الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحيّاكم الله إخواني جميعاً وبيّاكم، وأسدد على طريق الخير خطانا جميعاً. نكمل التعليق على سور جزء عمّ، ومعنا اليوم سورة العاديات.
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا * إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: 1-6].
الله سبحانه وتعالى هنا يقسم بالعاديات، وما المراد هنا بالعاديات؟ اختلف العلماء على قولين: منهم من يقول بأن المراد بالعاديات الإبل التي تعدو في الحج، ومنهم من يقول هنا العاديات أي الخيل، والخيل التي يتوسط بها المقاتل الجهاد في سبيل الله. والخيل لها ميزة في الدين، فالخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة. والله هنا يقسم بالعاديات أي الخيل. قال: ضبحاً، أي في حال ضبحها؛ لما تعدو هذه الخيل يخرج منها صوت يسمى بصوت الضبح. فهنا الله يقسم بهذه الخيل لما يتم إجهادها في سبيل الله، أي لما يقوم الشخص الصالح التقي بشراء الخيل والعناية بها، ولها كلفة، وهي متعبة، ولكن الأجر فيها عظيم، فسير الخيل وما يطعمه صاحبها، بل حتى الخيل العربي يدعو لصاحبه في السحر. والنبي عليه الصلاة والسلام كان يعطي الفارس أكثر من الرجل؛ لكلفة الخيل، ولأن أثر الفارس أعظم من أثر الرجل في القتال.
القصد هنا أن الله سبحانه وتعالى يقسم بهذه الخيل التي يتم استعمالها في الجهاد في سبيل الله. قال: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾، ثم قال: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾؛ أي حوافر الخيل لما ترتطم بالحجارة وتعدو هذه الخيل، ترتطم حوافرها بالحجارة فيخرج الشرر، هنا الله يقسم بهذا المشهد. ثم قال: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾؛ كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يغير يغير في وقت الفجر، فإن سمع أذاناً وإلا أغار؛ كان يذهب عليه الصلاة والسلام مع الصحابة في هذا الوقت، فإن سمع أذاناً توقف وأمسك، هؤلاء مسلمون، وإلا أغار عليهم. فهنا وقت الغزو يكون في وقت الصبح، والله يقسم بهذا المشهد. ثم قال: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾؛ أي الخيل في حال عدوها وجريها تثير النقع وهو الغبار. ثم قال الله: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾؛ أي توسطت الخيل بصاحبها جموع الكفار.
هنا يقسم بالعاديات في هذه الحال وفي هذه الصورة، وطبعاً هنا قسم بنفس الخيل وبما تضمن هذا المشهد أي الجهاد في سبيل الله وإقامة حكم الله سبحانه وتعالى. لذلك قال بعد ذلك: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، هذا الكافر، أما المؤمن فأنفق ماله في سبيل الله، أخذ هذه الخيل وعلفها وجاهد بيده وضحى بنفسه؛ يعني هذا الرجل المسلم أنفق ماله وضحي بنفسه في الجهاد في سبيل الله، فهو باع نفسه. ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: 111]. هذا هو المؤمن، وجواب القسم: إن الإنسان لربه لكنود. هذا الإنسان الكافر كنود، كفور، جحود، يمنع العطاء، ويكنز المال ولا ينفقه في سبيل الله ولا في مرضات الله.
إذاً القسم كان متعلقاً بالخيل لما يستخدمها الشخص في نصر الدين، وكذلك نفس هذه الخيل هو عبارة في دلالة على عظمة الخالق سبحانه وتعالى الذي جعل الخيل بهذه الصورة تنتقل بالناس، وهو أفضل حيوان ليعطيه الفارس القتال. ولكن لم يقسم بالخيل هكذا مجردة، إنما بصورة الخيل التي تستخدم في سبيل الله، وتجاهد وتقاتل في سبيل الله. ثم قال: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾؛ هذا جواب القسم، أي جحود، كفور، مناع للخير، وهذا هو الإنسان إلا من يعصم الله سبحانه وتعالى، لأن نفس الإنسان شحيحة، الله يقول: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: 128]. فهذه النفس تشح إلا من يعصم الله سبحانه وتعالى الإنسان من شر نفسه، فيقيه شر نفسه، فهذه النفس ما تكون شحيحة. ولكن الأصل بهذا الإنسان إذا ما آمن أن تكون نفسه بهذه الطريقة؛ كفور، يعدد المصائب وينسى النعم. تقع عليه مصيبة أو بلاء، فيقول: لماذا وقع علي كذا وكذا؟ طيب والنعم العظيمة التي أنت تعيش فيها كل يوم، كل لحظة، هل شكرت الله عليها؟ بصر، سمع، المشي، الصحة، العافية، وقبل ذلك نعمة الدين، الإيمان، التنفس، هذه النعم التي نعيش فيها كل يوم، ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34]. ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: 34]، فهذا الإنسان يعد المصائب، لماذا وقع علي كذا؟ طيب والنعم؟ أبداً. فهذا هو جنس الإنسان، إلا من أحسن الله إليه.
قال: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ﴾؛ هنا الضمير إما أن يرجع إلى الله سبحانه وتعالى، فيكون وإنه أي الله سبحانه وتعالى على ذلك لشهيد، شهيد على كفر هذا الإنسان. وهنا وقفة، لابد أن نعرف من هو الله حتى نعرف كيف نتعامل مع الله، ومن باب تقريب الصورة، الآن لما يكون شخص له فضل عليك، هذا الإنسان كيف تتعامل معه؟ التعامل يختلف عن التعامل مع الأشخاص الذين لا فضل لهم عليك، هذا وضع طبيعي. طيب لما يكون أنت لك فضل على شخص، هل لما هو يرد عليك ويجحد فضلك، مثل الشخص الذي ما لك فضل عليه؟ الوضع قطعاً مختلف، وفضلك هو لا يرجع لفضل الله.
من أعظم الناس فضلاً علينا، طبعاً أنا أتكلم في الدنيا ليس في الدين، الدين هو النبي عليه الصلاة والسلام قطعاً، لكن أتكلم في الدنيا، مثلاً الوالدان؛ فالوالدة فضلها عليك عظيم جداً، لذلك البر بالوالدة الفطرة تدعو إليه، لما تجلس بينك وبين نفسك وتعدد فضل والدتك عليك لا تقف وتستحي. طيب الأب، هذا الأب الذي يخرج ويكدح ويعمل ويفعل، أنت الآن جسمك كله نما من مال أبيك، فلما تفكر في فضل والدك عليك تقف؛ لذلك جاءت الأحاديث في عظم شأن الوالدين وكذلك الآيات في عظم شأنهما، بل قرنتا بالتوحيد: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]. بل حتى لما يفعل الأب أو الأم الكفر ويأمران الابن بالكفر الله يقول: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15]، لا تطعهما صح، لكن المصاحبة تكون بالمعروف، هذا لو كان غير الوالدين ما استحقوا هذا الشيء، فقط الوالدان. لما جاءت أم أسماء وكانت مشركة، قالت: يا رسول الله إن أمي قدمت علي وهي مشركة، أفأصل أمي؟ قال: «نعم، صلي أمك».
فالقصد أنك الآن لما تنظر إلى فضل الوالدين لما تكون أنت في مقام الأب أو لما تكوني أنت في مقام الأم أو العكس، انظر إلى المشهد من الجهتين حتى تفهم الصورة كاملة، حتى ما يقع عندك خلل أو نقص في فهم ما يتعلق بالحياة عموماً. وأنا أريد فقط أن أقرب شيئاً يسيراً جداً، فقط حتى يعرف الإنسان عظم جرم من يعصي الله سبحانه وتعالى، عظم جرم من لا يشكر الله سبحانه وتعالى.
تصور هذا الأب لما ينفق ويتعب ويكدح، هو لماذا يعمل؟ هو سيأخذ جزءاً يسيراً، وفي النهاية تجد أن هذا الأب ينفق من ماله على نفسه شيئاً يسيراً، وتجد الأب عادة أقل واحد في الثياب وفي الملابس وفي حتى في الأكل تجد هو آخر واحد، هذا في العادة. الابن هذا كله ما يملأ عينه، ولا يفكر فيه إلا الذي يخرج باراً، لكن هو يرى أن هذه حقوق له. طيب الآن لما تكون كذلك الأم في مقام الأب، كيف هي تعبت في تربية ابنها وسهرت عليه الأيام والليالي، وكل واحد فينا يتذكر لما كان مريضاً وهو صغير، كيف كانت أمه هي التي تعتني به وهو ما كان يشعر؛ الذي فقد أمه مثلاً أو الذي لم يحل محل أمه زوجة صالحة يشعر بفقد عظيم في الحياة.
أذكر والله شخصاً سبحان الله من أقوى الناس، قوي جداً وصلب، لما وقع عليه بلاء أنا صدمت لما رأيته يبكي، وقال لأخته: ليت أمي حية. شوف هذا هو الإنسان، يقولك ما يكبر ما يشيب إلا لما تموت أمه، يعني هو حتى لو كان كبيراً في السن ما دام أمه حية هو ما يشعر أنه عمره 60، لا يشعر أنه كبير في السن؛ لأن أمه تتعامل معه على أنه طفلها الأول. وكنت قبل فترة أقرأ لأحد الأشخاص المهتمين بالعلم والفكر وهو مهتم كثيراً في هذه الأمور العقلية، كتب مرة منشوراً مبكياً لأمه، يقول: لوالدي ما زلت ابنك الصغير الضعيف. هذا أمر موجود في فطرة الإنسان. فالإنسان لما يفكر فقط يعيش هذا المشهد، ثم يجعل مكان الوالد والوالدة فضل الله سبحانه وتعالى عليك، ما تستحي والله؟ يعني هذه كنود، كيف؟ من أنت؟ هو يعطيك وسبحان الله العظيم.
لذلك لما يجيء في القرآن الكريم يتعامل مع الكفار بهذه الشدة هذا أمر مستحق. أنت الآن، العاق لوالديه كيف يتعامل مع الناس؟ يتعامل بعدم احترام ولا مبالاة إلى آخره؛ لأنه عقَّ أقرب الناس له وممن ضحى من أجله. طيب الآن الذي كفر بالله جل جلاله الذي مَنَّ عليك بكذا، ومَنَّ عليك بالوالدين، يعني الوالدان هما نعمة من نعم الله سبحانه وتعالى، نعمة واحدة بس، لكن الله يقول: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، ثم يقول: ﴿وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ﴾، يعطي ويشكر غير الله وهو الذي أعطى. يعني شوف يا إخوان حتى على مستوى الألفاظ ما تجوز، يعني ليس فقط الاعتقاد، حتى اللفظ لا يجوز.
النبي عليه الصلاة والسلام يقول فيما يرويه عن ربه عز وجل: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر»، طبعاً هذا الحديث له قصة، وهي أن الصحابة كانوا في الحديبية فأصبحوا على إثر سماء، سماء يعني مطر، فقسم منهم ماذا قال؟ مطرنا بفضل الله ورحمته، نسب نعمة المطر إلى الله سبحانه وتعالى، وقسم قال: مطرنا بنوء كذا وكذا. والنوء هو منازل القمر. فالله ماذا قال؟ «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر؛ أما المؤمن فهو الذي قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، وأما الكافر فهو الذي يقول: مطرنا بنوء كذا وكذا». وهذا لما يتأمل الإنسان في نفسه يجد أن عباراته تند منه؛ لولا فلان ما صار كذا، لاحظ قوله قبل لولا فلان، الأصل أن تقول: لولا الله ثم فلان. ولما لا يكون سبباً أصلاً ما يجوز.
قال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص: 78]. والشيطان ماذا قال؟ ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ [ص: 76]. أصول الخطايا كما يقول ابن القيم: أنا ولي وعندي. فنسبة النعمة لابد أن تكون لله سبحانه وتعالى مباشرة. هذا حتى على مستوى، فكيف بمن يلتفت قلبه لغير الله ومن يجحد نعمة الله! أمر عجيب.
في حديث ابن عباس، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس». شوفوا هذا الحديث، يعني من شكر الله أن تشكر الناس، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول بأن الله سبحانه وتعالى يريد منك أن تشكر الذي كان سبباً، فكيف بالمسبب؟ فكيف بمن يشكر الناس ولا يشكر الله؟
الوضع واضح لي، هنا الله يتعامل مع أوليائه. يقول لأوليائه إنه لا بد أن تشكروا من أعطاكم هذا الشيء، وهذا من شكري. كيف الذي يلغي الله ويشكر المخلوق مباشرة؟ هذا يكون الأمر خطأ. واضح لكم؟ فهمتم المشهد ولا؟ صورة واضحة. معي أنت؟ أكيد ولا ما يحتاج أوضح؟ لأني أحس أني ما أوضحت ما أدري ليش.
سبحان الله العظيم. ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات: 7]. والقول الآخر: وإنه أي الإنسان. لكن القول الأول هو الأقوى. والإنسان يكون شهيد بماذا؟ بأنه هو يجحد نعمة الله، ولا ينسب النعمة له، ويكفر بنعمة الله سبحانه وتعالى، ويمنع عطاء الله سبحانه وتعالى؛ سواء كان النسبة بالكلام أو بالفعل نفسه، أن الله يعطيه وهو ما ينفق. أنفق هذا مال الله ليس مالك، لا، يمسك ماله، يكنز ماله.
قال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: 8]. الخير بالاتفاق هو المال، شديد المحبة للمال. ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 46]، المال فتنة. ولكن لما يكون المال عند الرجل الصالح ما يكون فتنة. نعم المال الصالح للرجل الصالح؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام لعمرو بن العاص. رجل صالح وعنده مال، فهذا المال ينفقه في سبيل الله، فيشتري به الجنة كما فعل عثمان. فلكن الإنسان هذا الكنود المال يريد أن يجمع من أي طريقة، يريد أن يجمع هذا المال فقط، يكنز المال.
كما قال الله مذكرا هذا الإنسان، هذا كله الجحود الآن نعمة الله عليك وفضل الله سبحانه وتعالى عليك، وأن تعرف أنك الآن تجحد، وتجمع هذا المال من حلال أو من حرام ولا تبالي في إنفاق هذا المال ولا تنفقه إلا في شهواتك. الله يقول: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾ [العاديات: 9-11]. أفلا يعلم هذا الإنسان إذا بعثر أي تحركت القبور؛ تصوير إخواني القرآني للإنسان يذكره بمشهد بعثرة القبور لما ينفخ النافخ في الصور. وهذه القبور تتحرك فسيخرج هذا الإنسان من قبره.
قال: إذا بعثر تحركت هذه القبور وقلب التراب وخرج الإنسان. قال: ﴿إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ﴾ أي ميز وجمع ما في الصدور، ما في قلبك. إيش كان موجود؟ جحود نكران، التفات القلب لغير الله، هذا كله سيحصل، كله سيخرج. قال: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾. ثم قال الله: ﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾، هو خبير بهم في كل يوم، ولكن هنا خص هذا اليوم لأنه سيجازيهم على هذا العمل، سيجازيهم على هذه الأعمال التي قاموا بها في الحياة.
لكن الإنسان ينبغي عليه أن يحوط لسانه، وأن يخاف بنسبة النعمة لغير الله، وكذلك من التفات قلبه قبل لسانه. فلا بد أن يضبط هذا الأمر، أن القلب ما يلتفت لغير الله، وكذلك اللسان ما ينطق ولا يفوه بما لا يجيزه الشارع. فلذلك حري على العاقل أن يرجع ويتعلم هذا الباب، باب شرك الألفاظ؛ سواء كان بالحلف أو كان بنسبة اللفظ إلى آخره. حري بالعاقل أن يتعلم هذا الباب حتى ما يقع بما يقع به كثير من الناس في الألفاظ التي لا تجوز. وهذا المبحث من مباحث التوحيد والشرك هو المبحث الذي لا ساحل له.
لما كان يقول بعضهم: لولا الطيار أو لولا كذا لوقع كذا. هذه كلمة لولا هنا خطرة، أنك نسبت النعمة مباشرة إلى هذا الإنسان. فإذا كان هو سبب ظاهر فنعم ممكن تكون لكن مع عدم التفات القلب، لكن إذا ما كان سبب ظاهر فليس الأصل هذا. وإن كان حتى العلماء اختلفوا في هذه المسألة، والأصل أن تقول لولا لفظ فلان. وابن عباس كان يقول هذا مثل ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة: 22] في تفسير هذه الآية كما ذكر ابن أبي حاتم، قال: لولا البط لسرقنا، لولا الكلبة كذا لسرقنا اللصوص، لولا البط في الدار لوقع كذا. هنا قد يكون سبب لكن التفات القلب خطر، التفات القلب خطر. هذا الباب له شرح لمن أراد أن يراجع الشخص في كتب العقيدة. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري