دخولتسجيل الدخول

سورة الزلزلة | تأملات في آيات جزء عم

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، على نبينا قائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد، فحيّاكم الله، وسدّد على طريق الخير خطاكم.

نبدأ اليوم إن شاء الله تعالى في الحديث عن سورة الزلزلة، والتعليق على هذه السورة الجليلة العظيمة. يقول الله سبحانه وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 1-2].

اختلف العلماء في هذه السورة، منهم من يقول بأنها سورة مكية، ومنهم من يقول بأنها سورة مدنية. وهنا فائدة؛ السور التي اختلف فيها العلماء هل هي مكية أو مدنية، كثيراً ما لا تكون هناك فائدة في معرفة الوقت الذي نزلت فيه السورة. فالسور منها ما يغلب الظن بأنه نزلت في المدينة أو في حوادث معينة ومحددة، ومنها ما يجزم الإنسان به، ومنها ما لا يوجد مرجح إلا الحديث العام، مثل هذه السورة.

فمن يقول بأنها مكية يقول لأنها تحدثت عن يوم القيامة، وهذه السورة أشبه بالسور المكية. والقصد من ذلك أن معرفة سبب نزول أو معرفة موطن نزول هذه السورة هل هي مكية أو مدنية، الفائدة منه ليست كبيرة، لذلك ما يأتي العلماء بنقل موطن نزول السورة ويكون فيها اجتهاد. والقصد من ذلك أن هذه السورة خالصة بالحديث عن يوم القيامة.

وجاء في الحديث بأنها تعدل نصف القرآن، ولا يصح الحديث وفيه ضعف، ولكن يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في بيان سبب كون هذه السورة تعدل نصف القرآن: إنها خالصة في الحديث عن يوم القيامة، خالصة في الحديث عن هذا اليوم العظيم.

وهنا الله سبحانه وتعالى يقول في مطلع هذه السورة: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾. الأرض تتزلزل كثيراً، ولكن هنا الزلزال سيكون عاماً لجميع الأرض، أي ليس الزلزال هنا خاصاً بجزء من الأرض، إنما الزلزال هنا عام في جميع الأرض. متى موطن هذه الزلزلة؟ منهم من العلماء من يقول بأنها من أشراط الساعة، أي قبل قيام القيامة، ومنهم من يقول بأن الزلزلة تكون مع النفخة الأولى.

هنا الله يقول: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: 1-2].

هنا الله يقول: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾. تزلزل جميع الأرض، تضطرب الأرض، يتغير نظام الكون في هذا اليوم العظيم وقبل هذا اليوم العظيم. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: 1-3]. في آخر الزمان يتغير نظام الكون السفلي والعلوي؛ البحار تفجر، الأرض تزلزل، السماء تنشق، النجوم تتساقط، والشمس تكور مع القمر.

فهنا الأرض تزلزل، وبعد ما تزلزل هذه الأرض تخرج كل ما فيها. يقول الله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾. تخرج الأرض كل ما فيها من موتى، أو يروى في الحديث عن النبي ﷺ كما جاء في صحيح مسلم: «تتقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول: في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول: في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئاً».

تخرج الأرض كل ما فيها من موتى، وكذلك من كنوز، والناس ينظرون إلى هذه الكنوز ولا يلتفتون إليها، ولا يأبهون بها؛ لماذا؟ لأن هول المطلع شديد، الناس في شغل عن أخذ هذه الكنوز. فكل من هو في باطن الأرض لما تزلزل الأرض تخرج الأرض، فيخرج الموتى من هذه الأرض. والإنسان لما يكون على الأرض يكون ثقلاً عليها، ولكن لما يكون في باطنها يكون ثقلاً لها.

فلما تزلزل هذه الأرض، يقول الإنسان: «ما لها؟» لماذا زلزلت هذه الزلزلة؟ لماذا ارتجت الأرض هذه الرجة؟ ما الذي حدث؟ ما الذي جرى؟ يقول الله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾. ويقول النبي ﷺ فيما يروى عنه: «أتدرون ما أخبارها؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، أن تقول: عمل علي يوم كذا وكذا كذا وكذا»، قال: فهذه أخبارها.

الأرض تشهد يوم القيامة على كل من عمل بها، وعلى كل شيء عمل عليها. قال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾، ما الذي عمله الإنسان فوق هذه الأرض في هذه الحياة، في هذه المدة التي عاش بها؟ هل عمل بخير أو عمل بشر؟ كل عمل عمله الإنسان على هذه الأرض تشهد الأرض عليه يوم القيامة.

وكان بعض العلماء يستحب أن يعمل في كل مكان ينزل فيه عمل خير حتى يشهد له هذا المكان يوم القيامة. فكل موطن يعمل الإنسان فيه من صلاة أو ذكر أو هكذا نوع من أنواع العبادة، هذا الموطن يشهد للعبد يوم القيامة. وكم من موطن في الأرض لم يعمل أي إنسان عليه عمل صالح! هذه المواطن التي لم يعمل بها الإنسان، يستحضر العبد لما يكون في مثل هذه المواطن أو أي موطن ينزل فيه أن يحدث عبادة فيه، سواء كانت العبادة ذكراً أو كانت صلاة، أي نوع من أنواع العبادة؛ يستحضر الإنسان بأن هذا الموطن سيشهد له يوم القيامة. وكم موطن سيشهد لك يوم القيامة؟ هل موطن أو موطنين أو ألف موطن؟ عشرة آلاف موطن؟ كم موطن سيشهد لك يوم القيامة؟

من عجيب القصص التي سمعتها من أحد المشايخ قبل سنوات، يقول بأن أحد مشايخ المدينة، وهو مشهور لا أريد أن أسميه الآن، بأن أحد الرجال اشترى بيته، فلما اشترى بيته أول يوم سكن في البيت نام، فلما نام رأى في المنام بأن سقف البيت يخر من الماء، فتعجبت واتصل بأحد المعبرين وسأله. فقال له الرجل: إني اشتريت بيتاً، ولم يسمِّ هذا العالم، قال: لكني رأيت في المنام كذا وكذا، فقال له المعبر: بيت من هذا؟ فقال: بيت فلان الفلاني، شيخ مشهور من الزهاد العباد الصالحين، نحسبه ولا نزكيه على الله. فقال المعبر: هذا البيت يبكي على صاحبه، مشتاق إلى عبادة صاحبه، ولعل هذا المكان هو الذي كان يصلي فيه.

والله يقول: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ﴾، السماء تبكي والأرض تبكي، والأرض تتكلم يوم القيامة وتتحدث بكل ما يعمل الإنسان فيها وعليها. فالقصد من الإنسان يستكثر من الأعمال الصالحة ويجعل له بقعة في كل مكان. ولما كان النبي ﷺ يذكر الله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك لما عمل له المنبر بكى؛ بكى الجذع، لماذا؟ حنين النبي ﷺ، حنين للذكر الذي كان.

يُقال على ظهره. حنين لهذا الكلام؛ فكل موطن من هذه المواطن يشهد يوم القيامة. يا ترى هل هذه المواطن، هل هذه الأرض التي نمشي الآن عليها ونعيش بها، خاصة الأماكن التي ندين ونطيل المقام فيها، هل هي تشهد لنا، هل ستشهد لنا يوم القيامة أو ستشهد علينا؟ هل ستأتي هذه الأرض يوم القيامة شاهدة بالخير والصلاح لما قام الإنسان به عليها، أو ستأتي بضد ذلك؟ خاصة المواطن التي يطيل الإنسان فيها، الغرفة الخاصة، المكان الخاص الذي لا يعلم ما يعمله الإنسان فيه إلا الله سبحانه وتعالى.

هذه الأرض ستأتي يوم القيامة شاهدة إذا كان الإنسان قد عصى الله سبحانه وتعالى في مكان، فليتبع هذه المعصية بالطاعة؛ اتبع السيئة الحسنة تمحها، حتى تزيل هذه الطاعة تلك المعصية وتشهد الأرض بالخير ولا تشهد بالشر بإذن الله إذا تاب الإنسان. القصد أن هذه الأرض تشهد يوم القيامة، كما أن الأعضاء تشهد؛ يختم على اللسان وتتكلم اليد وتتكلم الرجل وكذلك الفخذ يتكلم يوم القيامة، كذلك الأرض تشهد، كذلك الملائكة تشهد والرسل تشهد والناس يشهدون.

الإنسان يستكثر الأعمال الصالحة في كل موطن وفي كل مكان. قال الله تعالى: ﴿قَالَ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ مَا لَهَا﴾ [الانفطار: 3]، متعجبًا هذا الإنسان: ما الذي وقع؟ ما الذي جرى؟ ما الذي حدث؟ لماذا كل هذا الارتجاج؟ هنا الإنسان المراد به الكافر، إذا كانت هذه الرجفة في آخر الزمان أي قبل قيام الساعة، أما إذا كانت بعد قيام الساعة فيشمل الإنسان المؤمن والكافر.

﴿قَالَ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الانفطار: 4]؛ هذا اليوم العظيم ستتكلم هذه الأرض، ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا﴾ [الانفطار: 5] أي أن الله سبحانه وتعالى أمرها بالكلام. فستتكلم الأرض حقيقة، كيف كلام الأرض لا ندري، ولكنها تتكلم كما يتكلم الحجر كما تكلمت الأعضاء، الأرض كذلك ستتكلم كما تكلمت الدواب في آخر الزمان كما جاء في الحديث: بقرة تتكلم، ذئب يتكلم.

وقال النبي ﷺ: «إني أؤمن بهذا أنا وأبو بكر وعمر» وما هما، ثم ونحن نؤمن بأن الأرض تتكلم، كيف لا ندري ولكنها ستتكلم. ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا﴾ ثم ينتقل المشهد إلى حديث الناس، ﴿لِحَدِيثِ النَّاسِ﴾، هذا هو القصد من هذه الزلزلة ومن هذه المواقف الشديدة التي يذكر بها الناس هو ما سيقع في ذلك اليوم العظيم. هنا الله يخوف الإنسان من هذه الزلزلة، ويذكر الإنسان بأن كل ما تعمل على هذه الأرض سيشهد لك أو عليك يوم القيامة.

ثم الله يقول: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي في يوم القيامة بعد ما تزلزل الأرض وتخرج أثقالها وتتكلم الأرض، ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة: 6]، يصدرون من القبور أو يصدرون من موقف القيامة. فإذا كان المراد الصدور من القبور، أي يذهبون حتى يروا أعمالهم؛ ما هي الأعمال؟ هل هي أعمال صالحة أو طالحة؟ هل سيأخذون الكتاب باليمين أو يأخذونه بالشمال؟ ﴿لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾. أو إذا كان الصدور من الحساب، أي خرجوا من القبور ثم ذهبوا إلى موطن الحساب ثم صدروا من هذا الموطن، فيكون المراد هنا ليروا جزاء أعمالهم إما إلى جنة أو إلى نار.

﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]. كل عمل يعمله الإنسان صغير أو كبير لابد أن يراه يوم القيامة، أحصاه الله ونسوه. ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: 30]. كل عمل يعمله الإنسان، صالح أو طالح، نية فاسدة أو حسد، سيرى يوم القيامة.

جاء عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها بأنها تصدقت بعنبة، ثم قالت: كم فيها من مثقال ذرة؟ والذرة في لغة العرب صغار النمل التي لا وزن لها، فتقول هذه التمرة كم ذرة فيها. وجاء كذلك عن عمر الخطاب بأنه تصدق بمثل ذلك، وجاء كذلك عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه بأنه تصدق بتمرتين، فتعجب المتصدق عليه من هذه الصدقة القليلة، فقال: إن الله يقبل منا مثقال ذرة.

والقصد أن كثيرًا من الناس ربما يستنقص ويقلل من شأن الأعمال الصالحة لما تكون ليست كبيرة، وهي عند الله سبحانه وتعالى عظيمة. الفارق بين الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم وأرضاهم أمور كثيرة، ولكن من ضمنها أن الصحابة ما كانوا يتركون الأعمال؛ إذا كان يستطيع أن يسبح تسبيحة يسبحها، إذا كان يستطيع أن يتصدق بجزء يسير يتصدق بهذا الجزء اليسير. الامتثال عند الصحابة كان جدًا عاليًا، بخلاف الامتثال عند من بعد الصحابة، الآن لما يأتي بشخص عنده دينار أو درهم ممكن يقول هذا مال يسير لماذا أتصدق به؟ لكن الصحابة لم يكونوا بهذه الطريقة، إنما كان الواحد منهم يبادر في الصدقة لأنه يستحضر أن هناك يومًا عظيمًا، وأن هذه الأموال اليسيرة هي عند الله سبحانه وتعالى عظيمة إن حسنت فيها النية.

كان عندنا أحد المؤذنين يقول في نفسه: كنت أقول في نفسي لماذا الصحابة؟ ما الفرق بيننا وبين الصحابة؟ لو كنت في زمان النبي عليه الصلاة والسلام لعملت مثل ما عمل الصحابة. يقول كنت دائماً أحدث نفسي بهذه الكلمات، حتى جاء يوم من الأيام ونمت ورأيت في المنام أني كنت مع النبي عليه الصلاة والسلام ومعنا الصحابة الأجلاء في سيارة، ونحن نسير قد تعطل إطار السيارة، فنزل النبي عليه الصلاة والسلام ونزل الصحابة، ونزلت معهم وأنا في نفسي أني أريد أن أنافس هؤلاء الأقوام.

قال النبي عليه الصلاة والسلام لما نزلنا والإطار قد تعطل: «من يأتينا بما نرفع عليه السيارة؟»، فانطلقت وأجري حتى آتي بخشبة أو بصخرة حتى نرفع السيارة، فالتفت فرأيت الصحابة قد مدوا أعناقهم. فلما استيقظت استحييت من نفسي وعلمت الفرق بيني وبين الصحابة؛ أننا لما نقدم لا نقدم الأشياء الحبيبة عندنا أو الثقيلة علينا، إنما نسعى هكذا نقدم الأمور العامة، لكن الأمور الثقيلة علينا ما نقدمها ولا نستحضر أمثال هذه الآيات.

هذه الآيات لما نزلت بكى أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «ما يبكيك يا أبا بكر؟»، قال: أبكتني هذه الآية: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. ممكن شخص يقع في معصية هي يسيرة، هو يراها يسيرة؛ لماذا؟ لأنه يقول إن الله سبحانه وتعالى توعدنا بالكبائر أما الأمور الصغائر فهذه مغفورة. نعم، هو الله لما بين بأن هذه الذنوب مغفورة لأن الإنسان من شأنه أن يذنب، ولكن ليس أن يتعمد الذنب؛ يعني الإنسان ممكن يقع بالذنب المرة بعد المرة، ولكن أن يتعمد الذنب ويقول بأن هذا صغيرة وأنا لا أُجازى على الصغيرة، هذا لا.

يعمله الرجل الصالح. إنما يقع الرجل الصالح بالذنب المرة بعد المرة بسبب ضعفه، لكن هو ما يقصد الذنب. شتان بين الشخص الذي يذنب المرة بعد المرة بسبب ضعف النفس والسقوط، ثم بعد ذلك يتوب ويرجع ويندم على هذا الذنب، وبين الشخص الذي يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: 31]. الصلوات الخمس مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر، هذا الحديث فيه يبين فضل الصلاة، ولكن ليس فيه تسهيل الوقوع بالذنب.

فأبو بكر الصديق، وهو في الرفعة والمنزلة والديانة والمرتبة، يبكي بسبب هذه الآية، فيطمئنه النبي عليه الصلاة والسلام ويبين له بأن الذنب مكتوب على بني آدم، يقول: «والذي نفسي محمد بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم، إنه هو الغفور الرحيم». لكن هذا في حال الصديق وأمثال الصديق رضي الله عنهم وأرضاهم ممن يتحرز ويخاف من الوقوع بالذنب، فإذا أذنب هنا يرجع ويتوب إلى الله سبحانه وتعالى ويتوب الله عليه، وليس في حال من يتساهل في الوقوع بالذنوب والمعاصي.

وهذه التربية، أي تربية الصحابة على هذه المعاني، استفاد منها التابعون وكذلك أتباع التابعين. وينقل بأن الحسن البصري لما قرأ هذه السورة، سورة الزلزلة، حتى انتهى إلى قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 8]، قال: «حسبي حسبي». جاء عن ربيع بن خثيم بأن الحسن البصري قرأ هذه السورة، وجاء كذلك أن الحسن رواها عن عم الفرزدق صعصعة.

والقسم من ذلك، أن هذا النفر من الناس كانوا يعيشون مع آي القرآن الكريم بهذه الصورة وهذه الطريقة، فكانت تثمر فيهم الخشية والخوف والإنابة والمحبة والرجاء والمبادرة والمسارعة في الخيرات. يقول عبد الله بن المبارك لما سأله رجل: أدخل مع الإمام وهو ساجد أم أنتظر؟ هذا الأمر لما يسأله مفتيان يقولان بأنه لو دخلت معه وهو ساجد ما تحسب لك ركعة، فماذا قال عبد الله بن المبارك؟ قال: «نعم، ادخل معه وهو ساجد، لا تدري لعلها التي تنجيك من النار».

الصحابة لما كانوا يتعاملون مع الله سبحانه وتعالى، وكذلك التابعين وأتباع التابعين، كانوا يستحضرون هذه الآية: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7]. هو عنده درس ملتزم به، ويعلم بأنه لن يحضر إلا دقيقة واحدة فقط، وهو معذور بعدم حضوره الدرس بسبب مرض، أو بسبب انشغال في أمر أوجب منه، ولكن بقيت عنده دقيقة يستطيع في هذه الدقيقة أن يحضر. هل يحضر هذه الدقيقة ليغتنمها أو يقول أنا معذور؟ الصحابة ما يتركون دقيقة، لماذا؟ لأنهم يتعاملون مع الله سبحانه وتعالى، هم ما يتعاملون مثل ما بالحساب. يحسبون أن هذه الدقيقة ماذا سأستفيد منها؟ لا، هو يسمع الطريقة، هو ملتزم في هذا العمل مع الله سبحانه وتعالى، فخلاص أنا عندي دقيقة أنا معذور فيما سبق، ولكن بالدقيقة أنا لست معذورًا، والله يمتحني بصدقي في هذه الدقيقة.

أقام في المسجد، هل أتوضأ وأذهب حتى لو كنت أعلم بأن الناس قد انصرفوا من الصلاة، أو أجلس في البيت وأصلي في البيت؟ يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج عامدًا إلى الصلاة فوجد الناس قد صلوا، كتب له كأجر من حضر أو شهد، لا ينقص ذلك من أجره شيئًا» أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. لماذا؟ لأنه ذهب وهو في صلاة، ما دام هو ذهب إلى الصلاة فهو قصد هذا الشيء وما ترك هذه الخطوات، ما قال بأن الناس صلوا خلاص إذاً نصلي في البيت، أبداً، إنما ذهب وصلى ليريد الله سبحانه وتعالى بأنه سيصلي في المسجد.

والقصد يا إخوان من هذا الكلام كله أن مثل هذه الآيات لابد أن تعمل فينا في هذه الصورة وهذا الكلام، والشخص يجتهد ولا يفرط. ويروى في الحديث بأن أهل الجنة لا يتحسفون ولا يندمون على شيء، ولا يتحسرون على شيء إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله تعالى فيها. هذه «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» التي نستطيع أن نمرر اليوم بها، هي تنفعنا يوم القيامة وهي ثقيلة في الميزان يوم القيامة، ونندم كثيراً على تضييعنا في هذه الثواني التي فاتتني من غير ذكر الله سبحانه وتعالى.

فالقصد أن الإنسان يستكثر من الطاعات ولا يحقر من شأن الذنوب والمعاصي، وليعلم بأنها خطيرة وهي ثقيلة، وستأتي يوم القيامة كل عمل تعمله لابد أن تراه يوم القيامة؛ فإن كنت قد تبت تبت وندمت وحزنت عليه لا يحاسب الإنسان عليه، وبعض العلماء يقول بأنه يمحى كذلك من الصحيفة فلا يراها الإنسان يوم القيامة. ولكن كل ما يعمل الإنسان هو مكتوب، مرصود، محصى عليه.

نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن ينفعنا وإياكم بهذه الآيات، إنه ولي ذلك والقادر عليه، هذا والله أعلم وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله، جزاكم الله خيراً.