الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله على نبينا وقائدنا محمد وآله وصحبه ومن ولاه، ثم أما بعد فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم وسدد على طريق الخير خطاكم. نكمل مدارسة سورة الإسراء، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا﴾ [الإسراء: 39].
ثم قال الله: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: 40]. الله سبحانه وتعالى هنا ينكر على هؤلاء الكفار الذين يجعلون لهم البنين ويزعمون بأن الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى. فالعرب الجاهلية كانوا يأنفون من البنات وكانوا يسعدون ويفرحون بالأبناء، فكان الرجل إذا رزق بالبنت ظل وجهه مسوداً وهو كظيم. بل بعضهم كان يصل به الحال إلى أنه يئد البنت، يقتل البنت! وإذا رزق بالابن فرح فرحاً كبيراً، فكان الميزان عندهم بأن الابن أعلى من البنات والابن هو الذي يفرح به أما البنت لا يفرح بها.
ثم بعد ذلك هؤلاء الكفار جعلوا الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى، فالكفار هؤلاء وقعوا بأخطاء عظيمة؛ الأولى: أنهم جعلوا الملائكة بنات الله، والثانية: أنهم جعلوا لله سبحانه وتعالى ما يأنفون هم عنه، ما ينفون هم عنه. هنا الله يقول: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: 40]. قول عظيم في ازعم بأن الله سبحانه وتعالى له بنات، قول عظيم بأنكم تجعلون الملائكة بهذه الصورة وهذه الطريقة، قول عظيم بأنكم تزعمون بأن الله سبحانه وتعالى له أبناء، قول عظيم بأنكم تجعلون له هو سبحانه وتعالى ما تأنفون أنتم عنه.
أفأصفاكم ربكم أي خالقكم، ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله، هم يعلمون بأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق، ومع هذا يزعمون بأن الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى. والكفار لما عبدوا الأصنام صوروا الأصنام بصورة الملائكة وسموا الأصنام بأَسماء الإناث: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا﴾ [النساء: 117]. فسموا أو سميت الأصنام بأسماء الإناث؛ العزى، اللات، مناة، وهكذا، إلا هبل، إلا هبل لذلك هو كان أعلى الأصنام عندهم. فالقصة من ذلك أن الكفار صوروا هذه الأصنام وتقربوا إليها للتقرب إلى الملائكة الذين يزعمون بأن الملائكة تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً بنات الله سبحانه وتعالى. ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: 40].
ثم قال الله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [الإسراء: 41]. نوعنا وعددنا طرق الإنكار، أساليب الوعيد في هذا، لماذا هذا كله؟ ليتذكروا حتى يتذكر الإنسان. فالله سبحانه وتعالى لما يذكر العقوبات، لما يذكر جزاء الظالمين، لما يذكر عقوبة الكافرين، لما يذكر أنواع العذاب في جهنم، هذا كله لماذا؟ حتى يتحصل الإنسان على الذكرى، حتى يتذكر الإنسان، حتى ينتفع. قال الله: ﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [الإسراء: 41] أي كل هذه الذكرى لم تزد هؤلاء إلا ابتعاداً إلا بعداً.
ومثل هذه الآيات الانسان لا يمر عليها مرور سريع، خاصة حفظة القرآن انتبهوا! خاصة حفظة القرآن لما تقرأ مثل هذه الآيات قف عندها، الله سبحانه وتعالى ينوع هذه الاساليب وينوع الله سبحانه وتعالى هذه العقوبات ويذكرها بصور عديدة وكثيره، هل هذه الآيات تعمل بك؟ هل هذه الآيات تصل إلى قلبك؟ هل تتفاعل معها أو يكون حال الإنسان مثل حال الكفار؟ انتبه الحاجز القوي بين الاندفاع بايات القرآن الكريم هو أن الإنسان لا يشعر بأنه مقصود منها، لا يشعر بأنه مقصود منها فيظن بأن هذه الآيات فقط خاصة بهؤلاء الكفار، لا هي كذلك للجميع. إذا ما كنت تتاثر ففيك شبه، إذا ما كنت تتاثر بالوعيد في القرآن الكريم وتسمع الآيات تأتي ولا تعمل بك هذا يدل على أن هذا الإنسان به شبه، هناك غفلة، هناك غفلة.
لذلك هذه الآيات والله مخيفه، هذه الآيات مرعبة! فشخص ما يتعامل معها تعامل هكذا فقط معنى عام وأجمالي، ويفرم المعنى منها ثم يمضي ويقرا السورة وكانه ما حدث شيء، لا قف عندها! الله سبحانه وتعالى لم يذكر جهنم، الله سبحانه وتعالى لم يذكر العذاب الأليم، لم يذكر العذاب المهين، لم يذكر العذاب العظيم، هذا كله لا تجعله يمر عليك مرور سريع، لا تجعله يمر عليك مرور سريع بل قف عنده وتأمل وانظر واستشعر وانظر إلى قلبك، وإذا ما حضر قلبك قل: يا رب يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، يا رب أعوذ بك من علم لا ينفع، يا ربي أعوذ بك أن أقرأ القرآن وأحسب بأنه لي وهو علي، يا ربي أعوذ بك أن يكون القرآن حجة علي يوم القيامة.
والله هذه نصيحة خاصة لحفظة القرآن الكريم انتبهوا، هناك قسم من حفظة القرآن الكريم سيدخل جهنم وسيكون أول من تسعر به النار! يعرف الله نعمه فيعرفها فيقول: ماذا عملت بها؟ فيقول: يا ربي قرأت فيك القرآن، قال: كذبت إنما قرأت القرآن حتى يقال قارئ. انتبه! هذه الآيات مخيفة، هذه الآيات مرعبة، هذه الآيات إذا ما أثرت بك هذا يدل على أن هناك مشكلة، قف وقل: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، يا رب لا تجعل القرآن حجة علي يوم القيامة، اجعله حجة لي. القرآن يوم القيامة إما أن يدخلك الجنة ويرفعك في عالي الدرجات أو والعياذ بالله يكبك في النار، والقرآن حجة لك أو عليك، حجة لك أو عليك! يؤتى بالقرآن يوم القيامة ويتكلم القرآن ويشفع القرآن.
الله هنا يقول: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الإسراء: 41] نوعنا وعددنا طرق الوعيد وأنواع الوعيد في هذا الكتاب العظيم المخيف، ولقد صرفنا في هذا القرآن ليتذكروا وهذا كله حتى يتذكر الإنسان حتى يحصل الذكرى، حتى يعيش مع هذه المعاني حتى تنفعه، حتى تمنعه من الوقوع بالمعاصي حتى تسجره. والعجيب أن هذا القسم مع كل هذه الآيات المخيفة: ﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [الإسراء: 41] يقرأ هذه الآيات ويحفظها ويعرفها لكن ما تزيده إلا نفوراً والعياذ بالله، إلا ابتعاداً عن الخير، إلا ابتعاداً عن الحق.
ثم قال الله: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 42]. الله يقول هنا: قل لو كان معه آلهة كما يقول هؤلاء الكفار المجرمون، لو كان هناك آلهة مع الله سبحانه وتعالى، هذه الآلهة ستكون خاضعة لله سبحانه وتعالى وستتقرب هذه الآلهة إلى الله سبحانه وتعالى: ﴿إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ أي طاعة وقربان يرجون رحمته ويخافون عذابه. لو كانت هناك آلهة افتراضا مع الله سبحانه وتعالى هذه الآلهة لن يكون لها عمل إلا تذلل الله سبحانه وتعالى، إذاً لن تكن آلهة! فلو كانت هناك آلهة لو كانت هناك آلهة موجودة غير الله سبحانه وتعالى هذا لا وجود له، لكن لو كانت موجودة لن يكون هم هذه الآلهة إلا التذلل لله سبحانه وتعالى، إلا التقرب من الله سبحانه، إلا الخضوع لله سبحانه وتعالى لأنه هو الإله الحق، هو الذي يملك، هو صاحب الإرادة، هو صاحب القدرة المطلقة سبحانه وتعالى.
﴿إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ تعظيماً له سبحانه وتعالى وتنزيهاً له سبحانه وتعالى، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً، سبحانه تعظيماً عما يقول هؤلاء الأفاكون يزعمون لله بنات ثم يجعلون له الجنس الذي يأنفون عنه. يتعاملون مع الله سبحانه وتعالى الملك العظيم الجبار المتكبر العزيز، يتعاملون معه بهذه الطريقة! عجيب هذا الإنسان والله لم يتعامل مع السيد سبحانه وتعالى بهذه الصورة: ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهَ وَقَارًا﴾ [نوح: 13]. كيف يتعامل العبد الذي ما العبد الذي سيموت، العبد الذي ما يملك من أمره شيء، العبد الضعيف الذي أصلاً من ماء مهين، يتعامل مع صاحب القوة المطلقة! نفس هذا الإنسان ما يستطيع أن يقول هذه الكلمة لحاكم حاله مثل حاله، يدخل الخلاء ويفتقر إلى الطعام وينام ويفتقر إلى الحرس وإلى الجند، ما يستطيع أن يقول له هذه الكلمة، ما يستطيع أن يزعم بأن له هذا الشيء، إذاً كيف يقول هذا للملك للسيد العظيم للكبير للجبار للمتكبر للمهيمن للواحد القهار؟! سبحانه تعظيماً له وتنزيهاً عما يقول هؤلاء الأفاكون، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً.
ثم قال الله سبحانه وتعالى مبيناً عظمة السيد سبحانه وتعالى، عظمة الله سبحانه وتعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾ [الإسراء: 44]. هذه السماوات تسبح الله سبحانه وتعالى وتعظم الله سبحانه وتعالى، والارض حتى الأرض هذه تسبح الله سبحانه وتعالى وتذكر الله سبحانه وتعالى تعظم الله سبحانه وتعالى، قال الله: ﴿وَمَن فِيهِنَّ﴾ [الإسراء: 44] الملائكة هذه التي في السماوات كلها تسبح الملك سبحانه وتعالى كلها تعظم الله سبحانه وتعالى، الطيور تسبح الله سبحانه وتعالى، الحيوانات تسبح الله سبحانه وتعالى، الطعام يسبح الله سبحانه وتعالى، الجماد يسبح الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: 44] الكل يسبح بحمد الله سبحانه وتعالى ولكن لا تفقهون تسبيحهم.
وإن من شيء إلا يسبح بحمده سبحانه وتعالى ولكن لا تفقهون تسبيحهم، ولكن أنتم أيها البشر الضعفاء ما تفقهون تسبيح هذه الكائنات، أما هذه الكائنات التي تراها هي كلها تسبح الملك سبحانه وتعالى، تعلم من هو الله سبحانه وتعالى، إلا عاصي الانس والجن! هؤلاء هم الذين يخالفون نسق هذا الكون، هؤلاء هم الذين يخالفون هذه المخلوقات، أما كون الله سبحانه وتعالى كله يسبحه ويعظمه إلا عاصي الإنس والجن هؤلاء الشاذين المختلفين.
قال: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: 44]، الحمد لله سبحانه وتعالى يدل على كمال الرب سبحانه وتعالى، والتسبيح هنا يدل على التنزيه والتعظيم، فهو سبحانه وتعالى هو العظيم، فهو سبحانه وتعالى هو الجليل. الله سبحانه وتعالى لما يسبح، يسبح بحمده سبحانه وتعالى، فتقول: سبحان الله وبحمدك. التسبيح يكون مقروناً مع التحميد، فالله سبحانه وتعالى لما يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] والله قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أثبت لنفسه الكمال سبحانه وتعالى، فلما يأتي العبد وينزه الله سبحانه وتعالى لأن هو الذي يستحق الحمد، لأن هو الذي هو صاحب كل شيء سبحانه وتعالى، هو الغني الحميد، هو الغني الحميد.
ولشيخ الإسلام رسالة لطيفة في الباقيات الصالحات أنصح بقراءتها، فيها شرح جميل لمعاني الأذكار منها لماذا قرن التسبيح مع التحميد؟ لماذا يقرن التسبيح مع التحميد؟ ولما أنزل الله سبحانه وتعالى النبي عليه السلام سورة النصر: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 1-3]. فسبح بحمد ربك فكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا صلى يقرأ في ركوعه وفي سجوده سبحان أو يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي» يتأول القرآن.
هنا الله يقول: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: 44] لما تقول الحمد لله رب العالمين هذا إثبات بل الله سبحانه وتعالى هو الكامل المنزه من كل نقائص فالحمد لله سبحانه وتعالى يدل على كمال الرب سبحانه وتعالى. لذلك الله سبحانه علم بأن عباده لن يحمدوا كما ينبغي فحمد نفسه سبحانه وتعالى الحمد لله رب العالمين، أثنى على نفسه سبحانه وتعالى، ثم يأتي التسبيح، يأتي لكن الحمد أعلى من التسبيح، التحميد كلمة الحمد لله أعلى من كلمة سبحان الله. الحمد لله تملا الميزان وسبحان الله والحمد لله تملان أو تملا ما بين السماء والأرض، واللفظ الأصح والتسبيح والتكبير ملء السماء والأرض. فكلمة الحمد أعظم أو الحمد لله أعظم من التسبيح.
وبعض العلماء يرى بأن كلمة الحمد لله أو الحمد لله رب العالمين الأعلى كذلك من كلمة لا اله الا الله، والصواب أن لا اله الا الله اعظم الكلمات على الاطلاق وهي أفضل الحسنات، لكن من يرجح الحمد يقول بأن الحمد لله ثلاثون حسنة، وكذلك يقول بأن الحمد لله تملا الميزان، وكذلك يقول بأن أعظم سور القرآن الكريم على الإطلاق هي سورة الفاتحة وهي سورة الحمد، هي سورة الحمد.
القصد أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: 44] وهنا العيش مع هذه الأذكار مهم، الشخص ممكن يذكر الله لكن هو ما يفهم الأذكار فما يكون أثر الذكر عظيماً جداً، يكون له أثر ولكن الذكر لما يواطئ القلب اللسان يعني لما يقول شخص: الحمد لله، سبحان الله، لا إله إلا الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، الله أكبر، ويفهم معاني هذه الكلمات يواطئ قلبه لسانه هذا يكون أثقل في الميزان وكذلك في التأثير على إيمانه وعلى صلاحه وتقواه. ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44].
إذاً جميع المخلوقات تسبح الله سبحانه وتعالى، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يقول: «باني أعلم حجراً كان يسلم علي قبل أن أبعث» عليه الصلاة والسلام. وكان يقول ابن مسعود: كنا نسبح كنا نسمع تسبيح الطعام. فالقصد أن جميع المخلوقات تسبح الله سبحانه وتعالى، ونقيق الضفدع التسبيح، فالكل يسبح الله سبحانه وتعالى باللغة التي فطر الله سبحانه وتعالى هذا المخلوق عليها، ولكن البشر ما يعرفون جميع اللغات، البشر ما يعرفون جميع اللغات، إذاً هنا الله يقول: ﴿وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44].
كذلك في بيان لعظمة الرب سبحانه وتعالى ولعموم ملكه وسلطانه سبحانه وتعالى، هنا انظروا كيف الله سبحانه وتعالى يذكر هذا المعنى في عقب ما يقوله هؤلاء الكفار أو ما يفعل الكفار لماذا؟ حتى يظهر صورة هؤلاء الكفار بصورة الشاذين، حتى ما يستوحش الشخص، حتى ما يستوحش الشخص المؤمن. نحن نقرا الآن هذه الآيات وهي نزلت على الصحابة في مكة في حال الغربة، هؤلاء الكفار الذين ترونهم هم شاذين ليسوا
أنتم نعم قلة، ولكن الآن لا تجعلوا هذا العالم الذي تعيشون فيه هو الغالب عليكم. لا، اخرجوا من هذا العالم، هذه الطيور تسبح الله، هذه السماوات العظيمة تسبح، هذه الأرض تسبح الله، هذه الحيوانات، هذه الجمادات، هذه كلها تسبح الله. فقط هؤلاء القلة، انظروا كيف القرآن يعكس الصورة حتى ما يشعر شخص بالغربة الكاسرة، حتى ما يشعر الغربة التي تجعل الإنسان هكذا غريب ثم يذوب هذا الغريب.
لا، لما ما تشعر بأنك غريب ما تذوب، لكن الغريب غالباً ما يستطيع أن يقاوم المجتمع فيذوب فيه، لكن لا، هو لما ينظر إلى المجتمع بأنه هو الغريب وليس هو، النظرة تكون مختلفة. لماذا؟ لأن عالم الغيب عنده هو الأصل وليس عالم الشهادة، فهذا يثبت ويكون قوي في ثباته وكذلك في تبليغ الرسالة. هذه معاني.
شوف يا شباب، من أراد أن ينتفع من القرآن ليقرا القرآن الكريم كأنه نزل عليه في الحال التي نزل عليها فيها القرآن الكريم. الآن هذه الآيات تنزل على النبي عليه الصلاة والسلام وعلى الصحابة في مكة، ادخل معهم في هذا المشهد حتى تأثر في هذه الآيات. إذا لم تقراها بهذه الطريقة تفهم المعنى الإجمالي لكن ما يصل إلى قلبك الوصول التام الكامل، يعني ما تنتفع الانتفاع الكبير، يكون انتفاع متعلق بشرح المعاني، شرح الآيات، تفسير الآيات وبيان المعنى، لكن نفس الاستشعار الذي كان يستشعره الصحابة الذين نزل عليهم القرآن ما يكون قوي عندك. هذا معنى والله مهم وشريف.
قال الله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: 44]. انظروا كيف الله سبحانه وتعالى هنا ختم هذه الآية بهذين الاسمين العظيمين، اسم الله الحليم واسم الله الغفور. الحلم؛ فإن الله سبحانه وتعالى ما يعاجل العاصي بالعقوبة، إنما يحلم سبحانه وتعالى، وليس أحد أصبر على أذى يسمعه من الله؛ يدعون له الولد فيعافيهم ويرزقهم، هم ينسبون له الولد ومع ذلك الله سبحانه وتعالى يعافيهم ويرزقهم ويعطيهم. حليم سبحانه وتعالى، إنه كان حليماً سبحانه وتعالى، حليم؛ يقولون يدعون له وينسبون له الذرية ويطعنون ويشتمون ومع ذلك الله سبحانه وتعالى يحلم عنهم ويتركهم ويمهلهم سبحانه وتعالى.
بل مع هذا غفور، يعني حلمه مع مغفرته، يعني لو تابوا تاب الله عليهم. طيب، هم قالوا كذا وكذا يا ربي، هم اتهموك بكذا وقالوا عن كذا وطعنوا، ومع ذلك الله سبحانه وتعالى غفور، يعني هؤلاء لو تابوا تاب الله عليهم، لو عادوا غفر الله لهم مع أنهم قالوا مثل هذه الكلمات، إنه كان حليماً غفوراً سبحانه وتعالى.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ [الإسراء: 45]. هنا الله يكشف للنبي عليه الصلاة والسلام شيء مما يقع، الله يقول للنبي عليه الصلاة والسلام إذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة -هؤلاء الذين لا يؤمنون بيوم القيامة لا تأثرهم القرآن كثيراً- جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً، وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً. إذاً هؤلاء يجعل بينهم وبينك حاجز، في القلوب أكنة حجاب وعلى الآذان وقر ثقل، فما يسمعون إلى ما تقرا، يسمعون هكذا كلاماً ولا يصل إلى قلوبهم، لماذا؟ وجود الحجاب ووجود الوقر يكون، فما يخلص من الأذن إلا شيء يسير، وهذا الشيء اليسير يمنع الحاجز من دخوله إلى قلب. وبينك وبينهم حجاب ستار.
لماذا يا ربي هذا كله؟ لأنهم ما يؤمنون بالآخرة. إذاً بقدر إيمانك بيوم القيامة يكون انتفاعك في القرآن الكريم، إيمانك بيوم القيامة ليس قوي يكون انتفاعك ليس قوي، إيمانك بيوم القيامة عظيم يكون انتفاعك بالقرآن عظيم. لذلك الإيمان يسبق القرآن، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، فلما صب الماء الصافي القرآن على قلب سبقها الإيمان فأثمر فيه ما أثمره بالصحابة رضي الله عنهم وأرضوهم. فمن المهم جداً أن الشخص يقوي إيمانه بيوم القيامة ونعيش مع يوم القيامة، فإذا قوي الاستشعار والعيش مع يوم القيامة يقوى انتفاع شخص من القرآن ويعظم انتفاعه من هذا الكتاب العظيم.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَىٰ أَدْبَارِهِم نُفُورًا﴾ [الإسراء: 46]. إي، هؤلاء الكفار إذا ذكروا النبي عليه الصلاة والسلام، الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم وحده، ولوا على أدبارهم نفوراً. ينفرون أن يكون إله واحد، أتجعل الإله إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب! والنبي عليه الصلاة والسلام كان يبلغ هذه الرسالة ولم يتنازل عن هذه الكلمة، وهذا الصراع التاريخي والازلي ما داء الدين، نحن نقول بأنه لا إله إلا الله وهم يقولون أو يزعمون مع الله إلهاً آخر مع الله آلهة أخرى، وإن كانوا يقولون ويزعمون بأن الإله الأكبر هو الله. كم إله تعبد؟ سبعة، ستة في الأرض، واحد في السماء. طيب، من الذي لرغبك ورهبك؟ الذي في السماء، لماذا تعبده في الأرض؟ هكذا.
فالقصد أن هذا الصراع مع الكفار هو صراع تاريخي، وهذه الكلمة هي كلمة التوحيد العظيمة. والله سبحانه وتعالى لما أراد الكفار من النبي عليه الصلاة والسلام أن يتنازل عن لا إله إلا الله مع دخولهم في الإسلام لكن مدة معينة زمنية، وكذلك يريدون النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه ليدخلوا في دينهم ستة أشهر أو سنة، أنزل الله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 1-6]، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإلاص: 1-4].
فالقصد أن هؤلاء الكفار إذا سمعوا هذه الآيات، أن الله فقط واحد المعبود واحد الواحد القهار، ولوا على أدبارهم نفوراً من شدة نفرتهم من هذا المعنى العظيم والشريف. لذلك كان الصراع في مكة صراع توحيد، صراع عقيدة، وفي مكة ثلاثة عشر عاماً الصراع على تقرير لا إله إلا الله حتى تستقر في النفوس، حتى تتضح هذه، حتى يتضح هذا المعنى ويعرف الكفار.
وأبى الله سبحانه وتعالى إلا أن ينشر هذه الكلمة، وهذه الكلمة هي أعظم الكلمات على الإطلاق: «يا موسى، لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، مات بهن لا إله إلا الله». وجلس مرة أحد السلف مع صاحبه فقال: ماذا تصنع إذا غضب عليك الله سبحانه وتعالى أذنبت وأذنبت فعقبك الله؟ قال: استعتبه بلا إله إلا الله، أي أزيل عتبه بلا إله إلا الله.
لذلك ينبغي على شخص أن يكثر من هذه الكلمة وأن يعيش معها؛ لا إله إلا الله، يكثر منها كثيراً، أعظم الكلمات، أفضل الحسنات. لما سال أبو ذر النبي عليه الصلاة والسلام عن لا إله إلا الله أمن الحسنات؟ قال: «بل أفضل الحسنات، أفضل الحسنات لا إله إلا الله».
وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفوراً. ويستحب أن العبد هنا لما يقرا مثل هذه الآيات أن يتملق الله سبحانه وتعالى، فيقول: يا ربي، الذي زاد عبادك نفوراً زدني منك قرباً ومحبة وتعظيماً وإجلالاً، فنحن لا نعبد إلا أنت، ولا نشهد هذه الشهادة إلا لك، ومعاذ الله أن نشهد أن هناك إلهاً آخر غيرك، ونسألك بحب اسمائك أن تثبتنا على هذه الكلمة، وأن يكون آخر كلامنا من الدنيا هذه الكلمة؛ لا إله إلا الله.
إذاً هذا بعض ما يتعلق بهذا الورد، والله أعلم، وصلى الله وسلم نبينا.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري