي ﷺ، أما إذا لم يكن العمل بهذه الطريقة فلا يقبل، وقليل العمل مع الإخلاص أعظم من كثير العمل من غير إخلاص، والله سبحانه وتعالى يقبل من الإنسان الأعمال التي قد يراها هو.
صغيرة ويراها الناس صغيرة لما يكون معه خلاص معه صدق، ولا يقبل منه الأعمال التي يراها كبيرة ويراها الناس كبيرة لما يضعف فيها الإخلاص. يحكى بأن أزبده أنها وصلت مع زمزم إلى المدينة وكذلك إلى العراق، فلما ماتت قالوا بأنها فُرت في المنام، فسألوها فقالت: «غفر لي»، فقيل لها: بماء زبيدة بهذا العمل العظيم الذي قمت به؟ فقالت: لا، ولكن بركعتين كنت أركع في جوف الليل.
وهذا كثير جداً في كتب السير أن شخص يرى في المنام، وطبعاً هنا هذه الرؤى هذه الرؤية يؤخذ ويستأنس بها، لكن انظر مثلاً إلى بلال بن ربح، بلال بن ربح كيف لما سأل النبي ﷺ لما رأى أو سمع خشخشنتنا في الجنة قال: «حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام». المتبادل مباشرة الثبات في مكة، لم يقل هذا العمل، إنما قال: «ما صليت وضوءاً إلا وصليت بعده». ما قدر لي، لماذا بلال اختار هذا العمل وأعد هذا العمل هو أرجى الأعمال ولم يعد ذاك العمل، مع أن في الميزان إثبات على الحق في ظل توحش الباطل وقوته.
نعم، هذا في ميزان الناظرين، لكن في ميزان نفس العابد العمل الخفي؛ لأن هذا العمل شُكر عليه، هذا العمل أُثني فيه عليه كثيراً، فهذا العمل هو يرجو من الله سبحانه وتعالى أن يقبله، لكن هو الذي يعده ليوم القيامة هو العمل الذي ما يعرف أحد، العمل الخفي، العمل السري، هذا هو الذي يكون ثقيلاً عند العباد؛ لأن هذا العمل يكون محاطاً، محمياً من الرياء، من العجب، من هذه الأمراض التي لا يكاد يسلم منها إنسان.
فالقصد من ذلك أن هنا الله سبحانه وتعالى أمر على لسان رسوله بالإخلاص؛ الله سبحانه وتعالى هو الملك، والملك لا يحب أن يشرك عبده معه، الله سبحانه وتعالى هو القوي، الله هو الغني سبحانه وتعالى، والغني ما يحب من الفقير أن يذهب إلى غيره، الله هو العزيز سبحانه وتعالى، فلا يحب العزيز أن يشرك هذا الضعيف معه وغيره. فهنا الله سبحانه وتعالى أمر بالإخلاص: ﴿لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5].
أي مائلين عن الشرك إلى التوحيد، ويقيم الصلاة بعد ما ذكر العبادة والإخلاص، وهذا في القلب، ذكر بعد ذلك أعظم من العبادات العملية: الصلاة والزكاة. ﴿وذلك دين القيمة﴾ أي الدين الملة المستقيمة. ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 6].
إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، كل أهل الكتاب والمشركين يدخلون في الكفار، فهنا من بيانه قال: ﴿في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية﴾، لم يعد لأهل الكتاب مزية على المشركين؛ لأن النبي ﷺ لما بعث، نسخت جميع الأديان، يقول النبي ﷺ: «والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بما أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» كما جاء في صحيح مسلم. فهنا أهل الكتاب مثل المشركين بالضلال والفساد والضياع؛ لأن دين الإسلام نسخ جميع الأديان.
قال: ﴿أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ هؤلاء هم شر الخليقة، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 7] أي هم خير الخليقة. هنا قال: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾، انظروا كيف جمع الآن بين الإيمان وبين العمل الصالحات، وكذلك قبلها قال: ﴿ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة﴾.
الإيمان، الدين، العبادة، هذه الكلمات هي من المصطلحات الكبرى في الدين؛ لماذا لكثرة تكرارها، وهذه المصطلحات لا يمكن أن يفهم شخص تفصيلها إلا من القرآن الكريم. هذه ممكن تأخذها من الكتب، ممكن تأخذ العبادة تقول مثلاً: العبادة معناها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من أقوال وأفعال ظاهرة وباطنة كما يقول الإمام ابن تيمية، والدين كذلك، الإيمان تقول: قول وعمل، لكن العلاقة بين الدين وبين العبادة والإيمان، هل تستطيع أن تفسرها تفصيلاً؟
هنا عند عامة طلاب العلم يكون الأمر منفكاً؛ لماذا لأنهم يأخذون المصطلحات من نفس الكتب، لكن هو ما ينظر إلى استعمال القرآن الكريم من هذه المصطلحات، كيف أن هنا في سياق واحد يذكر العبادة ومع العبادة يذكر الإخلاص ويذكر الصلاة والزكاة ومعها الدين، فما العلاقة بين الدين وبين العبادة؟ ما العلاقة بين مصطلح العبادة ومصطلح الدين؟ وكذلك لما تأتي الآن عند الإيمان: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية﴾، ما العلاقة بين مصطلح الإيمان ومصطلح العبادة؟ هل انحراف في العبادة معناه انحراف بالإيمان؟ نعم. هذه الأمور إذا ما عاش الإنسان مع القرآن الكريم وثور المعاني فيها ربما ما يستوعبها استيعاباً كبيراً، فتقع عند إشكالات في التطبيق الجزئي والتفصيلي.
القصد من الله يقول: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾، الإيمان يدفع الأعمال الصالحة، فإيمان من غير عمل صالح هذا ليس بإيمان في الدين، لابد من وجود أعمال صالحة. قال: ﴿أولئك﴾ أي هؤلاء الذين جمعوا بين الإيمان والأعمال الصالحة ﴿هم خير البرية﴾، خير الخليقة، ﴿جزاؤهم عند ربهم﴾. بدأ هنا بالجزاء عند الله سبحانه وتعالى، كما قالت امرأة فرعون: «ربي ابن لي عندك بيتاً في الجنة أكون قريبة منك».
فهنا الله يقول جزاء هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات عند ربهم: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ ۖ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [البينة: 8]. جنات أي بساتين، عدن أي إقامة، جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبداً. ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، انظروا إخواني إلى هذه الأفضال العظيمة الإلهية لهذا القسم من الناس الذين آمنوا وعملوا الصالحات؛ أول شيء هم خير برية، ثم قال: ﴿جزاؤهم عند ربهم﴾ عند الله سبحانه وتعالى، ﴿جنات عدن﴾ جنات أي بساتين رائعة جميلة، عدن أي إقامة لا يتحولون عنها ولا يتركونها ولا ينتقلون منها إلى غيرها، قال: ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ أنهار من غير أخاديد، كيف هذا؟ الله أعلم.
﴿خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾، هذا أعظم من أعظم النعيم الذي ينال أهل الجنة، «أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً». هنا رضي الله عنهم ورضوا عنه، هذه كيف يأخذها الإنسان؟ كيف يصل الإنسان إلى أن يرضى الله سبحانه وتعالى عنه؟ ما هو الأمر الذي إذا فعله الإنسان رضي الله عنه؟ الإجابة ستكون بالعبادة بالعمل الصالح. طيب أي عبادة؟ أي عبادة تعملها يرضى الله عنك؟ بعض العبادات يقوى فيها الرضا ويعظم فيها، وأقوى عبادة يقوى فيها الرضا ويعظم وهي التوحيد.
كلمة توحيد عظيمة وثقيلة جدا في الميزان. لما طلب موسى عليه السلام من الله سبحانه وتعالى أن يعلمه شيئاً يذكره به، قال: «يا موسى، قل لا إله إلا الله». قال: يا ربي كل عبادك يقولون هذا. قال: «يا موسى، لو أن السماوات السبع وعامرتهن غيري، والأرض السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله».
هذا العمل عظيم جدا؛ كلمة التوحيد هذه ثقيلة جداً، هذه الكلمة التي قد يتساهل الشخص فيها ولا يقولها في اليوم إلا ممّا يمكن مرة أو مرتين أو شيء يسير، هي عند الله سبحانه وتعالى عظيمة. الإكثار من «لا إله إلا الله»؛ اجتمع اثنان من الصالحين فقال أحدهما للآخر: ماذا تفعل إذا غضب عليك ربك؟ قال: أستعتبه يزيل عتبه بـ«لا إله إلا الله».
ويروى أن الملائكة يوم القيامة تقرأ سورة الإخلاص؛ إن الله يغضب كما ذكر القرطبي في التفسير، إن الله يغضب غضباً عظيماً يوم القيامة، فيسكن غضب الرب سبحانه وتعالى بتكرار الملائكة لسورة الإخلاص، لذلك الله أحب هذه السورة وعظم هذه السورة.
فالإنسان الذي يكثر من كلمة التوحيد: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»، يكون هذا الذكر يجري على لسانه، هذا أجر عند الله سبحانه وتعالى عظيم. وكذلك القيام لله سبحانه وتعالى للمقامات التي يحبها الله سبحانه وتعالى، وعدم ترك أي شيء تستطيع أن تقوم به.
جاء عن بعض السلف بأنهم قالوا: إن الله أخفى اثنتين في اثنتين؛ أخفى رضوانه في طاعته، وأولياءه في خلقه. وجاء عن بعضهم أنه قال: أخفى ثلاثاً في ثلاث؛ رضوانه في طاعته، وغضبه في معاصيه، وأولياءه في خلقه. فما تدري ما هي الكلمة التي تقولها يكتب الله سبحانه وتعالى بها رضواناً.
فالإنسان لا يقصر، الإنسان يبذل ويجتهد، يبذر هنا ويبذر هنا، ولا تدري أين يثمر. بعض الناس يضع في نفسه أنه عنده حلقة أو مركز أو دعوة معينة، فهو يريد هذه الدعوة بالذات هي التي تثمر الرضوان، قد لا تثمر؛ ليس معنى هذا التقصير، ولكن معنى هذا أنه لما يفتح عليك باب آخر لا تتوقف. عندما تكون في طريقك إلى دعوتك تستطيع أن تبين وتبلغ، لا تقل: لماذا أقول هنا؟ أنا عندي عمل أعظم. إن هذا النظر ترى من الشيطان؛ أن يعيش الإنسان بأن الأعمال الصالحة التي يقوم بها الآن هي فقط التي ينبغي عليه أن يقوم بها، أما الأعمال الأخرى التي يستطيع أن يقوم بها ولا يقوم بها، فهذا كله من الشيطان. بلغ، ما تدري متى يحضر قلب، ما تدري من سيتأثر ولا كيف سيتأثر.
ذكر عن منصور بن عمار أنه رؤي في المنام، فقيل له: ما صنع الله بك؟ ما صنع بك ربك؟ فقال: غفر لي. قيل: لماذا؟ ما هو السبب؟ قال: كنت في مجلس فذكرت الناس، فبكى أحدهم من خشيتي، لم يبكِ من خشيتي قط. هذا الإنسان بكى وتأثر.
طبعاً هذا ما يستأنس به، لكن المقصود من ذلك أن الإنسان كما جاء في صحيح الإمام البخاري: «رب كلمة يقولها العبد لا يلقي لها بالاً يكتب الله له بها رضواناً». لا يلقي لها بالاً؛ شخص يمشي وذكر الناس وعظ الناس: اتقوا الله، وهذا الإنسان تأثر بهذه الكلمة وانصلح حاله، وهو لم يلقِ لها بالاً، فالله سبحانه وتعالى كتب له بها الرضوان.
فالإنسان لا يترك أي باب من أبواب المعروف إلا يطرقه، ولا يحتقر. المشكلة التي تقع أحياناً عند الإنسان هي الاحتقار؛ تصغير من شأن المعروف، كأن يقول: معروف قليل، أنا عندي كذا. هذا لا تتعامل مع الله به بهذه الطريقة. كل ما تستطيع أن تفعله، ممكن يتابعك هنا مليون شخص، أو مئة ألف شخص، ثم تأتي وتنظر لشخص عادي جداً وتنصحه، هذا يقبله وهذا لا يقبله، وهذه النصيحة التي لا يراها أحد ممكن تثمر في هذا الرجل الخير والصلاح.
كثير من الكلمات لا تثمر، فذلك الإنسان لا يقصر. من يخالط الناس ويعيش مع الناس يجد أثر هذا المعنى. في الليلة الماضية، كنت قد صليت المغرب وجلست في المسجد، فكان هناك شخص يطوف حولي وأتاني ثم سلم علي وأخذ يحدثني تقريباً ثلث ساعة، والله كلمني كلام موعظة عجيبة من شخص مثله، تكلم كلاماً إيمانياً عظيماً جداً، وأن الذي بيده الجنة هو الله، والذي بيده النار هو الله، والذي يملك الملك هو الله، وهكذا.
بدأ يتكلم كلاماً إيمانياً عظيماً، وكل استدلالاته أنها صليت مرة في المسجد وسمعت الشيخ يقول كذا، وسيفعل لي كذا، وهكذا. الحديث كان عظيماً جداً، ويذكر الحديث الذي حفظته، وهو عاش حياته مع هذه المواعظ، بينما ممكن شخص آخر يسمع ألف محاضرة أو ألف موعظة وما يتأثر ولا يتعظ ولا ينفع الله سبحانه وتعالى.
هذا شيء لا يعرفه الإنسان؛ هذا الباب ليس خاضعاً للتجربة ولا للعقل ولا للتقدير، هذا خاضع للإيمان فقط. أنت مؤمن، أينما تذهب تلقي، تبذر في هذا المكان وتبذر في هذا المكان، في كل مكان تستطيع أن تؤثر فيه. والله سبحانه وتعالى هو الذي ينبت، هو الذي يختار. ممكن هذا الفعل الذي غاب عن ذهنك وفعلته قبل خمس سنوات أو عشر سنوات هو الذي كتب لك فيه الرضوان وأنت لا تشعر ولا تعلم.
قال تعالى: ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: 119]. شيء في رضى الله سبحانه وتعالى، هنيئاً لهؤلاء العباد الذين يرضى الله سبحانه وتعالى عنهم. قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [النازعات: 40]. لمن خاف الله سبحانه وتعالى وخشيه، والخشية هي خوف مقرون بعلم مشوب بتعظيم.
وهذه السورة لما نزلت، أو أمر الله سبحانه وتعالى النبي عليه الصلاة والسلام بأن يقرأها على أبي بن كعب، فقال: «وسماني؟» قال: «نعم»، فبكى أبي رضي الله عنه وأرضاه. وهذه فيها دلالة عظيمة وشرف كبير لأبي بن كعب في قراءة النبي عليه الصلاة والسلام عليه هذه السورة. وفيها كذلك بيان للعلماء ألا يترفعوا على من دونهم وأن يأخذوا العلم. طبعاً النبي عليه الصلاة والسلام لا يأخذ العلم من أبي، ولكن هذا فيه تربية كذلك للنبي عليه الصلاة والسلام في تلاوة هذه الآيات العظيمات على بعض أصحابه، وفيه شرف كذلك لهذا الصحابي الجليل أبي بن كعب رضي الله عنه. هذا بعض ما يتعلق بهذه السورة.
والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وجزاكم الله خيرًا.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري