الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله على نبينا وقائدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وأسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم. نكمل مدارسة سورة الإسراء، كنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿وَإِذ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: 61].
الآن ينتقل الحديث إلى قصة الصراع، الحديث عن أصل الصراع بين أهل الإيمان والكفار، وكذلك فيه بيان لسبب كفر الكفار. فهذه الآيات نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام في مكة، والقوة والغلبة كانت للكفار، والله سبحانه وتعالى ينزل هذه الآيات يعيد أهل الإيمان إلى أسس الصراع، ويبين لهم بأن الصراع بين الخير والشر هذا الصراع مستمر، والشيطان له طرق وله وسائل في الإغواء، وكذلك الشيطان وقع بالكفر بسبب أمر معين محدد. فلا تغفلوا عن هذه المعاني، فلا تغفلوا عن هذه المعاني.
فالله هنا يقول: ﴿وَإِذ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾ أي واذكر يا محمد إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم. الله سبحانه وتعالى خلق آدم، هذا الجنس المختلف عن الجن وكذلك عن الملائكة. أمر الله سبحانه وتعالى الملائكة بأن يسجدوا لآدم عليه السلام، سجود تحية وإكرام وليس سجود عبادة. ﴿وَإِذ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾.
إلا إبليس، هل هو من الملائكة؟ هو ليس من الملائكة، إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه. وقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: 76]. والملائكة مخلوقة من نور. إبليس كان متعبداً في الأزل، كان متعبداً؛ فلشدة عبادته رفع الله سبحانه وتعالى حتى جعل مع الملائكة، حتى جعل مع الملائكة، ولكن هذه العبادة لم تنفع إبليس؛ لماذا؟ لأنه لم يجرد نفسه، لم يجرد نفسه من هواها، وهذا أمر خطير، خطير جداً.
فهنا لما أمر الملائكة سجدوا، أما إبليس ما سجد، لماذا؟ قال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾. الان هو اعترض على أمر الله سبحانه وتعالى. لماذا يا إبليس؟ لأن هذا من طين وهو من نار، ويرى بأن النار أفضل من الطين. الآن ليست العبرة بالطين والنار، إنما العبرة من الذي أمر؟ من الذي أمر؟ الذي أمر هو الله سبحانه وتعالى.
وهذه رسالة لكل من يعتلي علواً على غيره ويخالف أمر الله سبحانه وتعالى بهذا العلو؛ شخص يرى بأنه أفضل من فلان، طيب هو ينصحك، ونصيحته حقيقة موافقة لامر الله سبحانه وتعالى. إذا عرضت فيك شبهة من إبليس، أمر خطير، يعني لا تأخذ هذه المعاني عبارة عن هكذا شيء وقع. لا، الله هنا يكشف لنا لماذا إبليس ما سجد؟ ما السر؟ ما السبب؟ السبب هو أنه كان يرى بأنه أعلى من غيره. طيب الآن، أعلٍ أنت أو لست أعلى، لماذا لم تستجب لأمر الله سبحانه وتعالى؟
تعالى الله سبحانه وتعالى هنا يأمرك بأن تفعل كذا، هنا يظهر إيمان الإنسان، هنا يظهر تجرد الإنسان وصدق الإنسان. فالإنسان إذا قدم عليه من هو أقل منه ربما ما يقبل ويقع في نفس الحسد والكبر، هنا فيك شبه من إبليس إذا ظهر هذا عليك. أما إذا وجد في نفسك ودافعته ودفعت وامتثلت أمر الله سبحانه وتعالى، فأنت الآن على خير وصلاح. انتبه، لا تأخذ هذه القصة عبارة عن أمر تاريخي مضى وانقضى فقط، لا، كذلك الإنسان قد يقع في شيء من المشابهة، لماذا؟ يكون عنده شيء من الحسد، شيء من الكبر، فيعلو على غيره، ويكون هذا الشخص أمر بأمر حقيقي موافق للشريعة ونصیحته صحيحة، انتبه.
﴿وَإِذ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذَرِيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 61-62]. الان الله يبرز لنا هذا الصراع بين آدم وإبليس. وهل الصراع كان قاصر على آدم وإبليس؟ لا. هنا إبليس يقول: لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذرية آدم إلا قليلاً، إلا القليل هؤلاء لن يستطيع إبليس عليهم، لكن البقية سياخذهم إبليس معه إلى جهنم.
طيب هل له سلطان؟ ليس له سلطان، ﴿وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: 22]. ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه. لما نظر إلى آدم كيف أن آدم ما استطاع أن يحتمل إغراء إبليس. إبليس ماذا فعل؟ دخل على آدم عليه السلام من مدخل، يريد آدم عليه السلام: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: 120]. مرة بعد مرة بعد مرة. هنا تاثر آدم فاستجاب وطبق ما قاله إبليس، فاخرج الله سبحانه وتعالى آدم من الجنة. لكن آدم تاب، أم إبليس ما تب، استمر في طغيانه وكبره وتيهه.
قال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذَرِيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾. لأحتنكن أي لأستاصلن. وابليس له أقسام في القرآن الكريم: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: 82-83]. ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذَرِيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 16-17].
إبليس جالس في الرصد، هدف إبليس في هذه الحياة هو أن يغوي أبناء آدم، أن يدخلهم معه جهنم، هذا مشروع إبليس. لذلك هو كل يوم ينصب عرشه على الماء ويبث أبنائه ويبث اتباعه، فيبثهم إلى الناس حتى يفتنوهم عن دينهم، حتى يغيروا دينهم: «إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين».
قال: ﴿اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ [الإسراء: 63]. اذهب، أمر إهانة، أيففعَل الذي تفعله؟ انظرنا ما الذي ستفعل والذي سيتبعك من أبناء آدم هؤلاء الذين كرم الله سبحانه وتعالى أبوهم، فإن النتيجة هي جهنم والعياذ بالله، جزاؤكم جزاءً موفوراً، أي كاملاً غير منقوص.
ثم قال الله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء: 64]. هذا القرآن كاشف لطبيعة هذه المعارك بين أسلحة إبليس. إبليس ما يملك، ليس له سلطان، هو ما يستطيع أن يجبرك بالقوة أن تفعل الذي يريده، ما يستطيع، ما يملك إبليس هذا، لكن إبليس يملك ماذا؟ الوسوسة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس: 1-4]. يوسوس، يملك، يدخل عليك ويضخم عندك هذا شيء. يملك الوعود الكاذبة، الوعود الكاذبة، يرسل أتباعه من الجن والانس فياتيك انسان هو بالحقيقة شيطان، شياطين الجن والانس، هو شيطان إنسي، ويبدا يذكرك ويقول لك: لماذا ما تفعل كذا؟ ما زلت صغير، لماذا تطلب العلم؟ لماذا ما تنشغل بكذا؟ فيبدا هكذا يفتنك هذا الشيطان الإنسي.
والشيطان يدفع هؤلاء ويؤزهم: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: 83]. تزعجهم إزعاجاً، تدفعهم دفعاً، فيبدا هذا الشيطان يؤثر عليك. يقول الشخص لما يستجيب لهذا الشيطان الإنسي، لما يدخل معه جهنم يقول: ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ [الفرقان: 28-29]. انتبه، هذا الإنسان يغويك، كل إنسان يبعدك عن الله سبحانه وتعالى لا تقترب منه، هذا شيطان إنسي. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي». هذه "يأكل طعامك" أعلى، يعني لا يدخل بيتك إلا إنسان تقي، لا تمشي إلا مع أهل الإيمان والصلاح: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].
انتبه، الشيطان له مداخل كثيره من ضمنها أن هو عنده أعوان من الانس ومن الجن. الشيطان الجني يوسوس، يغري، يزين لك الباطل: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِفَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: 8]. يزين لك الباطل، يغريك، يعدك التسويف في المستقبل: سوف أفعل كذا، سوف أتوب، سوف أصلي، سوف سوف. مدخل عظيم، الغفلة وسوف، هذه مداخل شيطانية كبيرة عن الناس. جاء بالغفلة، يكون غافل حتى يفاجأ بالموت: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 99-100]. سوف، هو يعرف الآن، لماذا الآن ما تهتدي؟ لماذا الآن ما تطبق؟ لا، سافعل هذا لما أتخرج من الثانوي، لما أتخرج من الجامعة سافعل. لن تنتهي، المستقبل هذا كذوبة، لا يوجد شيء اسمه مستقبل، المستقبل جنة ونار فقط: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64]. هذه الحياة الحقيقية.
أما الحياة الدنيوية هذه ليست حياة حقيقية، هذه سم دنيا ستذهب. أنت الآن ماذا فعلت اليوم؟ ماذا فعلت؟ انتبه، بادر، بادر، بادر قبل أن تأتي الفتن، بادر قبل أن يأتي ملك الموت.
قال: ﴿اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾. هنا قال: لأحتنكن، يعني هؤلاء في أسر إبليس، أصحاب المعاصي والذنوب والكفرة في أسر إبليس. هل أنت الآن في أسر إبليس أو لا؟ يشغلك النظر هكذا فقط الظاهر؟ لا، انظر الآن، في معصية متشبثة فيك؟ هذه المعصية المتشبثة ترى هذا إبليس مسيطر عليك، وصراع! هل صراعك مع إبليس مستمر، وهل أنت دائماً لك الغلبة أو غالباً؟ لأن الصراع يومي، هذا الصراع فيه أسهم وفيه رماح وفيه سيوف، وفيه هنا خيل وفيه رجالة. أي من يقاتل هكذا من غير يركب الخيل؟ صراع، في أسهم، النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، وفي شباك، أعوذ بالله من الشيطان وشراكه، شراك الشيطان عنده شراك. فهل الصراع هذا ما زلت مستحضراً هذا الصراع؟
لما يقول الله سبحانه وتعالى، لما يأمرنا الله يقول بأن نقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لما نقرا القرآن الكريم، ثم يختم القرآن الكريم بقوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ثم تكون أول قصة في القرآن الكريم قصة آدم مع الشيطان في سورة البقره، هذا كله لماذا؟ حتى ما تغفل عن هذا الصراع الحقيقي، ما تغفل. ﴿اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾.
واستفزز، أي استخف واستجهل وحرك من استطعت منهم. استفزز، حرك هؤلاء، أثر هؤلاء بصوتك. واجلب عليهم بخيلك ورجلك. بصوتك، يقول مجاهد بن جبر: المزامير الغناء. انظروا إلى كثرة الآن هذه الحفلات الموجودة في كل مكان بالعالم الإسلامي، هذه أصوات الشيطان، أصوات شيطان يستفز الناس فيها. وانظروا إلى كثرة من يسمع الغناء والموسيقى، بل انظروا إلى دخول الموسيقى في كل شيء، حتى في الأناشيد، حتى في المواعظ الدينية، هذه الآهات التي لا يوجد فرق بينها وبين الموسيقى. ثم انظروا بعد ذلك والأعجب، انظروا إلى من يفتي بجواز الموسيقى، انظروا مع هذا إجماع العلماء، لكن هذا الآن الشيطان، الشيطان له مداخل كثيرة جداً ما تحصى كثرة على الإنسان، ويبدأ الإنسان يتأول.
قال: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾. أجلب عليهم، هذه معركة الآن مع شيطان بخيلك، أي بأعوانك ممن هم خيالة، من راكب الخيل، الفرس، وكذلك ممن هم رجالة يقاتلون على الأرض، وهؤلاء منهم من هم من الإنس ومنهم من الجن. أي اجمع لهم من تستطيع أن تجمعه حتى تغير هؤلاء، حتى تستفز الناس، حتى تضيع الناس.
ثم قال: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾. في الأموال، أي بالحرام، أياً كان الحرام: خذ هذا القرض الربوي، توجد فتوى بالجواز، أخذه ثم تب في المستقبل، هذا المال الكل يفعله، هذه تجارة في خلاف فيها، ليس الكل يقول بأنها حرام، بع المنتج، هو الآن محل لا يوجد به محرمات لكن يدخل أي محرم واحد، هذا لا ما في مشكلة! هكذا يبدأ الإنسان، يبدأ الشيطان يستدرج الإنسان، ادخل، ومن غير لا يستحضره الإنسان، والإنسان هنا يقع، الإنسان هنا يقع؛ لأن الإنسان يكون محتاج للمال، فما يفكر، أعلم هذا العمل، أنت الآن محتاج، مضطر، ويكون هذا العمل في فتنة عظيمة في دينه، ونفس المال أصلاً محرم والعمل في فتنة، ومع ذلك يتأول! طيب تسقط، تسقط، ما يستحضر هذا كله من الشيطان.
قال: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾. والأولاد أي بالزنا، انشر الاختلاط، انشر الاختلاط بين الناس في الجامعات في كل مكان، اختلاط! ضع وتأتي بمن يفتي بجواز الاختلاط! فيبدا الشيطان يجلب هكذا بخيله ورجله، الإعلام يقرر الاختلاط، بعض المدعين للعلم والفتوى يجوزون الاختلاط بحجة الضرورة، أو كذلك حتى لو لم يكن بحجة الضرورة بعضهم جوزها هكذا، يجيزها هكذا. فهكذا يعني حاول تقارب بين الجنسين، ولا تجعل من التقارب بين الجنسين فيه مشكلة كبيرة، أمر عادي، هي أخته وهو أخوها، هكذا. ثم في النهاية هو يعرف، الشيطان يعرف الإنسان، الشيطان يعرف أن الإنسان له ميول ويعرف أن الإنسان ضعيف، لذلك لما الله خلق آدم عليه السلام الشيطان جعل يطيف به، فلما رأى بأنه أجوف علم بأنه خلق لا يتماسك، فقال: سلطت عليه لأهلكنه. هو يعرف أن الإنسان ضعيف، ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]. يعرف، الشيطان يعرف هذا.
لذلك هو الشيطان عنده يقين، وكان ظن قبل ذلك: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: 20]، يعني إبليس لما رأى بأن آدم استجاب له ظن بأن ذرية آدم ستكون مثل آدم فاتبعوه، ثم أصبح هذا الظن يقين عند إبليس، كل ما كلم الناس ودفع الناس وحرك الناس واستفز الناس بأساليبه وألاعيبه الناس تستجيب له وتذهب معه وتأول وتطبق ما يقوله إبليس.
ثم يأتي شخص الذي فيه خير يقول: كيف أحمي نفسي من إبليس؟ لن تستطيع إلا بالله سبحانه وتعالى، لكن الله قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: 42]. ادخل في هذه الآية، ادخل في هذه الآية. القصد أن إبليس هنا الله يقول: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ في الأولاد بالاختلاط ثم ما ينتج من الزنا والفواحش إلى آخره.
وكذلك قبل أهله ينسيه، فيشاركه الشيطان؛ وهذه شركه يبقى أثرها في الإنسان. الآن هذا الشخص لما يأتي أهله وينسى أو لا يقول هذا الذكر، هذا الإنسان يولد وقد يكون معه شيطان. لذلك تجدون البيوت المباركة غير البيوت العادية، من حيث الأصل البيوت الصالحة الشيطان ما يكون قوي فيها؛ إن المؤمن ليضي شيطانه، لما يدخل الشخص المسلم المؤمن يقول: بسم الله، ما يدخل الشيطان، ما يبيت معه في المنزل، لما يأكل يقول: بسم الله، ما يأكل الشيطان؛ فيكون الشيطان ضعيفًا. لكن البيت الآخر لا توجد بسم الله فيه، فالشياطين تعيث في هذا البيت الفساد، لماذا الشياطين قوية فيه؟ فطبيعي أن أبناء هذا البيت يختلفون عن أبناء ذاك البيت إلا من رحم الله سبحانه وتعالى برحمته، لكن من حيث الأصل تجد أن هذا يسيطر عليه الشيطان، فبعض الأسر تكون محمية وبعض الأسر تكون شيطانية.
وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم؛ هذه وسيلة من وسائل الشيطان القوية، الوعد، وإغراء الناس فيه، ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء: 64]. الوعد يجوز هذا الفعل، هذا شخص ما يستجيب له، طيب تتوب، هذه صغيرة في النهاية من الصغائر، قم صل ركعتين واستغفر، هذا الفعل لا، إن شاء الله تتركه في المستقبل، أنت الآن ممكن، وهكذا يبدأ الشيطان ويعطيه وعودًا كلها وعود ليست حقيقية، ثم يفاجأ هذا الإنسان لما يموت بكثرة الذنوب والمعاصي بسبب الشيطان. لكن الإنسان لا بد أن يستحضر كل يوم بأنه في معركة مع شيطان، كل يوم يقاوم ويقاتل، أنت في معركة ولا تدري أي سهم يصيبك فيسقطك؛ انتبه، لا تتساهل، ثم إذا أصبت عالج هذه الإصابة بالتوبة النصوح، بالصلاة، بالإكثار من كلمة التوحيد، خذل الشيطان بالاستغفار، اجعله يبكي، هذا هو الصراع اليومي.
هذا القرآن الكريم يبرز لنا هذه المعاني التي نغفل عنها كثيرًا؛ انظروا كيف نحن نقرأ هذه الآيات لكن ما نعيش معها كثيرًا في حياتنا اليومية، لماذا؟ بعيدون عن القرآن الكريم، بعيدون عن أن نعيش معه، فما نستحضر تدخل الشيطان، ما نستحضر وجود الشيطان، ما نستحضر بأن الشيطان داخل في كل شيء؛ نغفل إلا من يكون داخلًا في هذه الآيات، إلا من يكون دائمًا يصنع مثل ما صنع الصحابة. هنا انظروا الآن، معركة مع الكفار والكفار متسلطون، والله سبحانه يذكرهم بأساليب الشيطان، انتبهوا الآن يقع في نفوسكم أشياء، لذلك جاء بعد هذه الآيات مباشرة الحديث عن ﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ [الإسراء: 73]، انتبه، لا تستجب لهم.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: 65]. هنيئًا لهؤلاء العباد هذا التشريف، لن تستطيع على هؤلاء، لن تستطيع أن تغوي هؤلاء، لن تستطيع أن تغر هؤلاء؛ لماذا؟ لأن هؤلاء عباد الله سبحانه وتعالى، هؤلاء اختارهم الله، اصطفاهم الله سبحانه وتعالى، يحميهم الله سبحانه وتعالى من الشيطان ومن شركه ومن سهامه وأساليبه؛ لماذا؟ عباد محميون، فليس للشيطان سبيل عليهم. هذا هو الطريق، إنها جاءت من الشيطان فقط؛ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ليس بقوتك، إنما بالاستعاذة بالله سبحانه وتعالى. يقول ابن كثير: لما كان الشيطان يرى الإنسان من حيث لا يراه، استعاذ منه بالذي يراه ولا يراه. ما يستطيع الشيطان، كلما صنع مكيدة يبطلها الله سبحانه وتعالى؛ يرى الشيطان الآن بأنه سيسقطه ثم تأتي حماية الله سبحانه وتعالى وتنفي أثر الشيطان؛ لماذا؟ الله حمى قلب هذا الإنسان، وهذا العبد محمي.
يقول الشافعي: لولاك لم يصمد لإبليس عابد، كيف وقد أغوى صفيك آدما. لولاك يا ربي، هذا الشافعي صاحب العقل الكبير، لكن هنا العقل ما ينفع، العقل لوحده ما يستطيع على الشيطان، ولا بقوة الإنسان الذاتية، إنما بالإيمان فقط، بالصلاة، بالذكر؛ والشيطان يريد أن يفكك المؤمن من أسلحته، يمنع من الذكر، يمنع من الصلاة، يضعفه، والشيطان يدرس الإنسان ويضع خطته بناءً على قوة إيمان الإنسان؛ فالإنسان لما يكون صاحب إيمان قوي يضع خطة أربع سنوات، خمس سنوات، لذلك الله قال: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: 168]. الشيطان يدرس الإنسان وينظر إلى موطن ضعفه ثم يحاول يستدرجه إلى هذا الموطن، ثم بعد ذلك يسقطه تدريجيًا؛ فأول شيء هذا الإنسان يترك المستحبات، ثم يترك بعد ذلك السنن الرواتب المتأكدة، ثم بعد ذلك يضعف في الفرائض، ثم حتى في النهاية يسقطه.
اجعل معركتك مع الشيطان بعيدة، لا تجعلها قريبة، اجعل معركتك مع الشيطان في الأمور البعيدة؛ ليس بالصلوات الخمس، ليس بسنن الرواتب، ليس في الوتر، ليس في بر الوالدين، ليس بالعبادات هذه الكبيرة، إنما اجعلها مع النوافل البعيدة، النوافل المطلقة، هكذا تبعد الشيطان فيكون بين الشيطان وبين قلبك خمسون حصنًا، معركته معك ستكون بالحصن رقم خمسين وتقاتل على الحصن خمسين، ما تستسلم بخلاف ما لو كان الشيطان ليس بيني وبينك إلا حصن واحد فقط، هنا يسيطر عليك. ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: 65]، هؤلاء الذين دخلوا في زمرة العباد ليس للشيطان عليهم سلطان، ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: 65]، أي عاصمًا وحافظًا من كيد الشيطان وشركه ووسائله ومداخله، الله هو الذي يحمي، الله سبحانه وتعالى هو الذي ينصر، هو الذي يؤيد.
الله سبحانه هو الذي حمى يوسف عليه السلام من المعصية، ﴿كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: 24]، هذا عبد محمي، هذا عبد مصطفى، هذا عبد ما يترك الله سبحانه وتعالى. ويقال بأن الشيطان عرض لعيسى عليه السلام فقال: أنت عيسى الذي تبرئ الأكمه والأبرص وتحيي الموتى؟ فكان عيسى يرد عليه ويقول: الذي يحيي الموتى الله، الذي يبرئ الأكمه والأبرص هو الله؛ حتى نزل جبريل عليه السلام وضرب الشيطان سكة فعلم بأنه لن يستطيع على عيسى عليه السلام. ولا الشيطان ما ييأس، يحاول أن يفعل، وإذا ما استطاع بالتحريش، إذا ما استطاع أن يأخذه من الكفر يبدأ يحرش؛ إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون، ولكن بالتحريش بينهم؛ فيبدأ يحرش.
﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: 65]، وحافظًا وناصرًا سبحانه وتعالى. هنا الخلل يكون عند الإنسان؛ حين يظن بأنه هو الذي يحمي نفسه، لكن لما يلجأ إلى الله ويستعين بالله ويستعيذ بالله سبحانه وتعالى ويدعو الله أن يحميه، ولما يقول أذكار يقولها بحضور قلب، يقولها مع استحضار؛ هذا هو الذي يُحمى بإذن الله. ثم قال الله: ﴿رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [الإسراء: 66]. ربكم أي خالقكم ورازقكم سبحانه وتعالى، الذي يزجي لكم أي يسير ويحرك لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله. الله سبحانه وتعالى له نعم عظيمة وكبيرة على الإنسان، فالله يمنّ عليكم بهذه الفلك التي من خلالها تحصلون أموالًا، من خلالها تنتقلون من بلاد إلى بلاد، هذه كلها منّة من الله سبحانه وتعالى وعطية من عطاء الله سبحانه وتعالى وكرم، ولكن الإنسان يغفل بالاعتياد، يغفل عن هذه النعم الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى لأنه يعتاد. هنا الله يذكر عباده بمنته وعطائه حتى يشكروه، ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [الإسراء: 66]، الله سبحانه رحيم بالعباد، منّ عليهم بهذه المنن وهذه النعم وهذه العطايا سبحانه وتعالى.
﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 67]. هنا الله يحرك نفوس هؤلاء فيقول لهم: الله هو الذي يعطيكم وهو الذي يرزقكم وهو الذي يمنّ عليكم وهو كذلك رحيم بكم سبحانه وتعالى بما أعطاكم وما منّ عليكم؛ لماذا تدعون غيره؟ لماذا تعبدون غيره؟ ثم أنتم لما تركبون في البحر وإذا مسكم ضر في البحر ضل غاب عنكم من تدعون إلا إياه، لا تدعون إلا هو سبحانه وتعالى. ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: 67]، الله يعطيك ثم ينجيك لما تدعوه، ثم لما يمنّ عليك بهذه الحياة وينجيك من هذا الكرب تكفر؛ جحود، هذا في إبراز لوصف الإنسان إلا من زكاه الله سبحانه وتعالى؛ وكان الإنسان كفورًا، قبل أن يأخذ شيئًا تجده لحوحًا يريده، لكن بعد ما يأخذ ينسى ويجحد. فإذا الإنسان جحد ربه سبحانه وتعالى وجحد عطاء الله سبحانه وتعالى، فكيف في تعامله مع البشر؟ لذلك جاء في الحديث: لا يشكر الله من لا يشكر الناس، لماذا؟ حتى ما تكون بك هذه الخصلة، وكان الإنسان كفورًا.
ثم قال الله: ﴿أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ [الإسراء: 68]، الآن تخويف وتحذير، هل تظنون بأن العقوبة فقط في البحر؟ من الذي يؤمنكم أن يخسف الله سبحانه وتعالى بكم الأرض؟ ﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: 68]، أو يرسل عليكم حاصبًا أي ريحًا بها حجارة من السماء، ثم لا تجدوا لكم وكيلًا، لا تجدوا من يحميكم ومن ينصركم ومن يدفع ويدافع عنكم. ثم قال الله: ﴿أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىٰ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: 69]، أنجاكم الله سبحانه وتعالى في المرة الأولى، لكن في المرة الثانية من الذي سينجيكم؟ ألا تخافون بأن الله سبحانه وتعالى يرسل عليكم قاصفًا من الريح، أي ريح تكسر السفن وتدمر هذه الفلك وتسقطكم فيغرقكم بما كفرتم أي بسبب كفركم وجحودكم، ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعًا، لا تجدون من ينتصر لكم، من ينتقم لكم، من يثأر لكم، لن تجدوا.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، هنا ثناء على هذا الجنس، كرمهم الله سبحانه وتعالى ومنّ عليهم بهذه الخلقة، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4]. منّ الله عليهم ببعث الرسل والأنبياء منهم، منّ الله سبحانه وتعالى عليهم بإنزال الكتب، منّ الله سبحانه وتعالى عليهم بالعقل؛ هذه النعمة التي أعطاها الله سبحانه وتعالى آدم وذريته، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، أعطاكم الله سبحانه وتعالى وكرمكم، ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: 6-8].
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70]، كرم الله هذا الجنس، هذا التكريم لا بد أن يقابل بالشكر، بالسجود له سبحانه وتعالى، بالخضوع، بالتذلل، بالعبادة، لكن الإنسان يغفل وينسى. انظر إلى الحيوانات، انظر إلى هذه الدواب، انظر الفارق الكبير بينك وبينهم؛ حملناهم في البر والبحر، أين الله سهل لهم طرق المعيشة في البر في الدواب والأنعام والآن في السيارات والطائرات، وكذلك في البحر في الفلك والسفن، ورزقناهم من الطيبات، منّ الله عليهم بهذه الأقوات، وفضلناهم فضل الله سبحانه وتعالى هذا الجنس على كثير ممن خلقنا تفضيلًا.
ثم قال الله: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: 71]، أي يوم القيامة ندعو كل أناس بإمامهم، قيل بنبيهم، وقيل بكتابهم، وقيل بمن كانوا يقتدون به بالدنيا، من الذي كانوا يستمعون إليه، من هو المقدم عندهم، من هو الرئيس الذي كانوا يتبعونه؟ يدعى هذا وهم خلفه. وقيل بكتاب أعمالهم، كل إنسان يدعى بكتاب عمله، ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإسراء: 71]، أي هذا الذي سيأخذ صحيفته بيمينه، ويكون من المقربين أو من الأبرار، أو كذلك من الظالم نفسه لكن يكون من أهل الإيمان، وإن كان سيدخل النار ابتداء أو حتى بعضهم يقول: حتى لو كان سيدخل يأخذ كتابه بيمينه بعد ما يخرج من النار؛ ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [الإسراء: 71]، فاولئك يقرؤون كتابهم وهم فرحين مسرورين، نسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون وإياكم منهم يا رب العالمين، ولا يظلمون فتيلًا، لا يظلمون هذا الخيط الذي يكون في شق النواة، نواة التمر، هذا الخيط الذي يكون بداخلها؛ لا ينقص من أعمالهم شيء مثل هذا، إنما يعطون أجرهم وافيًا كاملًا. الإنسان لما يعيش مع هذه الآيات لا يفرط، لا يفرط بالتسبيحة، بالتكبيرة، بالتحميدة، بالصدقة لو كانت يسيرة، لا تترك شيئًا من المعروف؛ تصدقت أمي عائشة بعنبة ثم قالت: كم فيها من مثقال ذرة؟ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7]. انظروا إلى الاستحضار هنا، الله يقول: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [الإسراء: 71].
ثم قال الله: ﴿وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 72]، فكان أعمى هنا عن آيات القرآن وعن حجج الله سبحانه وتعالى، عن اتباع النبي عليه الصلاه والسلام، فهو في الآخرة أعمى كذلك وأضل سبيلاً. ثم قال الله: ﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 73-74]. نتكلم عن هذا المشهد الجديد الخطير المخيف الذي يمر على الدعاة كثيرًا في المجلس القادم بإذن الله. هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري