دخولتسجيل الدخول

سورة العصر | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فأحياكم الله إخواني وبياكم وسدد على طريق الخير خطانا جميعًا. نكمل مدارسة هذه الآيات، وقبل أن نعلق على سورة العصر، بودي أن أذكر بمعنى مهم جدًا، وهو أن العبد يحرص ألا يفوته يوم إلا ويودع فيه شيئًا من العمل، ويحرص ألا يفوت يوم من الأيام إلا ويذكر الله سبحانه وتعالى في السماء. حاول ألا تفوتك الأربع والعشرون ساعة إلا وقد ذُكرت في السماء.

يقول النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه عز وجل: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم». فإن استطعت كل يوم أن تودع من الأعمال الصالحة في هذه الأربع والعشرين ساعة، وتذكر الله سبحانه وتعالى بينك وبين نفسك، وكذلك تذكر الناس بغاية ما تستطيع؛ يعني مجلسًا هكذا ثلاث دقائق، خمس دقائق، عشر دقائق، لا تحقر من المعروف شيئًا. فتمر على أصحابك معك في الجامعة ومعك في المدرسة وأهل بيتك، وتحدثهم بحديث هكذا دقيقة واحدة، دقيقتين. أعظم ما تحصله هو أن الله سبحانه وتعالى يذكرك. وهنيئًا لعبد يذكر الله سبحانه وتعالى كل يوم.

تصور أنك تعيش ثلاثين ألف يوم، عشرين ألف يوم، عشرة آلاف يوم، ما يمر يوم إلا والله سبحانه وتعالى يذكرك عند الملائكة. فلا تفرط بهذا الأجر وإن كان الوقت يسيرًا، ولكن الفضل عند الله سبحانه وتعالى عظيم جدًا، ويكفي أن الله سبحانه وتعالى يذكرك ويبعث لك الملائكة. إن لله ملائكة طوافين سياحين يلتمسون مجالس الذكر، فإذا وجدوا شخصًا يذكر الله قالوا: هلموا إلى حاجتكم. فتجتمع الملائكة في هذا البيت أو في هذا المجلس أو عند هذا الشخص. فيعرف هذا الإنسان في السماء وكذلك في الأرض، كما ذكرنا في تفسير سورة الزلزلة، بأن هذا عبد ذاكر لله سبحانه وتعالى، هذا عبد دائمًا يذكر الناس ويسير بالناس بالخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ولا يفوت يوم إلا واسمه مذكور في الملأ الأعلى.

هنيئًا لعبد يذكر كل يوم في الملأ الأعلى، هذا العبد كم ستكون نسبة الحماية الإلهية؟ كم سيكون الفضل الإلهي الذي يمن الله سبحانه وتعالى به عليه؟ كم سيكون حظ هذا العبد من رحمة الله سبحانه وتعالى؟ الرحمة مع الهداية مع الحماية، هذه كلها أمور متداخلة. إذا أحب الله سبحانه وتعالى إنسانًا حماه، وهذا العبد ما يحب الله سبحانه وتعالى حتى يقرب الله سبحانه وتعالى القربان، وحتى يسعى جاهدًا أن يذكر، وحتى دائمًا يتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض؛ فهذا العبد دائمًا يحمل نفسه على الطاعة ويقوم بها كل يوم، ويسعى جاهدًا ألا يفوته ورد من القرآن ولا يفوته ورد من الذكر، ويكون مستمرًا ليس منقطعًا متقطعًا، وهذا ما يليق في التعامل مع الملك سبحانه وتعالى.

أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل. إذا هذا العبد الذي عنده عمل دائم هذا يحب الله سبحانه وتعالى، لأنه أحب عمله: «لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». إذا هذا العبد دائمًا يحرص على أداء النوافل بعد الفرائض، هذا يحب الله سبحانه وتعالى. طيب، بعدما يحب الله سبحانه وتعالى من الذي يقع؟ يقع عند جبريل فيحبه، ثم أهل السماء يحبونه، ثم يوضع له القبول في الأرض، وكذلك يحميه الله سبحانه وتعالى، فتنزل الحماية الإلهية: إن الله إذا أحب عبدًا حماه الدنيا، كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء. الدنيا فاتنة مغرية، أغلب الناس يسقطون بها، ما يستطيعون عليها، لذلك الله يضرب المثال بالماء دائمًا عن الدنيا أو كثيرًا.

فلما يكون هذا الإنسان محميًا من قبل الله سبحانه وتعالى، الدنيا ما تفتنه، تفتن غيره؛ يسقطون بفتنة الأموال، بفتنة المناصب، الجاه، إلى آخره، لكن هذا الإنسان ما يسقط. طيب لماذا هذا ما سقط والبقية سقطوا؟ لأن هذا محمي، وهذا الإنسان معه ملائكة دائمًا معه، تؤازر وتدفع وتحمله على القيام بالطاعات وتبعده عن المنكرات وعن الفواحش وتكرهها في نفسه. قصدي من هذا الكلام، العبد لا يفرط في العشر دقائق التي يستطيع أن يودع فيها قراءة كلام الله، أو تذكير الناس بكلام الله، أو عيشه هو مع القرآن الكريم أو سنة النبي عليه الصلاة والسلام وسيرته، ولا يتعذر؛ يعني في التعامل مع الله لا تعتذر، دائمًا ابذل ولو ما بقي إلا اليسير.

لا تغرب شمس هذا اليوم وتشرق شمس اليوم الذي يليه إلا وقد صنعت شيئًا؛ يعني الأربع وعشرون ساعة هذه لا تذهب عليك من غير أن يكون لك نصيب من ذكر الله سبحانه وتعالى، وشهود الأرض كذلك، وشهود الملائكة وشهود السماء بأنك عبد صالح تحب الله سبحانه وتعالى، وغاية مناك أن الله سبحانه وتعالى يرضى عنك. فإذا أحبك الله رضي عنك وحماك وأنزل رحمته عليك، والجنة لن تدخلها إلا برحمة الله، ليس بعملك، ولكن العمل سبب لاستنزال الرحمة واستنطار الهداية والتوفيق والبركة من الله سبحانه وتعالى.

نحن لا نعمل إلا بهذه البركة، هذه البركة لما تذهب لو تعمل ما تعمل ما يفيدك العمل كثيرًا. لكن العبد الذي دائمًا هكذا يحرص أن يعيش مع القرآن الكريم وأنه ما يفوته المجلس هذا ولو كان مثل ما ذكرت الوقت يسيرًا، هذا بإذن الله يفوز عند الله سبحانه وتعالى. نسأل الله أن يستعملنا وإياكم جميعًا، ونسأل الله ألا يفوتنا يوم من الأيام إلا ونودع شيئًا من الأعمال التي يحبها الله سبحانه وتعالى.

طيب، اليوم معنا بإذن الله سورة العصر، هذه المقدمة مناسبة لهذه السورة. هذه السورة سورة مكية، وهنا الله سبحانه وتعالى أقسم بالعصر. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3]. يقول الإمام الشافعي: "لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم". هذه كلمة فخمة وعظيمة من رجل مثل الإمام الشافعي.

طيب، ما قصد الشافعي؟ لماذا لو ما أنزل الله على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم؟ هل قصد أن هذه السورة تغني وتكفي عن بقية آي القرآن الكريم؟ الجواب: لا. إذاً، ما قصد الشافعي؟ قصده في إقامة الحجة عليهم بالنجاح والخسران. هنا الله يقسم بالعصر، والله مثل ما ذكرنا ما يقسم إلا بشيء عظيم أو شيء مبارك. هنا الله يقول: ﴿وَالْعَصْرِ﴾؛ العصر المراد به الدهر، الزمن.

طيب، لماذا الله أقسم بالزمن؟ لأن الزمن هو دليل قدرة القادر سبحانه وتعالى، قدرة القدير. لما ننظر في الزمان، كيف أن الزمن يتقلب؟ كيف أن الزمن يتغير؟ كيف يسقط ملك الملك الفلاني ويصعد ملك آخر؟ ثم هذا الملك يزول. كيف أن الإنسان ينتقل من الضعف إلى القوة؟ كيف أن الإنسان ينتقل من الصحة إلى المرض ومن المرض إلى الصحة؟ كيف ينتقل من هذه الحال إلى تلك الحال؟ وكيف أنه ينقلب الزمن بالإنسان؟ يكون غنيًا ثم يصبح فقيرًا، ويكون فقيرًا ثم بعد ذلك يصبح غنيًا. وكيف تدور الدوائر على الظلمة؟ يظلم ويظلم ويستمر ظلمه عشرين سنة، أكثر، أقل، ثم بعد ذلك ينقلب عليه.

كيف تتصرف هذه الأيام والليالي؟ كيف يدخل الليل بالنهار والنهار بالليل؟ تشرق الشمس ثم تتحرك الشمس حركة لا يبصرها الإنسان، حركة يسيرة جدًا، ثم تهرب الشمس، ثم يأتي الليل الدامس، الظلام المدلهم. ثم يكون هناك فصل شتاء وفصل صيف، يطول النهار في هذه الحقبة من السنة، ويقصر النهار ويطول الليل في مراحل أخرى من نفس السنة. كيف هذا الشيء؟ كيف يكون الآن برد شديد ثم بعد مدة يصبح الحر شديدًا؟ هذا التقلب من الذي يصرفه؟ من الذي يغيره؟ من الذي يتحكم فيه؟

فإن الله سبحانه وتعالى أقسم بالعصر، بالدهر، هذا الدهر هو محط أعمال العبيد في هذه الأيام والليالي. بهذا الدهر العبد إما أن يفوز بالدرجات العالية عند الله سبحانه وتعالى، أو يكون والعياذ بالله من الخاسرين، والربح درجات والخسارة درجات. فإن الله يقسم بالزمان، الزمان عبرة وأي عبرة. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: ذهاب الزمان أعظم من ذهاب الأعمار أو من الموت. لماذا؟ لأن الزمان يقطعك عن الله سبحانه وتعالى؛ بالزمان تدرك المقامات العالية، وبالزمان تدرك البركة والتوفيق، وبالزمان تصيب جنة الفردوس.

العبد إذا فاته يوم واحد وما عبد الله سبحانه وتعالى بحق العبادة وهو كان يستطيع، يفوته شيء من البركة، يفوته شيء من الحب، من التعظيم. لن يكون إيمانك اليوم مثل إيمانك غدًا إذا كنت حسن التعبد لله سبحانه وتعالى. الله يقول في كتابه العظيم: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: 1-2]. هذه نزلت في سورة الفتح بعد صلح الحديبية، وصلح الحديبية كان في السنة السادسة من الهجرة. والنبي عليه الصلاة والسلام مهتدٍ منذ بعثه الله سبحانه وتعالى ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: 7]، لكن هنا في هدايات الصراط المستقيم الهداية نسبتها تغيرت، أصلها ثابت، ولكن لم يزل النبي عليه الصلاة والسلام يرتقي في مدارج العبودية، مدارج الهداية والتوفيق والخير والبركة حتى اتخذه الله خليلًا.

الله يقول في كتابه العظيم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 51]؛ أنه يصلح للنبوة، نعلم بأن هذا الفتى يصلح أن يكون نبيًا. ثم بعد ذلك الله يقول: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125]. اتخذ الله إبراهيم خليلًا بعد ماذا؟ بعد ما عمّر الزمان، عمّر الدهر بالمقامات التي يحبها الله سبحانه وتعالى منه، فوصل إبراهيم عليه السلام إلى أن يكون خليل الله سبحانه وتعالى، ووصل محمد صلى الله عليه وسلم بأن يكون خليل الله سبحانه وتعالى. فمع الزمان، مع الأيام، مع الليالي التي يعمرها العبد بالعبادة، بالصلاة، بالذكر، بالأمر بالمعروف، بالنهي عن المنكر، وهكذا يرتقي العبد. تقع عليه البلاءات يقابلها بالصبر والرضا والشكر، يرتقي العبد.

إذاً هنا القسم بالعصر يفيد كل هذه المعاني؛ في العصر دلائل قدرة القدير سبحانه وتعالى، وآيات العظيم سبحانه وتعالى، آيات الملك وسلطانه وهيمنته على عبيده، وكذلك فيه موطن العمل الذي يستطيع الإنسان أن يصيب به المقامات العالية والدرجات الرفيعة. ثم قال الله في جواب القسم: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾. ذكر العصر موطن العمل ثم ذكر بعد ذلك النتيجة؛ العصر في الدنيا، أما الخسارة في الآخرة.

أقسم الله بالدهر، في المدة الزمنية التي تستطيع أن تعمل فيها. ثم قال: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، وذكرنا بأن الإنسان لا يطلق إلا في سياق الضعف. فهنا الإنسان إما أن يكون المراد به الكافر ويكون الاستثناء هنا منقطعًا، أو يكون المراد بالإنسان يشمل المؤمن والكافر، فالخسارة تكون جزئية للمؤمن، ليست كاملة، لأن معه أصل الدين، أصل الإيمان، لكن بقدر خسارته في تحقيق الإيمان والعمل الصالحات والتواصي بالحق والتواصي بالصبر تكون خسارة هذا الإنسان، لأنه فاته هذا الأجر، كما قال ابن عمر: "لقد فرطنا في قراريط كثيرة"، لما علم بحديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه في صلاة الجنازة أنه من صلى على الجنازة له قيراط، ومن شهد دفنها فله قيراطان؛ قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة، فاتتنا هذه القراريط مقارنة بمن صلى على الجنازة وانتظر الجنازة حتى تدفن.

القصد أن الله هنا يقول إن الإنسان الذي خسر، هذا الإنسان في خسارة في نقصان، إلا من؟ من الذي استثناه الله سبحانه وتعالى؟ ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. أصحاب الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر هؤلاء فازوا الفوز التام والكامل، وبقدر النقص الذي يقع على الإنسان في إحدى هذه الأربع تكون خسارة الإنسان.

﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، نقص الإيمان المتعلق بالقوة العلمية كما يقول ابن القيم، الإيمان قوة علمية، التصديق الجازم، الإقرار بما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام عن الله سبحانه وتعالى. ما نسبة الإيمان في قلبك؟ ما قوة الإيمان في قلبك؟ ما قوة الخشية؟ الحب والتعظيم والإجلال؟ التعلق بالله سبحانه وتعالى، الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بالقضاء والقدر، آمنتم بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، كم نسبة إيمانك بهذه الستة؟ كم قوة الإيمان عندك؟ هذه القوة العلمية، ثم تأتي العملية: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. هل تقوم بالأعمال الصالحة؟ وهل هذه الأعمال الصالحة موافقة لما يريد الله سبحانه وتعالى منك؟ وهل تسعى جاهدًا لتحقيق العبادة فيها؟ لما تصلي، قبل أن تصلي، بودك أنك تخشع؟ أو أن الخشوع ليس بكبير في نفسك وفي جوفك؟ هل لما تقوم ببر الوالدين تستحضر أن هذا الأجر كبير؟ أدركت أحد والديك عند الكبر وتستطيع أن تفوز الآن بمقامات كبيرة، هل تتعامل مع هذه الفرص تعامل العبد الحريص على تحقيق هذه العبادة؟

الذكر، هل تقوم بالأعمال الصالحة ثم كم نسبة الأجر في الأعمال الصالحة التي تقوم بها؟ هذه القوة العملية، ثم بعد ذلك وهل الأعمال الصالحة كذلك موافقة للمراد الإلهي؟ يعني الآن يريد الله منك كذا، هل فعلت العبادة التي يريدها الله منك أو عبادة أخرى؟ هل في كل عبادة وكل لحظة تمر عليك من...

تضع فيها العبادة التي يريدها الله سبحانه وتعالى، فتصيب الأجر فيها؛ تصيب أجر تحقيق عبودية اللحظة، أو أنك لا تعبد الله كما تريد. هل تسعى جاهداً للتعرف على مراد الله ثم تسعى جاهداً على تطبيق هذا المراد، تجمع بين العلم والعمل، أو العمل يكون هكذا على ما يأتي بذهنك.

قال: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ثم قال: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 3]. تواصوا بالحق؛ أي تواصوا بالقرآن، تواصوا بالتوحيد، تواصوا بالإيمان، تواصوا بالثبات. تواصوا بالحق؛ ذكر بعضهم بعضاً، نصح بعضهم بعضاً. لم يكن الشخص يكتفي بنفسه إنما كان يبلغ غيره، وهكذا تحمى المجتمعات بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالقيام بواجب البلاغ، واجب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. الله يقول: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: 110]، ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: 104]. هذا هو المؤمن التام الكامل.

العلماء ثلاثة: عالم عاش في علمه وعاش الناس معه في علمه، هذا عالم داعية. العالم الثاني العالم الناقص، عالم عاش في علمه ولم يعش الناس معه. والثالث العالم الفاجر، عاش في علمه ولم يعش هو مع علمه. فهل أنت ممن يتواصى بالحق؟ هل كل ما مر عليك موقف تسعى ألا يفوتك؟ تذكر الناس هنا، تنصح الناس هنا، تبين للناس أن الخير في طاعة الله سبحانه وتعالى، تدعو الناس إلى كتاب الله سبحانه وتعالى، تدعو الناس إلى ذكر الله سبحانه وتعالى، تدعو الناس إلى العلم والخير والصلاة. هل تفعل هذا الشيء أو لا؟ تمر عليك الأيام والأشهر، يمر عليك الدهر ولا تعمر بهذه العبادات. نعم ممكن أن تفعل، لكن ما تدعو غيرك أبداً، ما أحد متأثر بك؛ لم تؤثر في أي أحد، أو تذهب إلى مواطن التأثير التي لا تؤثر.

تذهب إلى مواطن كل هؤلاء أصلاً ما يحتاجونك، هم يستمعون إلى غيرك؛ فتذهب إلى هؤلاء ولا تؤثر فيهم وهم لا يحتاجونك أصلاً، لأنهم متأثرون بغيرك لا يستمعون لك. وهذا كثير عند الناس، يذكر في الموطن الذي سد فراغه. الآن في مواطن أخرى، مثلاً في الجامعة، جيرانك، أصحابك، أقرانك، عائلتك، أقاربك، هؤلاء أنت أقوى الناس في التأثير عليهم. هل تؤثر عليهم؟ هل من أهدافك في الحياة أن يكون لك نسبة تأثير عليهم؟ أو أن هذا الأمر ما هو موجود عندك؟ فقط تفرغ المشاكل الموجودة عندك أو تفرغ الهواء أو الضغط الذي يقع عليك مع من هو أصلاً مستجيب ومقاد لغيرك.

قال: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾، هؤلاء يتواصون بالحق، يحض بعضهم بعضاً على الثبات على الحق، يحض بعضهم بعضاً على نشر الخير والتذكير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ ثم قال: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. نعم لما تأمر الناس بالمعروف وتنهاهم عن المنكر، لابد أن يصيبك شيء من الكلام، يصيبك شيء من البلاء؛ هذا البلاء يتواصى بعضهم بعضاً بالصبر. لما يدعو ثم يُسب، يدعو ثم يقال عنه كذا، يدعو ولا يستجيب الناس له؛ يوصي بعضهم بعضاً بالصبر. وبهذا يوفق الإنسان، وبهذا يصبح الإنسان إماماً، لما يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لما يوقن بهذا الدين ويصبر على البلاءات التي تقع عليه.

تواصوا بالصبر؛ الصبر عن المعاصي، الصبر على أقدار الله سبحانه وتعالى المؤلمة التي تصيب الإنسان. يوصي بعضهم بعضاً بالصبر؛ بل هذا البلاء به أجر وهذا البلاء به بركة كبيرة وبه خير وبه هداية. يموت فلان فيذهب ويذكر ويصبر ويعزيه، وأجره عند الله عظيم في هذه التعزية. هذا شأن المؤمن، يعيش في الإسلام ويجعل الناس يعيشون معه في الدين؛ ما يعيش لوحده ولا يبالي بالبقية، إنما هو يسعى جاهداً أن يعيش هو في الإسلام وأن يجعل الآخرين يعيشون معه في هذا الدين وفي أحكامه وشرائعه.

يروى أن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كانوا إذا اجتمعوا لم ينفضوا إلا ويذكر بعضهم بعضاً بهذه السورة: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3]. من اجتمعت فيه هذه الأربع فقد أصاب الربح التام والكامل، وبقدر النقص فيها يكون النقص في الربح.

وهذه السورة لما نزلت، وسأل مسيلمة الكذاب بعد ذلك، عمرو بن العاص وكان كافراً كما يروى عما أنزل على النبي عليه الصلاة والسلام، فذكر هذه السورة: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، فقال مسيلمة: قد أنزل علي، ثم ذكر ما أنزل عليه: "يا وبر يا وبر، إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك قفص نقص". فقال له عمرو بن العاص: والله إنك تعلم أني أعلم أنك كاذب. فيعلق ابن كثير ويقول: انظروا كيف لم يرج هذا الهذيان على عابد الأوثان في ذلك الزمان.

فالقصد أن هذه السورة على وجازتها، إلا أن فيها هذه الحجة التي ذكرها الشافعي رحمه الله تعالى، وما أنزل الله على خلقه حجة إلا هذه السورة لكفته. لو ما كان إلا هذه السورة في التحفيز وبيان الذي يريد الله سبحانه وتعالى منك، لكفت هذه السورة في إقامة هذه الحجة؛ ذكرها لك الله في الزمان، وبين لك النتيجة يوم القيامة، واستثنى الله سبحانه وتعالى هذا القسم من البشر: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.

هنا الاستثناء يختلف عن الاستثناء في سورة التين: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: 5-6]. هنا زاد: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ لاختلاف نسبة الربح والخسران؛ هناك أسفل سافلين هذه خاصة بالكافر في النار. أما هنا قد يكون شخص صاحب إيمان صالح مؤمن، ولكن عنده نقص؛ فهذا النقص يفوته مقابل جزء من الربح، ويصاب بخسارة جزئية. إذاً هذا بعض ما يتعلق بهذه السورة، فالله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وجزاكم الله خيراً.