دخولتسجيل الدخول

سورة الانشقاق | تأملات في آيات جزء عم

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، الصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وآله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد، فحيّاكم الله إخواني وبيّاكم، وسدّد على طريق الخير خطانا جميعًا.

نكمل مدارسة هذا الجزء، وكنا قد توقفنا في الدرس الماضي عند سورة المطففين، ومعنا اليوم إن شاء الله تعالى سورة الانشقاق، وهذه من السور التي نزلت في مكة المكرمة. وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا صلّى بالناس بهذه السورة يسجد عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾.

هنا الله سبحانه وتعالى في هذه السورة يتكلم عن أحوال القيامة، وعن بعض مشاهد القيامة، وكذلك يتكلم عن حال الإنسان في ذلك اليوم العظيم، وعن بعض مشاهد الكون. ثم ختم هذه السورة بالحديث عن هؤلاء الكفار، وتبكيت الكفار، وتخويف الكفار، وتثبيت المؤمنين. هذه السورة على وجازتها إلا أنها جمعت معاني كثيرة وعظيمة.

فالله يقول هنا بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. إذا السماء انشقت، سيأتي يوم هذه السماء العظيمة، العالية، المنيفة تنشق. ثم قال الله: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾، أذنت أي استمعت، استجابت. وحق لها أن تأذن، وأن تستجيب لخالقها سبحانه وتعالى وبارئها. هذه السماء العظيمة التي هي أعظم من خلق الإنسان تنقاد لأمر الله سبحانه وتعالى إذا أمر، ولا تستطيع أن تخالف أمره سبحانه وتعالى، فخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. هذه السماء العظيمة لما تؤمر بالانشقاق تنشق وتنقااد لربها.

هنا أتى باسم الرب سبحانه وتعالى ليدل على الهيمنة والسيطرة والعظمة وتمام الملك، فالله هو مالك السماء ومالك الأرض ومن فيهما. قال: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾. ثم قال: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾، هذه الأرض تمد يوم تبدل الأرض غير الأرض. قال: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾، كل من كان في باطن الأرض سيصبح على ظاهرها.

هؤلاء الكفار ينكرون البعث، ولكنهم لا ينكرون الموت؛ لأنهم يشاهدونه ويعاينونه، فهم يعلمون أن الشخص إذا مات يقومون بدفنه، لكن بعد ذلك ينكرونه. الله يقول بأن هذا الذي دفنتموه لن يبقى أبد الآباد وأبد الدهر هكذا كما تقولون، وما يهلكنا إلا الدهر؛ إنما سيأتي يوم هذه الأرض تمد وتلقي ما في باطنها. قال: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾، تخلت عن كل ما فيها، خرج من كان في باطنها من الموتى. ثم قال الله: ﴿وَأَذِنَتْ﴾ أي استمعت لربها وحقت، هذه الأرض تأذن لله، تستمع لأمر الله وتنقااد له، وحق لها أن تنقااد.

ثم قال بعد ذلك موجهًا الخطاب إلى هذا الإنسان: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ﴾. ومصطلح الإنسان الأصل إذا ذكر في القرآن الكريم يطلق في سياق الضعف، إما الضعف الديني أو الضعف الخلقي. أما الضعف الديني فيكون المراد بالإنسان هو الكافر، بخلاف العبد. وإذا كان في سياق ذكر أصل النشأة، فيكون في سياق الضعف الخلقي، كقوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ﴾. فاسم الإنسان أو مصطلح الإنسان لا يطلق إلا في سياق الضعف، إما الديني أو الخلقي.

قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ﴾، يا أيها الضعيف، وكذلك يا أيها الكافر: ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾. في هذه الحياة كلها كدح، فمن طبع الحياة المشقة. وهذه السورة كاشفة لطبيعة الحياة، لطبيعة الوجود، وكذلك لطبيعة هذا المخلوق. الله يقول: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾، وهنا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾، وكذلك يقول: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾، حالًا بعد حال، كاشف لطبيعة الحياة. هذه الحياة من طبعها المشقة، طبعت على كدر، وتريدها صفوًا من الأقذاء والأكدار؟ لا يمكن، هذا مخالف لطبيعة الحياة.

فالله سبحانه وتعالى يوجه هذا الخطاب إلى هذا الإنسان: إنك كادح، أي عامل عمل معه مشقة. فالإنسان يتعب في هذه الحياة، وتشق عليه حياته، وحياته كلها مشقة وتعب. قال: ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا﴾، النهاية إلى من؟ إلى الله سبحانه وتعالى. أي: ستكدح وتكدح وتكدح، ثم بعد ذلك لا بد أن تموت، والكل يسلم بالموت. فلما تموت، أين ستذهب؟ إلى الله سبحانه وتعالى، ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾. ملاقي من؟ ملاقي الكدح أو ملاقي الله سبحانه وتعالى؛ ملاقي الكدح وكذلك ملاقي الله سبحانه وتعالى، فملاقيه ملاقي الله بكدحك الذي كدحته في حياتك، يعني عملك الذي عملته في هذه الحياة كلها سترى يوم القيامة.

انظر الآن كيف القرآن الكريم ينوع ويصرف هذه الأساليب حتى يحيي هذه النفس، حتى يحرك هذه النفس الميتة، حتى يزعزع هذه النفس من هذه الصلابة على الكفر وعلى الطغيان، ومن التمسك بعادات وثقافة وأعراف الآباء والأجداد. قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾. هنا قال: ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ﴾ الذي رباك والذي أنشأك، هو الذي سيعيدك بعد إماتتك في الموتة الثانية؛ فالموتة الأولى هي العدم: ﴿أَلَمْ يَأْتِ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾، كان ميتًا ثم أحياه الله، ثم بعد ذلك سيموت ويحييه الله سبحانه وتعالى الحياة الثانية.

ثم انتقل الخطاب إلى مشهد آخر، وهو مشهد الصحف لما تتطاير. هؤلاء الذين كانوا يكدحون في الحياة هم ينقسمون إلى قسمين كبار: القسم الأول الذي كان كدحه موافقًا لمراد الله، فأعماله وأقواله، وقبل ذلك اعتقاداته وتصوراته كانت وفق ما يريد الله سبحانه وتعالى، هذا سيؤتى كتابه بيمينه. والقسم الثاني الذي كان كدحه مخالفًا لأوامر الله سبحانه وتعالى ولم يكن منقادًا لأوامره.

قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾. الناس لما يقفون في أرض المحشر، ستتطاير الصحف؛ فقسم سيأخذ كتابه بيمينه، وقسم سيأخذ كتابه بيساره من وراء ظهره. القسم الأول الذي سيأخذ كتابه بيمينه يفرح، ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾، يعني هذا لما يأخذ الكتاب ويحاسب، يحاسب حسابًا يسيرًا. والحساب يوم القيامة ينقسم إلى قسمين: قسم حساب يسير، والقسم الثاني حساب عسير غير يسير.

من الذي يحاسب الحساب العسير؟ هو الذي يناقش في حسابه. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من نوقش الحساب عُذب». الذي يناقش يعني الذي يحاسب على كل شيء: أنت فعلت كذا يوم كذا، فعلت كذا، فعلت كذا، فعلت كذا؛ هذا التدقيق لابد أن يعذب لأن سيئاته ستكون كثيرة. ولكن إذا أراد الله بعبده الخير، حاسبه حسابًا يسيرًا؛ الحساب اليسير هو العرض، يعني ينظر في كتابه ثم يتجاوز عنه، ولا يدقق عليه في أعماله. وقسم من الناس يدخل الجنة من غير حساب، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

«سبعون ألفًا من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب». قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: «هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون». هؤلاء السبعون ألفًا، وجاء في بعض الروايات خارج الصحيح في مسند أحمد وغيره، بأن مع كل ألف سبعون ألفًا وثلاث حثيات من ربي. هؤلاء يدخلون الجنة من غير حساب ولا عذاب، هذا قسم من الناس يدخل من الباب الأيمن من الجنة، هذا لا يحاسب.

القسم الثاني يحاسب حسابًا يسيرًا. وكان من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في مسند أحمد: «اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا». هذا القسم الثاني. القسم الثالث هو الذي يناقش، أي يحاسب على كل شيء فعله، هذا هو الذي سيعذب ولا بد، فإذا نوقش شخص الحساب عذب.

قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: 7-8]. أي يرجع إلى أهله مسرورًا، أهله في الجنة، ولن يرجع إلى الدنيا؛ إنما مباشرة سيذهب إلى الجنة فيدخل الجنة وهو مسرور. وكل واحد إذا كان من أهل الجنة -نسأل الله أن نكون منهم يا رب العالمين- لما يدخل الجنة سيعرف مكانه في الجنة، ويعرف أهله من الجنة، وأهل الذين هم في الجنة كذلك يعرفونه وينتظرونه.

قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق: 7-10]. هذا قسم من الناس، لما يرى أن قسمًا يأخذ الكتاب باليمين، هو يخاف أن يأخذه باليسار، فيجعل يده خلف ظهره حتى لا يأخذ الكتاب بيساره، فترتفع الصحيفة خلف ظهره وتقبض يده الصحيفة. وقيل بأن هذا القسم هم المنافقون؛ المنافق الكافر يأخذ كتابه باليسار، والمنافق يأخذ كتابه بيساره من وراء ظهره، وقيل لا، هو نفس الكافر يأخذ كتابه بيساره من وراء ظهره. القصد أن الكافر والمنافق كلهم سيأخذون كتابهم بيسارهم.

قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ [الانشقاق: 10-14]. أي هلاكًا، ويصلى سعيرا. إنه هذا الكافر كان في أهله، أي في الدنيا، مسرورًا؛ إنه ظن، والظن في القرآن يقين، كل ظن في القرآن يقين. إنه ظن أن لن يحور، أي أن لن يرجع، لن يعود.

كان من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور». الكور تكوير العمامة، أي عقد العمامة، والحور هو حل العمامة، وهنا أنه ظن أن لن يحور، يعني أن لن يرجع، لن يعود. قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ * بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الانشقاق: 14-15]. بلى، إن ربه، إن الله جل جلاله، خلق هذا الإنسان، المنعم، المعطي، المهيمن، الملك سبحانه وتعالى، العالم العليم، كان به بصيرًا بكل شيء فعله، وعليمًا بكل شيء قاله.

ثم انتقل الحديث إلى مشهد رابع، قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ [الانشقاق: 16]، أي أقسم قسمًا مؤكدًا بالشفق. والشفق هو الاحمرار الذي يكون في الأفق بعد غياب الشمس، فلما تغيب الشمس يدخل وقت المغرب، فيبقى الاحمرار بعد الشمس، هذا الاحمرار هو الشفق، فإذا غاب الشفق دخل وقت العشاء. هنا الله يقسم بهذا الوقت، وذكرنا بأن القسم إذا كان من الله سبحانه وتعالى لا يكون إلا بعظيم أو بمبارك. فهنا الله لما يقسم بوقت الشفق، ما المراد بهذا القسم؟ المراد بهذا القسم هو الدلالة على العظمة.

انظر الآن إلى هذه الشمس العظيمة، كيف تحركت من مكانها حتى غربت؟ فلما غربت الآن في وقت هو ما بين الظلام والضياء، هذا المشهد الكوني العظيم الذي نراه كل يوم؛ في الصباح قبل أن تأتي الشمس يسبقها الشفق، وفي آخر النهار لما تغرب الشمس قبل أن يأتي الليل يسبق بالشفق. هذا المشهد، هذا التغير الذي يقع كل يوم على هذه الأرض، كيف يكون؟ من الذي يحدثه؟ من الذي يصنعه؟ قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾، وهذا الآن وقت الشفق، وقت السكون. انظروا الآن يا أيها الإنسان إنك كادح، يشير هذا اللفظ إلى الحركة والاضطراب، ثم يأتي بعد ذلك الحديث عن السكون: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ [الانشقاق: 17]. والليل وما وسق أي والليل وما حمل وما جمع. هنا الله يقسم بذهاب النهار وبقدوم الليل وبكل ما في الليل من دواب ومن نجوم ومن كواكب، كل ما يحمل الليل، وهذه كذلك آية كونية عظيمة تدل على الخالق سبحانه وتعالى، على الرب سبحانه وتعالى.

قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ [الانشقاق: 16-18]. هذا القمر كيف يكتمل؟ وكيف يصبح النور بهذه الصورة حتى يضيء شيئًا من الأرض؟ في الليالي القمرية الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من الشهر الهجري، كيف إذا يكون البدر بهذا الجمال وهذه الصورة؟ هذا القمر كيف يتغير؟ كيف يكون هلالًا، ثم يكبر ويكبر حتى يصبح بدرًا، ثم بعد ذلك ينقص حتى يصبح محاقًا؟ هذا التغير كيف يكون؟ من الذي يغير القمر أو الذي يصنع هذا المشهد الكوني؟ الرب، لذلك السورة تكرر فيها ذكر اسم الله سبحانه وتعالى الرب، للالتصاق الوثيق بين هذه المعاني وبين اسم الله سبحانه وتعالى الرب.

وهنا فائدة جليلة عظيمة جدًا في القرآن الكريم؛ أي سورة تقرأها ابحث عن أسماء الله فيها، ابحث عن أسماء الله التي اختارها الله فيها، ثم اربط مشاهد القصة وآياتها بهذه الأسماء، يتضح لك المعنى الذي يريد الله سبحانه وتعالى أن يوصله، ويتضح لك الارتباط الوثيق بين أسماء الله سبحانه وتعالى الحسنى وآثار هذه الأسماء في الوجود. فالله لم يخلق الإنسان إلا من أجل العبادة، وخص العبادة بالتعرف على الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته. وكل ما يقع في قدر الله في كون الله، وكل ما نزل في كتاب الله، القصد منه أن تعرف من هو الله.

والله يقول: ﴿بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾، ثم يقول: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾. آيات عظيمة: نهار، غروب، شروق، ليل دامس، ثم نور وسط الليل. ثم قال تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: 19]، هذا جواب القسم. هذه الأقسام العظيمة جواب قسمها هو أنكم لتركبن طبقًا عن طبق، أي حالًا بعد حال. إما أن يكون الخطاب هنا للنبي عليه الصلاة والسلام، فيكون هنا فيه إشارة لانتقال النبي عليه الصلاة والسلام والأحوال التي سيمر بها النبي عليه الصلاة والسلام، أو يكون الخطاب كذلك للإنسان، فكذلك الإنسان يبدأ ضعيفًا، ثم بعد ذلك.

يكبر قليلاً ويقوى، ثم يضعف، ثم إذا عمر يدخل في سن الشيخوخة ويضعف، ثم يموت. ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾؛ أي حالاً بعد حال، تتغير بكم الأحوال.

وجاء كذلك في الحديث: «ما لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه»، كما جاء في حديث أنس. فيتغير الحال، يتغير الواقع، يتغير الإنسان. هذا التغير للإنسان، لذلك ذكرت هذه كاشف الإنسان. من الذي صنعه؟ من هو الذي يجعل الإنسان يتغير بهذه السرعة والطريقة؟ كيف يعمل الليل والنهار بالإنسان؟

يكون ضعيفاً ثم يقوى، يتغير شكله، وكيف هو لا يشعر بهذا الشيء؟ يوم عن يوم يبدأ الإنسان يتغير، هو لا يشعر هذا التغير مباشرة، إنما بشيء يسير؛ يكون التغير طفيفاً، حتى في النهاية يصبح هذا الطفل الصغير الرضيع شيخاً كبيراً. كيف؟ ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل: 78]. هذه وسائل المعرفة والأدوات التي من خلالها يحصل الشخص على المعرفة.

ثم الآن الشخص يسمع، تتشكل عنده معرفة، ينظر، عنده القلب يقيس، تتشكل عنده المعرفة، ثم بعد ذلك يكبر ويكبر حتى يصل سن الاستواء. ثم بعد ذلك يضعف ويضعف حتى كأنه لم يعرف شيئًا. ﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [النحل: 70]. كأنه ما كان يعرف شيئًا. ﴿وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ [يس: 68]؛ البدن يضعف والعقل يضعف. أفلا تعقلون؟

من الذي يصنع هذا كله؟ هذا الذي يقع للإنسان في هذه الحياة، التدبير كله يرجع إلى اسم الله الرب، هذا كله يرجع إلى توحيد الربوبية. لذلك هنا أكثر الله من الحديث عن اسمه الرب سبحانه وتعالى، لماذا؟ حتى يقرر هذه المعاني في نفوس الناس، ثم بعد ذلك الكلام يأتي، تأتي الأوامر؛ لابد أنك تنقاد، لأن الذي صنع هذا كله هو الله سبحانه وتعالى.

كيف حالك الآن؟ فقير ثم تصبح غني، غني ثم تصبح فقير، مريض تصبح صحيحاً، صحيحاً تصبح مريضاً. هذا التغير كيف يحدث لك؟ كيف هذه الأطباق تتغير من حال إلى حال؟ أعزب يتزوج، ثم يتزوج يطلق. هذا التغير الذي يقع كيف يكون؟ من الذي يدبر هذا الأمر؟ من الذي كتبه؟ من هو الصانع؟ هذا كله يرجع إلى اسم الله الرب سبحانه وتعالى، وكثير من الأسماء ترجع إلى اسمه سبحانه وتعالى الرب.

قال: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾. وقيل هنا صعود النبي ﷺ، الطبق المراد به السماء، فكان يصعد من سماء إلى سماء، وهذا يكون في رحلة الإسراء والمعراج؛ الإسراء كان إلى بيت المقدس والمعراج كان إلى السماء. ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ ثم قال: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.

الآن هذه السماء تنشق وهذه الأرض، وذكر لك حال الإنسان وكدح الإنسان، وذكر لك أحوال الإنسان يوم القيامة، وذكر سبحانه وتعالى المشاهد الكونية العظيمة المتغيرة؛ كل يوم تتغير هذه المشاهد: ليل ونهار، شمس وقمر، يكتمل قمر، محاق، هلال. وذكر لك حالك أنت أيها الإنسان كيف تتغير، وترى هذا الحال: أين ذهب والدك؟ مات. كيف مات هذا الغني؟ هذا الشريف؟ ذهب ومات، ولم يبق إلا ملك الملك سبحانه وتعالى فقط، ولم يبق إلا ملكه. وكما ذهبوا هم ستذهب أنت، لماذا ما تؤمن بعد هذا كله؟ بعد هذه الدلائل العظيمة، دلائل الربوبية، لماذا ما تنقاد؟ لماذا ما تستجيب؟ لماذا ما تسلم؟ ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾.

لماذا إذا قرئ على هؤلاء القرآن ما يسجدون ولا ينقادون؟ ثم قال الله مبينًا سبب التكذيب وسبب عدم الإيمان وسبب الكفر وعدم الانصياع والانقياد لأوامر الله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾. يكذبون هنا أي أن هؤلاء لا يريدون الإيمان، التكذيب هنا المراد به عدم الانقياد، الجحود، الاستكبار، مع أنهم يوقنون بأن النبي ﷺ مبعوث من قبل الله؛ ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: 33].

كيف أنهم لا يكذبونك وهنا يكذبون؟ هناك لا يكذبونك، يعلمون بأنك صادق أمين، ويعلمون بأنك مبعوث من قبل الله، ويعلمون أنك لا تكذب، لكن هنا صنيعهم صنيع المكذب لأنهم ما انقادوا، هم كذبوا وجحدوا، فهناك هنا كفر التكذيب والجحود والاستكبار. المشكلة عند هؤلاء الكفار أنهم في باطنهم يعلمون بأنك نبي، لكن الحسد والكبر والعجب والعلو والتكبر والطغيان منعهم من التصديق والاستسلام والإيمان والانقياد، هنا كذبوا، هذا هو المراد بالتكذيب.

قال: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾، ثم قال الله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾. يوعون أي يجمعون ويسرون، وهذا كذلك يدل على اسم الله الرب، لأن هذا يرجع إلى العلم وإلى اسم الله الخبير سبحانه وتعالى واسمه العليم، وهذا كله يرجع إلى الربوبية. ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ * فَذَرْهُمْ يَأْخُذْهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾، ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.

الأصل في البشارة أن تكون في خير، والبشارة من تغير البشرة، لما يأتي شخص بخبر تتغير بشرته، والأصل أن تستعمل في الخير، ثم استعملت في الشر هنا؛ الله يقول: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، ليس عذابًا عاديًا إنما عذاب أليم. إلا هنا استثناء منقطع: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾؛ أي الذين آمنوا وانقادوا وصدقوا وأيقنوا، هؤلاء ثم أثمر هذا الإيمان عندهم العمل الصالح، فكانوا يعملون، والعمل كان عملًا صالحًا، ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، أي غير مقطوع، أجر كثير عظيم متوالي متتالي لهؤلاء الصالحين.

وهذه السورة كذلك فيها تثبيت للنبي ﷺ ولأصحابه، وكذلك بها تبكيت وتوبيخ وتقريع وإقامة حجة على الكفار وعلى الناس في كل عصر وفي كل مكان. إذن هذا بعض ما يتعلق بهذه السورة الجليلة، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.