الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله على نبينا قائدنا محمد بن عبد لله وآله وصحبه ومن والاه ثم أما بعد، فحياكم الله إخواني جميعاً وبيّاكم وسدد على طريق الخير خطاكم. نكمل مدارسة سورة الإسراء، وكنا قد توقفنا عند قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَرْنَاها تَدْمِيرًا * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: 16-17].
الله سبحانه وتعالى هنا يذكر ويقول بأنه إذا أراد أن يهلك قرية من القرى -وهذا فيه إشارة لأهل مكة-: أمرنا مترفيها، والمترفون هم الذين لا يبالون بالآخرة، هم الذين يتوسعون في الدنيا على حساب الآخرة. فالمترف هو الذي يعيش الحياة الدنيا ولا يؤمن بيوم القيامة أو لا يبالي بيوم القيامة. هنا الله سبحانه وتعالى يقول: وإذا أراد أن يهلك قرية، هنا الإرادة قد تكون.. هنا إرادة الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يهلك قرية من القرى: أمر مترفيها. هنا الأمر قد يكون قدرياً، وقد يكون الأمر شرعياً. فالله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يهلك هذه القرية، هذه البلدة، هذا المكان، هؤلاء الناس، أمرنا مترفيها، أمرنا مترفيها بالطاعة، فعصوا وفعلوا المعصية. هنا يستحق هؤلاء عقوبة الله سبحانه وتعالى، وهنا الأمر على هذا التفسير يكون الأمر شرعياً.
وعلى التفسير الآخر القدري: وإذا أراد أن نهلك قرية أمرنا مترفيها أمراً قدرياً، أي وقع عليهم قدر الله سبحانه وتعالى بأن يفعلوا الذنوب والمعاصي وتسهلت لهم الذنوب والمعاصي، قال: ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً. إذاً، هذه الآية تفid بأن الله سبحانه وتعالى يهلك الأمم بانتشار المعاصي وفشو الذنوب، والآيات في هذا كثيرة، والنصوص في هذا عديدة، والله سبحانه وتعالى توعد الناس بإنزال العقوبات وحلول المصائب لما يعصي الناس الله سبحانه وتعالى ويستمر هذا العصيان ويفشو وينتشر، حتى يقل الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر. هنا تحل عقوبة الله سبحانه وتعالى على من يعصي الله سبحانه وتعالى.
ولأسف، نحن في زمان أفشت فيه التحليلات المادية وضمرت فيه التحليلات القرآنية. القرآن الكريم يحكم على الوقائع حكماً مختلفاً عما يحكم عليه السياسيون، وما يحكم عليه علماء الاجتماع، وما يحكم عليه من ينظر إلى الظاهر ولا ينظر إلى عالم الغيب. الله سبحانه وتعالى يبين لنا هنا بأن السبب الرئيس في إنزال العقوبات على الأمم هو فشو الذنوب والمعاصي، والأحاديث في هذا كثيرة جداً. يقول النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث»، أي إذا انتشرت المعاصي وعمت، هنا يستحل هؤلاء عقوبة الله سبحانه وتعالى. ويقول كذلك النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم ينكروه أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده ثم يدعونه فلا يستجاب لهم». وكذلك يقول: «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله شراركم على خياركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم». وتعرفون كذلك حديث السفينة، وضرب بذلك النبي عليه الصلاة والسلام مثلاً بأن قوماً كانوا في الأعلى وقوماً كانوا في الأسفل، فالذين في الأسفل قالوا: لماذا نصعد إلى الأعلى ونؤذي إخواننا؟ فلو خرقنا في نصيبنا هذا خرقاً حتى نحصل الماء. النبي عليه الصلاة والسلام يقول لمن هو في الأعلى: إن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
فالآن هذا شخص يفعل المنكر، الثاني ماذا يفعل؟ هل ينكر عليه أو لا؟ إذا ما كان ينكر عليه ينتشر المنكر ثم ينتشر ثم بعد ذلك يعم هذا المنكر، فيستحق هؤلاء عقوبة الله سبحانه وتعالى عليهم. لذلك اليوم البلاءات الكبيرة الواقعة في المجتمعات من ضيق العيش والتعب إلى آخره وضيق الحياة، هذا كله سبب الذنوب والمعاصي الأصلي، ثم يأتي بعد ذلك بقية الأسباب، أما السبب الرئيسي هنا إذا أمر الله سبحانه وتعالى الناس بالطاعة ثم هم فعلوا المعصية ولم يفعلوا الطاعة، استحقوا عقوبة الله: فحق عليها القول فدمرناها تدميراً.
انظروا كيف الآن القرآن الكريم يعلمنا السنن. في آخر الزمان لما يبعث عيسى عليه السلام يكسر الصليب ويقتل الخنزير، فلا يبقى الكفر ولا يقبل من الناس الجزية، يضع الجزية. هنا لما يضع الجزية ويكسر الصليب ويقتل الخنزير، فقط يبقى المعروف ولا يكون للمنكر وجود، فتعم البركة، تعم البركة في كل شيء في الحياة في الفاكهة في المال في الأوقات، تعم البركة وتنتشر. لماذا؟ لأن البركة مرتبطة بالطاعة، والمعصية مرتبطة بالعقوبة نسأل الله السلامة والعافية. فالقصة من ذلك أن البركة تأتي مع الطاعة، البركة تأتي مع الطاعة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «طعام الاثنين يكفي الثلاثة، وطعام الثلاثة يكفي الأربعة»، هذا كل البركة.
أما المعصية، أما المعصية لما تنتشر وتفشو فهو يستحق الناس العقوبة. هذا عالم الظاهر الذي نعيش فيه هو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بعالم الغيب. عالم الغيب هو الذي يحكم على عالم الظاهر وليس العكس، عالم الغيب هو الذي يحكم على هذا العالم الظاهر الذي نعيش فيه وليس العكس. لذلك يفعل الشخص بالذنب فيؤثر الذنب بعلاقته مع أخيه مع صاحبه، ثم هو هذا الإنسان لعدم معرفته لطبيعة الشيء لعدم معرفته لحكم الله سبحانه وتعالى يقول: فلان قال كذا، فلان فعل كذا. صح، لكن قبل فلان قال كذا فلان فعل كذا، هناك ذنب هو الذي يتسبب بإبعاد القلوب. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما تواد اثنان في الله فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما». انظر، شخص يتعلق بالظاهر، لكن الحقيقة أن الذنب هو الذي تسبب بهذا، وكان هذا الباب واضحاً وبيناً وجلياً عند السلف رضي الله عنهم ورحمهم، فكان الواحد منهم إذا أذنب بذنب ثم وقعت بعد ذلك عليه مشكلة في المنزل يقول: هذا بسبب هذا الذنب قلت الذنوب، فعرفوا من أين أتوا. ونحن تقع علينا بلاءات كثيرة ومصائب كثيرة ولا نعرف لماذا وقعت ثم نتدمر ونلوم، وسبب هذه المعصية وسبب هذا الذنب أو سبب هذا البلاء هو الذنب الذي وقعت به والمعصية.
فالقصد هنا، العقوبات العامة تحل على الأمم بسبب انتشار المعاصي والذنوب. أمرنا مترفيها أصحاب الدنيا بالطاعة ففسقوا فيها لم يستجيبوا لأمر الله، لم ينقادوا لأمر النبي عليه الصلاة والسلام: فحق عليها القول. وأول من يدخل بهذا هم أهل مكة، فالله سبحانه وتعالى هنا يبين لنبيه الكريم بأن العقوبة دلت واقتربت من هؤلاء الكفار، وكذلك يحذر هؤلاء الكفار بالاستمرار بهذه المعصية. الآن الله يريد أن يحل هذه العقوبة: إذا أراد أن نهلك قرية، يريد أن يهلك هذه القرية، أنتم أيها المترفون تؤمرون ومع ذلك تخالفون وتعصون، إذاً هذا هو المعيار الديني. ففسقوا فيها، فسقوا فيها فحق عليها القول، فسقوا بالمعاصي والذنوب وقبل ذلك الكفر، خرجوا عن الطاعة، هذا هو الفسوق. فحق عليها القول، خلاص استحل هؤلاء عقوبة الله سبحانه وتعالى.
لما تنزل العقوبة تصيب الجميع، تصيب الجميع، ويبعثون على نياتهم، ويبعث الناس على نياتهم. لذلك شخص لا يبقى في المكان الذي تنتشر فيه الذنوب ومعاصي إلا مع الإنكار، وإذا عم المنكر وانتشر وفشى ولم تعد تستطيع أن تنكر ابتعد عن هذا المكان، ابتعد عن هذا المكان. لذلك شرعت الهجره في سبيل الله، الهجرة في سبيل الله من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، بلد المعصية إلى بلد الطاعة. ولما جاء الرجل الذي أراد أن يتوب بعد ما قتل تسع وتسعين نفساً، فاسأل إلى عالم فقال: هل لي من توبة؟ أو بالبداية ذهب إلى عابد فلم يقل له بأن هناك توبة فقتل حتى أتم مائة نفس، ثم لما ذهب إلى العالم قال: ومن يغلق عنك باب التوبة؟ لكن بلدك بلاد سوء، اترك هذه البلد وهاجر إلى بلد أخرى وانتقل إلى مكان آخر.
طبعا ليس معنى هذا أن الإنسان يهاجر مباشرة الآن، لكن معنى هذا أن شخص قد يتخذ هذا القرار، لكن هو بين خيارين: بين أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى إذا وقعت العقوبة باذن الله هذا يتم إنجاؤه وحمايته، أو يبعث على نيته: ﴿فَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف: 165]. أنجينا هؤلاء، أما البقية حلت عليهم العقوبة، أو أن شخص يترك هذا المكان ويذهب إلى مكان يعبد الله سبحانه وتعالى فيه مع من يعبد الله سبحانه وتعالى فيه. أما أن يبقى في هذا المكان من غير أمر معروف ونهي عن منكر ولا هجرة في سبيل الله، هذه مصيبة، هذا خطر كبير جداً على هذا الإنسان؛ لأن العقوبة لابد أن تنزل: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: 25]، تصيب الجميع ليس فقط الذين ظلموا.
إذاً، هذا هو السبب الرئيسي في هلاك الأمم، هذا هو السبب الرئيسي في تخلف الأمة، هذا هو السبب الرئيسي بالبلاءات الكبيرة التي تقع علينا. وكذلك لما وقع في أحد بعض المخالفة، بعض الجيش -ليس ليس كل جيش، بعض الجيش وقع في مخالفة أمر النبي عليه الصلاة والسلام- نزل عليهم حكم الله سبحانه وتعالى ولم ينتصروا على الكفار، إنما استطاع الكفار أن يقتلوا جماعة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام وأن يصاب حتى النبي عليه الصلاة والسلام، انظروا إلى السنة!
إذاً، هنا الله يبين بأنه إذا أراد أن يهلك قرية من القرى انتشر فيها المنكر، وهذا انتشار المنكر في هذه القرية علامة هلاك، علامة سوء، دنا البلاء، دنت العقوبة من هذا المكان الذي انتشر فيه أصحاب الترف وعنبه -طبعاً المقصود بالترف مثل ما ذكرت أهل الدنيا- وعنبه المنكر، وقل به من يأمر بالمعروف، فالإنسان أما أن يهاجر أو يستمر بأمره ونهيه: ﴿فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: 16].
ثم قال الله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ﴾ [الإسراء: 17]. كم أهلكنا من الأمم من الجماعات من الشعوب، أعداد كبيرة جداً لا يحصيها إلا الله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء: 17]، أي من كان قبل نوح لم يهلكهم الله سبحانه وتعالى. لماذا؟ لأنهم كانوا على التوحيد، كانوا على الاستقامة، وأول ما فشى الشرك وانتشر كان في قوم نوح عليه السلام. قال الله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: 17].
إذا وقعت العقوبات على الأمم لابد أن ننظر في البداية إلى المنكرات، ثم بعد ذلك ننظر إلى الأسباب الأخرى التي يتكلم عنها السياسيون والاقتصاديون وعلماء الاجتماع إلى آخره، لكن الأصل في البداية أنظروا إلى المنكرات كيف عمت وانتشرت في هذا المكان، طبيعي أن تهل به العقوبات، طبيعي أن يعيش الناس بهكذا بضيق وكدر، وسيستمر هذا الأمر معهم حتى متى؟ حتى ترجعوا إلى دينكم.
قال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: 17]. والله سبحانه وتعالى يعفو عن كثير، والله سبحانه وتعالى ما يستعجل في إنزال العقوبة، لكن: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ﴾، يترك ويترك ويترك حتى إذا أخذه لم يفلته. فالله سبحانه وتعالى يعفو عن كثير من ذنوب الناس، ولو أخذ الله سبحانه وتعالى الناس بما فعلوا ما ترك عليها من دابة، لو أخذ لو أخذ تعامل مع الناس بنفس ما يفعلون هم من ذنوب ومعاصي لما بقي أحد، لكن الله سبحانه وتعالى يتجاوز عن كثير من الذنوب، يتجاوز عن كثير من الذنوب، ثم يعاقب الناس ويحاسب الناس بنسبة معينة من هذه الذنوب والمعاصي. هذه النسبة لما تكثر وتكثر حتى الناس لم يعودوا يرتدعوا ولم يبالوا له، هنا تحل العقوبة العامة، هنا تحل العقوبة العامة.
هؤلاء الكفار استمر بهم الطغيان، قتلوا أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ولم يعجلهم الله سبحانه وتعالى بالعقوبة، عذبوا أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام لم يعاجلهم الله بالعقوبة، سبوا النبي عليه الصلاة والسلام لم يعاجلهم الله في العقوبة، أخرجوا النبي عليه الصلاة والسلام من مكة لم يعاجلهم الله في العقوبة، حتى وصل الأمر إلى مداه، ثم هاجر النبي عليه الصلاة والسلام وجاء يوم بدر ونزلت العقوبة وحلت العقوبة بهؤلاء الكفار. متى تحل؟ هذا أمر قدري عند الله سبحانه وتعالى نحن ما ندخل فيه، لكن لابد أن تحل، أن تنزل في اليوم الذي يقدر الله سبحانه وتعالى، في الساعة التي يختارها الله سبحانه وتعالى.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لمن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ [الإسراء: 18]. قبل هذا الله ختم الآية التي قبلها بقوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: 17]. هنا أوتي باسم الله الخبير واسم الله البصير، اسم الله الخبير والبصير كل الأمرين يدل على الاطلاع، يدل على المعرفة، ولكن اسم الخبير يدل على الدقائق، على الأمور الخفية، واسم البصير يدل على الأمور الظاهرة الجلية. فالله سبحانه وتعالى يستوي عنده الظاهر والباطن، يستوي عنده البين والخفي، يستوي عنده جميع الأعمال، تستوي عنده جميع الأعمال والحركات والسكنات بل كذلك الإيرادات، فالإيرادات القلبية بالنسبة لعلم الله مطابقة ومساوية لنفس حركة الجوارح. فالله سبحانه وتعالى خبير، الله سبحانه وتعالى كذلك بصير، أي لا تظنوا بأن الله سبحانه وتعالى ما يعرف، لا تظنوا بأن هذا الأمر يفلت، لا تظنوا بأن هذا الأمر ليس داخل في دائرة الحساب. الله سبحانه وتعالى لما يقول بأنه خبير وبصير، هذا من أجل أن يحذر الناس ويخوف الناس بأن الله سبحانه وتعالى يعلم، والذي يععلم سيحاسب ويجازي، انتبهوا في الدنيا والآخرة.
وكفى بربك سبحانه وتعالى بذنوب عباده خبيراً بصيراً. ثم قال الله: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ [الإسراء: 18]، العاجلة الدنيا، وسميت الدنيا بالعاجلة لعجلة
كل ما فيها الدنيا سريعة الانقضاء، سريعة الزوال، سريعة الذهاب. كم الآن بيننا وبين من نزل عليهم القرآن الكريم؟ كم الآن بيننا وبين هؤلاء الكفار الذين نزلت عليهم هذه الآيات؟ كم سنة؟ أكثر من 1400 سنة. هؤلاء ذهبوا ومضوا وانقضوا، هكذا هي الدنيا، الدنيا سريعة التحرك سريعة الذهاب.
والله هنا يقول: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾، من يريد هذه الدنيا التي من طبعها سرعة الانقضاء والذهاب. الشخص لما يعيش في المتعة في الحياة يحاول يمسك هذه المتعة ما يستطيع، وبسرعة تذهب وتنقضي منه، هكذا هي الدنيا بخلاف الآخرة الباقية الدائمة المستمرة. أما الدنيا ليست بهذه الطريقة، إنما هي عاجلة بسرعة تذهب، بسرعة تنقضي. ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لمن نُرِيدُ﴾ [الإسراء: 18]. هذه الآية مقيدة لآية آل عمران وهود والشورى، فهذه الآية فيها تقييد (لمن نشاء لمن نريد ما نشاء). فالذي يريد الدنيا الله سبحانه وتعالى سيعطيه إذا شاء، إذا أراد سبحانه وتعالى.
قال: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لمن نُرِيدُ﴾. أي كثير من الناس يريدون الدنيا، الله ما يعطيهم ما يعطيهم كلهم الدنيا، كثير من الناس يطلب الدنيا ويريد أن يصبح غنياً، يريد أن يصبح عنده أموال، يريد أن يكون صاحب مال وجاه وسلطان إلى آخره، ومع ذلك ما يعطى من هؤلاء إلا من شاء الله سبحانه وتعالى وأراد.
﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ [الإسراء: 18]. أي هذا الإنسان الذي عظم الدنيا وأراد الدنيا، أعطاه الله سبحانه وتعالى هذه الدنيا أو بعض هذه الدنيا، ثم بعد ذلك هذا الإنسان ستكون نتيجته في الآخرة جهنم. أي هذا الإنسان اختار الدنيا ولم يختار الآخرة، والانسان بين خيارين: أما أن يختار الدنيا أو يختار الآخرة، أما أن يختار الدنيا ويعيش في هذه الدنيا حياة الكفار أو يختار الآخرة ويعيش في الدنيا حياة الأنبياء والصحابة والصالحين، أما هذا أو هذا.
ولكن هنا لما نقول الآخرة ليس معنى هذا أنه لن يسعد في الدنيا، لا، ليس معنى هذا الرهبانية كما يفهمها بعض الناس أو يتبادر إلى ذهن بعض الناس، لا رهبانية في الإسلام. هكذا الانعزال عن الناس والعيش في البراري إلى آخره هذا ليس له وجود في الإسلام، إنما المقصود هنا أن الآخرة تكون هي الأصل، هي التي يعمل لها، هي التي يسعى لها، لا يقدم الدنيا عليها. وليس معنى هذا أنه ما يتزوج، أربع من سنن المرسلين منها الزواج، الله يقول: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77].
ليس معنى هذا أنه ما يلبس أحسن الثياب، ليس معنى هذا أنه ما يعيش الحياة بصورة طبيعية، لكن المقصود هنا أن الدنيا ما تكون في قلبه، المقصود أن الدنيا ما تؤثر على إيمانه ودينه وعلى صلاته وعبادته، هذا هو المقصود. الصديق هو من أغنى الناس، وعمر من أغنى الناس، وعثمان يملك أموالاً كبيرة، عبد الرحمن بن عوف كان ماله يقسم بالفؤوس من كثرته، لكن هذا المال لم يكن في قلبه، وهذا المال لم يأخذه من الحرام، وهذا المال كان ينفقه في الحلال، هذا هو المقصود.
فالقصد من ذلك أن الله سبحانه وتعالى هنا يقول بأن الذي يريد الدنيا هذا قد تعجل له الدنيا، ليس الكل، البعض ستعجل له الدنيا ويعطى ما يريد ويشاء ويحصل الأموال والجاه والسلطان، ممكن يصبح ملك ووزير، والناس يفرحون وهو الآن يذبح بغير سكين بهذه المناصب، يقضي على دينه، ينحر دينه، يفتن بنفسه، ثم بعد ذلك يصدم هذا الإنسان لما يموت فجأة، فإذا هناك حياة أخرى، فجأة فإذا هناك عالم آخر مختلف تماماً عن هذا العالم الذي كان يعيش فيه ومن أجله. ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ [الإسراء: 19].
وإن الدار الآخرة لهي الحيوان، أي لهي الحياة الحقيقية لو كانوا يعلمون، لكن مشكلة الناس بأنهم لا يعلمون. قال: ﴿جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ﴾، سمي جهنم بجهنم لبعد قعرها ولشده سودادها، فجهنم لونها أسود وكذلك بعيد قعرها. ثم جعلنا له جهنم يصلاها، أن يذوق يقاسي حر جهنم، مذموماً على فعله في الدنيا، مذموماً على تضييع العمل ليوم القيامة، مذموماً على تقديم الدنيا على الآخرة، مدحوراً مبعداً مقصياً مطروداً. هذا حال من يطلب الدنيا على حساب الآخرة، هذا حال من يعظم الدنيا، هذا حال من يعيش من أجل الدنيا.
انتبهوا يا شباب من فتنة المستقبل، انتبهوا يا شباب من فتنة الاستقرار، لا وجود للاستقرار إلا بالجنة، الاستقرار في الدار الآخرة، الاستقرار في الفردوس الأعلى، أما الدنيا ما فيها استقرار. من جميل كلمات الشيخ علي الطنطاوي أنه قال بأن كلمة الاستقرار وكلمة المستقبل هذه من الأكاذيب، يقول: أنا الآن في عمر السابعة ولا أدري متى سيأتي هذا الاستقرار والمستقبل؟ ما هو المستقبل؟
ثم ضرب مثلاً في حياته كيف عاشها، الإنسان يعيش في حياته في مطلع حياته لما يعقل في الابتدائي يفكر يقول: أريد أن أكبر، وأريد أن أكبر، ثم يدخل في المتوسط، ثم يدخل في الثانوي. لما يكون في الثانوي يفكر بالجامعة: كيف أحصل الآن الشهادة حتى أدخل الجامعة؟ وكيف الآن أحصل الشهادة حتى أدخل التخصص الذي في المستقبل سأحصل من خلاله المال؟ إلى آخره.
ثم يدخل الجامعة بعد ذلك، ولما يكون في الجامع يقول: المستقبل، بل أريد الآن أن أجتهد وأنتهي من الجامع حتى أعمل وأتوظف حتى أبني أسرة حتى أتزوج. ثم بعد ذلك لما يتخرج من الجامع ويجد الوظيفه ويحصل المال يبحث عن الزوجه التي تصلح له فيتزوج، ثم لما يتزوج يفكر بعد ذلك بالابناء، ثم لما يولد الابن الأول يفكر برعايته، ثم الزوجة تحمل بالابن الثاني، ثم يكبر الأول ثم يأتي الثاني ثم الثالث، ثم هذا يمرض ثم هذا يدخل المدرسة ثم ينشغل بالأبناء.
ثم يكبر هؤلاء ثم يقول: أريد أن أزوجهم حتى أرتاح. يعني من الطرائف قبل قليل كنت في مسجد في صلاة العصر، ودخلت فإذا بشيخ موجود في المسجد كبير في السن، وكان يتكلم بصوت عالي هكذا جهوري، صوت كل أهل المسجد يسمعون كلامه، فكان يتحدث مع شخص ويقول: عندي ستة من الأبناء أمنت أربعة وباقي اثنين، الآن بس باقي آخر ابن أمنهم وأرتاح. هذه كلمة أرتاح وأمن الأبناء هذه ليست بصحيحة. ليست بمعنى أن الشخص ليس يسعى في إعانة أبنائه وتزويجهم، لكن ليس بمعنى أن يكون هذا على حساب دينك أنت، على حساب حياتك.
إنسان كان عجيباً، يكبر أبناء، ثم هذا يكون يدخل في سن المتوسط أو الثانوي، ثم الجامعة، ثم يأتي الابن الثاني ثم الثالث ثم الرابع، وهكذا يبدا الإنسان يعيش حياة الدنيا ما تنتهي. ما هذا المستقبل؟ لا وجود له. الاستقرار تريد أن تجلس الآن أريد أن أستقر؟ لا وجود له، لا وجود له، والله لا وجود له. الموجود فقط أنك تعمل، تعمل من تنتقل من عمل إلى عمل، من عمل إلى من عبادة إلى عبادة، وتقابل أقدار الله بشرعه، وليس معك أنك تترك الدنيا، لكن الدنيا من طبعها التقلب وليس الاستقرار.
الاستقرار بالآخرة، الدنيا متقلبة ليست مستقرة، لو كانت الدنيا مستقرة لما انتقل الملك من هذه العائلة وهذه القبيلة وهذا وهذا الملك إلى ملك آخر. لو كانت الدنيا مستقرة لما انتقل هذا التاجر وأصبح فقير، وهذا الفقير أصبح أصبح تاجر. الدنيا ما الدنيا ما تستقر على حال واحدة، الدنيا تتقلب. لو كانت الدنيا مستقرة لما انتقل الإنسان من مرض إلى صحة ومن صحة إلى مرض، من هرم من من من طفولة إلى إلى قوة ومن قوة إلى ضعف، الدنيا غير مستقرة. وأحمق الذي يتعامل مع الدنيا على أنها مستقرة هو لا يعرف الدنيا، الدنيا من طبعها التقلب، من طبعها التغير: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: 19]، حال بعد حال هذه الدنيا، أما الاستقرار في الآخرة أما جنة أو نار هذول الاستقرار، أما في الدنيا ليست مستقرة هي متقلبة.
أنت مثالك في الدنيا مثال الشخص الذي يمشي أو الذي يجلس في قارب صغير متلاطمة الأمواج حوله ومن أسفل منه، فكيف هذه الأمواج تلعب بهذا القارب؟ هكذا هي الدنيا، فأنت الآن غني بعد فترة ممكن تصبح فقير، أنت الآن بصحة بعد فترة تصبح مريض ثم ترجع تصبح صحيح، أنت الآن كذا ثم تصبح كذا، هكذا هي الدنيا. أنت فقير ثم تصبح غني ثم ترجع تكون فقير وتتقلب فيك الدنيا، الدنيا ما تستقر على حال. هذا مع الجميع، هذا مع الجميع، هذا هذا حكم عام ينطبق على الجميع وليس على أناس دون أناس.
لكن عجيب الإنسان لما يتعامل مع الدنيا على خلاف طبع الله سبحانه وتعالى الدنيا، على خلاف: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: 19]. فالقصد أن الإنسان هنا لما يفكر بالدنيا أنه يريد الدنيا ويحصل الدنيا ثم يريد أن يستقر هذا لا وجود، متى ستطيع الله إذا كنت تفكر بهذه الطريقة؟ متى ستعبد الله سبحانه وتعالى إذا كنت الدنيا ما تنتهي؟ ستنشغل ستنشغل وتنشغل، ثم تكون في بداية حياتك مع الأسرة الأولى مع والدك ووالدتك وإخوانك وأخواتك مع أقاربك هكذا من جهة الأعمام والأخوال.
ثم بعد فترة لما تصل إلى منتصف العمر أو بداية سن الشباب تبدأ عندك أسرة جديدة، فيبدأ الآن الوقت يتغير، يعني الوقت الذي كان يصرف مع أقرب الناس لك سيصبح صبح أشخاص آخرين ياخذون وقت أكثر منه. أقصد الآن الزوجه، أقصد بعد ذلك الأبناء، ستصبح الأسرة الثانية هي الأصلية والأسرة الأولى تكون ثانوية، فكانت الأسرة الأولى بالنسبة لك أصلية ثم تصبح ثانوية، ثم بعد ذلك تنتقل ثم أنت نفس هذا الأمر يتكرر معك هذا ابنك وهذه بنتك تتزوج وهذا الابن يتزوج فتصبح أسرتك ثانوية ثم أسرتهم تكون هي الأصلية الثانية، وهكذا.
فالدنيا ليست مستقرة، ليست مستقرة، والإنسان يتغير، كان متغير ابنك في الثانوي غير ابنك في الجامع، ابنك بعد ما يتخرج من الجامع غير ابنك في الجامع، صاحبك الذي كنت معه في المتوسط غير صاحبك في الثانوي وصاحبك بعد ذلك في الجامع، صاحبك بعد ما تزوج غير صاحبك قبل أن يتزوج. تغير الحياة، تغير، ليس فقط ليس تغير فقط بالوقت بل كذلك بالقلب، انظر كل واحد منا ينظر إلى قلبه كم شخص الآن دخل قلبه ولم يكن موجود في العام الماضي، وكم شخص كان موجود معه في العوام الماضية والآن غير موجود في قلبه، هذه الدنيا هذا في كل شيء في الحياة.
طبعا ليس معنى هذا الشخص ما يكون صاحب وفاء، لكن قصد الآن الإنسان كائن متغير، ليس كائن ثابت، لماذا متغير؟ لأن القلب متغير، القلب متقلب والدنيا متقلبة وحاجات الإنسان متغيره، فطبيعي أن الإنسان دائما يكون متغير. طبعا التغير الطبيعي وليس التغير الآخر الذي يتغير في المبادئ أو في الدين، هذا ليس محمود طبعا إلا إذا كان الأفضل. فقصد هنا الله يقول: ﴿جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ [الإسراء: 18]، الذي يتعامل مع الدنيا بهذه الطريقة والذي يريدها هذا قد يحصل وقد لا يحصل الدنيا، لكن في النهاية هذا مصيره إلى جهنم، والاستقرار والمستقبل في الآخرة ليس في الدنيا.
الدار الآخرة هي المستقر أما الدنيا ليست مستقر، ستموت ستموت: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجعة: 8]، يهدم عليك جميع اللذات، يهدم جميع اللذات الموجودة عندك.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ [الإسراء: 19]. هذا قسم ثاني نسال الله أن نكون وإياكم منهم. ارتحلت الدنيا مدبرة والآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل.
ومن أراد الآخرة، هذا الآن يعمل من أجل الآخرة، هذا الآن النص ينزل وينطبق على النبي عليه الصلاة والسلام على أصحابه في مكة وكل من سار على نهجهم، هؤلاء يعملون الآخرة. قال: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا﴾ أرادها إرادة قلبية، وسعى ببدنه وبجوارحه من أجل تحصيل الآخرة، من أجل الأعمال الصالحة، من أجل القيام بما يحب الله سبحانه وتعالى منه. قال: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾، يعني هو في حال سعيه وعمله وكده من أجل الآخرة هو موقن بأن الله سبحانه وتعالى سيجازيه، بأن الله سبحانه وتعالى سيعطيه، بأن الله سبحانه وتعالى سيكرمه.
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ﴾ هذا القسم من الناس ﴿كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾. هذا السعي مشكور، والله سبحانه وتعالى سيجازيهم على القليل منه بالكثير، والله سبحانه وتعالى شكور، واسم الله الشكور معناه أنه يعطي الكثير على القليل. فالعمل المخلص الذي يخلص فيه الإنسان الله سبحانه وتعالى يعم بالبركة مع أن هو عمل قد يكون صغير لكن معه خلاص فالله سبحانه وتعالى يجزيه بالكثير. وكذلك بالآخرة، كم نسبة بين عباداتنا وبين عبادات الناس وبين جنة الله سبحانه وتعالى وعطاء الله سبحانه وتعالى؟ لا شيء.
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال: «اعلموا بأنه لن يدخل أحدكم الجنة عمله». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته». لأن العمل ليس عوض عن الجنة، العمل سبب لكن ليس ثمن الجنة، إلا أن سلعة الله غالية، إلا أن سلعة الله الجنة، لكن الله شكور، الله سبحانه وتعالى شكور فيجزي هؤلاء جزاء من عنده سبحانه وتعالى عطاء حسابه. هم يعملون والله سبحانه وتعالى يشكر لهم هذا العمل فيفتح عليهم ويعطيهم ويكرمهم سبحانه وتعالى لأنه شكور، لأنه شكور سبحانه وتعالى. ثم قال الله: ﴿كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ﴾ [الإسراء: 20].
من عطاء ربك، هؤلاء أصحاب الدنيا وهؤلاء أصحاب الآخرة. يعطي الله سبحانه وتعالى أصحاب الدنيا، هذا يأخذ مليون، هذا مليونين، هذا يحص الأموال، هذا يحص الذي يريده إذا أراد الله سبحانه وتعالى ذلك: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: 20].
هؤلاء الثانيين يريدون الدار الآخرة، يريدون نصر الإسلام، يريدون العمل للدين، يريدون المحافظة على الصلوات الخمس، المرأة تريد التزام بالحجاب الشرعي ودعوة النساء، يريدون طاعة الله سبحانه وتعالى. يعطي هؤلاء ويعطي هؤلاء: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: 20]. العطاء كله يرجع له هو سبحانه وتعالى.
أوتي هنا بسم الله الرب الذي يدل على شمول الرزق وعموم القدرة وشمول القدرة، وهؤلاء من عطاء ربك الكل يرجع له. كذلك الذي يدل على سيادة الله سبحانه وتعالى هو السيد سبحانه وتعالى، الرب هو السيد هو المالك، يدل على ملك الله سبحانه وتعالى عظم ملكه سبحانه وتعالى.
قال: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: 20] ما كان عطاء ربك منقوص ولا ممنوع، إذا أراد الله أن يعطي أحد يعطيه ولا أحد يستطيع أن يمنعه ولا أحد يستطيع أن يرده. فالذي يريد أن يصل إلى الصديقية يعطيه الله إياها إذا كان له سعي وهو يريد أن يصل إلى هذه العبادة يعطيه الله سبحانه وتعالى إياها، والذي يريد الدنيا وأراد الله أن يعطيه سيعطيه لكن في النهاية جهنم، فيأخذ الدنيا لكن ما يأخذ الآخرة.
ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [الإسراء: 21]. انظر كيف فضلنا هؤلاء أهل الدنيا، كيف فضلنا الناس، انظر إلى هذا الشخص كيف يكون جميل وهذا يكون قبيح، انظر هذا التفضيل في الدنيا، انظر إلى هذا الإنسان كيف يكون عنده مال كثير وفير وهذا لا يملك شيء من الدنيا، هذا عنده من أموال ما يكفيه ويكفي أبناءه وأحفاده وأحفاد أحفاده وهذا ما عنده قوت يومه، انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض.
انظر كيف هذا إذا تكلم الناس تسمع له وتنقاد له وتستجيب له وهذا لو تكلم وفعل لا يلتفت إليه أحد ولا يعبأ به أحد، انظر إلى فارق كبير في المكانة الاجتماعية، انظر إلى قوة هذا انظر إلى هذا كيف يستطيع أن يحمل أحمال الثقال وانظر هذا كيف ضعيف ما يستطيع يفعل شيء، انظر إلى هذا كيف عنده البيان والفصاحة والقدرة على الإبداء والإظهار وانظر إلى هذا كيف لا يستطيع أن يظهر ما في قلبه، ليستطيع أن يعبر عما يريد أن يعبر عنه عما في جوفه، انظر إلى الفارق الكبير، انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض.
ثم قال الله: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 21]. هذا الآن تفضيل دنيوي والفارق كبير جدا بين صورة هذا وصوره هذا بالأمور الدنيويه، بالآخرة الفارق أكبر بكثير بكثير. الناس ينظرون إلى أصحاب المنازل العالية كالكوكب الدري، اثنان يصليان هذا تكون صلاته أعلى من هذا، وبين صلاة هذا وبين صلاة هذا كما بين السماء والأرض.
بل حتى نفس الصالحين يكون عمل الصالح هذا بالنسبة للصالح هذا لا شيء، حسنات الأبرار سيئات المقربين، فارق كبير جدا هذا بين الأبرار والمقربين، كيف بين المقربين والكفار، بل كيف بين المقربين والظالم لنفسه، بل نفس المقربين بينهم منازل ودرجات يتفاوتون فيها تفاوت عظيم جدا، ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 21].
ثم قال الله مبينا أعظم الأعمال عند الله وأعظم كذلك المعاصي والذنوب. أعظم الأعمال التوحيد وأعظم المنكرات الشرك، ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: 22]. انتبه أن تجعل لله ند وهو خلقك سبحانه وتعالى، لما سأل ابن مسعود النبي عليه الصلاة والسلام أي الذنب عند الله اعظم وفي رواية أكبر قال: «أن تجعل لله نداً وهو خلقك».
لا تجعل مع الله إلها آخر، انتبه أيها الإنسان أن تشرك مع الله غيره، انتبه أن تفعل هذا الذنب الكبير العظيم الذي هو أكبر الذنوب، هذا الذنب الذي أحاطت به خطيئته، هذا الذنب الذي لا يغفر، هذا الذنب الذي لا يتجاوز الله عن أصحابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]. لا تجعل مع الله إلها آخر سبحانه وتعالى فتقعد مذموما مخذولاً. تقعد مذموم تصير مذموم مخذول، أو تقعد حقيقة ما تصير تفعل شيء، خلاص فقدت النصرة، فقدت الحماية، فقدت العطاء، فقدت الكرم الإالهي.
قال: فتقعد مذموما، مذموم على فعلك هذا الذي هو الشرك بالله سبحانه وتعالى. مخذولا، لن يستطيع أحد أن ينصرك من الله سبحانه وتعالى. والعبد إذا لم يكن الله معه فليس أحد معه، واذا كان الله معه فليس أحد ضده، لأن القوة كلها قوة الله والنصر كله يعود إلى الله، وهذا الكون كون الله فالله سبحانه وتعالى هو المالك، الله سبحانه وتعالى هو المتصرف، الله سبحانه وتعالى هو القادر، الله سبحانه وتعالى هو القوي على الحقيقة أما البقية ما يملكون شيء ضعفاء مساكين.
قال: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: 22] تحذير من الشرك وتخويف من هذا المنكر العظيم. ثم قال الله سبحانه وتعالى بعد ذلك: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23].
الآيات انتقل الآن الحديث إلى هذه الأعمال الصالحة، وبدا هذه الأعمال بالتوحيد وختمها كذلك بالتوحيد، بدا هذه الأعمال بتوحيد الله سبحانه وتعالى ثم بين في أثناء هذه الآيات ما يحب الله سبحانه وتعالى وما لا يحب الله سبحانه وتعالى، نعلق عليها إن شاء الله تعالى في الدرس القادم، هذا والله أعلى وأعلم وصلى الله وسلم على نبينا.
الشيخ أحمد بن خالد الهاجري