دخولتسجيل الدخول

سورة الإسراء 13 | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم. نكمل مدارسة سورة الإسراء، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: 73-75].

ينتقل الآن الخطاب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وفيه ذكر لطبيعة الصراع التي تقع عادة بين الطغاة والدعاة؛ فالطاغية يحرص على استمالة الداعية ويسعى جاهداً لحرف الداعية عن طريقه وعن مساره. ولما يضغط الطاغية على الداعية، كثير من الدعاة يتنازلون، وفي هذا التنازل إسقاط للدعوة. وهذا الباب باب صعب، فالإنسان إذا ما استعان بالله سبحانه وتعالى وثبته الله، فقد يفتن. لذلك هذه نصيحة للدعاة: انتبهوا من هذا الباب، انتبهوا من هذه اللحظات، واستعينوا بالله سبحانه وتعالى لما تقعون بها استعانة مضاعفة؛ لأن الإنسان يحتاج هنا إلى هداية عظيمة وإلى تثبيت، وإلا يفتن الإنسان.

الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾. حاول الكفار وبذلوا كل ما يستطيعونه، ذهبوا إلى أبي طالب عدة مرات وطلبوا منه أن يكلم النبي عليه الصلاة والسلام، عرضوا على النبي عليه الصلاة والسلام المناصب والأموال والملك والسلطان. ثم بعد ذلك وصل بهم الحال إلى درجة أنهم تنازلوا عن دينهم، تنازلوا عن آلهتهم وهم يرون بأن لهم القوة والسلطان، ومع ذلك تنازلوا رغبة أن يتنازل النبي عليه الصلاة والسلام. انظروا الآن إلى الشيطان كيف أوصلهم إلى هذه الحالة، أنهم يتنازلون عن عبادة الأصنام من أجل ماذا؟ أن يتنازل النبي عليه الصلاة والسلام عن عبادته لله سبحانه وتعالى، فيلتقوا في منتصف الطريق.

يخطئ الداعية لما يظن بأن الطاغية يريد منه أن يكون معه في كل شيء ابتداءً، نعم هو يريد بعد ذلك، لكن بالبداية هو يقبل بالانحراف اليسير منك، هو يقبل بترك جزء من الدين، وهذا الدين لما تتركه ترفع عنك الحماية الإلهية فتقع بالفتنة. لذلك لينتبه الداعية وليحذر من التساهل في هذا الباب. باب التصورات الإسلامية ليست حقاً من حقوق الداعية، الداعية الذي يخضع لسلطانه ولاجتهاده هو وسيلة الدعوة، الوسيلة: هل تستخدم اللين؟ هل تستخدم الشدة؟ لكن نفس التصورات الدينية هذه ليست لك، انتبه أن تخلط بين الدائرتين، هذه الدائرة دائرة تصورات، هذه خالصة لله سبحانه وتعالى وليس للداعية منها نصيب، إنما دور الداعية فقط البيان والبلاغ.

يخطئ الداعية لما يلبس الدين ويرى بأنه من حقه أن يقول كذا ولا يقول كذا، وهذا ليس له، إنما هذا عائد إلى الله سبحانه وتعالى، فلا بد أن تبلغ الرسالة، ثم ما عليك إلا يؤمن هؤلاء، وما عليك إلا يتزكى. فانتبه أيها الداعية أن تتنازل عن شيء من دينك من أجل إرضاء أحد من الناس، هذا خطر كبير، وهذه الفتنة متكررة. فالإنسان لما يخسر جمهوره أو يخاف على جمهوره يسكت ولا يقول الحق، هنا يكون قد أخل بواجب الدعوة، إنما الواجب على الإنسان أن يبين الدين كما هو، وهذا الدين له أهله، والله سبحانه وتعالى هو الذي يبلغ.

والداعية لما يبالغ في الاجتهاد ويدخل عقله وتقديره في دوائر لا يجوز له أن يدخل عقله فيها، يفسد الدعوة؛ فيظن بأن هذا الطريق سيوصله ولن يوصله، وهذه حكمة موهومة ليست حكمة حقيقية. انظر كيف النبي عليه الصلاة والسلام في مكة يقول: «والله لأحدثهم»، الله يريد مني أن أحدثهم بهذا خلاص، سيؤمن من آمن ويرتد بعض من أسلم، لن نتنازل عن ديننا، لن نتنازل عن الإسلام، فلا بد أن نبينه كما هو من غير أن نتنازل قيد أنملة ولا قيد شعرة. أما الأسلوب فيختلف، ممكن نستخدم مرة اللين ومرة الشدة على حسب الحال والسياق، ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا﴾ [طه: 44]، ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: 102]، يختلف، لكن نفس التصور الإسلامي لا يجوز للدعاة أن يعبثوا به، ولا أن يتدخلوا به، ولا أن يتنازلوا عنه، لا يجوز لهم هذا، إنما يجب عليهم البيان، ثم يستجيب الذي يستجيب. والداعية هنا لما يظن بأنه هو الذي يهدي يخطئ، لست أنت تهدي، الله سبحانه وتعالى هو الذي يهدي: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: 5].

الله سبحانه وتعالى يذكر هذا المشهد الذي وقع للنبي عليه الصلاة والسلام مرات كثيرة في مكة، فحاول الكفار أن يفتنوا النبي عليه الصلاة والسلام عن الدين، أما بالتنازل عن عبادة الله سبحانه وتعالى، أو بالسلطان والملك والجاه، أو بأن يجعل لهم مجلساً خاصاً فيهم؛ أنفت نفوسهم أن يجلسوا مع الفقراء والمساكين فقالوا: اجعل لنا مجلساً مستقلاً. والله سبحانه وتعالى وجه النبي عليه الصلاة والسلام بأنه ما يفعل هذا: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس: 1-3]. وما عليك إلا أن يتزكى، أما هؤلاء الكفار الصناديد فهم ما آمنوا، ما الذي عليك؟

فالقصد أن الداعية لا بد أن يفهم الدعوة، ولا بد أن يفهم بأن تقديره له دائرة غير دائرة التصورات الإسلامية. دائرة التصورات لا يجوز للداعي أن يعبث بحجة المصلحة، بحجة الحكمة؛ هذه كلها حجج شيطانية، فالداعية يجب عليه أن يبلغ الدين كما هو من غير أن يتنازل عنه ولا عن جزء منه. لكن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾، يفتنونك فيجعلوك تسكت عن قول الحق، يجعلك تقول الباطل، تتنازل عن بعض الدين، ولو فعلت هذا ﴿وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾. لا تفرح بثناء الطواغيت عليك، لا تفرح، والله هذا الفرح عجيب لما يأتي شخص ويقول بأن هؤلاء المجرمين أثنوا عليّ أو أن هؤلاء المجرمين علموا بأني كذا، لا تفرح بثناء هؤلاء. هنا الله يقول: ﴿وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾، انتبه، تفرح على ماذا؟ أن أثنى عليك الطاغي؟ أن أثنى عليك المنافق؟ هؤلاء لا يفرح بالثناء منهم، بل الإنسان يخاف لما يثنون عليه، قال: ﴿وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾، لو فعلت هذا وتنازلت عن بعض دينك -ليست عن جميع الدين، إنما عن بعض الدين- لاتخذوك خليلاً، أصبحت قريباً منهم وخليلاً، يتعامل معك تعامل الشخص الذي تخللت محبته في القلب، انتبه.

ثم قال الله: ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾، أي أن الأمر يعود إلى الله سبحانه وتعالى. يظن الداعية بأنه هو بنفسه سيثبت، ما تستطيع، لكن لا بد أنك تخاف وتدعو الله سبحانه وتعالى وتسأل الثبات، ثم الله سبحانه وتعالى هو الذي يثبتك. فلولاك لم يصمد لإبليس عابدون، كيف وقد أغوى صفيه؟ فالإنسان يحتاج إلى تثبيت الله سبحانه وتعالى دائماً، وأن الله يهديه، وأن الله يثبته، وأن الله سبحانه وتعالى يحمي قلبه، يحمي تصوراته. قال الله: ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ﴾. وأحياناً بعض الدعاة يسقط بعد مدة من الزمن، في البداية ما يسقط، لكن بعد مدة من الزمن يسقط، هنا الله يحكي لنا هذه البلاءات الكثيرة التي وقعت على النبي عليه الصلاة والسلام، ولما يتتابع البلاء ويكثر، شخص يتنازل عن بعض الدين أو عن بعض الحق، فهنا يخسر خسارة كبيرة في هذا التنازل. لذلك الله هنا يبين بأن هذا الثبات يرجع إلى الله سبحانه وتعالى، هو الذي يثبت من يشاء من عباده، لكن الداعية يبذل الذي يستطيع ويسأل الله سبحانه وتعالى التثبيت، والله سبحانه وتعالى يثبته.

﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾، وأحياناً العدو أو المخالف يريد منك أن تقول بأن هذا خاص بك، أو هذا فقط منهج متعلق بأناس معينين وليس الحديث عن الإسلام، يعني هو يحصر الحديث هنا في العقيدة إلى آخره في أناس معينين في مجموعة معينة. مثل ما وقع لشيخ الإسلام رحمه الله لما قيل له إن هذه العقيدة الوسطية هي خاصة بمذهب أحمد، فقال: بل هذا دين محمد صلى الله عليه وسلم، ليست خاصة في مذهب أحمد، وأحمد ليس له امتياز في هذا.

قال: ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾، آية مخيفة، والله أحياناً يكون النصر فقط بالثبات، فقط أحياناً تصل إلى درجة أن النصر ليس بكثرة الأعداد، ليس بانتشار المشروع، ليس بإقبال الناس، إنما النصر فقط بأنك ثابت على الحق. لما قيل للإمام أحمد رحمه الله تعالى: يا أبا عبد الله، ألا ترى كيف انتصر الباطل على الحق؟ قال: كلا، انتصار الباطل على الحق أن تنتقل القلوب من الهدى إلى الضلالة، وقلوبنا بعد ملازمة للحق؛ فانتصار الباطل على الحق يكون بانتقال أصحاب الحق إليه إلى معسكره، لكن ما دامت قلوب أهل الحق ثابتة على الحق، فلم ينتصر الباطل، وسيعلو الحق وتعود له الكرة.

فالإنسان يخاف على دينه ويخاف على إيمانه، ولا يظن الإنسان بأن إيمانه يثبت عنده كثيراً، الإيمان مثل القميص كما يقول أبو الدرداء فينزع مرة ويلبس مرة، فيحتاج أن يثبته الله، والقلوب متقلبة، قلب ابن آدم أشد انقلاباً من القدر إذا اجتمعت غلياً، القلب يتغير ويتقلب، إنما مثل القلب مثل الريشة تقلبها الرياح ظهراً لبطن، فالإنسان يسأل الله أن يثبته، يسأل الله الثبات، يسأل الله الهداية، يسأل الله سبحانه وتعالى الموت على الإسلام: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: 101] هذه أمنية الأنبياء، أمنية يوسف عليه السلام، ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: 101]. دعوة ابن عمر: اللهم كما هديتني للإسلام من غير أن أدعوك فلا تسلبه مني وأنا أدعوك. أبو بكر الصديق: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8]. هكذا سؤال الله الثبات، كان أكثر دعاء النبي عليه الصلاة والسلام: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، «يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك». الإنسان يكثر من دعاء الله بالثبات، ويسأل الله الثبات، وهذه هي المنى، هذا هو الفوز الكبير، ثبات. والله عبر عن أصحاب الأخدود بأنهم فازوا الفوز الكبير بثباتهم، فالثبات على الحق انتصار، بل هو أعظم من الانتصار، أن القلب ما ينتقل إلى الباطل.

وهذا أمر خطير، وأنتم ترون اليوم كيف الناس تعبث في دينها وتغير الدين، ويفتون كما يريد الجمهور، يفتون كما يريد الإعلام، يفتون كما يريد الأتباع، يفتون كما يريد الحكام، وكل واحد له مشرب: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: 84]، كل واحد يعمل على شاكلته، هذا يريد الجمهور، هذا يريد الشهرة، هذا يريد الحكام، هذا يريد المناصب، كل واحد له مشرب ومسلك، إلا من يستفيق، الله سبحانه وتعالى يكون همه فقط رضى الرب سبحانه وتعالى. وهذا أمر يحتاج إلى تثبيت، الذي ما يتعامل مع هذه الأبواب كما تعامل معها النبي عليه الصلاة والسلام ما يثبت، إذا كان الله هنا يقول: ﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾، فكيف في غيره من البشر؟ الإنسان يحتاج ويفتقر إلى الهداية، الله سبحانه وتعالى عاتب نبيه عدة مرات في بعض المواطن التي قدم فيها المصلحة: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾. كذلك في حديث بدر لما مال رأي أبي بكر قال: ﴿لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 68]، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

فالقصد أن الإنسان يخاف لا يتساهل في هذه الأمور، والداعي لا بد أن يخاف كثيراً وليس قليلاً، ويسأل الله دائماً أن يثبته، دائماً أن يهديه، دائماً أن يبصره. فالله هنا يعلمنا أن الداعية إذا ما ثبت الله، ما يستطيع أن يثبت، يسقط للشيطان: ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾، أي نذيقك عذاباً مضاعفاً في الدنيا وفي الآخرة، لماذا؟ العقوبة على قدر المنزلة، أول من تسعر بهم النار ثلاثة: عالم، وقارئ قرآن، ومتصدق، ومجاهد، لماذا؟ لأن الله فتح لهم أبوابه، كيف تستعملونها بهذه الصورة وهي الطريقة؟ لينتبه الإنسان: ﴿إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾. انتبهوا يا الدعاة، يا معشر الدعاة، انتبهوا يا أيها العلماء، انتبهوا من الفتوى بغير علم، أو الفتوى من أجل السلطان، أو الفتوى من أجل الجمهور، أو من أجل أن يرضى الناس عنكم، انتبهوا.

﴿وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 76]. وان كادوا يستفزونك أي ليزعجونك ويخرجونك بالقوة من مكة، أي حلت نفوسهم بأن يخرجوك من مكة، ولو فعلوا هذا ما لبثوا خلافك إلا قليلاً، أي ستحل بهم العقوبة كما حلت بمن أخرج الأنبياء من أقوامهم. ﴿وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي لو تم إخراجك من مكة بالقوة، ليست أنت الذي خرجت، إنما هم أخرجوك، لن يلبثوا بعدك إلا قليلاً، ستحل بهم العقوبة السماوية. ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: 77]، هذه سنة متكررة عبر التاريخ.

قال الله تعالى: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: 77]. ثم إن الله سبحانه وتعالى أخبر نبيه بما أمر في سورة هود: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ [هود: 113].

﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114]. هنا الله يقول: أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل، ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: 78]. الآن الله سبحانه وتعالى يظهر العبادة التي أو ينص على العبادة التي تثبت الإنسان لما تقع هذه البلايا، ما هي هذه العبادة؟ النور؛ الصلاة. الصلاة نور، «أرحنا بها يا بلال».

أقم الصلاة لدلوك الشمس، أي ميلان الشمس عن كبد السماء، إلى غسق الليل أي إلى دخول الليل، وقرآن الفجر أي صلاة الفجر، وعبر عنها بقرآن لطول القراءة فيها، إن قرآن الفجر كان مشهودًا تشهده الملائكة؛ يتعاقبون فيكم ملائكة في الليل والنهار، فيجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون.

أقم الصلاة لدلوك الشمس الظهر مع العصر، إلى غسق الليل المغرب مع العشاء، وقرآن الفجر أي صلاة الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودًا، ثم قال: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]. والمقام المحمود الخاص بالنبي عليه الصلاة والسلام هو الشفاعة؛ فأكثر من الصلاة والتنفل في الليل حتى تصل إلى هذا المقام، وعسى من الله واجبة؛ عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا يحمده الخلائق أجمعين.

ثم قال الله: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾ [الإسراء: 80]. هنا وقل ربي أدخلني مدخل صدق، أي اجعل أعمالي كلها صادقة، ابدأ العمل بصدق، ابدأ العمل لك مستعينًا بك خالصًا لك، اجمع بين الاستعانة وكذلك الإخلاص، بين الصدق والإخلاص. وقل ربي أدخلني مدخل صدق؛ يعني اجعل أعمالي يا ربي ادخل هذه الأعمال خالصة لك، ادخل هذا البرنامج فقط من أجل أن أتعلم القرآن من أجل أن أص، يا ربي وكن مستعينًا بك على إتمام هذا البرنامج.

ادخل هذه البلدة وأسافر إلى هذا المكان من أجل تبليغ الرسالة، أتزوج من أجل إنشاء الأسرة المسلمة، أعمل في هذا العمل من أجل كذا، أخرج من المنزل هذا الخروج الآن من أجل كذا، وأدخل كذلك من أجل كذا، أدخل في هذا العمل من أجل كذا وأخرج منه من أجل الله سبحانه وتعالى؛ وهكذا هذا هو مدخل صدق ومخرج صدق. فيكون الصدق ملازمًا لي في حياتي كلها، في جميع سكناتي وحركاتي، في جميع الأعمال التي أنشئها والتي أنتقل منها إلى غيرها، فيكون الصدق هو معي؛ أدخل صادقًا وأخرج كذلك، وأنتقل إلى مكان آخر وأنا صادق.

هذا الإنسان يعان ويوفق ليتعامل مع الله سبحانه وتعالى بهذه الصورة في كل شيء في حياته؛ إذا كان بعض السلف إذا خرج من منزله كان يقول: اللهم إني أعوذ بك أن أخرج من هذا المنزل من غير أن أكون صادقًا في هذا الخروج، إنما أخرج فقط من أجلك، أفعل الذي تريده مستعينًا بك ومتوكلًا عليك، ويكون عملي خالصًا لوجهك. وقل ربي أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق. الخروج من مكة والدخول في المدينة هذا كله على سبيل التمثيل كما يقول ابن القيم.

واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا، هنا دعا النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الدعوة، فأخرج الله سبحانه وتعالى من مكة واختار له المدينة، فخرج من أجل الدعوة ودخل المدينة من أجل الدعوة، خرج مستعينًا بالله ودخل مستعينًا بالله، خرج خالصًا لله عمل خالص لله، وكذلك دخل المدينة من أجل الله سبحانه وتعالى، فجمع بين الاستعانة والعبادة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]. وقل ربي أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا، منَّ عليَّ يا ربي وأعطني هذا السلطان الذي يستطيع من خلاله أن أنتصر على الأعداء، من خلاله أن أبلغ الدين، من خلاله أن أنصر الإسلام، ولا تجعل للطغاة عليَّ سلطانًا، ولا تجعل للإعلام عليَّ سلطانًا، ولا تجعل للجمهور والأتباع عليَّ سلطانًا؛ إنما اجعل لي من لدنك، هنا لدنك يدل على القرب من الله سبحانه وتعالى، وهذا هو الذي يفلح دائمًا، هذا هو الذي ينجو، هذا هو الذي يثبت؛ يكون دائمًا مرتبطًا بالله سبحانه وتعالى ويعيش مع الله سبحانه وتعالى. واجعل لي من لدنك يا ربي سلطانًا نصيرًا؛ سلطان حجة أنتصر بها على المخالفين للدين.

ثم قال الله: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81]. قل يا محمد جاء الحق الثابت الذي لا مرية فيه، وزهق الباطل اضمحل وذهب لهب، إن الباطل كان زهوقًا. الباطل لا يستطيع أن يقوم إلا لما لا يوجد الحق، فإذا وجد الحق دمغ الحق الباطل، لذلك أسباب انتشار الباطل هو عدم وجود الحق؛ لو وجد الحق لما انتشر الباطل، لو وجد الحق لدمغ الحق الباطل. لذلك هذه كذلك نصيحة للدعاة: لما ترون الناس ابتعدوا إلى آخره، سبب ابتعاد الناس الحقيقي هو عدم قيام الدعاة بواجبهم، يعني قبل أن تلوم الناس لوم نفسك، قبل أن تتكلم عن الناس انظر إلى عملك، هل بلغت الرسالة؟ هل أديت الأمانة؟ هل قمت بالواجب عليك؟ من قال أهلك الناس فهو أهلكهم، فانتبه، عدم هداية الناس وعدم إقبال الناس على الخير سببه الرئيس هو عدم قيام الدعاة بواجبهم، هذا هو السبب الرئيس.

وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا. ثم قال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: 82]. وننزل من القرآن، هنا من بيانية، أي القرآن كله شفاء؛ شفاء من الأمراض العضوية وكذلك من الأمراض النفسية: القلق، الحيرة، الشك، الاضطراب. القرآن شفاء، القرآن يعطي للإنسان قوة، يعطي القارئ الذي يحسن التعامل معه الذي يعيش معه قوة نفسية، ما يشعر هكذا بالضيق والكدر؛ لماذا؟ يخاطب الروح، وأنت بالروح لا بالجسم.

إنسان وهذه وقفة مهمة، الآن نحن في زمان ضعف الإنسان، وكما يقول بعض الكتاب الذين يتكلمون عن الصحة النفسية وعن المشكلات التي بدأت تنتشر؛ يقول في المستقبل القريب ستمتلئ العيادات لأن الناس متوجهة إلى الاضطراب، متوجهة إلى الاكتئاب إلى القلق إلى آخره، وهذا كثير في الناس في كل عصر وفي هذا العصر زيادة. طيب ما الحل؟ الحل هو القرآن الكريم، القرآن يخاطب الروح، القرآن يثبت الإنسان، القرآن يربط العبد بربه سبحانه وتعالى، والإنسان به خلل لا يسده شيء ما تعاقب الليل والنهار، فالإنسان لا بد أن يملأ قلبه بهذه المعاني الروحية، فإذا ما وجد هذا يدمر الإنسان، يهشم الإنسان فما يستطيع الإنسان أن يقاوم.

فالقصد أن القرآن به شفاء، القرآن كله شفاء، شفاء من هذه الأمراض؛ في حديث عن الجنة عن يوم القيامة، في إخراج من هذه الدائرة الضيقة دائرة الدنيا إلى سعة الآخرة، نحن قوم بعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة. ضيق هذه الدنيا ضيقة، يتم نقل الناس إلى الآخرة الواسعة الرحبة، الحديث عن الجنة عن النار عن يوم القيامة إلى آخره، هذا يكسب الإنسان قوة نفسية، صحة نفسية؛ فالإنسان ما يهشم، ما يكسر، لكن الذي لا يعيش مع القرآن الكريم لا أدري كيف يستطيع أن يحتمل هذه الحياة.

الإنسان عبارة عن روح، هذه الروح إذا ما سدت بالقرآن الكريم لن تسد بماذا تسد؟ فسيسوه الإنسان ويبدأ يتسول من الناس كل شيء، لأن هذه الروح تحتاج أن تسد، لا بد أن تسد. البدن كيف أن البدن إذا ما أكلت ستتعب، لا بد أنك تأكل، وأنت مخير بين أكلين: بين أكل نافع للبدن يتحلل ثم يعطيك قوة ويمتصه البدن، أو بأكل سيئ يدمر البدن. كذلك الروح؛ الروح تحتاج، فإذا ما تعلق العبد بربه سيتعلق بغيره، ثم إذا تعلق بغير الله سبحانه وتعالى لا بد أن يعذب، لا بد أن يعيش الألم، يعيش الضيق، يعيش الحزن الكبير، يعيش البلاء، يعيش الكدر، ربما يصل به الحال إلى الاكتئاب، ثم بعد ذلك ربما يصل بحال إلى الانتحار والعياذ بالله، لماذا؟ تضيق النفس على الإنسان.

القرآن شفاء يخرجك من هذه الدائرة كلها، يحميك بإذن الله منها؛ لماذا؟ لأن التعلق مع الله سبحانه وتعالى، وجعلت قرة عيني في الصلاة، خلاص قرة العين ليست في شيء آخر إنما هي في الصلاة، من يمنعك من الصلاة؟ لكن الإنسان يسعى جاهدا للوصول إلى هذه المرتبة، الارتباط مع القرآن ومع الصلاة، القرآن نور والصلاة نور، الذي يحصل هذا النور يقشع هذا النور الظلمات، سواء ظلمات النفس، ظلمات الحيرة والاضطراب والجهل إلى آخره، أو ظلمات كذلك الفتن إلى آخره، يحمى بإذن الله الإنسان ويوفق ويعان على الاستمرار في هذه الحياة.

الإنسان لا يتعامل مع نفسه على أنه قوي، الإنسان ضعيف، ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]، فالإنسان يحتاج إلى أمور كثيرة، فإذا ما أخذت هذه الحاجة من الله سبحانه وتعالى أو ما ملأت الروح بحب الله وتعظيم الله سبحانه وتعالى والعيش مع هذا الكتاب العظيم، ستصرف هذه الحاجة إلى غير الله، ثم ستكون أسيرًا له، إن مات تموت بعده، وإن أعرض عنك شعرت بضيق وكدر، وإن أقبل عليك تكون هكذا متوجس خائف، تريد أن يبقى هذا الإقبال، وهكذا تبدأ تعيش وتعطي المخلوق أكبر من قدره.

وننزل من القرآن ما هو شفاء، شفاء كتاب عظيم والله لكن البشر ما قدروا هذا الكتاب، ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30]. الذي يعيش مع القرآن الكريم لن يسعد إلا معه، الذي يعيش مع القرآن الكريم لن يفرح إلا مع هذا الكتاب العظيم، أسأل الله بأحب أسمائه إليه أن يثبتنا يا رب العالمين، وأن يمنَّ علينا، وأن يجدنا وإياكم بالتبصر لهذا الكتاب والعيش معه.

وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين، رحمة، القرآن الكريم خاصة بالمؤمنين، أما غير المؤمنين ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: 82]. هذا العلم النافع، هذا العلم الحق، هذا العلم الذي لا شك فيه ولا ريب، بخلاف علم البشر الذي يطرأ عليه الخطأ الكبير، بخلاف هذا الكتاب العظيم فهو رحمة من الله سبحانه وتعالى له؛ الإيمان يبصرهم ويعلمهم ويهديهم ويرشدهم إلى ما فيه خير لهم. الحمد لله نعمة القرآن الكريم، ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: 58]، اللهم لك الحمد على هذه النعمة. أم أيمن لما مات النبي عليه الصلاة والسلام وزارها الصديق والفاروق بكت فقيل لها: أما تعلمين بأن ما عند الله خير لرسوله عليه الصلاة والسلام؟ فقالت: بلى، ولكني أبكي على أن الوحي انقطع من السماء.

قال الله: ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: 82] كما قاله عليهم عما فهم، لما يعرضون عن القرآن الكريم هذا الإعراض سيدخلهم جهنم، هذا الإعراض سيستوجبون به عقوبة الله سبحانه وتعالى.

ثم قال الله سبحانه وتعالى مبينًا هذا الإنسان الجحود الكفور: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾ [الإسراء: 83]. هذا الإنسان إذا الله أعطاه ومنَّ عليه أعرض وتكبر وطغى وتجبر، قبل ذلك إنسان عادي ما تشعر أن هذا الإنسان في طغيان في كبر، لكن بمجرد أن يعطى يتغير هذا الإنسان، بمجرد أن يحصل المنصب، بمجرد أن يحصل المال يطغى على الآخرين، يطغى حتى على أقرب الناس إليه، يبدأ يعلو ويزهو بنفسه، عجيب هذا الإنسان! ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾، وقعت عليه المصيبة والبلية والشدائد أيس وقنط، وظن أن هذا الواقع لن يتغير، ويعيش هكذا أنه فقير وأنه معدم وأنه، انظر إلا من، إلا من يكون حسن الظن بالله، إلا من هو متعلق بالله، إلا من عاش مع القرآن، هذا ليكون بهذه الطريقة؛ لماذا؟ يعرف كل شيء من الله سبحانه وتعالى، فإذا الله أنعم عليه يريد منه أن يشكره، وإذا الله ابتلاه يريد منه أن يصبر، هكذا دائما.

ثم قال الله: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 84]. كل إنسان يعمل على شاكلته على نهجه وطريقه، فكل إنسان يعمل وفق ميوله وفق فكره؛ فهو الذي يريد أن يحصل التجارة يكون عمله كله بالتجارة بالمال، الذي يريد أن هكذا يتوسع في المباحات يكون تفكيره كله في المباحات، الذي يريد المحرمات يكون تفكيره كله في المحرمات وعمله كله بالمحرمات. فعمل الإنسان هو قائم على فكره وعلى هدفه؛ ما هو هدفك؟ ما هو فكرك؟ أين توجهك؟ عملك يكون مبني عليه. كل إنسان له شاكلة له طريق، كل إنسان له هدف في هذه الحياة؛ هذا إنسان هدفه تحصيل الدنيا، هذا إنسان هدفه تحصيل اللذة، هذا إنسان هدفه تحصيل المال، هذا إنسان هدفه كذا، كل إنسان له هدف. وهذا ترونه في الناس؛ هذا تجد مهتم دائمًا بالرياضة واللعب إلى آخره، هذا يكون مهتم بالشهادة والدراسة وتحصيل الشهادات الكثيرة، وهذا يكون مهتم بتحصيل المال من أي طريق، وهذا يكون مهتم بكذا، كل إنسان له هدف، وسعيد من كان عمله وطريقه هو تحصيل رضى الله سبحانه وتعالى.

قل كل يعمل على شاكلته فربكم سبحانه وتعالى أعلم بمن هو أهدى سبيلًا، الله سبحانه وتعالى يعلم من هو أهدى سبيلًا؛ من هدفه في هذه الحياة هو تحقيق رضى الله.

سبحانه وتعالى من لا هم له ولا مشروع لديه إلا تحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى كما أراد الله سبحانه وتعالى، نسأل الله أن نكون وإياكم يا رب العالمين منهم.

ثم قال الله سبحانه وتعالى بعد ذلك: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]. نتكلم عن ذلك إن شاء الله في المجلس القادم، هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.