الحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، على نبينا وقائدنا محمد بن عبد الله، وآله وصحبه ومن ولاه، ثم أما بعد؛ فحياكم الله إخواني جميعاً وبياكم، وسدد على طريق الخير خطاي خطاكم. مدارسة سورة الإسراء، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: 97].
الله سبحانه وتعالى يذكر هنا بعد ما اعترض هؤلاء الكفار وأتوا بهذه الاقتراحات العجيبة، وهذه الطلبات التي ليس القصد منها الإيمان، إنما القصد منها فقط التعجيز، وذكر هذه الاعتراضات من غير أن يكون القصد منها الامتثال والتطبيق لو وقعت. الله هنا يقول: ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾، الآن الخطاب يوجه للنبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك للصحابة رضي الله عنهم، وكذلك لهؤلاء الكفار؛ اعلموا بأن الهداية بيد الله سبحانه وتعالى؛ أي لا تبالغوا في صرف هذه المعاني إلى الناس، فالذي يملك الإنسان من هذا هو الشيء اليسير، أما الذي يملك القلوب هو فقط الله سبحانه وتعالى. ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾، الذي يهديه الله سبحانه وتعالى يمنّ عليه، والله أعلم من يستحق الهداية. لذلك العبد يوكل أمره لله سبحانه وتعالى ويفعل الأسباب التي جاءت الشريعة الإسلامية بها، ولا يبالغ في ذلك؛ لأن القلوب ليست بيد البشر إنما هي بيد الله سبحانه وتعالى، ولكن العبد يجب عليه أن يبذل الذي يستطيع من غير أن ينصرف قلبه.
هنا النبي عليه الصلاة والسلام لما دعا هؤلاء الكفار طمع النبي عليه الصلاة والسلام بإسلامهم، وهم الذين طلبوا من النبي عليه الصلاة والسلام أن يأتيهم، فجاءهم النبي عليه الصلاة والسلام؛ وبالعادة كان النبي هو الذي يعرض نفسه عليهم، لكن الآن هم الذين طلبوا من النبي عليه الصلاة والسلام فذهب النبي عليه الصلاة والسلام وهو فرح؛ لعل هؤلاء الآن أتتهم صحوة إيمانية، صحوة عقلية، هم كل واحد منهم الآن يستجيب وينقاد. وجاءت الآن اللحظة بعد أكثر من عشر سنوات من الدعوة وبعث النبي عليه الصلاة والسلام، لعل الآن جاءت هذه اللحظة التي سيقتنع الكفار بها ويهتدي الكفار بها. فانطلق النبي عليه الصلاة والسلام إليهم وفرح، حتى طلبوا منه هذه الطلبات واقترحوا عليه هذه الاقتراحات العجيبة، فقال الله بعد ذلك: ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾؛ بيان للنبي عليه الصلاة والسلام بأن الهداية بيد الله سبحانه وتعالى، لا تدخل نفسك كثيراً إنما افعل الذي يريد الله سبحانه وتعالى فقط، والله سبحانه وتعالى أعلم من يستحق الهداية، حكمة بالغة ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾.
قال الله هنا: ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾، ثم قال الله: ﴿وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِهِ﴾. هؤلاء الذين لم يهتدوا لن يجدوا لهم أولياء، لن يجدوا لهم أنصاراً ينصرونهم من دون الله سبحانه وتعالى ويحمونهم من عذاب الله إذا حل بهم ونزل عليهم. ثم قال الله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ﴾، تخويف الآن لهؤلاء الكفار، ورد عليهم بهذه السورة الموافقة لهذا التعنت وهذا التكبر وهذا التجبر، قال: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾. الآن انظروا اعتراضات الكفار يرد عليها الله سبحانه وتعالى وليس النبي عليه الصلاة والسلام؛ لماذا؟ لأن الداعية مُبلغ، الداعية مُبلغ، لكن الذي يجيب على هذه الاعتراضات والذي يرد ويقمع الكفار هو الله سبحانه وتعالى، يخاطبهم من منطلق الملك، منطلق السلطان، منطلق الربوبية، منطلق الألوهية.
﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ﴾، أي هؤلاء الكفار سيحشرون يوم القيامة على الوجوه وليست الأقدام. ولما سُئل النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك: كيف يحشر الكافر يوم القيامة على وجهه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «الذي أمشاه على قدميه في الدنيا قادر على أن يحشره على وجهه في الآخرة». قال: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾، لماذا؟ لأنهم كانوا يتعاملون مع الحق بهذه الصورة، مع النبي بهذه الطريقة، مع هذه الآيات العظيمات بهذه الصورة، كأنهم لا يرونها ولا يسمعونها ولا يتكلمون بالخير، فسيحشرون يوم القيامة في أحد مشاهد القيامة عمياً وبكماً وصماً.
ثم فجأة يفاجأون بجهنم؛ ﴿مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾، مال هؤلاء الكفار -نسأل الله السلامة والعافية- جهنم، ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾؛ أي سكن لهب جهنم ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾. ذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً. تحرق جهنم -نسأل الله السلامة والعافية- الأجساد حتى تصل إلى القلوب، لأن نار جهنم تطلع على الأفئدة، فتصل إلى القلوب وتحرق القلب حتى يُقضى على هذا الإنسان، ثم يتم بعد ذلك إحياؤه مرة أخرى، وكذلك تنضجه مرة أخرى، ويتم تعذيبه مرة أخرى؛ كلما خبت بعد ما قضت عليهم زدناهم سعيراً، يزداد لهب جهنم ويعظم. إلى متى؟ إلى أبد الآباد. لماذا يا ربي هذا كله؟ ﴿ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا﴾؛ سبب هذا أنهم تعمدوا الكفر، هم الآن يكفرون بمن؟ بالله سبحانه وتعالى الذي أعطاهم والذي رزقهم والذي منّ عليهم والذي أكرمهم والذي أوجدهم في هذه الحياة، وأقام عليهم الحجج والبينات. يعني الله سبحانه وتعالى هنا بين لهم بأنه هو الله، وهذا الكلام كلام الله، وهذا النبي مبعوث من قبل الله، وكل ما يأتون باعتراض الله سبحانه وتعالى يكشفه ويبين لهم ذلك، ومع ذلك أصروا؛ مع من تصرون؟ مع من تكابرون؟ مع من تتعاملون بهذه الطريقة؟ مع الله جل جلاله وأنتم تعرفون من هو الله. إذاً هذا جزاء المتكبرين، هذا جزاء الطغاة، هذا جزاء الكفار؛ ﴿ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾.
الآن يأتي الرد العقلي المتكرر في القرآن الكريم؛ أولم يروا ما رأى هؤلاء الكفار بهذا الكون العظيم الفسيح؟ أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم، وجعل لهم أجلاً لا ريب فيه؛ ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾. ألم ينظر هؤلاء الكفار إلى خلق السماوات والأرضين؟ إلى خلق هذه المخلوقات الكبيرة؟ الذي خلق هذه المخلوقات والتي أنشأها والتي أبدعها وأحدثها غير قادر على إعادة خلق أيها الإنسان؟ وهو كذلك قد خلقك أول مرة، فليست الإعادة أصعب من هذا الخلق الكبير. ومن ثم الله قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27]. فالقصد من ذلك الله يرد عليهم يقول: انظروا، تفكروا؛ هذه العقول لا تجعلوها هكذا متحجرة، لا يحملكم الطغيان والكبر والحسد على إغلاق العقل. العقل حتى لو كان كبيراً إذا صاحبه نفسه كانت حاضرة ما يستفيد منه؛ يعني حتى لو كان إنسان ذكي ونفسه حاضرة حسود، لا يريد أن يسمع من فلان؛ لن يستجيب. أضرب لكم مثالاً يقرب لكم الصورة: الآن لما يكون شخص كبير في السن ويأتي شخص صغير وينصح، ويأتي شخص كبير وينصح أكبر منه، لماذا يقبل ممن هو أكبر منه ولا يقبل ممن هو أصغر منه؟
والنصيحة هي النصيحة والكلام هو الكلام، السبب حضور النفس. فهنا لأن هذا صغير ما يقبل منه، يشعر بأنفته، هذه الأنفة ما تنفعك، ما الحق المتعلق بالتوحيد هذه ما تنفع. لماذا من بني هاشم؟ لماذا ليس عتبة الذي نزل عليه الوحي؟ لماذا ما نزل على عروة بن مسعود؟ كيف؟ لماذا؟ ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124]. أنت الآن تقول لماذا لمن؟ لله سبحانه وتعالى، ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: 31-32]؛ أنتم الذين تختارون هذه الرحمة تكون لمن، والنبوة تكون لمن؟ ومن الله عجيب هذا الإنسان، لما يصل به الحال لما يصل به الطغيان إلى درجة أنه لماذا يا ربي تفعل كذا وما تفعل كذا؟ لماذا ما تعطي فلاناً ولا تعطي فلاناً؟ عجيب هذا الإنسان.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَّا رَيْبَ فِيهِ﴾، بعد ما أقام الحجة العقلية الواضحة والبينة رجع إلى التهديد النفسي، وجعل لهم أجلاً لا ريب فيه؛ لا شك فيه، سيموتون ثم سيبعثون ويحاسبون ويدخلون جهنم كما أخبر الله سبحانه وتعالى، ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾؛ أبى هؤلاء المجرمون هؤلاء الظالمون إلا الجحود، إلا الكفور، إلا النكران. ثم قال الله: ﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا﴾. كشف لهذا الإنسان، أنتم لو تملكون خزائن رحمة الله التي لا تنقضي ولا تنتهي لو تملكون هذه الخزائن ما أنفقتم؛ لماذا؟ لأن الإنسان قتور، لأن الإنسان بخيل منوع. ﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا﴾.
ثم انتقل الآن المشهد إلى أو قبل ذلك؛ هنا هذا القرآن يكشف طبع الإنسان، الإنسان قتور، الإنسان بخيل، الإنسان جحود، ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: 11]، الإنسان ضعيف، ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]، الإنسان كائن ليس قوياً، ليس قوياً هذا الإنسان إذا ما أخرج الله سبحانه وتعالى من هذه الدائرة بالإيمان يبقى بهذه الطريقة، ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 1-2]، وجنس الإنسان بالفطرة خسر، والإنسان مخلوق هين بالأصل، فهو ضعيف مخلوق من تراب من طين، فهذا الإنسان إذا ما أخرجه الله سبحانه وتعالى من هذه الدائرة يبقى في هذا الضعف، يبقى قتور، جحود، وينكر إلى آخره، قال: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا﴾. وكذلك ظلوم جهول، ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72].
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. الآن انتقال إلى الحديث عن قصة موسى عليه السلام وذكر مشهد من مشاهد هذه القصة، أن هؤلاء يطلبون مثل هذه الآيات أو مثل هذه المعجزات، الله يخبر بأن موسى عليه السلام أوتي مثل هذه الآيات، أُعطي العصا، وأُعطي اليد، وأُعطي الطوفان إلى آخره، الآيات التسع البينات، الآيات بينة ظاهرة، ماذا كان رد فرعون وقومه؟ طبعاً الآن خطاب لمن؟ للنبي عليه الصلاة والسلام والصحابة، حتى ما يقول المؤمن: يا ربي طيب لماذا ما نفعل لهم هذا؟ لماذا نفعل لهم هذا؟ أمر متكرر، والله سبحانه وتعالى يريد أن يربي أولياءه على التسليم، يعني ايش؟ يعني: الشيء الذي يريدونه سنفعله، نحن لا نفعل الذي يريدون؛ لأن الهداية لها طريق، الهداية أصلها عند الله سبحانه وتعالى، وسببها هو الذي ذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، أن تقيم عليهم الحجج التي جاءت في الدين. طيب هو ما اقتنع بهذه الحجج يريد حججاً أخرى؟ أقول لك هذه الحجج الأخرى لن تقنعه، تقول لي: لا هو يريد، أقول لك: نعم هو يريد، لكن الذي أنزل هذا القرآن الكريم يعرف الإنسان ويعرف أن هؤلاء لا يطلبون هذه الأسئلة من أجل هذا، وجميع أقوام الأنبياء إذا طلبوا مثل هذه الطلبات لم يؤمنوا. هذه تربية، هذه تربية لهذه الأمة العظيمة، أن الأمة ما تخرج؛ يأتيك شخص كافر مثلاً: لماذا القرآن ما فيه كذا؟ طيب أنت الآن متأثر بهذا القرآن، ما له علاقة بتأثرك. القرآن ليست له علاقة، القرآن يقيم عليك الحجة الواضحة البينة، أما الذي تريد أنت هذا بعينه هذا القرآن لا علاقة له.
ولا تشترط على الله سبحانه وتعالى بأن الحجة أو الآية أو المعجزة لا بد أن تكون بهذه الطريقة وإلا لن نؤمن، لماذا؟ يعني الحق لن تصل إليه إلا من خلال نفس الذي تريده. طيب الآن لما نأتي عند البشر كل إنسان سيكون عنده طلب معين، طيب القرآن الكريم هذا عبارة عن كتاب 6236 آية، كيف سنجيب كل شخص؟ كم سيكون حجم هذا الكتاب إذا كنا كل شخص نريد أن نعطيه آية موافقة لهواه؟ وعقول الناس تختلف، إذاً القرآن يأتي بالآيات الواضحة البينات التي تتفق عليها العقول، ثم تبقى النفس، نعم هنا النفس. القرآن الكريم يرد رداً مخيفاً، تحذيراً، فيقيم عليك الحجة العقلية، هذه الحجة العقلية التي أقام القرآن الكريم عندك دليل على نقدها؟ تستطيع أن تنقض القرآن الكريم؟ قلنا اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً. تستطيع تأتي بقرآن مثله؟ تستطيع أن تأتي بعشر سور، بسورة؟ هل تستطيع أن تثبت خطأً فيه؟ هذا القرآن يتحدث، هذا القرآن يتحدث هو بنفسه يتحدث. أما لا أنا أريد دليلاً أو آية معجزة مثل ما يقول الكفار هنا: أنك تصعد إلى السماء، أنه يكون لك بيت من زخرف إلى آخره، اوكي ايش هذه الطلبات؟
هذه الطلبات ما تنتهي عند البشر، في مكة ست اقتراحات، هذا لما نفتح كم اقتراح سيكون؟ وكل واحد سيطلب طلباً مبنياً على ماذا؟ القصد من ذلك أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾، موسى عليه السلام أوتي بالآيات البينات، تسع آيات بينات، ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾؛ أي فاسأل يا محمد بني إسرائيل عما جرى بين موسى وفرعون، فإنهم يعلمون ما وقع، وليس المقصود طبعاً هنا مسألة بني إسرائيل أن يستفيد العلم منهم، لا، لكن المقصود هنا أن يظهر هذا لعامه اليهود وعلمائهم صدق ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام. قال: ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَىٰ مَسْحُورًا﴾، ورد الآن تدعون على موسى؛ ايش سبب اتهام هذا؟ ردود الطغاة في كل عصر؛ لا توجد حجة بينة، فيكون اتهام: فلان إرهابي، فلان مسحور، فلان يعني يأتي باتهام لا علاقة له بما يقول الشخص، لكن فقط حتى يسقطه، فقط حتى.
قال: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: 102]. موسى هنا يرد بقوة على فرعون؛ يقول: بعدما أقمت عليكم الحجج وأنزلت وبينت لكم الطريق وأقمت عليكم الحجج المتتابعة والمتتالية، أنت علمت يا فرعون بأني مبعوث من قبل الله، وأن هذه الآيات ليست من قبل البشر، إنما الله سبحانه وتعالى هو الذي أنزلها. ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾، والله يقول: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14].
وإني لا أظنك يا فرعون مثبوراً، خلاص انتهى الأمر. في البداية قيل له: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا﴾ [طه: 44]، هذه بداية الدعوة، ونستمر بالدعوة ونقول قولا لينا، إلى متى؟ خلاص، الآن فرعون طغى وتجبر وأقيمت عليه الحجة بما لا مزيد عليها. إذاً هنا لما يقول له موسى: مثبوراً، أي هالكاً وقيل ملعوناً، فهو استخدامه للين في سياق الدعوة الأول، لكن لما يتمادى الشخص ويصر على الباطل هنا لا يتم استخدام اللين. تسمعون معشر قريش: والله لقد جئتكم بالذبح؛ في البداية ما كان هذا القول يقوله النبي ﷺ، لكن لما يصر الكافر وتقام الحجة، هنا يتغير الأسلوب في الدعوة، ليس دائماً يكون أسلوب اللين وإن كان الأصل هو اللين، لكن أحياناً ممكن نستخدم الشدة.
﴿فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا﴾ [الإسراء: 103]. أراد فرعون أن يخرج موسى ومن معه وأن يطردهم من مصر، فالله سبحانه وتعالى أنجى موسى وأنجى بني إسرائيل وأغرق فرعون وجنده. وهذه كذلك فيها إشارة للنبي ﷺ بأن هذه البلد التي هي مكة سترجع إليها فاتحاً، ودنت الآن لحظة الانتقال، اقتربت لحظة الانتقال من هؤلاء الكفار المجرمين، وسترجع بعد ذلك فاتحاً وسينصرك الله سبحانه وتعالى كما نصر موسى عليه السلام على فرعون، وسيريك الله سبحانه وتعالى هؤلاء الطغاة.
﴿وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ [الإسراء: 104]، أي مصر، ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء: 104]. فإذا جاء وعد يوم القيامة جئنا بكم جميعاً مجتمعين لفيفاً، المؤمن مع الكافر حتى يقضي الله سبحانه وتعالى بين الناس. هذا صراع في الدنيا بين أهل الحق وأهل الباطل، وسينتصر أهل الحق، ثم يوم القيامة يبعث أهل الحق مع أهل الباطل ويحاسبهم الله سبحانه وتعالى ويجازيهم جميعاً بأعمالهم.
لكن العبد لا يقف عند اللحظة التاريخية فقط، الآن الدولة الفلانية أو هكذا الطغاة متكبرين متجبرين مسيطرين، إلى متى؟ ليس إلى أبد إنما إلى أمد. ما هو هذا الأمد؟ أن يستقيم العباد والدعاة وطلاب العلم والمحبون للإسلام على أمر الله، حتى ترجعوا إلى دينكم، ثم لا بد أن تأتي اللحظة القدرية التي ينتقل فيها هذا الواقع وينقلب، ثم سيرث هؤلاء الصالحون أرض هؤلاء الفجار، ثم بعد ذلك سيرجعون جميعاً إلى الله سبحانه وتعالى ولا يبقى أحد، الكل سيموت كما ذكرنا قبل ذلك في تفسير هذه السورة، بأن هذه سنة، بأن هذه سنة أن الله يهلك جميع القرى ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الإسراء: 58]. الكل سيذهب، لكن سنة الصراع هذه موجودة، ثم الانتصار والتمكين لأهل الإيمان لأنهم صدقوا وصبروا ونصروا الله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك يموت الجميع ويبعثون إلى الله سبحانه وتعالى في يوم القيامة.
ثم انتقل بعد ذلك الحديث إلى الثناء على القرآن الكريم العظيم: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ [الإسراء: 105-106]. بإذن الله نختم هذه السورة في الدرس القادم، هذا والله أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري