دخولتسجيل الدخول

سورة الإسراء 08 | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد. فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وأسدد على طريق الخير خطاي خطاكم. نكمل مدارسة سورة الإسراء؛ كنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32].

ثم قال الله سبحانه وتعالى بعد ذلك: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّى الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء: 33]. الله سبحانه وتعالى نهى عن قتل النفس التي حرم إلا بالحق، وبالحق هنا أي لما يفارق الشخص دينه؛ لا يحل دم امريء مسلم إلا باحتباس النفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة.

إذاً، هنا الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، فبالحق هنا الشخص إذا ترك دينه وفارق الجماعة فهذا يجوز قتله بل يجب قتله بعد استتابته، وكذلك الشخص لما يقتل النفس، وكذلك الثيب الزاني؛ هؤلاء الثلاثة يقتلون إذا فعلوا هذه الأمور الثلاثة: قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق (شخص يقتل مسلماً بغير وجه حق، من غير أن يستحق هذا المسلم القتل، ولا يكون هو مخطئاً في قتله، إنما هو متعمد أن يقتله فهذا يقتل)، وكذلك الثيب الزاني (شخص محصن سبق له الزواج ثم زنى وقع بهذه الجريمة فهذا يقتل، بخلاف الذي لم يسبق له الزواج فهذا يجلد)، والثالث التارك لدينه المفارق للجماعة أي المرتد؛ فهذا كذلك يقتل لردته عن الإسلام.

إذاً، هنا الله يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾؛ ينهى الله سبحانه وتعالى عن التساهل في القتل. والآن تأملوا معي وعيشوا معي هذه الآيات تنزل على أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وهم في مكة، وكان في السابق يسهل عليهم القتل؛ فكان الشخص يقتل من أجل أخذ ماله، يقتل من أجل كلمة يقولها، يقتل من أجل عداء للقبيلة وهكذا. هنا الله سبحانه وتعالى يضبط الميزان وبين بأن قتل النفس لا تجوز إلا بالحق، والشريعة جاءت بحفظ هذه الكليات الخمس من ضمنها النفس.

ثم قال الله: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ (شخص قتل شخصاً ظلماً، هذا المظلوم) الله يقول: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّى الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾. أي الله سبحانه وتعالى جعل لولي الدم سلطاناً، له سبيل لقتل هذا، له سبيل للقصاص منه للقود منه. قال الله: ﴿فَلَا يُسْرِف فِّى الْقَتْلِ﴾؛ أي لا يسرف في القتل هنا يحتمل أن يقتل غير القاتل؛ فلا يجوز لك أن تقتل غير من قتل. كانوا في السابق إذا قتل شخص ثم فر وهرب، يقتل أخوه، يقتل القريب منه، لماذا؟ ويرون بأنهم قد أخذوا ثارهم بقتل هذا الشخص! والله يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164].

فهنا الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَلَا يُسْرِف فِّى الْقَتْلِ﴾؛ لا يقتل من لا يستحق القتل؛ فيقتل المقتول يقتل القاتل، أما من لم يقتل حتى لو كان أخوه، حتى لو كان أبوه، حتى لو كان قريب منه لا يجوز قتله، لا يجوز قتله والتعدي عليه. وكذلك هذا الذي قتل يقتل ولكن لا يجوز التمثيل به؛ فيبقر بطنه ويجدع أنفه وهكذا تقطع أذنه، فلا يسرف في قتله. وكذلك لا يزيد الذي قتل واحد يقتل هذا الواحد، ولا يأتي شخص يقول: لا نقتل مكان هذا مئة أو مئتين من هؤلاء! هذه كلها عادات الجاهلية التي لم تجعل المجتمع الجاهلي يستقر.

وذكرنا لكم بأن الآن هذه الآيات تنزل على النبي عليه الصلاة والسلام وعلى أصحابه تهيئة لهم؛ لأن هذه المجموعة هي التي ستنتقل بعد ذلك إلى المدينة، فسيقوم نظام الإسلام هناك، فسيقوم نظام الإسلام هناك. وإذا أردنا أن نفقه هذه الآيات الفقه العالي لابد أن نعيش مع الدعوة في مرحلتها التي هي فيها، وفق الواقع الذي تعيشه، وفق النظام وفق الأعراف التي كانت موجودة في ذلك الزمان. فهنا الله سبحانه وتعالى يصنع المجتمع المسلم في بدايته من خلال صنع الفرد المسلم. لم يكن الناس قبل ذلك بهذه الطريقة، إنما كان الظلم هو الفاشي عندهم، فكان يتم الإسراف بالقتل من خلال القتل وكذلك من خلال العبث في الجثة وتمثيل الجثة وكذلك من خلال قتل من لا يستحق القتل، بينما الآن يأتي نظام جديد هذا كله لا يجوز، هذا كله لا يجوز.

فهو سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّى الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾. منصُوراً قدراً وشرعاً؛ فالله سبحانه وتعالى سيسلط هذا على من؟ على القاتل، وسيعين الله سبحانه وتعالى هذا قدراً، وكذلك شرعاً الله سبحانه وتعالى أعطاه هذا الحق، أعطاه هذا الحق فهذا حق له؛ فهو إن أراد أن يتنازل عنه له الحق، وإن أراد أن يطلب المال فله الحق (الدية)، وإن أراد القصاص فكذلك له الحق بذلك.

ثم قال الله سبحانه وتعالى بعد ذلك قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الإسراء: 34]. ولا تقربوا مال اليتيم؛ اليتيم هو الذي مات أبوه قبل الاحتلام، فالذي مات أبوه قبل الاحتلام هذا يسمى يتيم. الله سبحانه وتعالى هنا ينهى عن الاقتراب من هذا المال وأكل هذا المال والعبث في هذا المال قال: ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي إلا بالتجارة المامونة أو التي يغلب عليها الأمان وفيها الأمان، حتى ما تأكلها الصدقة؛ حتى ما تأكل أموال اليتامى الصدقة أي الزكاة، فالزكاة حق المال؛ فلما يموت الأب ويبقى لأبنائه مال، هذا المال إذا بلغ النصاب لابد أن يزكى، لابد أن يزكى. فهنا ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي بالتجارة بهذه الاموال في التجارات المامونة؛ كان يروى عن عمر الفاروق بأنه قال: اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة، لا تأكلها الصدقة.

ولكن هذا يكون لمن؟ للعارف، أما الشخص الذي لا يعرف فلا بد أن يسأل من يعرف، فهذا المال هو أولى من مالك، فاذا كنت أنت قائم على أيتام فلا بد أن تراعي هذا المال ولا بد أن تحرص عليه أكثر وأشد من حرصك على مالك. وهذه كلمة لمن يقوم على الأموال الخيرية لا تتساهل بها؛ بعض الناس لما هو يكون في مقام هكذا جمع الأموال إلى آخره يتساهل في توزيع الأموال، يتساهل في تنمية الأموال، وهذا أمر يعني شهير هكذا، يتم عمل وقف من خلال الأموال الخيرية ولا يكون شخص هو صاحب المال، فربما يدخل هكذا في أي تجارة في أي عمل ولا يدرسها ولا يبالغ في الاحتياط كما يبالغ في ماله. هنا لابد أن تبالغ أكثر من مالك. كذلك يقول بعض العلماء الكبار من المعاصرين يقول بأن هذه الأموال تكون في الاصول الثابتة مثل العقارات وهذا الأولى والأفضل، ما تكون في التجارات التي ممكن تتغير أو هكذا يعني يغلب أن هذه التجارة إما أن تربح ربح كبير أو تخسر يكون فيها مغامره، لا يكون مثلاً في شراء عمارة في شراء منزل هذا بالعاده يبقى ثابت، هذا أصل ثابت.

القصة ذلك هنا الله سبحانه ينهى عن قربان هذا المال مال اليتيم وأكل أموال اليتامى من سبع الموبقات؛ مثل أكل الربا. اجتنبوا السبع الموبقات؛ منها أكل مال اليتيم. قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ حتى يكبر هذا اليتيم ويستطيع أن يتصرف بماله ويستطيع أن يتصرف بماله.

ثم قال الله: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: 34]. وأوفوا بالعهد؛ العهد مع الله سبحانه وتعالى أولاً، ثم العهد مع الناس ثانياً. والذي يخلف العهد هذا وصف المنافقين: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها: إذا عاهد غدر). فان الله يأمر بالإيفاء بالعهد. وهذا الآن العرب في الجاهلية كانت توفي بعهدها لماذا؟ حتى لا يتحدث الناس، فكان هذا الامر عندهم قوي. هنا الله سبحانه وتعالى يقر هذا الخلق (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). لكن هنا كذلك يدخل بالوفاء بالعهد؛ العهد مع الله سبحانه وتعالى (وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت). ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]؛ لا نعبد إلا أنت ولا نستعين إلا بك. قال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾؛ يسأل العبد عن هذه العهود التي كانت مع الله سبحانه وتعالى، وكذلك التي كانت مع الناس، كيف تعاملت مع هذه العهود، هل غدرت أو وفيت؟

ثم قال الله سبحانه وتعالى بعد ذلك قال: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الإسراء: 35]. وأوفوا بالكيل إذا كلتم؛ هنا الله يأمر بالوفاء بالكيل، فإذا باع الشخص لا ينقص، وإذا اشترى وإذا هو اشترى لا يزد في المكيال، فهذا لابد أن يوفي بالمكان. والله سبحانه وتعالى يقول في كتاب: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وََّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: 1-3]؛ إذا كان الحق لهم أخذوه وافي كامل، وإذا كان الحق لغيرهم أنقصوا منه. الله هنا يتهدد هؤلاء، يقول: ويل؛ كلمة وعيد ووعيد شديد لهذا القسم من الناس. قال: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ وزنو بالقسطاس أي الميزان المستقيم أي العدل. ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء: 35] أي هذا خير عاقبة وأفضل لكم في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا فما يقع ما تقع الشحناء والبغضاء بينكم، وتكون النفوس سليمة والمجتمع لما تكون نفوس أصحابه سليمة ما تقع فيه الأثرة، والأثرة تؤثر في فساد المجتمعات، فما تقع هذه الأثرة إنما تكون النفوس سليمة، إنما تكون النفوس سليمة فيستقر المجتمع، وعاقبة هذا الاستقرار تعود عليكم بالأمن على النفوس وكذلك على الأموال إلى آخره. وكذلك في الآخرة؛ كذلك في الآخرة لكم الأجر عند الله سبحانه وتعالى في امتثالكم لهذه الأوامر، واما لو خالفتم فتكون العقوبة والإثم الكبير الذي يستحق صاحب العقوبة التي هي الويل (وقيل الويل وادي بجهنم لو سيرت به الجبال لذابت فيه).

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: 36]. ولا تقف أي لا تتبع ما ليس لك به علم؛ لا تقول رأيت ولم ترى، لا تقل سمعت ولم تسمع، لا تقل علمت ولم تعلم. ولا تتكلم بالظن؛ (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)، (بئس مطية القوم زعموا)، (زعم فلان، أظن فلان، قال، كأنه، قيل كذا) وهكذا يبدأ يتكلم في أمور هي ليست له عنده بينة ولا برهان فيها. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (إن الله كره لكم قيل وقال)؛ قيل وقال: هذا فلان قال كذا وقيل كذا؛ هذه لماذا تقوله؟ هذا كله تسال عنه يوم القيامة، هذا كله يكتب في صحيفتك وتسال عنه. والانسان سيصدم يوم القيامة بالكثير من الحسنات التي يهدمها بلسانه؛ يؤتى العبد يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال فإذا هو قد هدمها بلسانه، نسأل الله السلامة والعافية لماذا؟ تساهل بالكلام يتساهل وهذا أمر خطير التساهل في الكلام (وهل يكب الناس على مناخرهم أو قال على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم) حصائد ألسنتهم فالانسان خطير.

هنا الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ لا تقف لا تتبع شيء أنت ما عندك علم فيه، فلا تقول رأيت، لا تقول فعل فلان كذا، لا تقول سمعت كذا، انتبه هذا خطير. أن السمع؛ السمع تسأل عنه، هل سمعته، ما سمعت، هذا كله تسأل عنه، وهذا السمع هذه النعمة استثمرتها بماذا بالحلال أو بالحرام؟ هل سمعت إلى المحرمات؟ هل تساهلت في السماع المحرمات؟ هل تساءلت في سماع الغيبة والنميمة إلى آخره، أو قم لما وقعت المحرمات أنكرت ولما لم يقبل الناس قم وتركت هذا المجلس قربة لله سبحانه وتعالى ماذا فعلت؟

وكذلك والبصر؛ البصر هل نظرت إلى الحلال أو إلى الحرام وهل أخبرت بأنك نظرت إلى شيء وأنت لم تنظر له، هل شهدت بالزور، هل قلت نعم أنا رأيت كذا لكن أنت ما رأيت، هل وقع منك هذا؟ وهل كذلك نظرت إلى حرام تسهلت بالنظر إلى الحرام أكثرت من نظر الحرام تاولت في ذلك؟

قال والفؤاد؛ القلب؛ القلب هذا القلب طيب ما الذي كان فيه؟ هل كان فيه حسن الظن بالله أو سوء الظن بالله؟ هذا القلب بماذا كان لماذا كان يتحرك؟ ما الذي جعلت قلبك يتوجه إليه؟ الجوارح خاضعة، القلب هذا ما الذي كان فيه؟ هل كان في حب لله تعظيم له سبحانه وتعالى، أو كان في القلب عشق وكان في القلب تعلق كان في القلب ميلان لغير الله سبحانه وتعالى كان في قلب هواء كبير طاغي لا نتكلم الآن عن الخطرات لا نتكلم الآن عن الهواجس التي تمر على الانسان من غير لا يملك أن يسيطر عليها نحن نتكلم عن عما استقر عليه قلب، عما استقر عليه قلب. فالقلب هذا ما الذي فيه، ما الذي فيه قلب هل فيه حب الله سبحانه وتعالى أو فيه حب غير الله سبحانه وتعالى؟ هل فيه تعظيم الدين والإسلام ولا فيه تعظيم غير الدين والإسلام؟ هذا كله تسأل عنه يوم القيامة وأثقل ما يوضع في الميزان الإيمان، الإيمان، وزن الصديق إيمان الصديق بايمان عمر فرجح الصديق على

وجاء في بعض الأحاديث أن وزن الصديق بالأنمة فرجح بالأنمة كلها، ثم وزن عمر بالأنمة من غير النبي عليه الصلاة والسلام وغير أبي بكر، وكذلك أبو بكر كان من غير النبي عليه الصلاة والسلام فرجح. إيمان عظيم، إيمان كبير. ما الموجود في القلب؟ هذا الفؤاد تسأل عنه. الفؤاد، القلب، ما الذي فيه؟ لذلك كان من دعاء داوود عليه السلام: اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقرب إلى حبك، اللهم اجعل حبك أحب إلي من الماء البارد على الظمأ.

فكنت أسمع أحد الصالحين من المعاصرين يقول: يا ربي، هذا قلبي بين يديك، يا ربي، احش قلبي بمحبتك، يا ربي، املأ قلبي بحبك. دعوات والله عظيمة. فهذا القلب يسأل عنه العبد يوم القيامة كذلك. ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: 36]، هذا كله السمع والبصر والفؤاد، هذا كله ستسأل عنه يوم القيامة.

وكذلك سيتكلم السمع ويتكلم البصر، تنطق الجوارح: ﴿نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلُّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ [يس: 65]. السمع يتكلم، الأذن تتكلم، البصر، الفؤاد، هذه تتكلم يوم القيامة. وكذلك يسأل العبد عنها، هذه النعم بماذا استثمرتها؟ بماذا؟ هل أكثرت من سماع القرآن أو أكثرت من سماع الموسيقى والغناء؟ هل أكثرت من النظر إلى المصحف أو أكثرت من النظر إلى المحرمات؟

كل إنسان بصير بنفسه، لك من الآن صحح، من الآن عدل، من الآن استقم على أمر الله سبحانه وتعالى. قال: ﴿كُلُّ أُولَٰئِكَ﴾، جميع هذه النعم، ﴿كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ السمع والبصر والفؤاد.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: 37]، لا تمش مشية الكفار، مشية المختالين المتكبرين، لا تمشي هذه المشية، أنت إنسان، اعلم بأنك إنسان، اعرف أن أصلك من ماء مهين، ونهايتك ستموت، وإذا ما مت ستموت قطعا، لكن لو عمرت سترد إلى أرذل العمر، ستضعف، سيذهب عقلك، تكون مسكيناً، يرحمك الصغير الطفل، يرحمك، ينظر إليك نظرة الرحمة لما تكون هكذا كبيراً في سن عمرك، جاوز الثمانين والتسعين. لماذ إذن تمشي في الأرض مرحاً؟

مر أحد الأمراء على رجل من الصالحين وهو يتبختر في مشيته، فتكلم ذاك الرجل فقال: أما تعرفني؟ قال: بلى، أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت بين ذلك تحمل العذرة. فاستحى وقال: عرفتني. هنا الله ينهى عباده المؤمنين عن المشي بهذه الطريقة، إنها لمشية يبغضها الله، إلا في هذا الموطن، إلا في موطن القتال لما فيه من علو على الكفار، لكن لا تمشي بين الناس هكذا وأنت مختال، رافع صدرك هكذا وتحرك يديك.

أنت في النهاية إنسان، لا تغرك الدنيا. هذه المشية لا يحبها الله سبحانه، هذا كبر، والمتكبرون يحشرون يوم القيامة أمثال الذر يطاهم الناس بأقدامهم. قال: ﴿إِنَّكَ لَن تخرق الأرض وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: 37]، لن تقطع الأرض، لن تستطيع، ولن تبلغ الجبال طولاً، لن تستطيع. هذه أرض والجبال ما تستطيع أنت عليها، وأنت إنسان صغير مقارنة بالأرض مقارنة بالجبال، لماذا إذن تمشي هذه المشية التي ما يحب الله سبحانه وتعالى؟

إذن هنا الله يعلم عباده المؤمنين التواضع. إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة، التواضع في القلب. أن الله سبحانه وتعالى قال لموسى عليه السلام: يا موسى، أتدري لماذا اصطفيتك؟ قال: لما يا رب؟ قال: لم يتواضع أحد لي كتواضعك. عباده تواضع عظيمة. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن من التواضع الرضا بالدون من شرف المجلس». لما تدخل هكذا في طرف المجلس، هذا تواضع، لا يشترط أنك دائماً أمام الناس، حتى لو كنت شيخاً عاديّاً، يجلس في هذه الأماكن تواضعاً لله.

النبي عليه الصلاة والسلام كان يأكل وهو جالس، وكان يقول: «آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد». وهو سيد البشر، سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام، هو بهذه الطريقة، وكان يركب البغلة ويركب الحمار بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام.

قال: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا * كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: 37-38]. أي من قول الله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23] إلى أن وصلنا إلى هذه الشرائع، كل ذلك كان سيئه، أي سيئ من هذه الأفعال، ﴿عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ أي محرم عند الله سبحانه وتعالى، ولا يجوز لك أن تفعل عقوق الوالدين، الزنا، قتل النفس التي لا يجوز قتلها، قربان مال اليتيم بغير التي هي أحسن، إلى آخر من أوامر الله سبحانه وتعالى ونواهيه المذكورة هنا، هذا كله سيئه عند ربك مكروهاً أي محرماً لا يقبل الله سبحانه وتعالى ولا يحبه ولا يرضاه.

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ [الإسراء: 39]، أي هذا كله، هذه الأوامر، هذه الشرائع ابتداء من التوحيد حتى وصلنا إلى المشية، إلى كيف تمشي، كيف تمشي في الأرض، كيف تمشي بين الناس، ﴿ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾.

ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمه، فهذه التي أنزلها هذه الأوامر هو الحكيم سبحانه وتعالى، وهذه الأوامر كلها حكمة، والله سبحانه وتعالى هو الذي يضع الأمور في مواضعها، والله سبحانه وتعالى هو العليم: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14] سبحانه وتعالى.

إذن هذه الأوامر الله سبحانه وتعالى هو الذي أنزلها، الحكيم سبحانه وتعالى هو الذي أنزلها عليك، والله سبحانه وتعالى هو الذي يعلم كيف تقوم هذه المجتمعات، والله سبحانه وتعالى هو الذي يعلم كيف يتم إصلاح هذا الإنسان، وصناعة هذا الإنسان، ثم صناعة الأسرة، وصناعة المجتمع.

إذا ما كان هناك بر للوالدين ما تقوم الأسرة، تتفتت الأسر، وإذا لم تقم الأسر بطريقة صحيحة لا يقوم المجتمع. إذا ما كان هناك عدم أكل أموال الناس بالباطل، أي هنا الناس إذا أكلوا أموال الناس بالباطل وطففوا المكيال والميزان وما قاموا بالقسط بالتعامل، هنا ما تقوم مجتمعات. إذن هنا الله سبحانه وتعالى يصنع هذا المجتمع من خلال صناعة الفرد، وهذه كلها من الحكمة.

قبل الإسلام هذا لا وجود له، قبل أن يبعث النبي عليه الصلاة والسلام وتنزل هذه الأحكام هذا لا وجود له، هذه الأحكام كلها مرتبطة بالتوحيد، مرتبطة بالتوحيد من جهتين: من جهة أن المخالفة هنا فيها إضعاف للتوحيد، وقد توصل الشخص في النهاية إلى خرم التوحيد، فالشخص لما يتم قتل أخوه ظلماً هنا ممكن يكفر، كيف يقتل أخي؟ أي دين هذا الذي يسمح بذلك؟ وليس هو الدين، لكن هذه المخالفة.

كذلك هنا لما يقع الشخص بالزنا ويزني مثلاً بمراة هكذا حرة في اغتصاب، أو يقع الزنا والأب لا يكون قابل بذلك إلى آخره، هذا كله قد يقع، يدخل الإنسان في مشكلة الشر، وهذا له تفصيل.

لذلك هنا بدأ بالتوحيد وختم بالتوحيد. هذه العلاقة الأولى. العلاقة الفقرة الثانية أن هذا يثمر التوحيد، أي الامتثال، فلما يكون توحيد العبد قوي يثمر عنده الامتثال لهذه الأوامر، لماذا؟ لأنه يخاف من الله سبحانه وتعالى، لماذا؟ لأنه يعبد الله سبحانه وتعالى، فلما يقوى توحيد العبد يثمر هذا امتثال الأوامر واجتناب النواهي. لذلك الحرص على الإيمان لابد أن يكون هو الغالب على تعظيم الله، حب الله سبحانه وتعالى، إجلال الله، ولا أتكلم الآن عن دراسة نظرية فيها دراسة لأقسام التوحيد إلى آخره وتعريف التوحيد، هذه الدراسة مهمة، لكن لا أتكلم عنها الآن، إنما أتكلم عن تقوية التوحيد، أن يكون العبد في قلبه الله سبحانه وتعالى أعظم من كل شيء.

وهكذا هنا الله يقول: ﴿ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ ثم قال الله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا﴾ [الإسراء: 39]. بدأ هذه الأوامر بالتوحيد وختم هذه الأوامر بالنهي عن الشرك: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ﴾ انتبه أن تجعل هناك معبوداً آخر تعبده مع الله سبحانه وتعالى، ﴿فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ﴾ عاقبة الشرك الإلقاء في جهنم، ﴿مَلُومًا﴾ يلومك الله سبحانه وتعالى وتلومك نفسك ويلومك الخلق، الكل يلومك، ﴿مَّدْحُورًا﴾ مبعداً مطرداً، مطروداً عن الخير، لماذا؟ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48].

هنا الله سبحانه وتعالى يريد أن يقرر التوحيد عند عباده المؤمنين في مكة. صراع قوي، هذا الصراع قد يثمر كسر النفس، قد يثمر إضعاف العبد، تنزل آياته الكثيره المتتابعه المتوالية لإقرار هذا الأصل، وهذا معنى شريف، هذا المعنى الآن تكرار هذا ليس تكراراً هكذا من أجل التكرار فقط لا، لكن من أجل تثبيت، من أجل تقويه، وهذا أمر مهم أن نفهمه.

لا تكفي الموعظة الواحدة، لا تكفي الذكرى الواحدة، ممكن الشخص الآن تذكره في شيء يعني تقول مثلاً: قوم صل مرة واحدة، ثم هو لا يصلي، طبيعي لن يصلي، أنت قلت مرة واحدة! لماذا؟ من السابعة إلى العاشرة ثلاث سنوات وكل يوم خمس فروض، أكثر من ألف مرة يقال لابن: صل، صل، صل. هل صليت؟ قم صل. هل صليت؟ وهكذا. لماذا هذا كله؟ حتى يستقر هذا الامر في نفسه، حتى يستقر، فالتكرار هذا مؤثر. والتكرار الكبير لا يكون إلا للأمور العظيمة.

ركزوا معي، ليش كل شيء تكرر فيه؟ لأن النفس ما تتحمل، التكرار يكون بناء لعظمه الشيء، فأعظم ما نتكلم عنه هو الله سبحانه وتعالى، فأكثر شيء ينبغي علينا أن نكرر الحديث عنه، نكرر الحديث عنه هو الحديث عن الله سبحانه وتعالى، عن تعظيم الله سبحانه، عن حب الله سبحانه وتعالى، عن الخوف من الله، عن رجاء الله، هذا لابد أن يكون دائماً معنا، دائماً، ليس مرحلة عمرية ثم ينتهي هذا الأمر، هذا ما ينتهي، هذا يكون دائماً.

ثم ياتي بعد ذلك أعظم العبادات العملية: الصلاة. نكثر من الحديث عن الصلاة حتى تستقيم عندنا الصلاة ونستمر في ذلك، ولا نأتي بأمر مفضول وعمل مفضول ونعطيه زخماً كبيراً على حساب أمر كبير في الدين، هذا خطأ، هذا يشكل مسلماً مشوهاً، هذا يشكل مسلماً مشوهاً. هنا التكرار مقصود: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا﴾.

ثم انتقل بعد ذلك الحديث أمر آخر في رد على الكفار في اتخاذهم البنين وزعمهم بأن الملائكة إناث، ويجعلون الله سبحانه وتعالى بنات ولهم البنون. سياتينا إن شاء الله تعالى الحديث عن هذا في الدرس القادم. هذا ما يتعلق في هذا المجلس، والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.