استعن بالله. الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فأحيّاكم الله إخواني، وسدّد على طريق الخير خطاي وخطاكم. الليلة بإذن الله سنتكلم عن موضوع يعتبر هو أهم ما جاء به الإسلام، بل هو أصل الإسلام، وهذا الأمر الذي سنتكلم عنه متعلق بالله سبحانه وتعالى، بل متعلق برسالة الملك إلينا معشر البشر. هذا الأمر على جلالته وعظمته ووضوح أثره، نجد أن أكثر الناس لا يعتني به، بل أكثر الناس لا يعتني به.
وأنا من الأمور التي أتعجب منها غاية العجب، وكنت أتأملها عبر التاريخ، كيف أن العلماء يذكرون بضرورة الرجوع إلى القرآن كما كان في زمان النبي عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك تجد أكثر الناس لا يستجيبون. متى هذا؟ من القرون بعد القرون المفضلة. الصحابة تعلموا القرآن الكريم بطريقة معينة، وهي أن الآيات كانت تنزل، فكان الصحابة لا يتجاوزون هذه الآيات حتى يتعلموا ما فيها من علم وعمل وإيمان. الصحابة اعتنوا عناية كبيرة بتبليغ من يقرأ عليهم القرآن بهذه الطريقة، ولذلك يقول أبو عبد الرحمن السلمي -وهو من التابعين- ذكر طريقة تعلم القرآن من الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم.
متى بدأ الانحراف؟ بدأ الانحراف في القرن الثالث والقرن الرابع، بدأ الناس يتغيرون تدريجياً حتى فشى وانتشر الانحراف في طريقة تعاطي القرآن الكريم. ولم يزل العلماء يذكرون بضرورة الرجوع إلى القرآن كما كان الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم يأخذونه من النبي عليه الصلاة والسلام؛ حتى كان مجاهد بن جبر يقول: قرأت القرآن على ابن عباس ثلاث مرات، أقف عند كل آية أسأل عن معناها، ما المراد بهذه الآية، متى نزلت، وما معناها، وهكذا. ثلاث مرات يقرأ القرآن على حبر هذه الأمة ويقف عند كل آية. لذلك كان العلماء يعتنون بتفسير مجاهد بن جبر، مثل الإمام أحمد رحمه الله، والإمام البخاري في صحيحه؛ كان تفسير الغريب في الغالب مأخوذاً من مجاهد بن جبر.
القصد من هذا الكلام كله أن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين تعلموا القرآن بهذه الصورة، ثم بدأ هذا الأمر ينتقل تدريجياً. في زمان ابن عبد البر رحمه الله تعالى، لما ذكر أثراً وكان يشرح موطأ مالك، كما في التمهيد وكذلك في الاستذكار، لما شرح أثر ابن مسعود الوارد في حفظ الحدود وعدم الاهتمام بحفظ الحروف؛ قال: إن الزمان إذا كان زماناً فيه فقهاء كثر وفيه قراء قلة، فهذا زمان خير، هذه علامة خيرية الزمان، أما إذا كان في الزمان كثرة القراء مع قلة الفقهاء، فهذه علامة على عدم خيرية هذا الزمان. ابن عبد البر في تعليقه يقول: هذا كما في زماننا هذا، هذا قرن الخامس. ثم بعد ذلك لما انتقل إلى القرطبي في مقدمة تفسير القرطبي، ذكر من ضمنها العناية والمبالغة بحفظ القرآن وترنيم القرآن الكريم والتغني بالقرآن الكريم على حساب الجانب المتعلق بالفهم والتدبر والعيش معه والعمل به. وهذا من القرن السابع الهجري، كان العلماء يذكرون ويتكلمون وينبهون على ضرورة أخذ القرآن كما كان يأخذ الصحابة الأجلاء. ما زال العلماء بهذه الطريقة حتى أتينا إلى زماننا هذا، ونجد في زماننا هذا أن الناس كذلك يعتنون ويبالغون في العناية بحفظ القرآن أكثر من عنايتهم بتدبر القرآن والعيش مع القرآن الكريم.
التصور ما زال هو التصور، لم يتغير. الحمد لله، الإنسان له ثلاث حالات: إما أن يكون عنده تصور ويوافق هذا التصور العمل، فالعمل يكون مبني على التصور الموجود عنده، أو يكون عنده تصور والعمل يكون مخالف له، أو يكون عنده تصور فاسد والعمل موافق لهذا التصور الفاسد. البشر لا يخرجون عن هذه الثلاثة. تصور صحيح في يوم القيامة، وعمله صحيح موافق لهذا التصور وموافق لهذه العقيدة. النوع الثاني، وهذا حال كثير من الناس: التصور صحيح في يوم القيامة ويؤمن بيوم القيامة، لكن العمل ليس عمل من يؤمن بيوم القيامة؛ لماذا؟ لأن هذا التصور لم يرسخ، وهذا الذي سنذكره إن شاء الله بعد قليل في سورة التكاثر: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: 5]، علم لكن لم يصل إلى اليقين. الصورة الثالثة: أن شخصاً عنده تصور خاطئ، لا يوجد يوم القيامة، والعمل يكون مبني على هذا التصور.
لما نأتي عند القرآن الكريم، لما نسأل أكثر الناس اليوم: هل الأولى حفظ القرآن أم فهم القرآن؟ أكثر الناس يقولون: فهم القرآن. هذا التصور لم يتغير، لكن المشكلة في التطبيق. أكثر الناس لا يعتنون بفهم القرآن ولا يعتنون بتدبر القرآن ولا يعتنون بالعمل بالحرص على العمل بالقرآن، إنما تكون عنايتهم غالباً في الحفظ، أو تكون غالباً في التجويد، أو في كذا وكذا من الأمور المهمة، ليست غير مهمة، لكن لا بد أن نعرف أن النصوص الواردة في حفظ القرآن كلها لا تنطبق إلا على من عمل بالقرآن الكريم. يقول عليه الصلاة والسلام: «والقرآن حجة لك أو عليك». يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا. «إن لله أهلين من الناس»، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: «هم أهل القرآن، أهل الله وخاصته». هؤلاء أهل القرآن ليسوا الذين يحفظون فقط، إنما الذين يتعلمون ثم يعملون بما فيه. أما الحفظ المجرد عن الفهم لا يكون أصحابه بهذه المنزلة ولا بهذه الدرجة.
القصد من هذا أن هذا الأمر مع وضوحه وجلائه، نجد أن الناس لا يطبقونه. لماذا؟ كل الناس، أي كل المسلمين، يعلمون بأن القرآن رسالة الملك إلينا، ويعلمون بأن هذا أعظم كتاب عندنا، هو الكتاب المقدس عندنا معشر المسلمين، ومع ذلك لا تكون هناك عناية بالقرآن الكريم؛ وإذا وجدت العناية، لا تكون عناية كما كانت العناية في زمان السلف الصالح رضي الله عنه ورضاه، إنما تكون عناية بأمور أخرى. حتى من يتخصص في التفسير، لما يدخل في التفسير تكون غالب عنايته بالأمور الشكلية، أي برسم العلم؛ يعتني بالناسخ والمنسوخ، يعتني بتعريف المحكم والمتشابه، يعتني بقراءة كتب في علوم القرآن في أصول التفسير، يعتني بقراءة المنهجيات؛ منهجية ابن كثير، منهجية القرطبي، منهج الطبري في التفسير. يعتني بهذه الأمور، لكن لا يعتني كثيراً بنفس المعاني. لماذا؟ هذا كذلك من الأمور التي فيها خلل في التعاطي مع القرآن الكريم والتعامل مع القرآن الكريم.
لم ينزل القرآن الكريم فقط على العلماء، إنما القرآن الكريم نزل على جميع المسلمين، أي أن كل مسلم يستطيع أن يصل إلى تدبر القرآن الكريم. نعم لا بد من وجود التفسير، لكن ليس المقصود من التفسير شخصاً بالضرورة أن يكون متعمقاً في القراءة في التفسير، هذا ليس بالضرورة. نعم، إذا كان متعمقاً يكون هذا أحرى بإصابة المعنى أو التأمل فيه أكثر من شخص لا يكون عنده هذا الأمر، لكن العناية بالأمور المتعلقة بالرسم أو بالشكل هذه لا تقرّب الشخص كثيراً إلى القرآن الكريم.
إذاً، هذه رسالة الملك سبحانه وتعالى إلى معشر البشر، ينبغي أن يعطيها حقها. ولو قيل لشخص: إن عندك عصا موسى عليه السلام التي لو ألقاها لأصبحت حية تسعى ثعبان مبين، لكان هذا الرجل مغبوطاً غبطة كبيرة بهذه المعجزة وهذه الآية العظيمة. طيب، إذا قيل لك: بأن معك آية هي أعظم من هذه الآية، وهو كتاب الله سبحانه وتعالى الذي لو قدر الله أن يكون هنا كلام، إذا قرئ على الميت ليعيش، وإذا قرئ على الأرض لتتشقق، وعلى الجبال لانهارت وتصدعت، لكان هذا الكلام هو القرآن الكريم. إذاً هذا الكتاب العظيم الذي أنزل الله سبحانه وتعالى على البشر حتى يتعرفوا عليه هو سبحانه وتعالى، وحتى يتعرفوا على المراد الذي يريد الله سبحانه وتعالى منهم، ينبغي أن تكون علاقة البشر معه قوية وعظيمة، ويكون بينهم وبين القرآن ترابط قوي وعظيم.
هل من السهل الوصول لهذه الدرجة؟ هي سهلة وصعبة، هي سهلة على من أراد الله له سبحانه وتعالى تسهيله. الله يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17]. ولكنها حقيقة صعبة وشاقة إذا ما قدّر العبد هذا الشيء؛ يعني إذا ما قدّره، هو ينشغل بالأمور الأخرى، فيُحرم، لذلك لا يصل إلى درجة الفتح عليه في العلاقة مع الله سبحانه وتعالى والتعامل مع كتابه كما كان يتعامل علماء الإسلام العظماء.
طيب، لماذا هذا الشيء؟ لماذا الناس مع كثرة التذكير في كل عصر وفي كل جيل، ومع ذلك لا يستطيع العلماء أن يصلحوا واقع الناس، إنما يتم إقامة الحجة وإصلاح أفراد لكن عامة الناس يتعاملون مع القرآن على الطريقة التي اعتادوا عليها؟ لماذا لا ينصلح حال الناس؟ لأن الشيطان موجود، لا توجد إجابة غير هذه الإجابة. كيف الشيطان موجود؟ يعني الشيطان أثر في هذه الترتيب في نفوس الناس في نفس الطريقة، ثم لما تغيرت طريقة التعاطي مع القرآن الكريم، أصبح الكلام مجرد ما يؤثر. وهذا هو الإنسان؛ الإنسان من حيث هو الإنسان، لما يتم الإكثار عليه في شيء ثم يأتي آخر يقول: ترى هذا أعظم من هذا، نعم صح، هذه حجة عقلية اقتنع بها، لكن نفسه ما اقتنعت، عقله اقتنع أن هذا الأمر أفضل من هذا الأمر، لكن في الحقيقة هذا الأمر غير موجود عنده.
أضرب لكم مثالاً ويتضح المقال، ثم ننتقل إلى التعليق على سورة التكاثر التي اعتُمد اختيارها للتعليق عليها في هذا المجلس. نأتي في زماننا هذا، نجد أن الدراسة معظمة عند أكثر الناس، فنجد بأن بداية الدراسة الساعة السابعة والنصف، نجد الشوارع مكتظة والمدارس مملوءة، طيب، في المساجد قبلها بساعة أو ساعتين نجدها فاضية، صح ولا لا؟ فلو سألنا كل هؤلاء -لا أقول بعضهم، أقول كلهم-: أيهما أعظم، الصلاة أم الدراسة؟ كلهم سيقولون: الصلاة. طيب في التطبيق؟ صح، دعونا من التطبيق ودعونا من التنظير. الآن هذا الإنسان إذا نام عن الصلاة ما الذي يقع في قلبه؟ ما الذي يقع في قلب أسرته؟ لا شيء. طيب، إذا نام عن الاختبار -لا أقول الاختبار، بل أي أمر دنيوي- ما الذي يقع في قلبه؟ هو مصيبة، صح؟ طيب الذي في قلب أسرته، الوالد والوالدة؟ الحرب العالمية الثالثة، صح ولا لا؟
طيب، الآن هذا الأمر الذي وقع في القلب، اللي هو التعظيم والحزن والأسى، ستصبح موجودة في هذا البيت الذي فات طالب الاختبار. لماذا؟ ألا يعلم بأن الصلاة سيسأل عنها يوم القيامة وفي قبره وأول ما يسأل عنه؟ نعم يعرف هذا، وكلهم يحفظون الأحاديث بعد. طيب لماذا هذا الشيء؟ لأن لا يمكن أنك تصلح واقع مجتمع أو واقع ناس بالكلام مع كثرة الضغط في جانب آخر، ما تستطيع. الصحابة ما كانوا بهذه الطريقة. تقول لي: طيب هذا في زماننا هذا، لماذا؟ إذاً أقول لك: لأن طريقة لما تم إنشاء الحلقات، تم التعظيم بشأن الحفظ ولم يتم التعظيم بشأن العمل والتدبر والعيش معه، فأصبح الناس هكذا يتوارثون هذا المعنى، فلما يأتي عالم يريد أن يصحح هذا المسار، ما يستطيع. كيف يستطيع؟ يستطيع لما ينشئ عملاً، لكن هل هذا العالم أو هذا المصلح أو هذا الداعية هل يستطيع أن ينشئ عملاً يكافئ أو يطابق أو يوازي العمل الذي هو على مستوى الأمة بهذا الجانب؟ هو يستطيع أن ينشئ ويكون هناك نوع تأثير، لكن حتى تأثيره يكون في لحظة زمنية معينة بمقدار أثره في تطبيق هذا العمل، ثم بعد ذلك يستمر الناس بهذا بشكل.
لا يُفهم من هذا الكلام أبداً، ولا يُفهم منه أن يتم التقليل من شأن حفظ القرآن، هذا عظيم، وهذه الأمة مدحت بأن آياتها في صدورها، والله يقول في كتابه: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: 49]. لكن فارق كبير بين تعظيم هذا الأمر وبين تغليب الحفظ وجعل مقارنة أو أعظم من الفهم أو التدبر أو العيش مع كتاب الله سبحانه وتعالى. ولم يكن الإنسان مخيراً بين هذا وهذا، يقدم هذا، لكن إن استطاع أن يجمع بينهما فلا شك بأن هذا هو التمام وهذا هو الكمال وهذا هو الأصل.
طيب، اليوم معنا بإذن الله سورة هي سورة التكاثر، نريد أن نعلق عليها تعليقاً هكذا موجزاً وسريعاً، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا وإياكم بما يقر الله سبحانه وتعالى. ذكر في سورة التكاثر، أو سورة التكاثر هي إحدى السور المكية على قول جماهير أهل العلم، وبعض العلماء يرى بأنها من السور المدنية، وسبب قولهم بأنها من السور المدنية أن حيين عن قبيلتين من الأنصار تشاجرا، وقع بينهما جدال، فتفاخروا وتكاثروا حتى ذهبوا إلى المقابر وأخذوا يقولون: منا فلان ومنا فلان، على عادة العرب بالتفاخر بأنسابها وأحسابها ورجالها. لكن قول جماهير أهل العلم أن هذه السورة سورة مكية، ويدل على ذلك المعاني المذكورة بها. يقول الله سبحانه وتعالى في مطلع هذه السورة: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾.
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾. قال هنا: الهاكم التكاثر؛ الله سبحانه وتعالى لم يبين هنا الأمر المتكاثر به، لم يذكر التكاثر بالمال، التكاثر بالزوجات، التكاثر بالأفعال. لم يذكر هذا لأحد أمرين اثنين، أو قد تشمل الآية كلا الأمرين. الأمر الأول: أن المقصود به هو نفس التكاثر، كما تقول: شغلك اللعب، فالمقصود نفس اللعب، اللعب بكذا أو كذا. الأمر الثاني: لحقارة هذا الأمر المتكاثر به؛ والعرب لما لا تذكر الشيء يكون عدم ذكرها له لأحد أمرين: إما للتحقير أو للتعظيم، ونعرف التحقير من التعظيم من خلال السياق.
هنا الله لما يقول: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، هذا في سياق الذم؛ ليبين أن هذا الأمر الذي تتكاثر فيه لا قيمة له، وألهاكم عن شيء هو أعظم منه. وهنا حث المتعلق؛ حتى يقدر كل إنسان الأمر الذي يتكاثر فيه. بماذا تتكاثر؟ البعض يتكاثر بالمال، وهذا كثير، وجاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن الشخير أنه قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، ثم يقول: «يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟ هذا هو في الحقيقة مالك، وما سوى ذلك فتارك للناس». هذا مال الورثة، ليس مالك أنت.
الناس يتكاثرون في الأموال تكاثراً ليس حقيقياً، إنما هو تكاثر شهوة ليست حقيقية. الشهوات تنقسم إلى قسمين: هناك شهوات حقيقية مثل الأكل، هذه شهوة حقيقية. وهناك شهوات ليست حقيقية؛ شخص عنده 100 مليون يريد أن يصبح عنده 200 مليون، ما الفائدة منها؟ شهوة مزيفة ليست حقيقية. الإسلام ينفي هذا، لكن الشهوة الحقيقية يستمتع الإنسان بها في الدنيا، أما الشهوة المزيفة فلا يستمتع بها. من ضمن الشهوات المزيفة الأعداد؛ الواحد يتكاثر بعدد المتابعين، عنده 100 ألف، عنده مليون، طيب ثم ماذا؟ هذه ليست شهوة حقيقية، هذه شهوة مزيفة.
القصد من ذلك أن ابن آدم، أو لا أقول فطرة، غريزة ابن آدم، شهوة ابن آدم لا تنتهي. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب». ابن آدم لا تنتهي شهوته؛ هو الآن يأخذ هذا الراتب، ثم بعد ذلك يتوسع، وإلى متى يتوسع؟ إلى أن يموت. وليس فقط هذا، بل يتعلق قلبه بهذا الشيء، فتريد أن تفكه منه فيصعب عليه الانفكاك عنه؛ لأن هذا الأمر تعلق به.
لذلك الله سبحانه وتعالى كثيراً ما يضرب مثل الدنيا بالماء؛ لأن الماء لما تدخل فيه لا بد أن يصيبك أثره، لا يمكن أن تحمي نفسك منه إلا إذا حماك الله. لذلك جاء في حديث قتادة بن النعمان أن الله إذا أحب عبداً حماه الدنيا؛ هو الذي يحمي، لا يستطيع الإنسان أن يكف تعب الدنيا، لا بد أن تؤثر فيه. والدنيا كذلك من أسباب ضرب مثال الماء أن الماء لا يمسك، كذلك الدنيا لا تمسك؛ يعني لا تظن بأنك ستصل إلى درجة في الدنيا تقول: خلاص أنا الآن قد اكتفيت، لا يمكن، لأن الدنيا بطبيعتها هكذا، والإنسان مفطور على محبة الاستكثار.
الله ينبه البشر يقول: انتبهوا، نعم أنتم خلقتم في هذه الدنيا من أجل الاختبار والابتلاء، والله سبحانه وتعالى قدر أن يكون الإنسان بهذه الصورة، وقدر أن تكون المغريات بهذه الصورة حتى هذا العبد يعبد الله سبحانه وتعالى عبودية الاختيار. ونبه الله سبحانه وتعالى، وكرر في كتابه العظيم الحديث عن يوم القيامة، وعن عدم اهتمام الدنيا، وعن مركزية الآخرة؛ هذا كله حتى لا تغتر بهذه الدنيا، حتى لا تتشبث بها ويصل أثرها إلى قلبك فيعسر عليك أن تخرجها من قلبك.
يقول هنا: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، ومن أغرب القصص المذكورة في هذه الآية ما ذكره ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله، وكذلك ذكر الشاطبي في الموافقات، أن أحد علماء الحديث خرج حديث «إنما الأعمال بالنيات» من مئتي طريق، وفرح فرحاً شديداً بهذا العمل. مئتي طريق، تخيل كم أخذ منه من أيام عديدة! ثم لما نام رأى في المنام يحيى بن معين رحمه الله، فقال: يا أبا زكريا، إني خرجت حديث «إنما الأعمال بالنيات» من مئتي طريق. قال: فأطرق يحيى ثم قال: أخشى أن تدخل في قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾.
أتدرون ما معنى هذا الأمر؟ أن أكثر البشر لا يخرجون من التكاثر، لكن يختلف نوع الأمر المتكاثر فيه. البعض يتكاثر في الشهادات، البعض في الأسانيد، البعض في السفرات، والبعض يتكاثر حتى في أعمال الخير؛ مع أن أعمال الخير ما جاء في النصوص الشرعية مدح الكثرة، إنما النصوص كلها متعلقة بالحسن. الميزان الأخروي متعلق بحسن العمل، ليس بكثرة العمل المجردة. لا يفهم من هذا الكلام يا إخوان أن شخصاً ما يكثر من العمل فنقول: توقف حتى لا تدخل في الكثرة، ليس هذا المقصود، لكن المقصود أن لا يجعل الشخص الكثرة هي المعيار، إنما يجعل الحسن هو المعيار.
الشاهد من هذا الكلام كله أن الله سبحانه وتعالى ينبه البشر على عدم الانشغال بغير ذكر الله سبحانه وتعالى، وأن الإنسان إذا لم تكن الآخرة معظمة في قلبه، واستحضار النار دائماً أمامه، لا بد أن يتكاثر في الدنيا. الله يقول، خطاب لجميع البشر: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: 20].
في النهاية، هي الآخرة هي الباقية. هنا الله لما تكلم عن هذا الأمر، التكاثر، ليبين للصحابة الأجلاء رضي الله عنهم أن هذا الأمر الذي تتكاثر فيه، أو قد تتكاثر فيه مما هو منتشر عند العرب، أي التفاخر بالأحساب والقبائل والأفعال، انتبهوا أن يشغلكم، انتبهوا أن تتعلقوا به؛ هذا لا قيمة له يوم القيامة عند الله سبحانه وتعالى. يوم القيامة يأتي العبد عند الله فرداً، عبداً وحيداً كما خلقه الله سبحانه وتعالى. فأي تكاثر، حتى التكاثر أحياناً يكون من بعض الصالحين بالجمعات: أنا ابن الجماعة الفلانية. طبعاً كان في السابق التكاثر في المذهب، هذا يا إخوان كله خطأ.
قال الله: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، ثم قال: هذا التكاثر إلى أين أدى بكم؟ إلى متى تكاثرتم؟ حتى ماذا؟ ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾. يعني هو يتكاثر ويتكاثر حتى يموت، والمشكلة أن الإنسان ما يقف كما قلت لكم؛ يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان: حب الدنيا وطول الأمل». وقيل لأحد العرب في سالف الأزمان لما قتل ابنه من أحد العرب وهرب، فأرادت القبيلة الأخرى أن تقتص ولا ستكون المعركة والقتال، فطلب منه أن يأتي بابنه الذي هرب، فقال: لا أجد له سبيلاً، لا أستطيع، فإن وصلتم إليه فاقتلوه، هو مكان ابنكم.
فقالوا: إذاً نخيرك بين ثلاث، بين أن تعطينا أكبر أبنائك فنقتله بـقتيل، أو تقدم نفسك، أو تأتينا بالهارب، أو تدلنا على مكانه. فقال: وهذا الشيء غريب، أما الهارب فقد قلت لكم أني لا أستطيع الوصول إليه فإن وصلتم إليه فاقتلوه، وأما الأكبر فلا؛ فهو أعز أبنائي إليّ وأحبهم إليّ ولا ذنب له ولا جرم عليه، وله أبناء فإن قتلتموه سيحاسبني أبناؤه على قتله، قال: وأما أنا فهو شيء كبير فلا تعجلوا الموت. انظروا، حتى هذا هو الإنسان، هذا هو الإنسان إلا من حماه الله سبحانه وتعالى.
هو شيخ كبير قال: أما أنا فلا تعجلوا الموت؛ لأنه يكبر الإنسان ويكبر معه اثنان: حب الدنيا وطول الأمل. عمره 60 سنة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «أعمار أمتي بين الستين والسبعين»، ولما يجلس في المجالس يقول لك: ما رأيكم نسافر إلى كذا؟ ما رأيكم نشتري كذا؟ أيش رأيكم بالتجارة؟ تقول: كيف هذا الشيء؟ الآن عمره 60 خلاص، والآن يعني القبر فتح فمه له، وهو ما زال يفكر بالدنيا وطول الأمل. وهذا مصداق قول النبي عليه الصلاة والسلام لما خط خطاً، وكان ينوع طريقة توجيه الصحابة رضي الله عنهم، خط خطاً طويلاً، ثم وضع مربعاً داخل هذا الخط، وشق من الخط خارج المربع، وشقاً داخل فيه.
فقال عليه الصلاة والسلام: هذا ابن آدم في الوسط، وهذا أمله خط طويل، وهذا أجله محيط به أو قد أحاط به؛ يعني هو عنده أمل وعنده دنيا وراح أفعل كذا، لكن الأجل محيط، يعني الأجل سيكون قبل الأمل. ولم ينفذ أي إنسان كل ما يريده في الدنيا، سواء كان صالحاً أو طالحاً؛ لا يوجد أحد من الصالحين أدى كل شيء يريده في الدنيا، إنما هو كان يريد أن يستكثر من الطاعات حتى أخره الأجل وهو عنده مشاريع وعنده دعوة وعنده ما يريد تحقيقه، لكن حضر الأجل قبل أن يصل إليها.
وكذلك من الطالحين؛ تجد عنده أفكاراً، عنده طموحات، عنده كذا، لكن أخره الأجل قبل أن يصل إلى ما يريد الوصول إليه. قال: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾. إخوان، تأملوا في هذه الآية أو في هذه اللفظة القرآنية؛ قال: ﴿زُرْتُمُ﴾ ولم يقل: أقمتم؛ لماذا؟ لأن كل ما سيكون في القبر هو عبارة عن زيارة، والزيارة كم مدتها؟ ساعة، ساعتين، ليست ضيافة. المدة التي سيمكن الإنسان فيها في القبر هي زيارة؛ ألف، ألفين، 5000 سنة، 10000 سنة، هذه كلها بالنسبة ليوم القيامة زيارة، لا شيء.
قال: ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. ويا إخوان أي «كلا» في القرآن الكريم قف عندها طويلاً؛ لأن «كلا» من الملك عظيمة، «كلا» عند العرب ثقيلة، ومن الملك تكون أثقل وأعظم. «كلا» يعني هذا الأمر خطير، يعني لما يقول الله: كلا، يعني لا، هذا الأمر كبير جداً. و«كلا» في القرآن تأتي على معنيين؛ إما بمعنى حقاً، أي للتوكيد، أو بمعنى ليس الأمر كما تقول، أي للنفي والزجر. فهنا الله يقول: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، أي «كلا» هنا يراد منها نفي وزجر ونهي، فتجمع النفي، أي نفي فائدة هذا التكاثر، وكذلك الزجر عن هذا التكاثر.
﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. والتكرار من الملك كذلك عظيم، ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، أي في الدنيا عندما يعاين الإنسان الموت، ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، أي كذلك في البرزخ سوف تعلمون عقبة هذا التكاثر قبل أن تموت؛ لما تكون ممدداً على الفراش ويأتيك ملك الموت يريد أن يقبض روحك ويكشف الغطاء، في هذه اللحظة سوف تعلم أن كل ما فعلت وتكاثرت به لا قيمة له، وأن الشيطان خدعك بإدخالك بهذه المصيدة الكبيرة التي لا ينجو منها إلا من سلم الله سبحانه وتعالى.
الشيطان من أقوى وسائله، بل أعظم وسائله بالإغواء سلاحين: سلاح «سوف» وسلاح الغفلة. «سوف أتوب»، «سوف أفعل»، والغفلة يغفل هذا السلاح فيتأخر، عند الشيطان هذا من خلاله يغوي به أكثر البشر، يدخل ثم يدخل في هذه الدائرة هو يعيش ويعمل بداخلها، والله سبحانه وتعالى لا يريد من هذا كله، وهذا كله لا قيمة له يوم القيامة. لذلك الله يقول: لما يأتيك ملك الموت وأنت في السكرات، سوف تعلم أن كل هذا الذي تكاثرت فيه لا قيمة له.
﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، أي وعيد بعد وعيد. والوعيد الأول كما يقول جماعة من العلماء: أنهم الموت، ورجح ابن القيم الوعيد في الدنيا، أي قبل الموت في سكرات الموت. والوعيد الثاني سيكون في القبر لما يأتيك الملكان الأسودان الأزرقان، فيقولان لك: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ ثم تأتيك الأعمال وتتمثل لك أعمالك التي كنت تعمل بها في الدنيا، هنا سوف تعلم عاقبة ما كنت تفعله في الدار الدنيا التي هي لا قيمة لها. قال: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾. أي لو كنتم تعلمون علم اليقين لما تكاثرتم، لكن المشكلة الموجودة عندكم أن...
عندكم علم، لكنه مثال الشك، كما قال علي رضي الله عنه: ما رأيت يقينا أشبه بالشك من الموت؛ الشخص يعرف ويعلم بأن الموت حق، ولكن فعله وعمله كان شك. قال: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: 3-5]. أي العلم الذي يتمكن في قلوبكم ويصل أثره في قلوبكم إلى أن تنطبق الأعمال وتكون موافقة للاعتقاد، لما فعلتم هذا الأمر، لكن المشكلة أنكم ما تعلمون. لذلك كان يقول عليه الصلاة والسلام: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى».
والله كان يعطي أنبياءه مزيداً من هذا العلم حتى يكسبهم هذا العلم زيادة في اليقين وزيادة في العمل وزيادة في الخوف وزيادة في الرجاء والخشية. النبي عليه الصلاة والسلام صلى مرة بأصحابه وعُرضت عليه النار، حتى كأنه يراها رأي عين. لماذا هذا كله؟ لما أُسري به بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام إلى بيت المقدس ثم عُرج به إلى السماء، رأى الناس يُعذبون في القبور، ورأى الناس يُعذبون في جهنم. لماذا هذا كله؟ من أجل زيادة اليقين. فكان النبي يوصي أصحابه ويذكر أصحابه، يبين لهم بأن العلم الموجود عنده لو كان موجوداً عندكم لما تعاملتم كما تتعاملون الآن، ولتغيرت طريقة المعاملة.
هذا كله أثمر في الصحابة رضي الله عنهم أن يقول علي رضي الله عنه بعد ذلك: لو قيل لي تموت غداً لما زدت شيئاً؛ خلاص ما أستطيع، وصلت إلى أعلى درجة أستطيع أن أصل إليها. ثم قال: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: 6-7]. أي هذه الجحيم وهذه الحقيقة الكبرى، لو كنتم تعلمونها وآمنتم وصدقتم بها تصديقاً جازماً لما تكاثرتم ولما فعلتم ما فعلتموه، لكن لأن الإيمان بالآخرة وكذلك الإيمان بجهنم لم يكن قوياً وعظيماً في النفوس، لذلك الناس قد يتوسعون أحياناً في الأمور المتعلقة بالدنيا بمقدار ضعف حضور المشهد الأخروي في حياتهم.
وهذا يا إخوان، ربع آية القرآن الكريم تتكلم عن يوم القيامة، وفي كتاب الله سبحانه وتعالى تسعة وعشرون اسماً ليوم القيامة، ومجموع الأسماء التي وردت في النصوص الشرعية في الكتاب والسنة عن يوم القيامة يقول حافظ ابن حجر بلغت خمسين اسماً. والعرب لا تعدد الأسماء إلا من أجل أمرين اثنين: واحد الدلالة على الأهمية، واثنين الدلالة على العظمة، يعني هذا شيء مهم وكذلك هذا الأمر جداً عظيم، وكل اسم من هذه الأسماء يبين معنى من المعاني: القارعة، الطامة الكبرى، الصاخة، يوم القيامة، يوم الحشر، يوم النشور، يوم التغابن؛ كل اسم له معنى من المعاني، يريد أن يوصل الله سبحانه وتعالى للبشر جزءاً من هذه المعاني المتعلقة بيوم القيامة.
﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: 6-7]. جهنم لما يؤتى بها يوم القيامة -أعاذنا الله وإياكم منها- تؤتى بطريقة مفزعة. جهنم تأتي يوم القيامة في أرض المحشر -والله أعلم أين كانت جهنم، بعض العلماء يرى بأنها في الأرض السابعة، بعضهم يرى بأنها تحت البحار، بعضهم يقول بأنها في مكان لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى- قصد من ذلك أنه يؤتى بها يوم القيامة. فلما يؤتى بها يسحبها سبعون ألف ملك، لها سبعون ألف زمام، ولكل زمام سبعون ألف ملك، يعني أربعة مليار وتسعمائة مليون ملك يسحبون جهنم، وهي تريد أن تتفلت على البشر.
والبشر لما يسمعون حسيسها يرعبون ويخافون، بل جاء في بعض الآثار أن جهنم إذا شهقت يوم القيامة يخر كل ملك مقرب ونبي مرسل. ثم لما يؤتى بجهنم وهي سوداء تريد أن تأكل أهل المحشر، تريد أن تأكل الجبارون المتكبرون، وكذلك جاء في بعض الحديث عن المصورين: «إني كُلِّفت بثلاثة»، ولها لسان ينطق وعينان تبصران. فيؤتى بها يوم القيامة ثم يُنصب الصراط على جهنم وهي سوداء وليست كما يظن أكثر الناس حمراء، ونارها عظمت على نار الدنيا كما جاء في الحديث بسبعين ضعفاً. لما يؤتى بجهنم يوم القيامة هنا الإنسان يندم على كل شيء فعله، حتى في الأمور المباحة، بود لو أن هذه المباحة كانت في طاعة، بود لو هذه الكلمة التي قالها ولم يكن فيها ولم تكن له فيها نية، بود لو كانت حياته كلها مطابقة لما كان الله سبحانه وتعالى يريد منه، وبود لو كان العلم الذي تعلم والجهد الذي بذل كله للوصول إلى طريقة تحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى في هذه الحياة، ولم ينشغل حتى في الأمور التي هي من ضمن العلم الشرعي لكن لم يكن الله سبحانه وتعالى يريدها أو يريد الإنسان أن يتوسع فيها.
﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: 3-7]. الله يخبر بأن الجحيم لترونها يوم القيامة، وسيزداد هذا اليقين يقيناً، وسيزداد التمني أنكم ما عملتم وما قمتم بما قمتم به في هذه الدنيا. ثم قال: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 8]. أي لما ترون جهنم يوم الحساب، عن النعيم. ما هو النعيم؟ اختلف العلماء، منهم من يقول شربة العسل، منهم من يقول الأكل اليسير، منهم من يقول كذا وكذا، ولكن هنا النعيم يشمل هذا كله.
خرج مرة بأبي هو وأمي النبي عليه الصلاة والسلام والتقى مع الصديق وكذلك الفاروق، فقال: ما أخرجكم؟ فقالا: يا رسول الله ما أخرجنا إلا الجوع. فقال: «خرجني الذي أخرجكم». ثم انطلق هو مع صاحبيه الجليلين العظيمين إلى رجل من الأنصار وهو أبو هيثم بن التيهان، ولم يكن ثم، فسأل زوجته عنه، قالت: ذهب يستقي لنا الماء. فلما جاء ورأى النبي عليه الصلاة والسلام وصاحبيه قال: ما أحد أكرم اليوم أضيافاً مني. ثم انطلق وجاء بعذق من رطب، فقال له عليه الصلاة والسلام: «هل لا اجتنيت؟» فقال: أحببت أن تختاروا على عيونكم. ثم أخذ المُدية أي السكين، وأراد أن يذبح لهم، فقال عليه الصلاة والسلام: «إياك والحلوب». فذبح لهم، ثم جاء فأكلوا حتى شبعوا، وجاءهم بماء بارد ورووا. فلما خرجوا قال النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبيه: «لتسألن عن هذا النعيم».
والسؤال سؤال تنعيم وسؤال تبكيت وتخويف. أما سؤال التنعيم فهو السؤال الذي تفضل الله سبحانه وتعالى به على عباده بأن الله يسألهم عن هذا النعيم حتى يقرر نعمه التي مَنَّ سبحانه وتعالى بها عليهم حتى يزدادوا محبة وتعظيماً وجلالاً له سبحانه وتعالى. هذا يكون لمن شكر النعمة، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، وأن يشرب الشربة فيحمده عليها». إذا حمد الإنسان ربه سبحانه وتعالى على ما أباح من النعيم ثم استعمل هذا النعيم في طاعة الله سبحانه وتعالى، هنا يكون السؤال له سؤال تنعيم.
أما إذا لم يحمد الله سبحانه وتعالى ولم يشكر الله على النعمة التي وهبه الله إياها، ففي الدنيا يحصل معه أحد أمرين؛ ذكي ذكاء قوي أعطاه الله هذه النعمة، قوي صاحب مال، يحدث معه في الدنيا أحد أمرين: إن أراد به خيراً سلب هذه النعمة لماذا؟ حتى يرجع ويتوب ويعود، قوي يصبح مشلولاً، يصبح ضعيفاً، غني يصبح فقيراً، ذكي تصبح تُسلب منه نعمة الذكاء فلا يستوعب ما كان يستوعب قبل ذلك، هذا خير لهذا الإنسان حتى يرجع. أو يترك الله سبحانه وتعالى إذا لم يرد به خيراً حتى يستكثر بهذه النعمة من الذنوب والمعاصي فيوافي قيامته بها.
وجاء في السنن من حديث أبي برزة الأسلمي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه». كل نعمة يمن الله بها عليك ستسأل سؤالاً عنها يوم القيامة؛ الأول من أين أتيت بها؟ هل من طريق جائز؟ من طريق مباح؟ أو من طريق محرم؟ ثم السؤال الثاني: هل شكرت النعمة هذه؟ ماذا فعلت بها؟ كيف تعاملت فيها؟ لما أعطاك الله إياها كيف فعلت مع هذه النعمة؟
وينشر للعبد يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان الحسنات، وديوان السيئات، وديوان النعم كما جاء في المسند لأنس، فتأتي نعمة البصر وتقول: أي ربي إني أريد حقي، فتستوفى، ثم تقول: أي ربي لم أستوفِ حقي. فإذا أراد الله بعبده خيراً وهبه ديوان النعم، وإذا أراد به غير ذلك حاسبه على هذا الديوان. إذاً هذا بعض ما يتعلق بهذه السورة الجليلة والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وجزاكم الله خيراً.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري