دخولتسجيل الدخول

سورة الإسراء 14 | تأملات في آيات

أحمد بن خالد الهاجريالشيخ أحمد بن خالد الهاجري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاي وخطاكم. نكمل مدارسة سورة الإسراء، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85].

سأل جماعة من الكفار النبي عليه الصلاة والسلام عن الروح: ما هي الروح؟ وما حقيقة هذه الروح؟ فكانت الإجابة القرآنية: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. أي أن الروح سر من أسرار الله سبحانه وتعالى في الوجود، لا يستطيع الإنسان بعقله الضعيف أن يستوعب حقيقة هذه الروح. والإنسان من حيث الإنسان، عقله مركب من معلومات أولية، هذه المعلومات الأولية من خلالها يفهم العلم المركب؛ فإذا لم تكن المعلومات التي توصل إلى فهم العلم المركب موجودة عنده، لا يستطيع أن يفهم العلم المركب. ومهما كان الإنسان عظيم العقل، واسع الإدراك، وكثير المعلومات، يبقى لعلمه حد، ولعقله حد.

فالإنسان يستوعب المعاني من خلال أحد أمرين: إما أن يكون عقله واسعاً فيستطيع أن يستوعب ما لا يستوعب صاحب العقل العادي، أو أن يكون الإنسان عنده معلومات يستطيع من خلالها أن يصل إلى الحقيقة. وسواء كان الإنسان هذا أو هذا، هو في كلا الحالتين محدود، أي في كلا الحالتين له حد. فعقل الإنسان -حتى لو كان قوياً- له حد. ونضرب مثالاً نقرب الصورة حتى يتضح الأمر: عقل الإنسان مثاله مثال الآلة، هذه الآلة حتى لو كانت قوية، إذا لم تكن المعلومات موجودة فيها لا تستطيع هذه الآلة أن تشكل لك النتيجة التي تريدها. فالمعلومات عبارة عن معطيات، والنتيجة هي البرهان. الآلة لما تكون قوية، إذا كانت المعلومات متوفرة والمعطيات موجودة، ممكن تصل من خلالها إلى البرهان، لكن إذا لم تكن المعلومات موجودة والمعطيات لم تكن موجودة، لا تستطيع أن تصل إلى البرهان.

الآلة موجودة والمعلومات موجودة، أو المعلومات ليست موجودة ولا يمكن أن تتحمل هذه الآلة هذه المعطيات. فلما تأتي مثلاً عند آلة شاحنة، تريد أن تحمل من خلالها الرمل أو تحمل من خلالها الحجر، هل تستطيع هذه الشاحنة أن تحمل جميع الأحجار الموجودة؟ لا يمكن. هل تستطيع من خلالها أن تعد هذه الأحجار؟ لا يمكن؛ لماذا؟ لأن هذه الشاحنة ما تتحمل. كذلك عقل الإنسان، فإذا أتينا عند أذكى الناس وأقوى الناس عقلاً، في النهاية هذا العقل له حد. مثال العقل حاس من الحواس مثل البصر؛ لما يأتي عند الإنسان بصره قوي، هل ممكن يصل بصره إلى أن ينظر إلى بعد ألف كيلو؟ مستحيل، حتى لو كان أحد الناس بصراً لا يستطيع، يبقى لهذا البصر حد.

فلما نأتي عند شخص بصره ضعيف لا يكاد يرى إلا إلى المتر أو المترين، وشخص آخر بصره حاد، هذا الذي بصره حاد له حد كما أن هذا الضعيف لا يرى إلا إلى متر أو مترين. هنا الحسبة كلها بشرية؛ لما نقول بأن هذا بصير مقارنة بهذا الإنسان العادي الذي يرى إلى ثلاثة كيلو أو أربعة كيلو، هذا ممكن يرى أكثر من عشرة كيلو، لكن في النهاية يبقى له حد. كذلك قوة الإنسان البدنية؛ الإنسان عنده قوة، لو كان أقوى إنسان في العالم، هل يستطيع أن يحمل منزلاً؟ لا يستطيع. هل يستطيع أن يحمل عشرة آلاف كيلو؟ لا يستطيع، ولو كان أقوى إنسان؛ لماذا؟ لأن هذا داخل دائرة الإنسان. فلما نقول بأنه قوي مقارنة بالإنسان العادي أو بالإنسان الضعيف، وليس مقارنة بملائكة مثلاً، ولا هو بالنسبة للملائكة شيء.

وهكذا، القصد من ذلك أن عقل الإنسان محدود، وهذا الإنسان مشكلته أنه يطغى وينسى أنه ضعيف، ينسى بأنه مخلوق ضعيف، وأن عقله هذا تشكل من خلال نفس معيشته اليومية. فهو يعيش كل يوم، وكل يوم يكتسب شيئاً من المعرفة اليسيرة، فخلال عشر أو عشرين سنة شكل بعض المعاني، فاستوعب بعضاً مما استوعب من مظاهر هذا الكون. هذا الإنسان إذا ما فهم هذه الحقيقة، أنه في البداية خرج من بطن أمه لا يعرف شيئاً، الله يقول: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: 78]. ثم الله أعطى الإنسان السمع والبصر والأفئدة حتى يستطيع من خلالها أن يحصل المعرفة، لكن هذه المعرفة تبقى محدودة، لا تخرج عن دائرة الإنسان.

ثم في النهاية هذا الإنسان إذا كبر ولم يحمِ الله سبحانه وتعالى له عقله، ومن نعمره ننكسه في الخلق، يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئاً، فيرجع الإنسان ويصبح جاهلاً كما كان. فالإنسان يعيش فوق الأرض مدة محدودة، ويستقي من خلالها بعض المعارف من خلال الأدوات الموجودة عنده، فيصل إلى حد معين لا يستطيع أن يتجاوزه مهما فعل. ومن ضمن هذه المعاني التي أعجز الله سبحانه وتعالى البشر عن فهمها، الروح. ما المراد بالروح؟ ما هي الروح؟ ما حقيقة هذه الروح؟ الروح سر من أسرار الله سبحانه وتعالى في الوجود. كيف الإنسان لما ينام تنفصل منه الروح؟ كيف الإنسان لما ينام يدخل إلى عالم آخر، ينتقل إلى عالم آخر؟ كيف لما ينام تنتقل روحه وينظر إلى أناس موتى أو أناس أحياء لكن بعيدين عنه؟ كيف ينظر هذا وهذا وهذا، وكيف نفس هذا الإنسان يرى أكثر من شخص في نفس اليوم في المنام؟ كيف هذا الأمر يكون؟ التقاء هذه الأرواح ما حقيقتها في المنام؟ لا تستطيع أن تفسره، كل ما يتعلق بالروح لا تستطيع أن تفسره. كيف الإنسان يميل قلبه، تميل روحه، كيف تمتزج روحه مع روح ابنه؟ هذا الميلان كيف يكون؟ كيف يقع عند الإنسان؟ ما يستطيع الإنسان يفسره، كل ما يتعلق بالروح يعجز الإنسان عن فهمه وتفسيره وتدبيره.

إخواني، يسألون النبي عليه الصلاة والسلام عن الروح: نريد أن نعرف حقيقة الروح؟ فكانت الإجابة القرآنية أن هذا العلم لن تستطيعوا أن تفهموه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. أمر خاص بالله سبحانه وتعالى، عقولكم ليست مهيأة لفهم هذا النوع من الأسئلة، لفهم هذا النوع من المعاني، العقل له حد لا يستطيع أن يستوعب شيئاً لا يدخل في دائرته. لا تغتروا يا معشر البشر بما عندكم من عقول، لا تغتروا كثيراً، أنتم العلم الموجود عندكم قليل مقارنة بعلم الله سبحانه وتعالى. لذلك قال موسى لما التقى بالخضر، قال الخضر لموسى: ما علمي وعلمك بالنسبة لعلم الله إلا كما أخذ هذا الطائر من البحر. علم الإنسان لا شيء مقارنة بعلم الرب سبحانه وتعالى.

ثم قال الله سبحانه وتعالى بعد ذلك: ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا * إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 86-87]. إن الله سبحانه وتعالى يمتن على نبيه الكريم بهذه الآية العظيمة جداً في القرآن الكريم، أن الله سبحانه وتعالى مَنَّ عليه وثبت هذا القرآن في صدره وصدر كذلك أتباعه، ولو شاء الله سبحانه وتعالى لذهب بهذا القرآن. الله يبرز عظمة هذه الآية: ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾، ثم لا تجد من يتوكل علينا باسترداده ورده إليك بعد ذهابه، هذا فيه كذلك إبراز تفرد الله سبحانه وتعالى في الحكم، وأن الله سبحانه وتعالى هو الحكم، هو الواحد سبحانه وتعالى، وهو القهار.

ثم قال الله: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾. فضل الله عظيم على النبي عليه الصلاة والسلام ببعثه بهذه الرسالة، واختياره من جميع بني آدم حتى يكون هو صاحب المقام المحمود، ﴿عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]، أن يكون هو الذي تنزل عليه هذه الآية العظيمة القرآن الكريم، أن يكون هو سيد ولد آدم، ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾. هذه الآيات تهيئة لما سيأتي الآن مما يقوله الكفار بالنبي عليه الصلاة والسلام. وهذا الأمر يعين الداعية كثيراً؛ الداعية لما يستحضر بأن الله اختاره، أن الله سبحانه وتعالى مَنَّ عليه بأن يكون في هذا المقام، أي مقام النبي عليه الصلاة والسلام، مقام الأنبياء، الداعية لما يستحضر هذا المعنى ما يتأثر كثيراً بما يقول الخصوم، حتى لما يتأثر ما يحمل هذا التأثر على التوقف؛ لماذا؟ لأنهم في النهاية الناس ثلاثة أقسام، إما أن تكون مع في طريق الأنبياء، أو تكون في طريق أعداء الأنبياء.

وهؤلاء ينقسمون إلى قسمين: إما تكون مثل أبي جهل، مثل عقبة بن أبي معيط إلى آخره، أو تكون من أتباع هؤلاء. أنت أي واحد من هؤلاء الثلاثة؟ هل أنت تابع لطريق الأنبياء، أو من أعداء الأنبياء؟ وإذا كنت من أعداء الأنبياء -الله لا نكون وإياكم منهم- هل ممن يعارض القرآن بهكذا بشدة وكبر وطغيان وعناد، أو ممن يستمع لهؤلاء ولا يبالي بهذه البركة كلها؟ هنا الله سبحانه وتعالى يذكر فضل هذا القسم: ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾. الداعية لما يعيش بأن الله اختاره أن يبلغ هذه الرسالة، وأن ينشر هذا الدين، لا يتأثر كثيراً بما يقوله المخالفون له.

ثم قال الله سبحانه وتعالى مبيناً عظمة هذه الآية الكبيرة، القرآن الكريم، التي ما قدرها أهل مكة حق قدرها، ولم يقدرها الناس حق قدرها: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88]. قل يا محمد، الآن انظروا، سؤالهم عن الروح أغلق الله سبحانه وتعالى أن هذا السؤال لا فائدة منه ولن تصلوا إلى إجابة عليه، وهذا سر من أسرار الله سبحانه وتعالى في الوجود. لكن كيف تكون أن هذه الآية العظيمة، هذا القرآن الكريم، أنتم أفصح الناس وهذا القرآن مركب من هذه الأحرف العربية التي تتكلمون أنتم بها؟ قل: ﴿لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾. قفوا مع هذه الآية، الآن تنزل عليكم هذه الآيات العظيمة، وأنتم تعرفون أن هذا الكلام ليس كلام البشر، وهذه الأحرف هي الأحرف التي تتكلمون أنتم بها، لماذا وأنتم أفصح الناس ما بمثل هذا الكلام؟ لماذا لا تعارضون هذا القرآن الكريم إذا كنتم تستطيعون؟ وكم تحدٍ في القرآن الكريم لهؤلاء الكفار؟ تحداهم الله بأن يأتوا بمثله، وتحداهم الله بأن يأتوا بعشر سور، وتحداهم الله بأن يأتوا بسورة، ومع ذلك لم يستطيعوا، عجز الكبار، ثم أخذوا يطلبون طلبات هكذا بعيدة أي البعد عن مقصود الرسول، عن القصد من الرسالة.

لو اجتمع الإنس مع الجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لن يستطيعوا. ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: 89]. نوعنا للناس طرق الترغيب والترهيب، بينا لهم، أقمنا عليهم الحجج العقلية، وكذلك وضحنا لهم السبل، وبينا لهم طريق، وبينا لهم حقيقة ما جاء به هذا الرسول، حتى لم ندع لهم إلا الشبهات النفسية فقط. المشكلة الآن الكبر، الحسد، الطغيان، فقط هذه المشكلة، وهذه لا حل لها، هذه لا حل لها إلا التخويف. لما يقام على الشخص الحجة العقلية ثم هو لا يريد أن يستجيب بسبب ماذا؟ مرض النفس، مريض نفسه، ﴿أَن وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾، ما لنا علاقة بآبائكم، لو كانوا آباؤكم، ولو كان آباؤهم في ضلال مبين، يعني هذه أي حجة هذه؟ هذه أي حجة عقلية أن يكون أبي كذا؟ ما له علاقة بأبيك، قد يكون أباك من الضلال، أباك من الضلال وين المشكلة؟

هذه الحجج النفسية هي ليست حججاً حقيقية، لذلك القرآن الكريم يقابل الحجج النفسية بالتخويف والتهديد، لأن هذه ليست حجة حقيقية، لأن هذا لا يريد، خلاص هذا لا يريد أن يقتنع، هذا لا يريد أن يفهم. فالقرآن الكريم يعري الحجج ويجيب على الإشكالات الموجودة عندهم، لكن لما يأتي الأمر عند الشبهة النفسية أو عند الشهوة النفسية والتعصب إلى آخره، يكون الجواب بالتهديد والتخويف والمصادمة الصريحة لكسر النفس، لكسر النفس. القرآن هنا لا يداري، هنا القرآن لما يكون الاعتراض نفسي، القرآن الكريم لا يبالي به وهذا لا قيمة له يوم القيامة.

وانظر الآن، هذه الآيات نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام وهو في مكة، أو هذه السورة نزلت على النبي عليه الصلاة والسلام في مكة؟ نعم. هذه الآيات بعض العلماء يقول إنها نزلت في المدينة، والبعض يقول إنها نزلت في مكة. القصد من ذلك أن الذين ماتوا في مكة قبل أن تفتح مكة، هؤلاء لو قدر لهم أن يعيشوا بعد فتح مكة ما الذي سيحدث؟ عادة أو غالباً سيسلمون مثل من أسلم، سيسلمون مثل من أسلم. يعني أكثر العرب وأهل مكة أسلموا متى؟ بعد ما فتحت مكة. طيب قبل فتح مكة ما أسلموا، طيب ما الفارق الآن؟ القرآن هو القرآن، والرسول هو الرسول، ما الذي تغير؟ تغير ميزان القوة، يعني تغيرت أساليب التأثير أو طرق التأثير، كنا مستضعفين وأصبحنا أقوياء. هذا القسم من الناس الذي يهتدي بعد ما نصبح أقوياء، وينتكس ويرتد ويترك الدين، أو لا يدخل في الدين ابتداءً لما نكون ضعفاء، هذا ليست له حجة يوم القيامة. هذا ليس مثل الذي لم يبعث له رسول، هؤلاء يأتون يوم القيامة يقولون يا ربي ما بعث لنا رسول.

قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]. هؤلاء يكونون من أصحاب الفترة مثلما قرأنا عنهم في مطلع السورة. لكن الذين بُعث فيهم رسول، ولكن من قاضوا دعوة الرسول بسبب وجود الكبراء، لا قيمة لهذه الحجة يوم القيامة، لذلك هؤلاء ينقلبون على كبرائهم ويدعون الله سبحانه وتعالى بأن يعذبهم ضعفين من العذاب.

درس هؤلاء عندما يُكسر الكبراء ويُقتلون كما قُتلوا هنا في بدر، ثم تُفتح مكة، هؤلاء أنفسهم مسلمون. تشعر لماذا لم يمت فلان وفلان من هؤلاء الكبراء؟ ثم أسلم. هذه ليست حجة، هذه لا تقبل يوم القيامة، هذه مشكلة نفسية ليست عقلية. هذا الإنسان لم تشتبه عليه الآية حتى يقول بأن هل هي ممكن تكون آية صحيحة أو غير صحيحة، لكن المشكلة هنا أنه يقول: أنا مع وطني، أنا مع قبيلتي، أنا مع أبي. هذه مشكلته، هذه المشكلة النفسية مع والدك، مع وطنك، مع قبيلتك في الباطل، هذا فعل أهل الجاهلية، هذا لا يقبل يوم القيامة ولن ينفعك. كل تعصب لغير الإسلام لن ينفعك يوم القيامة.

القرآن يجيب على الحجج العقلية، القرآن يجيب على جميع الشبهات العقلية ولا يترك شبهة عقلية علمية إلا ويجيب عليها القرآن الكريم بأوضح أسلوب، ولكن لما يأتي الأمر عند الحديث النفسي يكون جواب القرآن الكريم صادمًا، يكون جواب القرآن كاسرًا للنفس مباشرًا. لماذا؟ لأن هذه نفس ليست عقلاً، والنفس ما تخاطب مثلما يخاطب العقل.

أضرب لكم مثالًا تقريبيًا حتى نفهم عظمة هذا الكتاب العظيم في إجابته على مثل هذه الأسئلة. الآن لما يكون شخص يشرب الخمر، تقول له: لماذا تشرب الخمر؟ يقول: أنا اعتدت عليه. إذاً هنا الآن مشكلة نفسية ولا عقلية؟ نفسية. لما تأتي وتقول له بأن الخمر مضر، يقول لك: نعم، أعلم بأنه مضر، ولن أسمح لابني بأن يشرب الخمر، وهو نفسه لما يعلم بأن ابنه يشرب الخمر أو يشرب دخانًا إلى آخره ممكن يقيم الدنيا عليه ولا يقعدها، طيب لماذا أن تفعله ما يفعل؟ يقول: أنا مبتلى. إذاً هنا مشكلة نفسية، هذا الإنسان عنده مشكلة نفسية، لكن عقليًا يقول لك: لا هو مضر وليس بمفيد. فهذا الإنسان الكلام معه لن يكون عقليًا لأن خلاص انتهى.

ما الحل؟ الحل أن تقوي الآن الجانب النفسي، تخاطبها في الجنة وفي النار، تحذر يوم القيامة. عندنا في الدين كذلك إقامة الحد، يعني لابد أن تخوف هذا الإنسان. لماذا إقامة الحد؟ لأن في إقامة الحد أمرين: الأول أن الإنسان يخاف على سمعته، هذا الخوف نفسي، وهذا الخوف النفسي يدافع الإدمان، فهو يكون بين خيارين؛ بين خيار أن يعطي النفس شهوتها، وبين خيار أن يحمي نفسه من أن يتكلم الناس بعرضه، فيخاف على أبنائه، يخاف على أهله، يخاف على عشيرته، فما يفعل هذا الشيء.

الأمر الثاني أن في ألمًا شدة، وهذه كذلك نفسية. هذا الألم الذي يصيب الإنسان يجعله يراجع نفسه. فهنا ما في حل إلا هذا، يعني لما نقيم عليك الحجة ونبينها وأنت لا تريد أن تستجيب، إذاً هنا لابد أن نخاطب النفس خطابًا مختلفًا عن طريقة خطاب العقل، فالعقل له طريقة في الخطاب بخلاف النفس.

فهؤلاء الله يقيم عليهم الحجج ويصرف لهم الآيات، ينوع الآيات ويضرب الأمثلة العقلية الكثيرة، ويبين بأنه رسول مبعوث من قبل الله، ويبين: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّسْتَكْبِرِينَ * وَتَأْخُذُونَ لَاحِدَهُم بِالْجُنُوبِ﴾، هذه الروح ما تعرفونها ولا تستطيعوا أن تفهموا هذه الروح، ثم كذلك الله ينزل لكم هذا الكتاب العظيم الذي أنتم تعرفون أنه لا يخرج من بشر، ثم يتحدث هذا القرآن الكريم بهذه الطريقة الواضحة والبينة، ومع ذلك لا يستجيبون: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ جحودًا طغيانًا.

ثم انظروا الآن إلى الطلبات التي طلبوها من النبي عليه الصلاة والسلام، وتعجبوا من طلب هؤلاء الغريب. الآن الله يقيم عليهم حجج الروح وكذلك في هذا القرآن العظيم، ثم هؤلاء ماذا يقولون: ﴿وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا﴾. يريدون أن تفجر لنا في الأرض ينبوعًا، يعني نريد الآن أن تشق أرض مكة حتى تكون عينًا غزيرة لا ينقطع فيها الماء، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر أنهارًا خلالها تفجيرًا، أي تجعل الأنهار تتفجر فيها وتسير داخل هذا البستان.

ثم قالوا: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾، يعني تجعل هذه السماء قطعًا وتسقط قطعة قطعة، أو ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾، نريد أن يأتينا الله سبحانه وتعالى والملائكة. هذا الطلب الرابع. ثم طلبوا: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ﴾، هذا الخامس، يريدون أن يكون للنبي عليه الصلاة والسلام بيت من ذهب، هكذا قصر مشيد من ذهب، ما يكون من حجر ولا من طير مثل بيوتهم، إنما يكون بيتًا وقصرًا كبيرًا عظيمًا مشيدًا من ذهب. ثم قالوا: ﴿أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ﴾، تصعد في السماء نراك الآن تصعد في السماء، ثم قالوا: ﴿وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ﴾، يعني أريد منك أن تصعد في السماء، ليس فقط تصعد وتنزل، لا، مع صعودك تأتينا بكتاب من السماء نقرأ هذا الكتاب.

ما كان رد النبي عليه الصلاة والسلام؟ قل يا محمد سبحان ربي، هل كنت إلا بشرًا رسولًا؟ أنتم تطلبون طلبات أنا ما أملكها، أنا بشر، دوري هو دعوتي أن أبلغكم، أنا لست إلهًا، أنا دوري أن أقول لكم الله يقول كذا وكذا، تصدقون تدخلون الجنة، لا تصدقون جهنم لابد أن تملأ. لكن الإنسان يطغى، الإنسان عجيب هذا المخلوق، هو يعلم بأنه سيموت وهو يحتاج، ومع ذلك يسأل أسئلة مثل هذه. إذاً لن نؤمن، لا تؤمن خلاص، ادخل جهنم، جهنم تنتظرك. إذاً كل هذه الحجج التي أقامها الله سبحانه وتعالى العقلية الواضحة البينة لم تؤمن بها، ثم تريد أن تشترط على الله سبحانه وتعالى، تعطى هذه الشروط، لكن إذا ما آمنت بعدها تتحمل نزول العقوبة. لذلك النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في بعض الآثار بأنه خير بـ

أن يجيبهم لبعض ما أرادوا ولكن تحل عليهم العقوبة، أو لا يجيبهم وتستمر الدعوة، وأي قوم من أقوام الأنبياء أُجيبوا إلى هذه الآيات ولم يؤمنوا بها مباشرة حلت عليهم العقوبة: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: 59].

فالقصد من ذلك أن الله سبحانه وتعالى لم يجب هؤلاء الكفار إلى ما أرادوا، وأمر نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام بأن يبين لهم بأنه رسول مبعوث من قبل الله، وأنه بشر، وليس بإله حتى يطلبوا منه هذه الطلبات. وهنا فائدة عظيمة كذلك وهي أن القرآن الكريم لا يجيب الناس إلى الذي يريدونه، لذلك يخطئ كثير ممن يتعامل مع القرآن الكريم على أنه كتاب علمي، وأقصد بعلمي أي التعامل معه كما يتم التعامل مع كتب الفيزياء مثلاً أو كتب الرياضيات أو علم الكيمياء إلى آخره، هو ليس بهذه الطريقة، هو لم ينزل أصلاً من أجل هذا، إنما هو نزل حتى يهدي الناس إلى الطريق الذي يوصل إلى الله سبحانه وتعالى. ليس هو لم ينزل حتى يخاطب البشر الخطاب الذي هم يريدونه، إنما هو نزل وخاطب البشر الخطاب الذي يريد خالق البشر، وليس الذي يريد البشر. الله يقيم الحجة في القرآن الكريم بأن هذا كلامه سبحانه وتعالى، ثم بعد ما تفهم بأن هذا كلام الله وتقتنع وتعتقد بأن هذا كلام الله الآن اسمع ما الذي يقوله الملك سبحانه وتعالى، اسمع الأوامر، انظر ما الذي يقوله، ما الذي يريده سبحانه وتعالى.

أما يأتي الإنسان ويطلب مثل ما ظهر خاصة في السنوات الأخيرة لما ظهر الإعجاز العلمي وتوسع الناس فيه توسعاً كبيراً، ليس معنى هذا أن القرآن لا توجد به إشارات، لكن معنى هذا أن لا يتم التعامل مع القرآن الكريم بهذه الطريقة، هذا ظلم وهذا خطأ كبير، أصلاً بسبب وجود الطفرة الكبيرة في العلم في هذا العصر أن نريد أن نكيف القرآن الكريم حتى نجعل مواكباً وموافقاً لما نعيشه. عجيب أن يتم التعامل مع كلام رب الناس سبحانه وتعالى بهذه الطريقة الغريبة التي يتوسع فيها أحياناً بعض الناس خطأ منهم، ليس معنى هذا أن لا توجد به إشارات، لكن معنى هذا أن لا يتم التعامل مع القرآن بهذه الصورة. القرآن أقام الآيات البينات الظاهرات على أنه كلام الله، ثم بعد ذلك ما الذي يريد الملك سبحانه وتعالى؟ اسمع الذي يريد الله سبحانه وتعالى، ولا تتعامل مع هذا الكلام تعاملاً تريد فيه أنت لماذا لا تريد أن تعرف الحقيقة؟ لكن الإنسان ينسى، هذه مشكلة الإنسان، لكن القرآن الكريم لما يخاطب البشر يخاطبهم من الله، يخاطبهم منطلق أنه هو الخالق، هو الملك سبحانه وتعالى.

لذلك كل هذه الأسئلة وهذه الاقتراحات التي اقترحها هؤلاء الكفار، الإجابة: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا﴾ [الإسراء: 93]. ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً. دعوا عنكم هذه الأسئلة التي لا تنفع وهذه اقتراحات كلها اقتراحات نفسية ليست حقيقية، أنتم ما تسألون هذه الأسئلة من أجل الهداية، إنكم تسألون هذه الأسئلة من أجل فقط التعنت والتكبر. قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً؟

ثم قال الله: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ إِلَّا أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا﴾ [الإسراء: 94]. الآن الله يذكر لنا شبهة أو يذكر لنا حقيقة عدم إيمان الناس، لماذا الكثير من الناس لم يؤمن بعد ما أتاهم الهدى العلم النافع؟ المشكلة أن كيف يكون البشر رسولاً؟ كيف هذا الإنسان مثلنا يكون رسولاً؟ ولماذا الرسول يكون من البشر؟ لماذا لا يكون من الملائكة؟ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشراً رسولاً؟ الآن هؤلاء من ضمن الإشكالات الكبيرة الموجودة عندهم، كيف يكون الرسول من البشر؟ لماذا لا يكون من الملائكة؟ كيف يكون إنسان مثلنا مبعوثاً من قبل السماء، مبعوثاً من قبل الله سبحانه وتعالى؟

طيب الآن هذا الاعتراض ما وجهه؟ يعني وين المشكلة أن يكون الرسول من البشر؟ هو رسول ليس إلهاً، أين المشكلة؟ ما توجد مشكلة، طيب لماذا هذا الاعتراض؟ لا يوجد سبب حقيقي ومنطقي لهذا الاعتراض، لكن هذا استشكال ذهني، هذا افتراض أو استشكال ذهني كيف يكون، طيب كيف هذه؟ أي محلها ما تجد الإجابة، ما في إجابة عند هؤلاء. والعجيب أن هؤلاء أنفسهم كانوا يتعبدون للأصنام، فكانوا يستنكرون أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام مبعوثاً من قبل الله وهم كانوا يخضعون للات والعزة ومناة وهبل، أمر عجيب؛ كانوا يتذللون ويخضعون للأصنام ويستنكرون ويستبشعون ويتعجبون أن يكون النبي والرسول بشراً.

والتعجبات الاستنكارية هكذا، الاستفهامات الاستنكارية التعجبية من الكفار في مكة ثلاثة: الأول متعلق بالتوحيد: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا﴾ [ص: 5]، يعني كيف يكون إله واحد فقط؟ هم اعتادوا على الأصنام الكثيرة. الثاني: إذا كنا عظاماً نخرة يوم القيامة أنا لمردودون في الحافرة؟ إذا كنا عظاماً نخرة، وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم، البعث، قضية البعث هذه يستنكرونها. الثالث هنا، استنكار أن يكون الرسول من البشر وهم يؤمنون بأن الإله يكون من الحجر. ﴿قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا﴾ [الإسراء: 95]. الله يبين لهم قانون هذا الكون ونواميس هذا الكون، لو كنتم ملائكة لكان الرسول من ملائكة، لكن أنتم بشر، فالرسول طبيعي أن يكون من البشر. كيف ستقتدون به؟ كيف ستستجيبون له؟ لو كان ملكاً كيف ستطبقون الرسالة؟ كيف ستطبقونها؟ وكل ما يقول لكم شيئاً ستقولون لا هو ملك، هو مختلف عن جنسنا، لكن هو لما يكون بشراً ويعرض عليه ما يعرض للبشر، ينام ويتزوج ويمشي في الأسواق ويفعل ما يفعل البشر، يفعل ما يفعل البشر، هنا يستطيع الإنسان أن يقتدي، هنا يستطيع الإنسان أن يمتثل. لكن إذا أراد الإنسان أن يكون الرسول من الملائكة، إذاً كيف ستقتدي به؟ كيف ستستجيب له؟ كيف ستمتثل الذي يقوله؟ ﴿قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا﴾، يقول يا محمد لهؤلاء الكفار لو كان أهل الأرض ملائكة يمشون على الأقدام كما الناس لأنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً، إذاً كان الرسول من ملائكة، ولكن أهل الأرض بشر فسيكون الرسول بشراً.

ثم قال الله: ﴿قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: 96]. الآن إجابة تخويفية، وهذه عادة القرآن الكريم في الإجابة على الشبهات النفسية، الإجابة على هكذا الاعتراضات المبنية على الكبر على الطغيان ليست اعتراضات حقيقية. قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم أنه كان بعباده خبيراً بصيراً. قل يا محمد لهؤلاء كفى بالله شاهداً على صدقي فيما جئتكم به، وأنتم تعرفون من هو الله، وأنتم إذا ركبتم في البحر لم تدعوا إلا هو سبحانه وتعالى، والإنسان يعلم من خلق السماوات والأرض، ليقول الله سبحانه وتعالى يعلم. قل كفى بالله سبحانه وتعالى شهيداً بيني وبينكم أنه كان بعباده خبيراً بصيراً، كل الذي تقولونه وتفعلونه بالظاهر والذي تضمرونه بالباطن الله سبحانه وتعالى مطلع عليه ويعرف. انتبهوا أن تغركم أنفسكم، انتبهوا أن يغركم هذا الاجتماع الظاهري، أنك هكذا تريد أن تحافظ على مكانتك الاجتماعية، تريد أن تقف مع السلطة الموجودة الآن مع القوة الموجودة، تريد أن تظهر بأنك موجود في المجتمع إلى آخره، هذا لن ينفعك يوم القيامة. الله سبحانه وتعالى مطلع على كل ما تفعله وتقوله وكذلك على ما تضمره، آية مخيفة والله مرعبة لكل من يعادي الدين ولكل من يرفض أحكام الله سبحانه وتعالى، لكل من يقف مع أصحاب السلطة والقوة في كل مكان لما لا يكون من أهل الخير والصلاح. أياً كانت هذه السلطة، سواء تكون سلطة عبارة عن حكومة إلى آخره أو تكون عبارة عن عشيرة أو تكون عبارة عن مجموعة هكذا في القرية أو في المدينة إلى آخره، لن ينفعك هؤلاء، ﴿قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾.

ثم قال الله: ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِهِ ۖ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ۖ مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا * ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: 97-98]. هذه الآن المشكلة الأخرى الموجودة عندهم، إنكار البعث، ويأتينا إن شاء الله تعالى الحديث عنها في الدرس القادم، هذا والله أعلى وأعلم وصلى الله وسلم على نبينا.