دخولتسجيل الدخول

سورة الهمزة | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، الصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني وبياكم، وسدد على طريق الخير خطانا جميعاً. نكمل التعليق على قصار المفصل، واليوم معنا بإذن الله سورة الهمزة.

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: 1]. هذه السورة من السور التي نزلت في مكة. ونقل بعضهم في ذلك، ومنهم من يقول بأنها نزلت في المدينة، ولكن الأظهر أنها نزلت في مكة. والله سبحانه وتعالى يقول: ويل. وهذه السورة هي السورة الثانية التي افتتحت بكلمة ويل؛ فالأولى هي سورة المطففين، يقول الله: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: 1]. وهنا الله يقول: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: 1]. من الذي يتوعد هؤلاء بالويل؟ العظيم، العزيز، الجبار، القوي سبحانه وتعالى.

ويل قيل بأنها كلمة تهديد ووعيد، وهي إحدى خمس كلمات تقولها العرب في التهديد، وهي أشدها. العرب تقول: ويل، وويس، وويب، وويح، وويك، وأشدها ويل، فكلمة ويح أخف وطأة من كلمة ويل، وهذه الكلمة اليوم مستعملة في الدارجة عندنا. وهنا يقول: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: 1]. هناك الويل لمن يطفف في الميزان؛ أي من يأخذ أموال الناس بالباطل، وهنا ويل لمن يطعن في أعراض الناس، ويستهزئ بالناس، ويعتدي عليهم.

اختلف العلماء على قولين، هل هنا المقصود رجل بعينه؟ أو أن الآيات نزلت للعموم؟ فقيل رجل بعينه واختلفوا فيه؛ فقيل الأخنس بن شريق، وكان هذا شديد العداوة للنبي عليه الصلاة والسلام في مكة ونزلت فيه آيات كثيرة. وقيل في أبي بن خلف، وهذا الرجل الوحيد الذي قتله النبي عليه الصلاة والسلام. وقيل في أمية بن خلف، وهذا الرجل قتله بلال بن رباح وكان يعذب بلالاً في مكة، وقيل غير ذلك. القصد أن هذه الآية تشمل كل من هذا وصفه.

هنا الله يقول: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: 1]. همزة، لمزة، اختلف العلماء على قولين فيها، ولكن المعنى يرجع إلى الطعن والغيبة والنميمة. ويل لكل هماز، طعان، عياب في الناس، سواء كان الطعن في وجوههم أو من خلف ظهورهم، وسواء كان الطعن باللسان أو بحركة العين؛ يعني الاستهزاء يكون بحركة الوجه والعين أو يكون باللسان. يقول الله في سورة التوبة: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: 79]. هؤلاء إذا جاء رجل بأموال كثيرة يقولون: مرائي، وإذا لم يأتِ إلا بمال يسير يقولون: إن الله غني عن صدقة هذا. وقال كذلك الله سبحانه وتعالى: ﴿هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: 11].

وجاءت الآيات والأحاديث المخيفة في الحديث عن قذف الناس. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أتدرون من المفلس؟» قيل: من المفلس يا رسول الله؟ قالوا: أول شيء المفلس عندنا من لا درهم له ولا متاع. فقال: «المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات، ولكن أمثال الجبال، ولكن يأتي وقد ضرب هذا وشتم هذا، وسفك دم هذا، وأخذ أو أكل مال هذا». فهذا الإنسان يوم القيامة لماذا يؤتى مفلساً وعنده الحسنات الكثيرة؟ لأنه سيوزع حسناته، فلما يوزع على هؤلاء حسناته ولا تكفي الحسنات، يطرحون عليه من سيئاتهم، فتطرح عليه ثم يطرح والعياذ بالله في النار.

وجاء في الحديث أن الرجل يأتي يوم القيامة بحسنات كأمثال جبال تهامة فيهدمها بلسانه، يهدم هذه الحسنات العظيمة باللسان. وذكرت عائشة للنبي عليه الصلاة والسلام امرأة كانت مقتصدة في الصلاة ولكنها لا تؤذي جيرانها بلسانها، وامرأة أخرى كانت كثيرة الصوم والصلاة ولكنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال عن الأولى في الجنة، وقال عن الثانية في النار.

لأن هذه الصلاة وهذا الصوم فيهما مشكلتان، المشكلة الأولى أنها ما منعت هذه المرأة من هذا، إذاً الصلاة فيها مشكلة. ليست المقارنة بكثرة الصلاة من عدمها فقط، لا، كذلك في نفس الصلاة؛ لو كانت الصلاة معها خشوع لما استمر الإنسان في المعصية، وهذه علامة على قبول الصلاة وعلى أثر الصلاة في حياة الإنسان. ونقول إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، لماذا لم تنه؟ لأن الصلاة ليست قوية. الأمر الثاني أن نعم هناك كثرة صلاة، ولكن هذه الأعمال كلها تذهب باللسان. هذه الصلاة هنا سنة أو سنتين، هذا يأتي شخص يأخذ منك سنة كاملة من صلاتك، تصور؛ تصلي وتصوم وتتصدق، يأتي شخص يأخذ كل هذه الحسنات.

كما كان يقول سفيان الثوري وكذلك الحسن البصري: لو كنت مغتاباً أحداً لاغتبت أبواي؛ لأنهما أولى الناس بحسناتي. ولما اغتيب أحد السلف، بعث إلى من اغتابه بهدية، فتعجب. قال له: لماذا؟ قال: هذا جزاء ما أعطيتني، هذا مقابل الهدية التي أعطيتني إياها. والنبي عليه الصلاة والسلام رأى في معراجه إلى السماء أناساً يخمشون وجوههم وأجسادهم بأظفارهم، من هؤلاء؟ الذين كانوا يطعنون بالناس، يغتابون الناس.

والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا يدخل الجنة نمام»، «لا يدخل الجنة قتات». يقول حذيفة هذا الحديث في مسجد وكان به رجل يرفع الحديث إلى السلطان، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يدخل الجنة نمام»، ورفع صوته حتى يسمعه. هذا ينقل الكلام بين الناس؛ فلان قال عن كذا، فلان فعل كذا، فلان كذا. لماذا؟ فالنميمة تحرق الحسنات وتأكل الحسنات. ومر النبي عليه الصلاة والسلام على رجلين فقال: «أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى إنه لكبير»، أحدهما كان يمشي بالنميمة.

سبحان الله، الواحد يتعجب منه؛ يعني ما عندك مصلحة أنك تنقل كلام أو أنك ما المصلحة في إفساد بين الناس؟ ما المصلحة التي يعيشها الإنسان أو يفرح بها ويسعى بها لما يفسد بين الناس؟ لكن الأمر كبير، خاصة عند الأشخاص الذين ما عندهم إيمان قوي ولا يمنعهم، تجد حياته كلها استهزاء؛ ما يمر عليه يوم إلا وفيه كلام، وهذا الأمر سبحان الله العظيم، من لا ينشغل بالخير ينشغل بهذه الأمور لا بد.

إذا ما شغلت بالخير، المكالمات بين الناس والمشكلات ترى كلها بهذه الطريقة، وأسباب أكثر القطيعة التي تقع بسبب نقل الكلام؛ فلان قال عني كذا، فهو يغضب من فلان ويحقد عليه، طيب لماذا حقد؟ لأن هذا قال عنه كذا، هذه نميمة، من كبائر الذنوب. يأتي شخص بحسنات كثيرة ولكن النميمة تقضي عليها. ذكر ابن الجوزي أن أكثر ما يقع به طلاب العلم من الذنوب الغيبة واستعارة الكتب.

كيف الغيبة؟ يغتاب تحت اسم الدين، طبعاً إذا كان داخل في الجرح والتعديل وما كان عنده إيمان يردعه كما كان يردع أئمة السلف، لا هذا الباب ما ينضبط عنده، مستحيل. لكن لما يكون عنده إيمان ينضبط عنده، يفرق بين الطعن الذي يكون من أجل حفظ الدين والكلام الذي يكون من أجل إشباع هوى النفس. فالشخص إذا ما استحضر هذه المعاني يخسر خسارة كبيرة جداً في حياته، ويظن بأنه نصر الدين أو يظن بأنه كذا، لكنه هو في الحقيقة يهدم دينه.

هنا الله سبحانه وتعالى يقول: ويل، والذي يقول ويل هو الملك سبحانه وتعالى، هو العظيم، فالله يتوعد الهماز اللماز، قال: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: 1]. كيف الإنسان يمنع نفسه من الهمز واللمز؟ أقول لك بثلاثة أمور، الأول: الإيمان، لما يكون عندك إيمان تعرف أن هذا الكلام أنت تسأل عنه يوم القيامة فيزجرك. الثاني: بالصفات المقابلة لهذه الصفة، يعني من الذي يهمز ويلمز؟ هو الشخص الذي عنده غيرة، عادة الشخص الغيور هو الذي يقع في هذه الذنوب. فالغيرة إذا ما ضبطها الإنسان تصبح نميمة، حسداً، غيبة، شفت فلان كذا، فلان كذا، هذا الكلام والطعن، إذاً الحل أن تكون هناك صفات مقابلة، صفة الأنافة تمنع الغيرة من أن تصل إلى هذه الدرجة.

يعني واحد بينه وبين نفسه يترفع، أنا أفعل كذا؟ هذا الكلام أنقله بين الناس؟ والعرف لما يكون مانعاً يزجر الإنسان، والحمد لله إحنا إلى حد قريب ترى الأعراف كانت تمنع هذا الشيء، يعني شخص إذا تكلم بشخص في مجلس يزجر بشدة؛ كيف تتكلم عن رجل بهذه الطريقة؟ حتى المرأة يتم زجرها، لا تتكلمي بهذه الطريقة.

السبب الثالث: الابتعاد والفرار من هذه المجالس. شوفوا يا شباب، أنا رأيت في حياتي كثيراً وما زلت أرى مجموعة تجلس ما عندها هدف من جلستها، عادة يقعون، وإن كانوا في ظاهرهم متدينين وتجدهم أصلاً يقعون بشيخ، والله ما تخاف أنك تطعن في ولي من أولياء الله؟ لما تطعن فيه ولا تقول عنه كلمة يغضب الله عليك، فقد يكون شخص من أولياء الله، حتى لو وقع بينك وبينه خلاف، إنما بيننا لا يبلغ ديننا، يعني هذه القاعدة اجعلها في حياتك، فلا تتساهل ولا تسمح لأحد أن يقول لك هذا الكلام، وإن أجبرت وألزمت به، كان عندك شخص هكذا، خلاص اقطع العلاقة بينك وبينه، إلا إذا كان بينك وبينه رحم، فصل الرحم بغاية ما تستطيع، أما إذا لم يكن من أرحامك فالسلامة لا يعدلها شيء، ولا تخسر والله دينك.

ثلاثة أسباب تحمى بإذن الله من الهمز واللمز: الأول الإيمان وهو أقواها، الثاني الصفات المقابلة التي هي صفة الغيرة، الثالث الابتعاد عن الأماكن أو الأشخاص الذين يدعونك إلى الهمز واللمز. ولا يستهل الإنسان في هذه الكلمات، والمشكلة يا إخواني مثل هذا الكلام ما يغفر إلا مع التحلل. يعني أنت لما تقع في تقصير في طاعة أو تقع في معصية بينك وبين الله تغفر بالتوبة، ولكن لما تقع في حق شخص ما يوم القيامة قصاص بالحسنات والسيئات. والمشكلة أنك ما تستطيع أن تقول أني قلت عنك كذا، فتقع في مشكلة، لكن الشخص لما يقع في أعراض الناس أو يطعن في الناس، هذا يوم القيامة يحبس حتى يخرج مما قال، هذا يوم القيامة يحبس على جسر جهنم حتى يخرج مما قال؛ لماذا قلت هذه الكلمة؟ خاصة إذا كان من العلماء ولا من الدعاة ولا من أهل الخير والصلاح. فلذلك الشخص لا بد أن يخاف وأن يرتدع ويسعى جاهداً ألا يقع في الغيبة والنميمة والاستهزاء والسخرية إلى أن يلقى الله.

طيب وقعت، شو تسوي؟ أقولك كلمة ثقيلة، الكلمة هي النهاية، أكثر من الحسنات، خلاص هو سيأخذ منك إلا أن يرضي الله، ما في حل آخر. إن سامحك في الدنيا وطابت نفسه فالحمد لله، ما طابت نفسه أنه يسامحك، والعلماء ما عندهم جواب، أكثر من الحسنات؛ يعني ما في إجابة أنك أنت الآن خلاص، لا. ومعنى هذا أن بعض الناس يقول عملي أسود وقنوط، لا، أكثر من الحسنات والله سيرضى عنك يوم القيامة، أو يأخذ منك، فإن أخذ منك حسنات يبقى عندك فضل تدخل به الجنة، لكن شو تسوي؟ خلاص راحت هذه الكلمات.

في المستقبل أتفان، وأذكر هذا الرجل بالحسن في الأماكن التي كنت تذكره فيها بالسوء؛ يعني ما تجلس أمام الناس وتطعن فيه وتتوب بينك وبين نفسك، هذه ليست توبة. هذا الشخص كنت تطعن فيه عند أشخاص معينين، تأتي عندهم وتقول: أنا كذبت عليه، وهو إنسان بريء وأنا أتوب إلى الله مما قلت فيه، وترجع. وإذا كتبت في العلن في العلن تتوب، مع من سمع منك هذا الكلام ترجع وتقول هذا الشيء. لكن ما تجتنِ عليه بشيء ليس موجوداً عنده عشان حتى ما تقع في الكذب، واضح؟ يعني مثلاً شخص طعن بآخر بأنه جبان، ممكن يكون حقيقة، هذه الطريقة لا، ما تجلس تقول هو أشجع الناس، لا، تمدح فيه في وصف آخر.

وفرق بين الغيبة والنميمة وبين الأمور التي لها مصلحة بالدين، هذا الباب يضبط. لكن نحن الآن كلامنا عن الطعن هكذا في الناس والاستهزاء بهم والسخرية، أو سواء كانت بالحركات أو كان بالكلام، سواء كان أمامه أو كان من خلفه، هذا كله محسوب عليك ومرصود وتسأل عنه يوم القيامة. سفيان الثوري يقول: منعت قيام الليل ستة أشهر بسبب كلمة في رجل. تصور أن شخصاً يمنع من عبادة ستة أشهر بسبب كلمة قالها في رجل، فشأن هذا الأمر يمنع الإنسان من كثير من الأعمال الصالحة.

ثم قال الله: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ [الهمزة: 2]. يعني هذا الإنسان من وصفه أنه دائماً يفكر بالمال ويعدد هذا المال، أو يعد هذا المال.

يعيش حياته يجمع الأموال، ثم في آخر يوم يبدأ يعد. هل المشكلة في العد؟ لا، لكن المشكلة إيش؟ تعلق القلب بالمال. «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة». هذا الإنسان حياته كلها هذه وظيفته، كم آخذ منها؟ ثم يأخذ ويعد هذا المال؛ تفكيره كله وقلبه علق بالمال وليس المال بيده.

حتى لما ينفق ويتصدق يقول: أنا أنفقت اليوم ديناراً، وبكرة أنفقت، ويبدأ يعد؛ لا، هنا يحصى عليك. «لا توعي فيوعى عليك، ولا تحصي فيحصى عليك». الشخص لما ينفق وهو يعد هذا المال الذي أنفقه خطر، سيحصى عليك؛ لن تعطى العطاء الكبير والكثير لأنك كنت قد عددت المال هذا. فلا، أنفق وانسَ؛ أنفق هذا المال وانسَ أنك أنفقت. هذا كان الصديق ينفق وينفق، ولما يأتي موقف ينفق ولا يستحضر المواقف القديمة، أمر عجيب! لكن هذه ذروة البشر، وهذا وصف ذروة البشر.

فالقصد هنا أن الله يقول: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ [الهمزة: 2]، هذا الإنسان دائماً يفكر بالدنيا، يفكر بالمال وجمع المال ومن أين يأتي بالمال ويعد هذا المال؛ فهو إما أن يكون منشغلاً بجمع هذا المال وعد هذا المال وكنز هذا المال للمستقبل، أو هذا الإنسان لما ينفق يقول: أنا فعلت كذا، أنا فعلت كذا، يعد حسناته. قال: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ [الهمزة: 3]، يظن هذا الإنسان بأن هذا المال الذي جمعه للمستقبل سيخلده، ولا يعلم هذا المسكين بأن الموت أقرب إليه من أن يصرف هذا المال.

خط النبي عليه الصلاة والسلام خطاً طويلاً، ثم خط عليه الصلاة والسلام أو صنع مربعاً، وقال: «هذا الإنسان، وهذا أمله»، وهذا الذي يقطع الأمل الأجل، قال: «وهذا أجله». فعنده أمل، أنا سأجمع مالاً ويكون عندي ألف دينار، عشرة آلاف، مئة ألف حتى المستقبل، ثم ماذا؟ تموت وهذا المال كله يأخذه الورثة، ويتشاجرون ويتقاطعون. ليس معنى هذا أنك لا تبقي لورثتك مالاً كله، ولكن معنى هذا أنك لا تنشغل في هذا المال عن يوم القيامة، عن الحياة الحقيقية. والرزق على الله سبحانه وتعالى، فبذل السبب شيء، وتعلق الشخص بالأسباب شيء آخر.

قال: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا﴾ [الهمزة: 3-4]، ليس الأمر كما تظن أيها الإنسان، ﴿لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ [الهمزة: 4]. هذا الذي جمع المال الهمزة اللمزة، هذا يوم القيامة سيطرح في النار جزاء ما قام به وفعل من هذه السيئات. قال: ﴿كَلَّا لَيُنبَذَنَّ﴾ أي ليطرحن في الحطمة، سميت النار حطمة لأنها تحطم كل ما فيها. قال: ﴿لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ [الهمزة: 4-5]؛ تفخيماً وتعظيماً وتهويلاً، ثم أجاب: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ [الهمزة: 6]. هذه النار أوقدت كما يروى في الحديث ألف سنة حتى ابيضت، ثم ألف سنة حتى احمرت، ثم ألف سنة حتى اسودت، فجهنم سميت جهنم لسوادها ولشدة سوادها، وكذلك لبعد قعرها.

هنا الله يقول: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾، هذه النار أشد من نار الدنيا بسبعين جزءاً. قالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية، فقال: «أما إنها فضلت عليها بسبعين جزءاً، كلها مثل حرها»، نسأل الله السلامة والعافية. قال: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: 7]، يعني هذه النار لا تكتفي فقط بحرق الظاهر، بل كذلك تطلع الفؤاد وتصل إلى الفؤاد، والفؤاد هو أدق وأرق ما في بدن الإنسان. فالنار تصل إلى القلب، وتطلع على ما في القلب؛ فهل فيه الخير أو فيه الشر؟ هل فيه النوايا الحسنة أو فيه النوايا والمقاصد السيئة؟

قال: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: 8] أي مغلقة مطبقة على أهل النار، لا يمكن أن يخرجوا منها، ﴿فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: 9]. إما أن يكون هنا أن النار نفسها أبوابها ممددة بالعمد بحيث أن هذه النار أوصدت بهذه العمد مع الأبواب، أو يكون هؤلاء يعذبون يوم القيامة في عمد ممددة، يعني هؤلاء تكون لهم أعمدة طويلة مناسبة لأجسامهم العظيمة الكبيرة في جهنم حتى يعذبون بها ويوثقون بها. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يقينا وإياكم نار جهنم ويحمينا وإياكم منها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

هذا والله أعلى وأعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وجزاكم الله خيراً.