الحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، على نبينا قائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد؛ فحياكم الله إخواني وبياكم، وسدد على طريق الخير خطانا جميعًا.
نكمل هذه التأملات في جزء عمة، واليوم معنا بإذن الله سورة البروج. وهذه من السور التي نزلت في مكة على النبي ﷺ، ولما نقول بأنها نزلت في مكة، لا بد أن نستشعر طبيعة الواقع المكي حتى نصل إلى أقصى كم ممكن من الفائدة المكنونة في هذه السورة الجليلة العظيمة. وبقدر ما يستحضر الإنسان طبيعة العرب، وواقع العرب، وطريقة تفكير العرب، وصفات العرب الذين بعث فيهم النبي ﷺ، ثم ينظر في سياق الآيات وطريقة رد العرب وطريقة رد القرآن الكريم عليهم، تكون الاستفادة من هذه الآيات، ويكون الوصول إلى المعاني التي كان قصد القرآن إيصالها إلى الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم وأرضاهم.
هنا الله سبحانه وتعالى يقول بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾. وافتتحت هذه السورة بأربعة أقسام؛ القسم الأول بالسماء، وهنا وصف السماء بأنها ذات البروج، أي ذات القصور أو ذات المنازل ذات النجوم، فالله سبحانه وتعالى يقسم بالسماء ومنازل الشمس والقمر.
ثم قال: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾، واليوم الموعود هو يوم القيامة بالاتفاق والإجماع. ثم قال: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾، فأقسم بالشاهد وأقسم بالمشهود، ولم يذكر ما المراد بالشاهد ولا كذلك ما المراد بالمشهود؛ لذلك اختلف العلماء في تعيين الشاهد وتعيين المشهود على قريب من أربعين قولًا، وهذا اختلاف كله من قبيل اختلاف التنوع.
وقد جمع هذه الأقوال ابن القيم رحمه الله تعالى بقوله بأن الله سبحانه وتعالى أقسم بالعالم والمعلوم، والرائي والمرئي، والمبصر والمبصر؛ فإذاً هنا الله أقسم بالسماء ذات البروج، ثم أقسم باليوم الموعود، ثم أقسم بالشاهد والمشهود، ولم يذكر جواب القسم، ويدل هذا القسم على الجواب، فيوم القيامة هو المقسم به والمقسم عليه وإن لم يذكر هنا.
قال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ أي ذات النجوم، ذات المنازل، ذات القصور، وهذه فيها آية ودلالة عظيمة على صنع الصانع سبحانه وتعالى وعلى خلق الخالق سبحانه وتعالى، وكذلك بيان أن هذه النجوم هي حرس لهذه السماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، والذي توعد هو انشقاق السماء وانفطار السماء، وسيأتي يوم القيامة بعد هذا الانشقاق والانفطار.
ثم أقسم بيوم القيامة الذي كانت العرب تكذب به ولا تؤمن به، فإن الله سبحانه وتعالى يذكر بهذا اليوم، وهنا القسم بيوم القيامة -وقد ذكرنا لكم بأن القسم لا يكون إلا بعظيم أو بمبارك والكفار لا يؤمنون بيوم القيامة- وهنا القسم للمؤمنين.
قال: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾، وصف هذا اليوم بأنه موعود، وانظروا في هذا الجزء كم مرة تكرر ذكر يوم القيامة وتعددت أسماء هذا اليوم، ولكل اسم أوصاف ومعاني، والعرب لا تعدد هذه الأسماء وكذلك تتعدد معها الأوصاف إلا لعظمة الشيء؛ فالأسد مثلاً له ثلاثمئة اسم عندهم، والسيف كذلك خمسمئة اسم، وهذا التعداد لبيان أهمية هذا الأمر وعظمة هذا الشيء. هنا الله يقسم بهذا اليوم ويصف بأنه موعود.
ثم قال: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾، أقسم بكل شاهد وبكل مشهود، وهذا القسم من أعم الأقسام بالقرآن الكريم؛ فأقسم بالشاهد والمشهود، يشمل هذا القسم بالنبي ﷺ فهو شاهد والمشهود أمته، وكذلك قسم بالأنبياء والمشهود أمم الأنبياء، وكذلك قد يكون الشاهد هو أمة محمد ﷺ والمشهود أمم جميع الأنبياء، فلما يأتي الأنبياء يوم القيامة ويسألهم الله سبحانه وتعالى عن تبليغ الرسالة فيخبرون الله بأنهم قد بلغوا، فيقول لهم: من يشهد لكم؟ فيقولون: أمة محمد ﷺ، فتشهد أمة النبي ﷺ. وكذلك يشمل يوم الجمعة، وكذلك يوم القيامة إلى آخره. القصد أن هنا القسم بالشاهد والمشهود يدل على عظمة العظيم سبحانه وتعالى وعظمة الخالق سبحانه وتعالى المحيط العليم الخبير، فأقسم بكل شاهد وبكل مشهود لأن كل شاهد وكل مشهود يدل على الخالق سبحانه وتعالى، فوجود نفس الإنسان يدل على وجود خالق الإنسان سبحانه وتعالى.
قال: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾، إذاً أقسم بالسماء، ثم أقسم بيوم القيامة، ثم أقسم بكل شاهد ومشهود، ثم قال: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾. قتل أصحاب الأخدود، قتل أي لعن أو عذب أصحاب الأخدود، أي الذين كانوا يعذبون المؤمنين.
من هم أصحاب الأخدود؟ جاءت قصتهم في الصحيح، الإمام مسلم، من حديث صهيب الرومي، وفيه أنه قال: «كان ملك فيما كان قبلكم، وكان له ساحر، وإن هذا الساحر قد كبر، فقال: إني قد كبرت وضعفت، فالتمس لي غلامًا نجبا فطناً حتى أعلمه». فالتمس له غلامًا، وأُتي بهذا الغلام وأخذ الساحر يعلمه، فكان هذا الغلام إذا مشى إلى الساحر لقي في طريقه راهبًا، فجلس عنده واستمع إليه، ودخل كلام الراهب في قلب هذا الغلام الصغير.
وكان في طريقه إذا سار إلى الملك راهب، فجلس مع هذا الراهب، ثم أخذ يذهب إلى الساحر، فإذا ذهب إلى الساحر يضربه، وإذا ذهب إلى أهله ضربوه، فشكى ذلك إلى الراهب، فقال: «إذا سألك أهلك فقل حبسني الساحر، وإذا سألك الساحر فقل حبسني أهلي». حتى جاء يوم من الأيام واعترضت الناس دابة عظيمة، قيل هي الأسد -وهذه خارج الصحيح- فأخذ الغلام صخرة وقال: «اليوم أعلم الراهب أفضل أم الساحر»، فأخذ هذه الصخرة ثم قال: «اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك فاقتل هذه الدابة»، فرماها بصخرة فماتت الدابة أو الأسد.
ثم انطلق الناس يمشون، فذهب الغلام نام إلى الراهب وقص عليه ما جرى، فلما نظر الراهب إلى هذا الفعل قال: «أي بني أنت اليوم أفضل مني، وأنت اليوم أفضل مني، وإنك ستبتلى». ثم بعد ذلك كذبت ليتها فلا تدل علي. ثم بعد ذلك أخذ هذا الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويدعو للمرضى فيشفون بإذن الله.
وكان عند الملك جليس قد عمي، فسمع بهذا الغلام، فأتى بهدايا كثيرة وقال له: إنما ها هنا أجمع لك إن أنت شفيتني، فقال: «إني لا أشفيكم، ولكن الذي يشفي هو الله، فإن آمنت دعوت الله فشفاك»، فدعا الله سبحانه وتعالى فشفي، ثم رجع هذا جليس الملك إلى الملك وهو يبصر، فقال فسأله الملك فقال: شفاني الله. ثم دل بعد ذلك على الغلام، فقال له الملك: «أي بني بلغ من سحرك أنك تفعل كذا وكذا وكذا»، فقال: «إني لست أفعل شيئًا، إنما الذي يفعل هو الله، ولك رب غيري». عذب أول شيء أخذ بجليس الملك وأخذ يعذبه، والغلام قال له، وأخذ يعذب الغلام حتى دل.
على الراهب، ولم يستطع الغلام أن يحتمل البلاء، فلما دُل على الراهب أتي به، ولم يخير الراهب، ولم يتم التعامل مع الراهب كالتعامل مع الغلام، فلم يقبل الراهب، فدعي بالمنشار فشق نصفين، ولم يرتد عن دينه. وكذلك تؤتي بجليس الملك، فقتله بالمنشار.
ثم بعد ذلك أخذ يحاول بهذا الغلام، ولكن هذا الغلام لا يستجيب ولا يرجع. حتى بعد ذلك أخذ يدعو بشرطه من شروطه وقال: «اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فإن هو رجع وإلا فألقوه». فذهبوا به حتى إذا وصلوا إلى ذروة الجبل دعا الغلام وقال: «اللهم اكفنيهم بما شئت»، فرجف بهم الجبل فسقطوا، ورجع يمشي إلى الملك. فقال: «ما صنع أصحابك؟» قال: «كفانيهم الله بما شاء».
ثم دعا بنفر آخرين وقال: «اذهبوا به في قرقور فتوسطوا به البحر، فإن رجع وإلا فاطرحوه». فذهبوا به في قرقور، فدعا ربه سبحانه وتعالى: «اللهم اكفنيهم بما شئت»، فانقلب بهم القرقور ورجع يمشي إلى الملك. ثم أراد الملك أن يدعو بفرقة ثالثة، فقال له: «لست قاتلي حتى تفعل ما أمرك به». قال: «وما ذاك؟» قال: «أن تجمع الناس في صعيد واحد، وتأخذ سهماً من كنانتي، ثم تضع في كبد القوس، ثم تقول: بسم الله رب الغلام، فإن أنت فعلت ذلك قتلتني».
فدعي الناس وجُمع الناس، وأخذ الملك سهماً من كنانة الغلام ووضعه في كبد القوس، ثم قال: «بسم الله رب الغلام» والناس يسمعون، ثم رمى الغلام فأصاب صدغه، فوضع يده عليه ثم مات. فضج الناس وقالوا: «آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام».
فجاء جنود الملك إلى الملك وقالوا: «أرأيت ما كنت تخشى؟ أمن الناس خشيت؟ الآن كل الناس آمنوا». فأمر الملك هنا بأن تُحفر الأخاديد وأن تُضرم فيها النيران، ومن لم يرجع فاقذفوه فيها. قيل له: اقتحم أو قذفوه فيها، فأخذ الناس يتقاذفون في النار ولا يرجعون، حتى جاءت امرأة معها غلام صغير فكأنها تقاعست، فقال الغلام: «يا أماه اصبري، فإنك على الحق».
ثم الله يقول: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ [البروج: 4-6]. هؤلاء الذين عذبوا المؤمنين بالنار ذات الوقود، أوقد النار ووضعوها في هذه الأخاديد، إذ هم عليها قعود؛ هؤلاء جالسين على حافة النار على شفير هذه الحفرة، وهم ينظرون إلى المؤمنين وهم يعذبون.
والله يقول: ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج: 7]، ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: 8]. هنا الله قال: «وشاهد ومشهود»، وهنا يقول: ﴿وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾، وبعد ذلك يقول الذي له ملك السماوات والأرض: ﴿وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: 9].
الله سبحانه وتعالى ينظر إلى هذه البلايا التي تقع على أولياء الله في كل عصر وفي كل جيل وفي كل زمن. هذه سنة مكتوبة على كل من يسلك هذا الطريق؛ لا بد أن يعاديه أولياء الشيطان. لكل نبي ورثة، ولكل طالح من الطالحين كذلك ورثة، فالسعيد من كان من ورثة الأنبياء، والشقي من كان من ورثة أعداء الأنبياء.
فهذه بلايا مقدرة ولا بد أن تقع لأولياء الله سبحانه وتعالى، ولا يظن الولي أو الصالح بأن الله لا يرى أو لا يشاهد، بل هو ينظر. وهذه رسالة توجه إلى الصحابة؛ فالصحابة الآن هم في مكة، أبو جهل يعذبهم، وأبو لهب، وعتبة بن أبي لهب، وعقبة بن أبي معيط، هؤلاء الصناديد المجرمين. الله سبحانه وتعالى يقص هذه القصة للصحابة ويقول: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: 9]. لا تظنوا بأن الله لا يرى أو لا يعلم، بل هو يرى ويعلم، ولكن الله سبحانه وتعالى له حكمة وله تقدير، وهو سبحانه الذي يحدد في الوقت الذي تنزل العقوبة به على الكفار، هذا يحدده الله وليس البشر.
لذلك الواجب على البشر فقط الثبات، الواجب على البشر الاستنصار بالله سبحانه وتعالى، واعتقاد بأن النصر يأتي من الله سبحانه وتعالى كما يريد الله، على الوجه الذي يريد الله، وليس كما يريد البشر، وليس كما يقصد البشر، وليس كما يظن البشر، فالله سبحانه وتعالى لا يلزم أحد من البشر، الله سبحانه وتعالى لا يلزمه أحد من البشر.
إذن هنا الله سبحانه وتعالى ينبه ويبين لأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام هذه القصص، والنبي عليه الصلاة والسلام يقص عليهم قصة هذا الغلام حتى يقتدوا بهذا الغلام. تصوروا بأن الصديق يسمع هذه القصة، والفاروق يسمع هذه القصة، وكل هؤلاء مأمورون بالاقتداء بهذا الغلام في ثباته وصبره ونصره للدين ودعوته.
إذن هنا الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج: 4-7]. هذا التفصيل لأن هذا التفصيل موافق لنفس الصحابة في مكة، فالصحابة في مكة كانوا يعذبون والكفار يشاهدون الصحابة وهم يعذبون، فهنا لما جاء السياق القرآني بتفصيل هذه القصة بهذه الطريقة -مع أن هذا الجزء قليل وليس كثيراً- القصد من هذا التفصيل هو ملامسة شعور الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.
في هذا التفصيل ليس فقط أن قتل أصحاب الأخدود ثم ينتقل، إنما يبين ويفصل ما كان يفعل هؤلاء الكفار وما كانوا يصنعونه؛ فنفس الذي يقع الآن من هؤلاء المجرمين كان لهم سلف، وأنتم كذلك لكم سلف. قال: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: 8]، أي ما حملوا عليهم ولا حملهم على هذا العذاب وهذا الانتقام وهذه العقوبة إلا فقط الإيمان؛ أنهم كانوا يؤمنون بالله سبحانه وتعالى.
الله العزيز سبحانه وتعالى الحميد، وصف نفسه هنا بالعزة وكذلك بأنه هو الحميد سبحانه وتعالى. العزيز أي القوي الذي لا يقهر ولا يغالب، والحميد أي المحمود على كل حال، حتى في حال تعذيب الكفار لأوليائه. لأن لو لم يقع هذا البلاء على هؤلاء المؤمنين... ما وقع هذا البلاء على هؤلاء المؤمنين إلا لما وصلوا إلى الدرجة العالية في الجنة.
ما الرجل الذي عذبه الحجاج وعلقه وصلبه وكان من الصالحين -كما ذكر الزمخشري وكذلك التوحيدي- فلما رأى هذا الرجل المعلق قال: «يا ربي حلمك على الظالمين أضر بالمظلومين»، ثم نام فرأى في المنام، أو أغفى إغفاءة، فسمع من يقول له: «حلمي على الظالمين أورث المظلومين هذا المقام»، ورأى هذا الرجل يطير في الجنة.
فنعم، تراه يعذب أمامك، هذا الشهيد، ولكن هذا الشهيد وقع له كذا وكذا هو لا يشعر إلا كقرصة النملة. وكذلك هذا لا تحزن ويقع في قلبك الحزن الكبير، وهذا لا بأس به إذا كان حزن المؤمن على المؤمن، ولكن هذا في الجنة. أنت المسكين، أنت الذي ينبغي أن تفكر بحالك كيف ستنجو في هذه الحياة، أما هذا فالله قضى وقدر بأن يموت شهيداً.
ولما وقع البلاء على بعض الناس في زمان عمر الفاروق، وكان بلاء جوع، كان عمر مع جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، فتذكر عمر الفقراء فقال: هذا لنا، فما لفقراء المسلمين؟ فقال له أحد الصحابة الأجلاء: لهم الجنة يا أمير المؤمنين.
هذا الصحابي الجليل يريد أن يثبت لعمر بأن هؤلاء لهم الجنة، فعمر هنا تأثر وقال: إن كان هذا لنا ولهم الجنة، فقد فازوا فوزا عظيما. فالقصد أن الذي يبتلى في سبيل الله، هذا من حيث الأصل هو أعظم ممن لا يبتلى، وليس معنى هذا أن الشخص يدعو البلاء أو يطلب البلاء، فقد لا يثبت، لكن القصد من ذلك أن الله سبحانه وتعالى هنا يريد أن يبين للصحابة الأجلاء ولكل من يأتي بعدهم أن هذه سنة.
حتى كان يقول النبي ﷺ للصحابة: «وإن أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء، حتى إن أحدهم لا يجد إلا العباءة يحويها»، يعني ما يملك من الدنيا شيء، لكن يفرح بالبلاء. لماذا يفرح بالبلاء؟ لأن البلاء هو الذي يرفع الإنسان، والبلاء هو من أعظم المعايير التي ترفع الإنسان يوم القيامة.
يوم القيامة هناك معايير كثيرة؛ هناك معيار الصلاة، وهناك معيار حسن الخلق، وأثقل ما يوضع في الميزان حسن الخلق، وهناك ذكر "الحمد لله" تملا الميزان، فهذا الميزان يملأ بأمور عديدة، ومن أعظم ما يملأ به الميزان البلاء. والبلاء إذا وقع، الإنسان أمامه أربع خيارات: إما أن يشكر أو يرضى أو يصبر أو يجزع. فإذا وصل إلى مرتبة الشكر، هذه مرتبة الأنبياء والأولياء العلية، من الأولياء مرتبة الشكر؛ يحمد الله على البلاء، ليس معنى هذا أنه يدعو أن الله يرفع البلاء، ولكنه يحمد الله أن هذا البلاء لم يصب دينه، يحمد الله أن هذا البلاء يكفر ذنوبه وخطاياه، يحمد الله أن هذا البلاء يبلغ الدرجات العالية.
إن العبد إذا سبقت له عند الله منزلة لم يبلغها بعمله، ابتلاه الله في جسده وماله وولده حتى يبلغه تلك المنزلة. وكان عمر بن عزيز يقول: «يا بني، والله لن تكون في ميزاني أحب لي أن أكون في ميزانك»، وعند ابن عزيز اسمه عبد الملك، وكان عبد الملك هذا من أصحاب عمر الثلاثة على إقامة الحق في الأرض، فهو كان يحبه كثيرا، فمات عبد الملك في زمان أبيه.
فالقصد من ذلك أن البلاء يرفع الإنسان، فهؤلاء الذين يبتلون بهذه البلاءات لا شك أن أجرهم عند الله سبحانه وتعالى العظيم إذا أحسنوا التعامل مع البلاء. خلي بالكم، ليس كل بلاء شر، إلا إذا كان حال الإنسان بعيداً عن الله فيكون عقوبة، ولكن إذا كان البلاء مع شخص تائب أو صالح، فيكون إما تكفيراً للذنوب أو يكون رفعاً للدرجات، والفارق بين هذا وهذا كله حال الإنسان.
فالأنبياء أشد الناس بلاء، حتى الحمى التي كانت تصيب النبي ﷺ كان الصحابة يجوزون حرها من فوق اللحاف، فيقولوا: ما شدها عليك؟ قال: «ذلك أن لك الأجر مرتين». وإذا كان في دين الرجل صلابة زيد له في بلائه.
هنا يقول الله العزيز الحميد، وقفوا عند أسماء الله الحسنى مع كل سورة ومع خاتمة الآيات؛ أسماء الله الحسنى هي الغاية وهي النهاية. ولم يتكلم أحد من علماء الإسلام عن أسماء الله سبحانه وتعالى أفضل من ابن القيم، لا يوجد عالم من علماء الإسلام تكلم بأسماء الله سبحانه وتعالى أفضل من ابن القيم. وكنت أقول بيني وبين نفسي ليت ابن القيم ألف كتاباً عن الأسماء الحسنى، ولكني بعد ذلك وصلت إلى قناعة أن ابن القيم ما كان قاصداً أن يؤلف كتاباً خاصاً فيها؛ لأن هذا الباب مما يفتح به على الإنسان، فهو لما يفتح عليه يكتب، لكن من تطلب منه أن يكتب في البداية ممكن ما يستطيع، فهذا الباب أصله يؤخذ من الدروس والمحاضرات، لكن تمامه قطعاً عنه.
هنا قال: ﴿الْعَزِيزُ الْحَمِيدُ﴾. العزيز: صاحب العزة، صاحب السلطان، صاحب الجبروت، يعني الله قادر أن يعذب هؤلاء سبحانه وتعالى. انظر، هنا اسم العزيز يفيد معنى أو معاني، واسم الحميد يفيد معاني، واقتران اسم العزيز مع الحميد في هذا السياق يفيد معنى آخر.
فأسماء الله الحسنى لما يكون اسماً مثل "العليم" هذا يفيد معنى، لكن لما يكون "العليم" مع "الحكيم" يفيد معنى زائداً، ولم يكن "العليم" مع "الخبير"، ولم يكن "العليم" مع "اللطيف". فهنا العزيز، لو كان "العزيز الحكيم" أو "العزيز الرحيم"، لكن هنا العزيز الحميد، ما أتى بالحكيم ولا أتى بالرحيم. لماذا؟ يريد أن يثبت ماذا؟ لو ذكر اسم الحكيم سيعطي معنى أن الله ينزل البلاء في الوقت الذي يريده أو العقوبة على هؤلاء الكفار، فيكون الحكيم يعني يقع في نفس المعنى.
لكن لما يأتي "الحميد" يفيد معنى آخر، والله أعلم سبحانه وتعالى بمراده، وهو أن هذا البلاء يبقى معكم هو الذي أوصلكم للفردوس الأعلى. يعني الآن الصحابة يعيشون في مكة، هل ممكن أحد من الناس بعد مرحلة الهجرة يصيب ما أصاب الصحابة في مكة؟ بعد الفتح ممكن، لكن مستحيل، شفتوا هذه ١٣ عاماً؟ لو أخذنا أمة الإسلام منذ مبعث النبي ﷺ إلى الآن، كم مضى؟ ١٤٦٠ سنة تقريباً، نحن في سنة ٧٤ و١٣ سنة في مكة، يعني ٦٠ سنة، ففي ١٤٦٠ سنة، أعظم ١٣ عاماً هي التي عاش فيها الناس في مكة بهذه البلاءات التي وقعت، وتثبيت النبي ﷺ.
واختياراً بين جميع الناس، هي التي بلغتكم أن تكونوا مهاجرين أوائل وأن تكونوا المعيار لكل من يأتي بعدكم. هذه النعمة ما تستحق الحمد لو ما وجد أبو جهل، لو ما وجد أبي بن خلف، لو وجد هؤلاء صناديد المجرمين هل يصل الشخص إلى هذا المقام؟ واضح هذا الأمر، لكن من حكمة خلق الله سبحانه الشيطان أن يعلي درجات المؤمنين. فالقصد أن هؤلاء هنيئاً لهم، والله هذه معنى اسم الله الحميد هنا، مهما حاولت أن تشرح ما تستطيع في هذا السياق، يعني هنيئاً لكم. من كان مع النبي ﷺ، شيب أبي طالب هذا كم أجره؟ من كان مع النبي ﷺ لما كان...
يصلي خلف البيت، ولما كان يدعو وكان يثبته وكان يقف معه، فالنبي هؤلاء يعادونه وهو معه ثلاثون أو أربعون شخصًا هكذا، وينظر إليهم ولا عصبة معه. هذا الأثر النفسي على النبي عليه الصلاة والسلام، هذا كم؟ مستحيل أن يستطيع أحد أن يحصيه إلا الله سبحانه وتعالى.
فهنا لما قال العزيز، العزيز القوي يستطيع أن ينتقم منهم سبحانه وتعالى، هو صاحب العزة، ولكن "الحميد" في هذا السياق عجيب. قال: ﴿أَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. المحمود سبحانه وتعالى على جميع صفاته سبحانه وتعالى؛ فالحميد هو الحمد، والإخبار عن صفات المحبوب، ما المحبة والرضا؟ هو الحميد سبحانه وتعالى، هو المحمود سبحانه وتعالى في كل حال.
ثم قال: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. الذي له ملك السماوات والأرض هو سبحانه مالك السماوات، ومالك هؤلاء الكفار؛ هم ما يستطيعون أن يفعلوا إلا مراد الله. هذه فيها إشارة أن لا تلتفت القلوب إليهم، إنما فقط تلتفت له هو سبحانه وتعالى تعالى؛ لأن هذا لا يستطيع أن يفعل إلا ما يأذن الله سبحانه وتعالى به. لا يستطيع لأي مخلوق من المخلوقات كائناً من كان أن يفعل إلا ما كتبه الله سبحانه وتعالى وما قدره. «أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر»، لا يستطيع لا بر ولا فاجر أن يتجاوز كلمات الله الكونية القدرية.
فهنا الله يقول: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ سبحانه وتعالى. ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾. إن الذين فتنوا أي عذبوا وأحرقوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا. لو تابوا تاب الله عليهم، والبلاء الذي وقع على المؤمنين رفعه لهم، تكفير للذنوب والمعاصي. انظروا إلى سعة حلم الحليم سبحانه وتعالى ورحمة الرحيم سبحانه وتعالى.
ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾. شوفوا يا شباب، هنا القرآن الكريم يريد أن ينصب الميزان ويضع الميزان. الأمر ليس متعلقًا في الدنيا فقط، الدنيا هذه صورة صغيرة جدًا من المشهد الكامل، المشهد كبير. الدنيا صورة صغيرة، هذا شيء يسير يحدث خمسين أو ستين سنة، ثم يموت الإنسان، ويأتي بعد ذلك المشهد الحقيقي، الصورة كاملة التامة.
فهذه الدنيا كيف ستقضيها؟ تموت في سبيل الله، تستشهد، تعيش لله سبحانه وتعالى، يقع عليك بلاء، كل ما يقع عليك في الدنيا شيء يسير، لكن بعد ذلك في يوم القيامة ستأتي المنازل والدرجات، ويظهر للناس المقامات.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾. إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، هذا الإيمان لم يكن إيمانًا بعيدًا عن العمل، إنما هذا الإيمان كان معه عمل. ادعاء الإيمان من غير العمل هذا إيمان كاذب، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهذا الإيمان أثمر عندهم العمل، هذا التصديق، هذا اليقين، هذا الاطمئنان لما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام أثمر عندهم العمل، أي العمل الصالح؛ فالعمل الصالح هو الذي يريده الله سبحانه وتعالى من الإنسان.
﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ يعني هؤلاء انتقلوا من هذه الدنيا مباشرة إلى تلك الجنات وفازوا عند الله سبحانه وتعالى، لذلك هنا قال: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾. هذه "الفوز الكبير" لا وجود لها في القرآن إلا في هذا الموطن، وصف الله هنا الفوز بأنه كبير. أي الفوز هنا؟ الثبات. إذاً الثبات في ميزان الإسلام فوز؛ يبتلى العالم، يبتلى الداعية، يبتلى الرجل الصالح بشتى البلاء، فإذا ثبت فقد فاز. فقد يكون الواجب عليك شرعًا في هذا السياق التاريخي وفي هذا البلاء فقط هو الثبات، فتفوز عند الله سبحانه وتعالى ويسمى ثباتك بأنه فوز كبير، فاستحققت هذا الأجر الكبير لأنك ثبتت هذا الثبات العظيم.
ثم قال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ سبحانه وتعالى، إنه هو يبدئ ويعيد، هو يبدأ الخلق ثم بعد ذلك يعيدهم؛ هذا قول الجمهور. والقول الثاني أنه يبدئ أي العذاب في الدنيا، يعذبهم في النار، ويقال بأن هؤلاء أصحاب الخدود الذين عذبوا المؤمنين خرجت النار وحرقتهم مباشرة وهذا عذاب الدنيا، ثم يعيد أي عذاب جهنم في الآخرة.
﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ ثم قال: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾. الغفور أي الذي يغفر الذنب، الودود أي المحب، فالله سبحانه وتعالى يحب أولياءه وأولياءه كذلك يحبونه، فهو يحب ويُحب سبحانه وتعالى. هنا اقتران اسم الغفور مع الودود، ما الذي يفيده الودود؟ يقتضي بأنه غير الغفور فقط، إن ربي رحيم، صح، رحيم وودود، فالود يقترن باسم الرحيم وكذلك باسم الغفور.
هنا الاقتران باسم الغفور؛ الشخص الآن إذا أخطأ على شخص، وإذا معه ما فعل مثلاً، ممكن يتجاوز عنه، يعني ممكن يغفر له خطأه، لكن هل ممكن يحبه؟ مستحيل، صعب جداً؛ لماذا؟ لأن الحب قلبي. الشخص إذا فعل شيئًا كبيرًا على الإنسان، هو ممكن يقول له: خلاص اذهب أنا غفرت لك سامحتك، بس هل يستطيع أن يمشي معه يحبه؟ ما يستطيع، هذا أمر ثقيل على الإنسان وصعب جدًا، ممكن يرحمه لما يشوفه لكن ما يستطيع يحبه.
لا تأخذ هذا الكلام نظريًا، خذه عمليًا. أي شيء متعلق بالإنسان لا تأخذ فيه فلسفة، خذ تطبيقيًا. شخص أخطأ عليك، سبك، شتمك، بلغ، إذا فيك الشيء الكبير، ثم بعد ذلك أتاك منكسرًا، تغفر له إذا كنت صاحب نية وعندك قدرة، ممكن تغفر له، طيب ممكن تحبه؟ لا. لأنك راح تذكر. واضح هنا الله سبحانه وتعالى هو الغفور الودود، يعني هؤلاء الذين عذبوا وفعلوا لو تابوا الله يحبهم، تصوروا!
قال: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ سبحانه وتعالى، الودود لأوليائه. حذر وبين أنه صاحب البطش الشديد سبحانه وتعالى، وأنه سبحانه وتعالى على كل شيء شهيد، وقال كذلك الغفور الودود. عجيبة هذه السورة: العزيز الحميد، ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾، ثم بعد ذلك قال: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾.
﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾؛ المجيد إذا كانت بالضم فالرفع، فيكون المراد هو وصف الله سبحانه وتعالى بأنه مجيد، والمجد أي السعة والكمال بالكرم والجود والشرف، فتقول: فلان أهل المجد، صاحب مجد، أي صاحب سمعة طيبة وصاحب شرف ومكانة، والله سبحانه وتعالى أهل الثناء والمجد. وفي التشهد ماذا يقول: «العالمين إنك حميد مجيد»، الحميد هو المحمود سبحانه وتعالى على كل حال.
ومجيد أي صاحب الشرف العالي، فالله سبحانه وتعالى مجيد، ووصف كتابه كذلك القرآن بأنه مجيد، وعرشه كذلك مجيد. فالمجد يجمع الصفات الحسنة، فالله سبحانه وتعالى ذو العرش المجيد، سبحانه وتعالى فعال لما يريد، من شأنه أن يغفر ذنباً ويرفع قوماً.
ولما مرض الصديق رضي الله عنه وأرضاه قيل له: "أما دعوت الطبيب؟" قال: "بلى"، فقالوا: "ماذا قال؟" قال: "إني فعال لما أريد"، سبحانه وتعالى. نعم، جاء في حديث في السنن من شأنه أن يفرج كرباً، ويغفر ذنباً، ويرفع قوماً ويضع آخرين، فعال لما يريد سبحانه وتعالى.
ثم انتقى الله الحديث عن قصص الأنبياء باختصار، وأجاز قصص بعض الأنبياء وبعض الأقوام؛ قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾ [البروج: 17]. من هم الجنود؟ فرعون وثمود. ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ﴾ [البروج: 18-20].
ذكر الآن قصة أصحاب الأخدود، وذكر بعد ذلك فرعون وثمود. هنا في باطن هذه الكلمة قصة فرعون مع موسى، وما الذي وقع لفرعون؟ هنا فقط تنبيه وتذكير لما جرى لهؤلاء الأمم المكذبة لأنبيائهم؛ ففرعون كذب موسى، كانت النتيجة انتصار موسى وهلاك فرعون. وثمود، من هم قوم صالح عليه السلام؟ ثمود العرب تعرفهم لأنهم كانوا عرباً، وفرعون سيرته وذكره كان معروفاً ومشهوراً.
ما الذي وقع لصالح عليه السلام؟ أنجى الله سبحانه وتعالى صالحاً وأهلك ثمود بالصيحة، وانتقل صالح كما يقال إلى فلسطين ومكث هناك ولم يذكر شيء. وهنا أصحاب الأخدود، من الذي وقع معهم؟ قُتلوا. إذاً موسى ومن آمن معه فازوا من الصالحين، وصالح ومن آمن معه كذلك فازوا، وأصحاب الأخدود فازوا.
النتيجة النهائية في الدنيا: موسى ومن آمن معه نجوا ومكنوا من بلاد فرعون، أورثهم الله سبحانه وتعالى، أورث بني إسرائيل ديار الأقباط. أما أصحاب الأخدود فقد قتلوا كلهم، إلا يقال إنه واحد فاستطاع أن يفر؟ لا، القصد أن المثل عليهم هنا قتلوا. الصالح لم يذكر شيء، إنما نجا ثم ربما عاش بقية حياتهم ولم يذكر لهم شيء ثم ماتوا.
ما المعنى الذي يراد هنا إيصاله؟ أنتم أيها الصحابة، نتائجكم في الحياة ترى ممكن تكون مثل هذه؛ فممكن يُقتل، وفعلاً العشرة المبشرين بالجنة قتل منهم عمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير. وقسم آخر ممكن لا يُقتل، لكن يعيش بقية حياته من غير أن يصيبه شيء من هذا، لكن ممكن يعتزل يعيش خاص يتعبد الله مثل سعيد بن زيد وسعد بن أبي وقاص، ولم يخرج هذا المصطلح ولا ذاك المصطلح، كلهم صالحين.
وقسم كذلك ممكن يملك، يعني يصبح خليفة أو يقود، منهم عمر وأبو بكر وعثمان وعلي، وسعد ما ملك، وسعيد ما ملك. القصد أن ملكت أو ما ملكت، قُتلت شهيداً أو ما قُتلت، إذا كنت صالحاً ستبقى صالحاً عند الله. النتيجة ليست لك، المؤمن أنك تسير على الطريق، المؤمن أنك أنت الآن في هذا الطريق تسير إلى الله سبحانه وتعالى كما يريد الله، ما الذي يريد الله مني أن أفعله؟ النتيجة النهائية الله أعلم بها، هذا فاز وهذا فاز.
هذا معنى مهم جداً؛ نستمع بالدعاة في كل عصر، لا تدري كيف تكون النتيجة، المهم أنك تسير على هذا الطريق، قد لا تُقتل شهيداً وتكون أعظم عند الله من جميع الشهداء في عصرك لأنك وصلت الصديقية. كيف تصل إلى هذه المرتبة العالية؟
قال تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: 18]، أي هؤلاء الكفار، وهنا قال "بل" التي تفيد الإضراب، هؤلاء الذين يجحدون الدين ويردون في تكذيب، ﴿وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ﴾ [البروج: 20]، سبحانه وتعالى محيط، يعلم ما يفعلون وقادر على الانتقام منهم. وما أعجب الله الإنسان لما يكذب ويكفر ويعاند ويصارع من هو في قبضته! هذا الإنسان عجيب، أنت الآن في أرض الله وعلم الله سبحانه وتعالى محيط بك وقدرته محيطة بك، ومع ذلك عجيب هؤلاء الكفار.
ثم أثنى على كتابه العظيم وصفه بالمجد والشرف: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ﴾ [البروج: 21]. هذا قرآن مجيد، لا يعرف بركة القرآن ومنتهى هذه البركة إلا صاحب القرآن فقط، القرآن كتاب مبارك ونزل من عند الله، لا يوضع في مكان إلا بارك فيه. الله يقول: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ﴾، عظيم كريم شريف، ولا يعرف بركة هذا القرآن ولا منتهى هذه البركة إلا صاحبه سبحانه وتعالى.
ثم قال: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ [البروج: 22]، هذا ليس بشعر ولا بكهانة ﴿وَمَا تَنزَلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنبَغِي لَهُ * وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: 210-212]، في لوح محفوظ، محفوظ من التغيير والتبديل ومن التحريف. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]. أما حفظ الحروف، فالله سبحانه وتعالى قد تكفل به، ولا يمكن لأحد البشر أن يحرف حروف وألفاظ القرآن الكريم وتُروج بين الناس، هذا مستحيل لا يمكن.
والقصص التي وقعت في هذا كثيرة؛ منها أن رجلاً في زمن الدولة العباسية أسلم، فقيل له لما أسلمت؟ ويقال بأن المأمون سأله، فقال: إني عمدت إلى اليهود فحرفت التوراة ثم بعتها في سوق اليهود فراجت على أحبارهم، ثم عمدت إلى الإنجيل فحرفت الإنجيل وبعتها في سوق النصارى فراجت على الرهبان، ثم عمدت إلى القرآن الكريم وحرفت بعض آياته فرد علي الصبيان.
وفي عصرنا هذا كانت من ضمن الخطط الغربية في تحريف القرآن الكريم هو تحريف نفس الآيات، فبدأوا بأفريقيا، تعرفون أفريقيا يعني بعيدة عن البلاد المركزية في الإسلام، فممكن هناك بالنسبة لهم لعل يروج، فهم يحاولون الآن. انظروا كيف كان الغرب يعادينا ويصارعنا، الشيطان ما ترك شيئاً إلا فكر فيه، حتى تعرفون الغرب كيف كان يعادينا، الشيطان ما ترك شيئاً يستطيع أن يسقط الدين فيه إلا فكر فيه، فمن ضمن الأمور تحريف القرآن الكريم.
حاولوا أن يتصوروا أن القرآن ليس كلام الله، ولم يستطيعوا أن يعرضوا القرآن وإلا أصبحوا أضحوكة العرب في زماننا هذا في بعض البلدان. كان هناك كذا سورة، ثم توقف الأمر، سحرٌ أمرٌ عجيب. فالقصد أن في هذا الزمان قام بعض الغربيين بتحريف ألفاظ القرآن الكريم ونشروا عشرين ألف نسخة في نيجيريا، ثم اكتشفت في مدة وجيزة وتم سلب هذه النسخ والتحذير منها، فتوقفوا. هم طبعاً أرادوا نيجيريا وأفريقيا، ثم تدريجياً حتى يعم بقية البلدان، لكنهم وصلوا إلى قناعة بأن هذا الأمر...
لا يمكن أن يكون الحل تحريف معاني القرآن الكريم، ونعم، تحريف المعاني هذا ممكن يكون، ولكن الله سبحانه وتعالى يقيض في كل جيل من أوليائه وأحبابه من يحمي بهم القرآن الكريم من التحريف والتغيير والتبديل.
فتعرفون كيف في رمضان قبل عدة رمضانات، كيف أن في بعض القنوات يخرج شخص لا علاقة له بالقرآن ويفسر القرآن تفسيراً من جيبه، ويريد أن يهدم القرآن الكريم بهذه السورة حتى يسقط القرآن الكريم، يكون عبارة عن كلام لا معنى له، أو المعنى كل شخص يضع المعنى الذي يريد، فيه هدم لطريقة تلقي القرآن الكريم، هذه نظرية النص المفتوح، يكون عندك هكذا نص مفتوح، كل واحد يؤول هذا النص ويفسره كما يريد.
لكن خابت مساعيهم، خابت وستغيب مساعي كل من يحاول، يختارهم الله سبحانه وتعالى في كل جيل يحميهم حتى يحمي بهم دينه. هنا الله يقول في لوح محفوظ: هذا القرآن الكريم المجيد في لوح محفوظ من التغيير والتبديل والتحريف.
إذاً، هذا ما يتعلق بهذه السورة الجليلة العظيمة، والله أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد، جزاكم الله.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري