الحمد لله، الصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فأحياكم الله إخواني وأحياكم، وأسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم.
يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما اجتمع قوم يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده». لا شك بأن هذا الحديث يدل على فضل عظيم جدًا، وأعظم ما في هذا الحديث بأن الله سبحانه وتعالى يذكر من يجتمع من أجل ذكره سبحانه وتعالى، ناهيك عن نزول السكينة وغشيان الرحمة وكذلك أن تحف هؤلاء الملائكة.
هذا الحديث جاء مطلقًا بخلاف الحديث المقيد الذي فيه: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله»، وهذا الحديث مطلق يتلو الحديث المقيد كما جاء في صحيح مسلم، ويدل هذا على أن كل من يجتمع من أجل أن يذكر ويتدارس كتاب الله سبحانه وتعالى يفوز بهذا الأجر العظيم من الله سبحانه وتعالى. وأعظم ما في هذا الحديث مثل ما ذكرت بأن الله جل جلاله وتقدس في سمائه يذكر هؤلاء العبيد في ملئه الأعلى.
والإنسان يعيش برغبة جامحة عنده بأن الناس يعرفونه، وهذا أمر مفطور عليه الإنسان بأن الناس يذكرونه بالخير، فيحب الإنسان أن يذكر. وبعض الناس تفسد نفسه ويحب أن يذكر ولو بالشر، ولكن نفس محبة ذكر الإنسان لغيره هذا أمر مفطور عليه الإنسان، يحب أن يذكر ويحب أن يذكر بالخير؛ هذا عند عامة الناس. ولكن بعض البشر يحب أن يذكر ولو كان هذا الأمر بالشر، لذلك قال إبراهيم عليه السلام: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: 84].
فإبراهيم عليه السلام كان يريد ويتمنى ويطلب من الله سبحانه وتعالى أن يذكر بالخير، فطلب محبة الذكر لا بأس منها ولكن بشرط أن يكون بالخير، ولا يكون القصد هو أن يذكر الناس إنما يكون القصد أن يذكر الله سبحانه وتعالى. فإذا ذكر الله سبحانه وتعالى بالخير وأثنى عليه عند ملائكته المقربين، أحبه الله سبحانه وتعالى كما جاء في الحديث: «إن الله إذا أحب عبدًا نادى جبريل: إني أحب فلانًا فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض».
وجاء كذلك في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «توشكون أن تعرفوا أهل الجنة من أهل النار»، قالوا: بما يا رسول الله؟ قال: «بالثناء الحسن والثناء السيء». فمن يثنى عليه بالخير فهذه علامة خير. فالقصد من ذلك أن الاجتماع في مثل هذه المجالس لا يتساهل الإنسان بها، حتى الشخص لما يكون مع أقاربه أو في منزله مع أصحابه أو في موطن العمل لا يفرط بعشر دقائق أو ربع ساعة يعيش فيها مع القرآن الكريم، وإذا لم يجد أحداً فليعش هو بنفسه.
يقول النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه عز وجل: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم». هذا الباب يقصر الناس فيه كثيرًا، ومسبب التقصير الرئيسي هو الشيطان؛ فالشيطان يسهل عند الناس، يعني ربع ساعة كل يوم أو نصف ساعة، حتى عشر دقائق ما تعجز الإنسان، وكل يوم يذكر في الملأ الأعلى، كل يوم يذكر عند الله سبحانه وتعالى، عند الملائكة المعظمين المقربين. فلذلك ينبغي على الإنسان ألا يتساهل في هذا الأمر وألا يقصر فيه.
بعض الناس قد يتساهل في هذا الشيء ويقول بأن هذه المجالس سهلة أو ميسرة أو يجعلها مرة بالأسبوع أو مرة بالشهر، لا، اجعلها كل يوم. اجعلها إن استطعت مع الناس إذا كنت إمام مسجد، أو في المكان الذي تعمل فيه، أو في البيت مع المقربين منك؛ كل ربع ساعة أو ثلث ساعة تتذاكرون فيها آي القرآن الكريم وتعيشون مع هذه الآيات العظيمة؛ هذه تعمر القلب بالإيمان، فيذكر الإنسان عند الله سبحانه وتعالى وكذلك يستمر في ثباته في هذا الطريق.
الإنسان إذا انقطع عن القرآن الكريم ولم يكن القرآن الكريم دائماً معه، إنما يستمع لمحاضرة عن العيش مع القرآن الكريم أو كلمة عن التدبر ثم ينقطع أسبوعاً أو أسبوعين، أو يبدأ يذكر الناس عن أهمية التدبر ويصبح عنده روتين لكن هو بنفسه ما يعيش مع القرآن الكريم، ويكون عهده بالقرآن الكريم قبل شهر أو رمضان الماضي؛ فهذا لا يستفيد، هذا يفتر وينتكس.
لذلك لما نعيش مع هذه السورة، لابد نعيش معها كما عاش معها الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم وأرضاهم في مكة، فهذه سورة القارعة سورة مكية بالإجماع، وهذه السورة خالصة في الحديث عن يوم القيامة. أنا كنت أتأمل فيها اليوم وأنظر في طريقة القرآن الكريم في التأثير على الناس، كيف الآن النبي عليه الصلاة والسلام في مكة وأهل مكة يستنكرون ويستعظمون وجود يوم اسمه يوم القيامة، والآية القرآنية تنزل بهذه الصورة وبهذه الطريقة وبهذه القوة وهذه الفصاحة وهذا البيان وبهذا البلاغ.
يقول الله سبحانه وتعالى في مطلع هذه السورة: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة: 1-3]. تأملوا في أثر هذه الكلمات في نفس النبي عليه الصلاة والسلام، ثم في نفس الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم وأرضاهم، ثم في نفوس الكفار. فالآن هذه الآيات تقرر وتعظم الإيمان في نفس سيد البشر عليه الصلاة والسلام، ثم في نفوس الصحابة الذين يتعرضون لبلاءات كبيرة متتالية متوالية في مكة من استهزاء وتكذيب وتعجب من هذه العقول التي تؤمن بيوم القيامة.
هذا الأمر إذا استمر يغير الإنسان؛ فالإنسان إذا قوبل اعتقاده وتصوره بالتهجين وتسفيه، يبدأ تدريجياً يتنازل عنه، وإن لم يتنازل عن نفس التصور سيتنازل عن العبارات وسيضعف التصور لديه قطعاً. فيستحي أن يقول هذه الكلمة، ويتأول بعد ذلك بأن هذا الأمر إذا قلناه بهذه الطريقة ممكن الناس تنفر أو لا تتقبل، وهذا لا شك بأنه مخالف لما يريده الله سبحانه وتعالى أولاً، ثم مخالف للطريقة الصحيحة في التأثير على الإنسان.
الإنسان كائن يكسر، إذا كسر تأثر وإذا كسر تغير. أما أن تريد أن تقنعه دائماً بالكلمات السهلة والعبارات الخفيفة، فالتصور لا يثبت بهذه الطريقة، التصور لا يثبت إلا بالعبارات الثقيلة، إلا بالعبارات التي بها مفاصة ومباينة، ثم بعد ذلك يأتي تفسير وبيان هذه التصورات. لكن من حيث التأصيل ومن حيث التأثير على الناس، لابد أن تأتي بالعبارات الثقيلة وليست العبارات السهلة؛ لذلك لما نتأمل في القرآن الكريم وكذلك في أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، نجدها كلها بهذه الطريقة، لا تأتي العبارات الخفيفة بل تأتي التي بها ثقل.
لماذا؟ لأن المقصود هنا تقرير هذا المعنى. فهنا الله سبحانه وتعالى لما يقول: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾؛ انظروا إلى قوة هذه العبارات، كيف أنها مثالها مثال الطوفان الذي تغوص فيه عبارات التهجين والتسفيه والتكذيب التي تصدر من الكفار. الكفار يستعجلون ويتعجبون ويضربون الأمثال، والله سبحانه وتعالى يرد عليهم مجيباً لهم: القارعة، وما أدراك ما القارعة؛ الحاقة، ما الحاقة، وما أدراك ما الحاقة؛ أزفت الآزفة، ليس لها من دون الله كاشفة؛ وما أدراك ما هي نار حامية؛ وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة؛ الصاخة، الطامة الكبرى، اليوم الآخر، يوم التغابن.
وهكذا، فالقرآن الكريم لما يأتي ويقرع القلوب بمثل هذه الأسماء وينوعها، كل اسم له معنى من المعاني، هذا الأمر يكون أقوى في التأثير في نفس الإنسان من العبارات التي يصدرها أعداء الإسلام. الكفار لما يصدرون مثل العبارات التهجينية هذه، لابد أن تقابل بمثل هذه القوة حتى يثبت التصور الإسلامي، وحتى يقرع هذا التصور تلك العبارات التي يطلقها هؤلاء الكفار. فتكون عبارات القرآن دائماً فخمة عظيمة فيها تهويل وتعظيم، هذا التهويل والتعظيم يثبت الإيمان في نفس النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك في نفس الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.
فلما شخص يعيش في مجتمع يستجهن بعض التصورات التي هو يعتقدها، لابد أن يقابل هذا المجتمع بمثل هذه العبارات حتى يتم إقرار هذه التصورات. أما أن شخصاً يريد أن يبحث عن عبارات أخرى بحجة المصلحة والحكمة، فهذا كله كلام لا شك بأنه من وهم الإنسان؛ هذا كله من وهم الإنسان لجهله بطريقة التأثير على الناس. ولا يوجد كتاب تكلم عن الإنسان كما تكلم عنه القرآن الكريم، فإذا أردت أن تعرف كيف استطاع الإسلام أن يقر تصوراته، اقرأ آيات القرآن الكريم بهذه الصورة وانظر كيف ثبت التصورات.
لا تدخل عقلك كثيراً في التحليل والظن بأن الإنسان يتأثر بهذه الطريقة أو تلك من غير مصدر ترجع إليه؛ المصدر الذي يرجع إليه الإنسان هو القرآن الكريم، فالقرآن الكريم به كل ما نحتاج إليه. والوهم كبير عند عامة من لا يفهم طريقة القرآن الكريم في التأثير؛ هذه التصورات لما كان القرآن الكريم يبينها بهذه الطريقة، ثبتت هذه التصورات في اعتقاد الصحابة؛ فنتج أن الصحابة كانوا أعزاء بإيمانهم، فخورين به، ولديهم إيمان جازم لا يتزحزح ذرة ولا أنملة؛ لماذا؟ لأن الآيات كانت تنزل بهذه القوة، الأمر ما فيه شك ولا ريب، ليس الأمر به احتمال، إنما هو جزم قاطع سيأتي ولا بد.
وكل اسم من هذه الأسماء له معنى معين، فهنا القارعة تقرع القلوب لأهوالها وعظم ما فيها؛ ما القارعة؟ تفخيم وتعظيم لهذا اليوم العظيم، لهذا اليوم الكبير، لهذا اليوم الآخر، يوم القيامة. وما أدراك ما القارعة؟ تفخيم وتعظيم وكذلك تجهيل، وما أدراك ما الذي سيقع في هذا اليوم؟ عقول البشر ما تحيط بهذا اليوم ولا تستطيع أنها تدرك كل ما يقع فيه، لكن القرآن الكريم يضرب لنا أمثلة ويذكر لنا بعض المواقف التي ستقع في ذلك اليوم العظيم.
يقول الله سبحانه وتعالى بعد ذلك في بعض ما سيقع في هذا اليوم: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: 4]. اليوم ناس ينتشرون في الصباح الباكر يذهبون إلى العمل والدراسة والجامعة، نعم هم منتشرون ويذهبون إلى تحصيل أرزاقهم الدنيوية، لكن قليل من هؤلاء من يتحرك ويسعى من أجل ذلك اليوم الثقيل، من أجل ذلك اليوم العظيم. القليل من هؤلاء من يسعى ليثقل ميزانه بالأعمال الصالحة في هذه الحياة الدنيا التي يعيش بها.
يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في صحيح الإمام البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفيه أن الشمس تدنو حتى تكون قدر ميل، فيفزع الناس ولا يدرون ماذا يعرفون ولا أين يتجهون حتى يقول بعضهم لبعض عليكم بآدم. ففي البداية لما يخرج الناس من قبورهم يكون حالهم كحال الفراش المبثوث؛ الفراش لا يسير في طريق واحدة إنما يسير لغير قصد بخلاف الجراد، فالفراش طريق تحركه بها عشوائية.
كذلك الناس لما يخرجون من قبورهم لما يسمعون صيحة الداعي، يخرجون من هذه القبور فشخص يذهب إلى الأمام وآخر إلى الخلف وثالث عن اليمين ورابع لليسار وهكذا، يدخل بعضهم في بعض ويندمج بعضهم في بعض ولا يدرون إلى أين يذهبون وماذا يراد بهم. وهذا حال الناس يوم القيامة، إن هول المطلع شديد؛ هؤلاء الناس يصبحون في ذلك اليوم بهذه الصورة، وهذا مشهدهم يوم القيامة الذي سيقع ولا بد.
فالله هنا يخاطب هؤلاء الكفار متجاوزاً الشبهات النفسية التي كانوا يطرحونها، فخطاب القرآن عقلي نفسي؛ الله يقول هنا هذا اليوم سيأتي، وهذه القارعة ستقع، وهذا اليوم بكل ما فيه سترونه يوم القيامة، سترونه عيانًا ستصبحون بهذه الصورة وبهذه الطريقة: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة: 4-5].
هذه الجبال العظيمة الراسية التي ترونها حول مكة، التي هي أعظم ما يراه الإنسان في هذه الحياة من الثبات، بل هي مثال الثبات؛ هذه الرواسي يوم القيامة تصبح كالعهن، كالصوف الملون المنفوش المتناثر المتطاير، لا حقيقة لها. هذه الجبال العظيمة الكبيرة الثقيلة يوم القيامة تندك وتسير وتصبح كالعهن المنفوش وكأنها سراب.
ثم قال الله: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة: 6]. ذكر مشهدين من مشاهد ذلك اليوم؛ إن القصد هنا تقرير هذا اليوم العظيم وبيان هذه المشاهد حتى يعيش الإنسان مع صورة ما يقع في ذلك اليوم، أو بعض ما يقع في ذلك اليوم. هناك يوم قيامة، هناك حساب، هناك جزاء؛ قال: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [القارعة: 7]. هذه الجبال تصبح خفيفة لا قيمة لها، أما بعض البشر فيكون ثقله في الميزان أعظم من ثقل الجبال الرواسي، فالميزان الأخروي يختلف تماماً.
في الدنيا يرى الناس أن الميزان كذا وكذا، وكل واحد له موازين ومعايير، وكل مجتمع يشكل بطريقة معينة، فتشكل عنده معايير وموازين تثقل من مراتب الناس عندهم. فهذا يكون له ميزة عند الناس، وله جاه، وله مكانة، ولكن هذه المكانة قد لا تكون عند الله سبحانه وتعالى تساوي شيئًا.
مر رجلان على النبي عليه الصلاة والسلام وعلى الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، فقال: «ما تعدون هذا فيكم؟» فقالوا: يا رسول الله، هذا فلان، حري إذا نكح أن ينكح، وإذا شفع أن يشفع، وإذا سأل أن يعطى. فسكت عليه الصلاة والسلام. ثم مر الآخر، فقال: «ما تعدون هذا فيكم؟» فقالوا: يا رسول الله، هذا فلان، حري إذا نكح أن لا ينكح، وإذا شفع أن لا يشفع، وإذا تكلم أن لا يسمع. فقال عليه الصلاة والسلام: «لهذا خير من ملء الأرض من هذا».
وكان ابن مسعود ارتقى شجرة أراك يومًا كما جاء في مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فجاءت ريح وكشفت عن ساقيه، فضحك بعض الناس، فقال عليه الصلاة والسلام: «مما تضحكون؟» فقالوا: من دقة ساقيه. فقال عليه الصلاة والسلام: «لهي أثقل في الميزان من جبل أحد». يؤتى بالرجل السمين يوم القيامة لا يزن عند الله سبحانه وتعالى جناح بعوضة، ويؤتى بالرجل الذي الناس لا يلتفتون إليه، ولا ينظرون بأن هذا الإنسان له مكانة عند الله سبحانه وتعالى، فيكون ثقيلًا عند الله سبحانه وتعالى في الميزان.
يقول الله تعالى: ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾ [الواقعة: 3]. تخفض أناسًا، وترفع من شأن أناس. يظن الناس بأن هؤلاء هم أهل الميزان أو هؤلاء هم الذين سيثقل بهم الميزان يوم القيامة، فيأتون يوم القيامة ولا يقيم الله سبحانه وتعالى لهم وزنا، يكون هذا القسم من الناس خفيفًا في الميزان، لا قيمة له. ويأتي ناس آخرون يراهم الناس لا شيء ولا يعدونهم شيئًا، ولكنهم عند الله سبحانه وتعالى ميزانهم عظيم.
ذكر الذهبي رحمه الله تعالى في سير أعلام النبلاء بأن أهل المدينة استسقوا يومًا فلم يسقوا، فلما لم يسقوا بعد ما صلوا الاستسقاء في نفس اليوم في الليل دخل رجل إسكاف أي يصلح النعل المسجد، وكان به محمد بن المنكدر ولم يره هذا الرجل. وهذا لا قيمة له عند الناس، ليس عالماً ولا مجاهداً ولا أميراً ولا شخصاً صاحب مكانة ظاهرة، ليس صاحب نسب ولا حسب. فلما دخل المسجد صلى ركعتين ثم قال: اللهم إن أهل المدينة نبيك عليه الصلاة والسلام استسقوك فلم تسقهم، أقسم عليك أن تسقيهم. عبد مدفوع بالأبواب، أشعث أغبر، لو أقسم على الله لأبره. فما أنزل يديه حتى تلبدت السماء بالغيوم ونزل المطر.
فرجع هذا الإسكاف وتبع محمد بن المنكدر ولم يعلم به الإسكاف. فلما جاء في اليوم التالي ذهب إليه محمد بن المنكدر وعلم من هو، فقال: أنا صاحبك البارحة. فلما تلقاه الرجل قال: أهلاً، ورحب بهذا العالم الشهير. فقال: أنا صاحبك البارحة. فلما قال له هذه الكلمة غضب، قال: ماذا تقصد؟ قال: أقصد أني سمعت دعاءك لما دعوت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليلة الماضية. فغضب هذا الرجل شديدًا، ثم انصرف محمد بن المنكدر قال: ولم أره بعد. أي رحل من هذه المدينة كلها وترك هذه المدينة. انظروا إلى كيف أن هذا الرجل يكون صالحًا وعلاقته مع الله سبحانه وتعالى عظيمة، ولكن بينه وبين الله أسرار. هذا الإنسان قد يراه كثير من الناس ولا يأبهون به، يراه كثير من الشباب حتى المحب للخير، ربما يكون من طلاب العلم، ينظرون إلى هذا الشيخ صاحب المكانة والرفعة فيقبلون عليه، أما هذا الإنسان الذي يكون بهذا الطريق ربما ما يلتفت له الناس ولا يعرفون قيمته، ولكن هذا لو أقسم على الله لأبره، هذا ولي من أولياء الله سبحانه وتعالى.
هؤلاء شأنهم عند الله عظيم. بعض البشر قد يكون عند الناس لا قيمة له، ولكنه عند الله عظيم جداً. لما مات سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه وعمره في الإسلام ست سنوات، اهتز لموته عرش الرحمن، أعظم المخلوقات على الإطلاق اهتز فرحاً لموت سعد بن معاذ لأنه سيستقبل هذه الروح الطيبة الطاهرة. ست سنوات فقط بالإسلام يصل به الحال إلى أن يهتز لموته عرش الرحمن.
يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الحمد لله تملأ الميزان». جاء في حديث سلمان موقوفًا ومرفوعًا، وموقوف أشبه كما يقول ابن رجب، بأن الميزان يسع السماوات والأرض، ثقيل جداً. هذا الميزان كيف ستملأ به؟ كيف ستملأ بالأعمال؟ هو يسع السماوات والأرض. هذا الميزان يملأ بالحمد لله، لكن أي حمد لله؟ هل كل من يقول الحمد لله تملأ هذه الكلمة الميزان؟ أم الذي يقول الحمد لله وتتواطأ هذه الكلمة واللسان؟ لا شك بأن القول الثاني هو الأقوى، عندما يقول شخص الحمد لله ويستحضر نعمة الله سبحانه وتعالى عليه، وفتح الله سبحانه وتعالى له، وعطاء الله سبحانه وتعالى وهدايته، وأعظم منة من الله سبحانه وتعالى بها على العبد نعمة الإسلام. فلما يستحضر العبد هذه المنن يحمد الله سبحانه وتعالى عليها، هذه الحمد لله التي يتساهل الناس بها، والذين يفوتون الأوقات الكثيرة من غير ذكر الله سبحانه وتعالى، هذه ثقيلة جداً في الميزان.
الحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض. «لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس». هذه الكلمات الباقيات الصالحات عظيمة جداً عند الله سبحانه وتعالى. كثير منا فرط في ثواني عمره وساعاته وأيامه وشهوره وربما سنواته من غير سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، هذه عظيمة وثقيلة عند الله سبحانه وتعالى، أعظم وأحب إلى الله مما تطلع عليه الشمس. الشمس تطلع على ماذا؟ تطلع على كل شيء من الخيرات ومن الكنوز، هذه أحب إلى الله سبحانه وتعالى وإلى النبي عليه الصلاة والسلام من كل ما تطلع عليه الشمس. ويقول ابن مسعود رضي الله عنهما: لو أن رجلاً يكبر والآخر يتصدق بدرهم، هذا يقول الله أكبر وهذا يتصدق بدرهم، لكان الذي يكبر أحب إليّ من الذي يتصدق. القصد أن هذا الميزان ثقيل وهذا الميزان كبير جداً وهذه الأعمال الصالحة هي التي تملأ الميزان.
فكلمة الحمد لله لما يستحضر الإنسان فضل الله وعطاءه ومنته، ويطلق اللسان بقول الحمد لله بتواطؤ القلب واللسان، هذا أعظم الذكر، هذه ثقيلة جداً في الميزان. يقول النبي عليه الصلاة والسلام كذلك: «طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً»، وكذلك يقول: «من أحب أن تسره صحيفته فليكثر الاستغفار». وروي الخليل بن أحمد الفراهيدي رحمه الله تعالى بعد موته فقيل: ما صنع الله بك؟ فقال: غفر لي. فقيل: بما؟ فقال: بسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. فقيل له علم العروض؟ فقال: وجدناه هباءً منثورًا وما نفعنا شيء كما نفعتنا هذه الكلمات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
الله يقول: ﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا﴾ [مريم: 76]. هذه هي الباقيات الصالحات. قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [القارعة: 6-7]. في سعادة، في فرح، في سرور. هذا الإنسان الذي تثقل موازين حسناته، هذا الإنسان سعيد، فرح يوم القيامة، من شدة فرحته يمر على الناس ويقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: 19-20]. فهو في عيشة راضية، في جنة عالية قطوفها دانية، ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: 24].
فهو في عيشة راضية، هذا الإنسان يعيش حياة هنية، حياة سعيدة، حياة راضية لما رآه من النعيم جزاء ما قام به في هذه الحياة الدنيا من أعمال وذكر وصلاة وصدقة ودعوة إلى الله سبحانه وتعالى وحب له سبحانه وتعالى. هذه هي الحياة الحقيقية التي تبقى للإنسان، أما الحياة الدنيا فهي زائلة ذاهبة لا قيمة لها.
ثم قال بعد ذلك: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: 8-9]. تخف الموازين بالأعمال السيئة، لا قيمة لها هذه الأعمال السيئة، فتخف موازين الحسنات عنده وتثقل هذه السيئات، فتخف هذه الموازين ولا يكون لها شيء. فلما توضع أعماله في الميزان تخف هذه الموازين، فهذا الإنسان يكتب عليه بالهلاك ويدخل النار والعياذ بالله. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة: 25-27]. أي الموتة في الدنيا، يا ليتها هي التي قضت علي ولم أبعث بعد ذلك. ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: 28-29].
اللقطات الكبيرة التي صرفها في الدنيا من أجل المال ومن أجل الدنيا والتنافس عليها والتحاسد لم تنفعه يوم القيامة. الحرص على الشهادات، الحرص على المناصب، على الجاه، أن يذكر الإنسان، هذا كله ذهب، خلاص، ما أغنى عنه هذا السلطان، هذا المال، هذه كلها ستذهب وتزول ولا يبقى إلا الأعمال الصالحة. ثم الله يقول: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: 30-32]. لماذا؟ ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الحاقة: 33-34].
هنا الله يقول: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: 9]. أي يسقط في النار على أم رأسه، وقيل مرجعه ومسكنه ومأواه الهاوية. والهاوية من أسماء النار، فهذا الإنسان يرجع إلى أمه إلى مسكنه إلى مأواه النار والعياذ بالله. ويروى في الحديث بأن العبد إذا مات ترفع روحه إلى السماء، فإن كان من أهل الجنة يتلقاها أصحاب الجنة بالفرح والسرور ويسألون عن فلان أي من أصحابهم أو ممن كانوا يعرفونه في الدنيا، فيقول: ألم يأتيكم؟ قد مات. ثم يقال: قد صرف به إلى أمه الهاوية. نسأل الله السلامة والعافية.
فأهل الجنة يتلقون أهل الجنة، أهل الخير يتلقون أهل الخير، فالروح ترتفع بعد ما يموت الإنسان ويبكي موطنه الذي كان يصلي فيه ويعبد الله سبحانه وتعالى به، وكذلك تفتح لأصحاب الخير والصلاح أبواب السماء ولكل إنسان باب تدخل روحه منه ثم يغلق هذا الباب. فتبكي السماء وتبكي الأرض على هذا القسم من الناس، لكنها ما تبكي على أهل الشر والضلال. ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: 9]. ثم قال الله مفخماً ومعظماً لشأن هذه الهاوية: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ [القارعة: 10]. ما أدراك يا محمد ما هذه الهاوية؟ ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: 11].
هذه النار الحامية هي التي يحذر الله سبحانه وتعالى عباده من ارتكاب الآثام والمعاصي التي تقودهم إليها والعياذ بالله. انظروا كيف هذه السورة بوجازتها وقلة آياتها كيف أنها تكلمت عن هذا اليوم بهذه الطريقة وهذه القوة وهذا البيان وهذا البلاغ. فتحدثت عن يوم القيامة وعن خطر هذا اليوم، وتحدثت عن أخطر ما يقع في هذا اليوم وهو الدخول إلى النار. القيامة ستقوم وبها أهوال عظام، ونهاية هذه الأهوال العظام دخول جهنم لمن يعصي الله سبحانه وتعالى.
كيف أن هذه الآيات لما يقرأها النبي عليه الصلاة والسلام تؤثر فيه؟ كيف تؤثر بالصحابة رضي الله عنهم؟ كيف أن هذه الآيات تقوى على مجابهة إعلام الكفار؟ وكيف الله يتابع الحديث عن يوم القيامة في هذه السور المكية في القرآن الكريم؟ في كل فترة ينزل الله آيات تتكلم عن يوم القيامة وتتكلم عن الزلزلة، تتكلم عن القارعة، تتكلم عن الحاقة، تتكلم عن الواقعة، الآزفة، هكذا تتتابع الآيات حتى يعظم هذا اليوم في نفوس الصحابة رضي الله عنهم، وكذلك حتى يكبت الكفار ويغلبهم ويقيم الحجة بأوضح بيان وأوضح طريق على هذا القسم الظالم الكفار.
لم تكن شبهات عقلية، إنما كانت شبهات فقط نفسية، فإذا كانت شبهة نفسية لابد أن تجابه بمثل الخطاب حتى تكسر هذا الخطاب، خطاب التسفيه والتجهيل، فيكون هناك خطاب مليء بالثقة، مليء بالتعظيم، مليء بالبيان والوضوح، وكذلك تكون العبارات مثل ما ذكرنا ثقيلة وتكون واضحة مباشرة، ما تكون لها مقدمات إنما مباشرة تتكلم هذه الآيات عن هذه الأمور، وبهذه الطريقة يتم التغيير في نفوس الناس، بهذه الطريقة يتم تثبيت الإيمان، بهذه الطريقة يتم غلب التصورات المخالفة للدين.
إذا نستفيد من هذه السورة مثل هذه الفوائد العظيمة: أول شيء نقرر الإيمان في قلوبنا عن هذا اليوم العظيم ونتابع ذكر يوم القيامة ونعيش مع آي القرآن الكريم حتى يعظم هذا اليوم في نفوسنا. وقد يؤمن أكثر المسلمين، بل كل المسلمين يؤمنون بيوم القيامة ولكن الإيمان لا يكون كبيراً، فلما لا يكون الإيمان كبيراً في النفوس والجوارح، ما تنطلق في العمل الإسلامي، فيؤمن بيوم القيامة لكن يقع بالكبائر، يقع بالبدع، يقع بالمخالفات إلى آخره، ويكثر من الصغائر ويتساهل فيها، وسبب ذلك ضعف الإيمان بيوم القيامة.
قوة الإيمان بيوم القيامة تكون من خلال تكرار الآيات وتنوعها والعيش اليومي معها، ليس العيش هكذا شهري أو أسبوعي إنما العيش اليومي، فكل يوم لما نقرأ سورة مثل هذه السور ونعيش معها، مع مرور الأيام والليالي يعظم الإيمان في نفوس المسلمين ويزداد ويصل الإنسان إلى درجة أنه ما يفكر إلا بيوم القيامة، ثم يأتي بعد ذلك ضبط ميزان الدنيا.
وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا. لكن أن نجعل الدنيا هي المتمكنة من قلوبنا وكل ما نراه ونسمعه في حياتنا هو يعظم الدنيا في نفوسنا من غير أن نشعر. فلما تعظم الدنيا في نفوسنا وتكبر وتتسع، هنا لا يكون ليوم القيامة نصيب كبير في حياتنا. ربما يكون هكذا ندعو دعاء من غير شعور ومن غير استحضار، فما يكون تأثير كبير في أعمالنا.
وكثير من مشاكلنا التي نعيش فيها اليوم هو ضعف الإيمان بيوم القيامة. لو كان الإيمان عظيماً بيوم القيامة، نفس هذا الإيمان سيحملك على القيام بالأعمال الصالحة، ولن تفرط بالثواني ولا بالدقائق ولا بالساعات، ولن تتساهل بتضييع الأعمال التي لا ينبغي على شخص أن يضيعها. لكن الشخص يضيعها ويفرط بها لأن نفس الإنسان غير مستشعرة أن القيامة قريبة، غير مستشعرة أن القيامة عظيمة.
نعم هو يؤمن بهذا لكن إيمانه ليس قوياً، فالنفس غير مستعدة للتضحية؛ النفس لم تتشرب هذه المعاني كما تشربت نفوس الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم وأرضاهم هذه المعاني الإيمانية الكبيرة والثقيلة.
إذاً هذا بعض ما يتعلق بهذه السورة، والله أعلم وأحكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله، وجزاكم الله خيراً.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري