حياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاكم. مدارسة سورة الإسراء، وكنا قد توقفنا في اللقاء الماضي عند الحديث عن بر الوالدين وتفسير الآيات المتعلقة ببر الوالدين. فالله سبحانه وتعالى افتتح هنا هذه الأوامر بتوحيد الله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك ثنى الأمر ببر الوالدين والإحسان إلى الوالدين، وأختم الحديث عن الوالدين بالقول: إن طاعة الوالدين معلقة بطاعة الله سبحانه وتعالى ومقيدة بالمعروف.
والوالدان لابد أن يتعامل الابن معهما بالحسنى كما ذكرنا، ولكن الطاعة مقيدة بالمعروف. فإذا أمر الوالدان الابن بما هو من خصائص الابن، فهنا يجوز للابن ألا يطيع والديه في هذه الأمور الخاصة. فليس للاب والأم أن يلزم الابن بالأمور الخاصة. ولكن إن فعل الابن ما يريده الوالدان، هذا يكون من تمام الطاعة وتمام البر والإحسان. ولكن إذا لم يفعل هذا لعدم قدرته وعجزه، أو عدم صلاحية هذا الأمر للابن، فهنا الابن لا يكون داخلاً بالعقوق. بمعنى: الأب لما يأمر الابن أو الأم بدخول تخصص معين بالجامعة، فهنا هذا التخصص المعين الذي يريده الأب وتريده الأم والابن لا يريده، لو خالف الابن هنا أمر الأبوين لا يكون عقوقاً، لكن لابد أن يتعامل بالحسنى. فالتعامل بالحسنى شيء، وامتثال هذا الأمر شيء آخر.
كذلك في الزواج، لما يأتي الأب أو الأم وتلزم الابن بالزواج من فتاة معينة هي تريد من ابنها أن يتزوجها وهو لا يريد، هنا المخالفة لا تكون عقوقاً؛ لأن هذه أمور خاصة بالابن، وهذه أمور خاصة بالابن. وهذا يحل الإشكالات الكثيرة في السؤال هنا فيما يتعلق بطاعة الوالدين أو بر الوالدين إلى آخر، أخره. لكن لو استطاع الابن أن يفعل هذا وليس فيه ضرر عليه كبير وهو يستطيع أن يتحمل، فهذا يكون من تمام المعروف، هذا يكون من تمام المعروف إذا ما كان يؤثر مثل ما ذكرت في الابن.
ثم قال الله سبحانه وتعالى بعدما ذكر حق الوالدين وعظم هذا الحق: ﴿وَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ۚ إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: 25]. ثم قال الله: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: 26-27]. بعد ما ذكر الله سبحانه وتعالى حق الوالدين، انتقل إلى الحديث عن ذي القربى قال: وآت ذا القربى حقه والمسكين. فأصحاب القربى هم أقرب الناس نسباً إلى الشخص، والإنسان أقرب الناس إليه أبويه، ثم بعد ذلك يأتي الإخوة والأخوات، وكذلك الأعمام والخالات، وهكذا الاقارب الأقرب فالأقرب الأقرب فالأقرب، وأبناء العم وأبناء الخال وأبناء العم وأبناء الخالة وهكذا.
القصد هنا أن وآت ذا القربى حقه، إعطاء الاقربين أعظم من إعطاء الابعدين من حيث الأصل. إعطاء الاقربين أعظم من إعطاء الابعدين من حيث الأصل، سواء كانت العطية صدقة أو كانت العطية هدية. فكان لأم المؤمنين جارية اعتقتها فقالت: يا رسول الله، أما شعرت بأني اعتقت وليدتي فلانة؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أما لو أنك اهديتها لأخوالك كان أعظم لأجرك»، كان أعظم لأجرك. وإعطاء القريب يصل صلة الأرحام بالمال، هذه صلة وصدقة، هذه صلة وصدقة فيكون للشخص بها أجران، يكون للشخص بها أجران. هذا من حيث الأصل إلا ما يستثنى، هذا من حيث الأصل إلا ما يستثنى، فإعطاء الاقربين أعظم من حيث الأصل من إعطاء الابعدين. قال الله هنا: وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل.
المسكين هو الذي لا يجد كفايته، والمسكين والفقير إذا اجتمعا إفترقا، وإذا إفترقا اجتمعا، فلما يطلق المسكين من غير أن يقترن الفقير هو يشمل الفقير، ولكن لما يقترن بين المسكين والفقير مثل آية الزكاة، فهنا يكون المسكين الذي يجد بعض كفايته ولكن لا يجد كفايته الكاملة، أما الفقير فهو الذي لا يجد هذا البعض. وعلى خلاف بين العلماء أيهما أشد حاجة، المسكين أو الفقير، على قولين مشهورين في كتب الفقه عند المذاهب الفقهية الأربعة.
والقصد من ذلك أن الله هنا يأمر باعطاء القريب، وكذلك باعطاء المسكين، وكذلك باعطاء ابن السبيل. وابن السبيل هو الذي انقطع به الطريق، قد يكون هذا غنياً ولكن في السفر انقطع به الطريق، فينقطع ماله ويقل وهو في بلدته عنده مال، لكن في هذا المكان وفي هذه الحال لا يملك فيحتاج إلى من يعينه، يحتاج إلى من يعطيه. هنا الله يأمر باعطاء القريب وكذلك المسكين وكذلك ابن السبيل، ثم قال الله: ولا تبذر تبذيرا. أمر بالإعطاء ثم ضبط هذا الإعطاء بعدم التبذير، ثم قال: إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين، تنفير من التبذير بالمال، وكان الشيطان لربه كفوراً.
متى يكون المال فيه تبذير؟ في حالتين اثنتين: الأولى: لما يوضع المال في غير حقه، فكل مال يوضع في غير حقه فهو تبذير، كل مال يوضع في معصية فهو تبذير، هذا متفق عليه بدخوله بالتبذير. فدينار واحد تنفقه في الحرام تبذير.
أما الأمر المتعلق بالمباح، متى يكون إنفاق المال في المباح تبذيراً؟ هذا يرجع إلى كل إنسان بحسبه؛ فبعض الناس يكون صاحب مال كثير، فهذا إذا لبس الثياب العالية من باب إظهار نعمة الله سبحانه وتعالى يكون هذا تبذير في حقه؟ لذلك لما جاء مالك بن نظرة ورأى النبي عليه الصلاة والسلام في ثوب دون يعني ثوب هكذا رديء أو ثوب نازل، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما آتاك الله من المال؟»، قال: من الإبل والبقر والخيل والغنم، قال: «إذا آتاك الله مالاً فليرى أثر نعمة الله عليك». فالإنسان إذا كان صاحب مال ثم بعد ذلك لبس الثياب العالية والقصد هنا من لبس هذه الثياب إظهار نعمة الله سبحانه وتعالى، ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11]، فهذا الإنسان ليس مبذراً، هذا الإنسان ليس مبذراً.
لكن كذلك لو لبس الثياب النازلة وقصد هذا الإنسان إظهار هكذا عدم العلو على الآخرين والتكبر عليهم، فلا شك كذلك أن البذاذة من الإيمان. القصد أن الحديث الآن عن التبذير، ليس الحديث عن الأفضلية، إنما عن التبذير. هل الإنسان لما يكون صاحب مال ويشتري ثياب عالية لا تؤثر ولا تضر بماله في حقوق الواجبة إلى آخره، فهذا لا يكون مبذراً؟ لكن الإنسان لما لا يكون صاحب مال، إنسان لا يكون صاحب مال، ثم هذا يتكفلف شراء هكذا اللباس أو هكذا الأمور المباحة والكماليات الغالبة عليه المضرة له، فقد يستدين، قد يتسلف، قد يعمل هكذا مدة طويلة حتى يشتري هذا، هذا يكون مبذراً، هذا الإنسان يكون مبذراً لهذا المال. فهذا المال ينبغي أن يصرف في مصارفه، وهذا الإنسان حظر في هذه المصارف هذا الإنسان، فوضع المال في غير حقه، ولو وضع في حقه لكان أولى له. القصد من ذلك أن التبذير منه ما هو متفق عليه، وهو الذي ينفق بالحرام، فأي مال ينفق بالحرام فهو تبذير. ومنه ما يختلف باختلاف الأشخاص، فالشخص الغني حد التبذير عنده مختلف عن الشخص الفقير، والفقير مختلف عن الشخص هكذا المتوسط وهكذا.
قال: وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا. طيب، هل في الإنفاق في الطاعات تبذير؟ يعني هل الشخص الآن لو أنفق كل ماله في سبيل الله هل هذا يعتبر مبذراً أو لا؟ نقول بأن هذا يختلف باختلاف الأحوال، فبعض الناس يقبل منه هذا شيء، مثل من؟ مثل الصديق، لما يكون حال الإنسان مثل الصديق فنعم. أما لما لا يكون بهذه الطريقة، فهو هنا إذا كان سيسأل الناس نعم هذا يدخل بالتبذير.
إذا كان سيسأل الناس هذا يدخل، ويدل على هذا أدلة كثيرة، منها مثلاً قصة الرجل الذي جاء بجميع ماله إلى النبي عليه الصلاة والسلام فلم يقبل منه المال النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «يأتي أحدكم بكل مالي ثم يجلس يتكفف الناس». وكذلك لما أراد سعد بن أبي وقاص يخرج من جميع ماله فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم فقراء يتكففون الناس». ثم قال: يا رسول الله أوصي بمالي؟ فبين له النبي عليه الصلاة والسلام، حد له الثلث، وقال: «والثلث كثير»، أو قال: «كبير». لذلك قال ابن عباس بعد ذلك: قال: لو غض الناس إلى الربع لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الثلث، والثلث كثير»، أو قال: «كبير».
فالقصد أن هنا الإنفاق إذا كان ما يضر بحاجة الإنسان -طبعاً ليس نقصد ليس مقصود الآن بالمباحات، إنما مقصود بالأمور الأساسية- يعني شخص مسؤول هو عن الإنفاق عن زوجته، هو مسؤول عن الإنفاق عن أبنائه، فيأخذ مال الزوجه ومال الابناء وينفقها على الآخرين، هذا يكون مبذراً، هذا يكون مخطئاً. لماذا؟ لأن هذه الأسرة أنت مسؤول عنها، هذه الأسرة أنت مسؤول عنها، وهنا الإنفاق قد يكون واجب، بل هو واجب الأصل في الأمور أساسية، ليس في الكماليات. ليس معنى هذا أن شخص يفتن أبنائه أو تفتن زوجته فيشتري لهم بجميع ماله بالأمور الكمالية ولا تتصدق، لا شك هذه فتنة. لذلك النبي عليه الصلاة والسلام بين بأن الولد مجبنة مبخلة يجعلك ما تنفق في سبيل الله، فهذه فتنة. لكن ما نتكلم نحن، فرقوا يا شباب بين حد بين الفتنة وبين حد الحق، أو الحق إلى آخره ينتهي، فهنا الحق في الأمور أساسية، أما الزائد على ذلك فهذا لا يدخل بالحق، هذا لا يدخل بالحق، فلا يأتي شخص ويعطي أبناءه الأموال الكثيرة ويشتري لهم مثلاً الالعاب الفارهة وهكذا الأمور الكمالية وهو لا ينفق في سبيل الله، وينظر إلى إخوان المسلمين يموتون جوعاً وما يدخر شيء يوم القيامة، هذه ليست واجبة عليك وليست ملزم بها، هذا هو المقصود.
فالمقصود أن الإنسان هنا بعد ما ينتهي من حاجته الأساسية، وهو من هو مسؤول عن الإنفاق عليه، هنا بعد ذلك تاتي ماذا؟ الصدقة، يأتي مع، لكن ما يأخذ مال الأساسي هذا ويتصدق به، ثم بعد ذلك يجعل ورثة فقراء أو لا يملكون، هو كيف سيطعمهم الآن؟ يبدأ يسأل آخرين أو هم يسألون، هذا لا يجوز، هذا لا يجوز.
قال وابن السبيل، قال: ولا تبذر تبذيراً، إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين. لماذا؟ لأنهم شابهوهم بالفعل كما يقول حافظنا، وكذلك في المال، مال هؤلاء إلى النار. إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين، هؤلاء عصاة والشياطين كذلك عصاة. وكان الشيطان لربه كفوراً، وكان الشيطان لربه كفوراً، أي جحوداً لنعمة الله سبحانه وتعالى التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها عليه، فلم يقابل هذه النعمه بالشكر، إنما قابل هذه النعمة بالجحود والنكران والكفر. فالله سبحانه وتعالى خلقه ومن عليه، ورفعه حتى جعل مع الملائكة، ثم بعد ذلك لما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم أبى هو ولم يطع الله سبحانه وتعالى، فجحد نعمة الله عليه وفضل الله سبحانه وتعالى العظيم عليه.
ثم قال الله: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيسُورًا﴾ [الإسراء: 28]. إذا آتاك شخص وسالك المال من الاقربين، وأراد أن تعطيه وأنت ما تملك هذا المال، وأنت الآن ما تملك بودك أن تعطيه لكن ما تملك هذا المال، فهذا الله يقول: واما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسوراً، يعني قل: إن شاء الله إن جاءنا المال ساعطيكم، وأبشروا واملوا، أول ما يأتيني هذا المال بإذن الله أني لن أنساكم، وهكذا. يعني قل لهم هذا قول هذا هو الوعد كما يقول عامة المفسرين، فعدهم بالمعروف، عدهم بأنك ستعطيهم إن شاء الله وستصل لهم، لكنك الآن ما تملك وبودك لو كان عندك هذا المال أن تعطيهم، وهكذا. فقل لهم قولاً ميسوراً، يعني تعامل معهم برفق ودين ورحمة.
ثم قال الله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾ [الإسراء: 29]. ولا تجعل، إذا كان مغلولة إلى عنقك، أي لا تقبض هذا المال إذا كنت صاحب مال، هذا المال بحيث أنك دائماً تحسب، لا توعي فيوعى عليك، ولا توكي فيوكى عليك، ولا تحصي فيحصى عليك. أنفق وأنفق عليك، أنفق وأنفق عليك، والأحاديث الواردة بالصدقة كثيرة جداً، وبيان هذه الصدقة بها بركة ومعها بركة، وما نقص مال من صدقة، والصدقة تثمر المال، والصدقة تبارك في المال.
لكن الله ينهى أن يجعل الشخص يده مغلولة إلى عنقه، هذا مثال وصورة عن الشخص الذي لا ينفق المال في سبيل الله، ولا يتصدق ولا يعطي، دائماً يحسب، هذا ما ينتهي، الإنسان الحسبة ما ينتهي الإنسان معها، ولا ولما يأتي يوم القيامة يصدم بأن كثير من هذا المال ما كان يستطيع أن ينال به الأجور الكثيرة، ولم ينال هذه الأجور العظيمة بسبب مسكه لهذا المال، بسبب عدم إنفاقه لهذا المال. لذلك الله هنا ينهى، قال: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملومًا محسوراً. ملوماً في الأولى، لما تمسك المال يلومك الناس، والناس ينظرون اليك نظرة بها كذا احتقار؛ لماذا عندك القدرة على إعانتهم ومع ذلك ما تعينهم؟ هنا الناس ما تخسر الناس، تخسر الناس ولا تستفيد، والناس هنا سبحان الله في هذا الباب، يعني بعض الناس هكذا كل شيء يحسبه، وكل شيء عنده تجميع، وخاصة نحن الآن في زمان المادة.
نحن اليوم لسنا في زمان السخاء، بينما حالنا اليوم أفضل بكثير من حال العرب قبل أن تفتح عليهم البلدان؛ يعني العرب الذين كانوا في الجاهلية -ليس فقط في الإسلام- كانوا فقراء، ومع ذلك كانوا يتمادحون بالكرم. ثم لما جاء الإسلام أقر هذه الخصلة، «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، أقر الكرم والجود، والنبي عليه الصلاة والسلام كان هو أكرم الناس. فالقصد من ذلك أن هذه الخصلة الحميدة اليوم ضمرت عند الناس، لماذا؟ بسبب المادة؛ حياة مادية، دائما تسمع من كل أحد يقول لك لازم تجمع المال، لازم أنك هكذا تجمع هذا المال لا هكذا، وهذا الكلام لما يطرق السمع كثيرا الإنسان يبدأ يفكر تفكيرا مختلفا، حتى لما يقرأ النصوص يبدأ يفهمها فهما ماديا.
والإنسان لما يتشبع من شيء معين لا يقبل ما يخالف تشبعه، لذلك الشخص لابد أنه ما يصنع نفسه إلا بالقرآن الكريم. انتبهوا أن تصنعوا أنفسكم إلا بالقرآن، بس، لا تصنع نفسك إلا من خلال آيات القرآن الكريم، أما أنك تصنع نفسك من خلال ما تشاهده وما تسمعه عند الناس عند هكذا الأسر، وأنك تجمع المال للمستقبل بهذه الطريقة، فهنا خطأ. لا، خذ موازين القرآن، انظر: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: 29]. هذا ميزان القرآن الكريم، نحن نريد أن نضبط الموازين. القرآن الكريم يتعامل مع شيء بناء عليه هو، ليس لا يخالفه؛ لأن الله الذي خلق الإنسان وبين طبيعة هذه الحياة وفطر الحياة بطبيعة معينة، هو نفس الذي أنزل هذه النصوص الموافقة لها. لكن الناس هنا يتفاوتون، بعض الناس يكنز المال ويظن بأن كنز المال هذا سينفع، وبعض الناس لا، ما هكذا ينفق المال ولا يكون صاحب تدبير، يكون هذا السفيه لا يحسن تصرف هذا، حتى من مال الزكاة لا يعطاه إياها مباشرة، إنما يقسط عليه فيها؛ لأن هذا ما يحسن تصرف هذا، سفيه، والله يقول: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: 5]. فالإنسان السفيه ما يحسن التصرف في المال، يأخذ المال هنا وبمدة يسيرة كل المال يذهب. طيب، لماذا ذهب هذا المال؟ عاد عليك بماذا؟ لا شيء، ما استفاد من هذا المال ولا انتفع منه، وهذا موجود في البشر، بعض البشر هكذا. فلذا الإنسان لابد أن يضبط نفسه، لابد أن يتعلم، لابد أن لا ينساق لغريزته. شوف يا شباب، الناس من حيث هم هكذا بشر، قسم من البشر يبقى منقادا إلى غرائزهم، هذا الانقياد للغريز لابد أنك تضبطه، لابد أنك تتعلم، لابد أنك تعرف موازين الدين حتى تضبط هذه الغريزة.
بعض الناس من طبعه البخل، هو هكذا نفسه شحيحة؛ يعني يشح في كل شيء حتى على أقرب الناس، يشح على نفسه، حتى على نفسه وأقرب الناس إليه. وكم سمعنا ورأيناها وعرفنا من أناس كانوا يعيشون حياة الفقراء، وأبنائهم هكذا يعيشون بحياة الناس تنفق عليهم تتصدق عليهم، ثم لما يموت هذا الشخص الذي الناس يظنونه بأنه فقير، فإذا هو يملك من الأموال ما لا يملك هؤلاء الذين ينفقون عليه وعلى أبنائه. لماذا؟ بخل، هذا إنسان بخيل. في المقابل، بعض الناس يكون سفيها، ما ما يمسك المال، لو تعطيه ما تعطيه من المال لابد أن ينفقه، ورأيناها هذه الشريحة كذلك، ما يعرف ينام وعند مال. طيب، هل هذا مثل طلحة بن عبيد الله أن هذا المال ينفق في سبيل الله وهو صاحب إيمان ويقين وعنده، أو هو لا، المال هذا ينفق سفها فيها؟ لماذا؟ لأن هو معتاد على هذا، ما يستطيع إمساك المال. هنا الله يبين أن هذا المال منة من الله، هذا المال نعمة، إذا أحسنت التصرف في هذه النعمة، فهذه النعمة أنفق، لا تكن بخيلا؛ لكن كذلك لا تبسط يدك كل البسط فتقعد ملومًا محسورًا في الحالة الأولى، محسورًا في الثانية؛ ما يبقى عندك مال، فما تدري ماذا تفعل، فتجلس تطلب الناس، مع أنك كنت صاحب مال، لكن انفقت هذا المال فأخذت تطلب الناس.
اضبط هذه الموازنة، اضبط هذه الموازنة في المال؛ أنفق في سبيل الله وتصدق، وكذلك أبقي شيئا لأهلك، أبقي شيئا لنفسك، هكذا هذه هي الموازنة. ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: 30]. إن ربك، إن الله سبحانه وتعالى، الرب هو السيد والمالك، ويدخل في هذا الرزاق، يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر؛ الله سبحانه وتعالى يعطي من يشاء ويبسط له هذا المال، ويقدر أن يضيق على من يشاء. لماذا؟ لأن هذا القسم ما يصلح له المال الكثير، يفتنه المال الكثير؛ وهذا القسم ما يصلح له المال القليل، يفتنه. لماذا؟ لأن إنسان معتاد على فتح باب، معتاد على إعطاء الناس، معتاد على الكرم والجود، فهذا لما يقل ماله يفتن، لماذا؟ وهذا ماله ليس له إنما منفق لهذا المال. والقسم الآخر؛ الإنسان الذي إذا أعطي المال الكثير فتن في نفسه. لذلك الله سبحانه وتعالى قال بعد ذلك: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: 30]. الله خبير بالعباد وبصير بهم، الله يعلم من يصلح له المال ومن لا يصلح له المال، لذلك الله سبحانه وتعالى يعطي العباد بناء على علمه وحكمته.
إلا إذا خرج العبد من رحمة الله، نسأل الله السلامة والعافية، فهنا قد يعطى المال من باب الفتنة فيفتن بالمال، وقد يتم إفقاره من باب الفتنة، نسأل الله السلامة والعافية؛ لأن هذا خرج من الرحمة، لكن من هو داخل في رحمة الله سبحانه وتعالى هذا حتى لو سأل الله يقول: يا رب أعطيني المال، يا رب أريد التجارة، الله يصرف عنه التجارة ويبدأ هذا يتسخط وتلوم، وما هو إلا فضل الله عليه، كما جاء في حديث ابن مسعود؛ لأن هذا الإنسان الذي تعرفه أنت يصلح له المال، بس أنت ما يصلحك المال؛ يعني لما تجد هذا الإنسان عنده مال وترى بأن هذا المال هو يعني يفعل به الأمور الحسنة وأنت تريد أن تكون مثله لكن ما تعطى، ما يفتح لك نعم، تريد هذا، عزم على الفعل، لكن لما تعطى ممكن ما تفعل، تفتن، والله يعلم بأنك ما تصلح لهذا الباب. لكن لا تجزع ولا تياس ولا تتسخط، إن أعطاك الله فالحمد لله، وإذا ما أعطاك الله فكذلك الحمد لله، لأن هو العليم سبحانه وتعالى، هو الحكيم، هو البصير، هو الخبير سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: 30].
ثم قال الله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 31]. قال الله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾، أي خوف الفقر، تخافون أن تفتقروا فتقتلوا الأولاد. والنبي عليه الصلاة والسلام لما سئل: أي ذنب عند الله أعظم؟ وفي رواية: أكبر؟ قال: «أن تجعل لله نِدًّا وهو خلقك»، قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك». قال الله هنا: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: 31]. هنا خشية الإملاق، خشية الفقر، فيه مشكلة في الإيمان بالربوبية؛ الله سبحانه وتعالى هو الذي يرزق، ولست أنت أيها العبد، الرزق من الرزاق سبحانه وتعالى، فالله سبحانه وتعالى هو الذي يعطي، والعبد لا يخالف أمر الله سبحانه وتعالى بناء على ظنه وهواه، فيظن بأنه إذا ممكن هكذا أصاب بالفقر إذا يقتل ابنه. أو كما يفعل اليوم الناس أنه ما يأتي بأبناء، يقول كأني يخافني ما استطيع أن أعطي هؤلاء الأبناء، فخلاص نكتفي بابن أو بابنين فقط. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة». وجاءت في زياده في أحمد: «فلا تسودوا وجهي». طيب، زيادة ضعيفة، لكن المعنى، يعني النبي عليه السلام يريد أن يكاثر بالمسلمين يوم القيامة فيكون أكثر الناس أتباعا. ثم يأتي اليوم الناس وتحديد النسل ولا شك أن هذا كله يعني فيه دليل على عدم قوة الإيمان بالربوبية. فالإيمان بربوبية الرب سبحانه وتعالى ضعيفة، ويظن هذا الإنسان المسكين، أي الأب، بأن الانفاق على الابن متعلق به هو السبب، لكن المسبب هو الله سبحانه وتعالى، وكل إنسان لما يولد أو قبل أن يولد لما يكون في لما تنفخ فيه الروح يأتيه الملك ويكتب له رزقه، لست أنت، الملك كتب رزقه.
لكن هو هنا الإيمان، كان يحدثني أحد المشايخ يقول: بأني لما تزوجت ورزقت بسبع أبناء، وكان كل ابن في الدولة التي هو فيها يعطى مبلغ معين، هو خمسين في عملتهم، خمسين في عملتهم. يقول: حتى لما رزقت الابن الثامن قلت أنا الآن من أين سأتي به؟ وكان زوج امرأة ثانيه وكان يريد أن يكثر النسل هكذا كان هدفه، يقول: فقلت بدا يقول: بدأت أحسب هذه الحسبة وهو يحدثني، يقول: بدأت أحسب هذه الحسبة، يقول: فسبحان الله الدولة تعطي فقط لسبعة أبناء التي هو منها، يعني هذه الدولة طبعا هكذا تنفق على، أو يعني هناك نوع يسر عندهم. فالقصد من ذلك أن يقول: لما رزقت بالابن هذا الثامن، يقول: الله من علي بعمل قيمته أربعمائة، يعني يساوي هكذا الخمسين مع خمسين مع خمسين سبعة ثلاثمائة وخمسين مع هذا الثامن أربعمائة، يقول: هذا الثامن فقط زاد راتبي أربعمائة، لما يقول، فعلمت بأن الرزق من الله سبحانه وتعالى، فالصسبة هذه كلها خاطئة، لكن هذه حسبة بشرية، الإنسان يضعف كثيرا لما يدخل عقله في أمور متعلقة بالربوبية، وهذا خطا كبير، ليس معنى هذا ما يأخذ بالسبب، لكن ما يبالغ في هذا الباب تحت مسمى بذل السبب. ولن يموت أحد من الجوع. قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: 31]. الرزق يرجع إليه هو سبحانه وتعالى. ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 31]؛ جرمًا عظيمًا كبيرًا، قتل نفس بغير نفس، قتل النفس التي حرم الله سبحانه وتعالى. قال: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 31].
ثم بعد ذلك انتقل الحديث إلى جرم الزنا، قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]. ولا تقربوا الزنا، أي لا تقتربوا من الدواعي التي توصل إلى الزنا. والزنا المقصود منه الوطء بالفرج المحرم بغير نكاح صحيح، فهذا هذه من كبائر الذنوب. ولما جاء شاب إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا؟ قال: «أترضاه لأمك؟» قال: لا. قال: «أترضاه لعمتك لخالتك لأختك؟» قال: لا. قال: «كذلك الناس لا يرضونه». والزنا جرم عظيم، والله سبحانه وتعالى يغار، وغيرة الله سبحانه وتعالى أن تنتهك حرماته. ولذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أتعجبون من غيرة سعد؟ أنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن». ولم يقل هنا: ولا تزنوا، قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا﴾، أي كل ما يوصل إلى الوقوع في الزنا ابتعدوا عنه، كل ما يوصل ويقرب من الوقوع إلى الزنا فابتعدوا عنه. ونحن في زمان اليوم يسرت هذه المحرمات، نسأل الله السلامة والعافية، فالعبد يبتعد ولا يتساهل في هذه الدواعي. قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]، أساء طريقا ومسلكا.
وهنا هذه الأوامر تاتي أو هذه الأوامر والنواهي تأتي بعد التوحيد. انظر لما ذكر الله سبحانه وتعالى التوحيد ذكر بعد ذلك بر الوالدين، ثم ذكر الإنفاق وحق الأقربين، أي صلة الأرحام، مع المساكين، ابن السبيل. هنا الصناعة للمجتمع، صناعة للفرد المسلم الذي سيقوم عليه المجتمع المسلم، نحن الآن في مكة، فالآن هذا الفرد المسلم يقر في قلبه التوحيد، وهذا أهم شيء، ثم ما ينشأ من التوحيد؛ طاعة الوالدين أو التعامل الحسن مع الوالدين، ثم الإنفاق على المساكين، على الأقربين، على أبناء السبيل، وهكذا يصنع. ثم هذا الإنفاق كيف يكون؟ ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: 29] بل بين هذا وبين هذا. ثم إذا ما كنت تملك المال ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ [الإسراء: 28] يتعامل معهم تعامل حسن ولا تقول لهم هكذا قول شديد وغليظ، ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: 10] وقل لهم أبشروا إن شاء الله، هذا كله تطيب الخاطر حفظ للمجتمع، فصناعة الفرد الذي سيقوم عليه المجتمع في المدينة. فالآن تصنع المجموعة الأولى هنا، الآن هذه الآيات نزلت في أواخر الدعوة المكية، في أواخر الدعوة المكية، فتم إقرار التوحيد وما زال مستقرا ومستمرا، كذلك إقرار التوحيد، ومع هذا الآن جاء الحديث عن بر الوالدين، الحديث عن الإنفاق إلى آخره. إلى الآن هذه المجموعة الأولى تهيا للانتقال إلى المرحلة القادمة.
هذه المجموعة الآن التي في مكة التي تم إقرار التوحيد وكذلك تعميق التوحيد والاستمرار في هذا التوحيد تحقيقا لا نهاية له، مثل الإيمان لا نهاية له. تقول: كيف يعني؟ أقول لك المال له نهاية، ليست له النهاية، كذلك الإيمان، كذلك الإيمان فالشخص يزداد في إيمانه ويزداد ويعضض عند الإيمان، ولا توجد نهاية للإيمان، سقف الإيمان هو النبي عليه الصلاة والسلام هو أعلى واحد، فلا توجد نهاية لذلك هنا. فالتوحيد دائما يكون معنا، دائما يكون معنا، فلما استقر التوحيد استقرار قوي مع هذا الحديث هنا عن التوحيد والاستمرار في بيان أن كل هذه الأحكام هي ثمرة للتوحيد، ثمرة؛ فالتوحيد إذا ما كان قويا الاستجابة لا تكون قوية، فالتوحيد لازم يكون معنا دائما، لابد يكون معنا دائما. مع هذا جاء الحديث عن بر الوالدين، الحديث عن صلة الأرحام، الحديث عن حسن التعامل، الحديث عن ابن السبيل، وإعطاء الحديث عن هكذا صناعة المسلم الذي سيصنع المجتمع، والمجتمع عبارة عن أفراد، لا تستطيع تصنع مجتمع وما عندك أفراد، لأن الأفراد هم الذين يصنعون المجتمع، فالآن هذه المجموعة التي مع النبي عليه الصلاة والسلام.
والسلام في المدينة. في مكة ستنتقل بعد مدة يسيرة إلى بلد آخر. الآن نحن في مرحلة التهيئة لصناعة المجتمع المسلم لقيام الدولة المسلمة، إذن لابد نصنع هؤلاء الأفراد صناعة مناسبة للمجتمع، وليس فقط للعبادة الخاصة بين الععبد وربه.
لذلك هنا صنعت هذه المجموعة الآن في سورة الإسراء؛ في سورة الإسراء بدأت تصنع هذه المجموعة هذه الصناعة، ثم لما انتقلنا بعد ذلك إلى المدينة هذه المجموعة مهيأة، يعني مصنوعة صناعة إسلامية، يعرفون حق الله عليهم، ويعرفون كذلك حقوق الآخرين عليهم، خاصة الاقربين، ثم حقوق بقية الناس، بقية المسلمين، المجتمع، ابن السبيل، المسكين، هذول كلهم لهم حقوق علينا، ثم كيف نعطي هؤلاء؟ هذا كذلك له ضبط، وهكذا، وهذا الضبط موافق لطبيعة الشيء.
ثم هنا خلاص النهي عن الزنا: انتبهوا ولا تقتربوا من الزنا، خلاص هذا المنكر لابد ما يكون موجود، وابتعدوا عن كل ما يدعو إليه؛ لأننا نريد أن نصنع المجتمع النظيف، ليس المجتمع الذي يوجد به. في البداية ما نزل تحريم الزنا، وليس معنى هذا أن الزنا جائز، لكن لو نزل عليهم لا تزنوا لقالوا: لا نزني ولا ندع الزنا أبدا، كما تقول أم عائشة، لكن تأخر البيان، وليس أن الزنا هو أصلا كان حلالا. فلما استقر التوحيد الآن يسهل على الشخص أن يترك ما يفعله؛ لما قوي التوحيد واستقر، الآن يسهل عليه أن يترك ما اعتاد عليه، فنريد أن نصنع هذه المجموعة الطيبة الطاهرة التي ستنتقل بعد ذلك للمدينة، حتى ينظر إليها أهل المدينة فيسهل عليهم الانقياد لما يرون الصور مشاهدة أمامهم، بخلاف الشخص الذي يصنع من البداية.
الان عندنا رجل تريد أن تصنع مبدأ، ما عنده مثال سابق، هذا تحتاج إلى وقت حتى تصنعه، لكن شخص عنده مثال أمامه ينظر إليه، هذا بسرعة يتاثر، بسرعة يرتقي. لماذا؟ لأن هذه المجموعة كلها تفعل هذا، فهو ينخرط معهم، يذوب معهم. وهذا فقه عظيم، هذا البعض هنا لما نقرا سورة الإسراء لا نأخذ الأحكام هذه مجردة عن سياقها، إذا أردنا أن نصلح حقيقة في توجيه الناس وبيان الناس، كيف نصنع الفرد في هذا السياق الذي نعيش فيه.
ثم هذه المجموعة لما تصنع سيتاثر بها العديد من الناس، ويكون صناعة المجتمع أسهل لما توجد الأفراد القوية، الأفراد المصنوعة صناعة الإسلامية الصحيحة. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ﴾ [الإسراء: 32]. نبتعد عن الزنا حتى نصنع المجتمع الطاهر، المجتمع النقي. نحن الآن نريد أن نصنع مجتمعا جديدا يختلف عن جميع هذه المجتمعات الجاهلية، بيئة إسلامية جديدة لا تخالطها الجاهلية في الصناعة، بيئة المدينة؛ فكان الواقع بقعة خالصة للنبي عليه الصلاة والسلام، وصنعت هذه المجموعة الطيبة الطاهرة، وأخذت آيات الأحكام تتنزل وتشكل منها أنظمة الإسلام، نظام الإسلام السياسي الاقتصادي، تشكل منها الشريعة الإسلامية الشمولية، وهذه كلها تقوم بالأصل على قاعدة العقيدة.
فقامت دولة إسلام بأنقى ما تكون في المدينة حتى اصبح هذا هو المثال، هذا هو النموذج الذي نسعى إليه دائما، نسعى للوصول إليه دائما، نحاول نقترب منه سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى المجتمعات التي تتقبل الدعوة، وهي فرصة زمنية معينة؛ إذا نقصت الصناعة في هذه الفرصة يصعب علينا إذا حصلنا التمكين الجزئي أن نذيب المجتمع في هذه المجموعة، لماذا؟ لأن هذه المجموعة ليست صناعتها قوية، هذا معنى مهم كذلك المستوعب.
ثم بعد ذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي القَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء: 33]. نتكلم بإذن الله في الدرس القادم عن هذه الجريمه؛ جريمة قتل النفس، وما يليها إن شاء الله تعالى من أوامر ونواهي. هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري