دخولتسجيل الدخول

المجلس السابع عشر - سورة الطور

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

في دائرة المباحات، كثرة إدمان وسائل التواصل الاجتماعي للإخوة والأخوات مع الوقت يغير نمط اهتمامك، ويغير نمط الفوائد التي تطلبها، والشيء الذي تطرب له وينبعث له قلبك. في مرحلة معينة قد تكون أنت منقطع عن وسائل التواصل، وربما الكبار يدركون هذه المرحلة، فيكون اهتمامك عاليًا، وتجد نفسك إذا قرأت الكتب العلمية تهتم وعندك شغف، وإذا نظرت في كلام الأئمة أو سمعت محاضرة عندك صبر وعندك خشوع، وإذا مارست حياتك العبودية تجد هناك هدوء في الحياة.

لكن وسائل التواصل الاجتماعي ماذا فعلت في كثير من طلبة العلم وطالبات العلم؟ غيرت النمط. أصبح العقل رديئًا؛ لأنه تعود أن ينظر في الكلام الرديء، حتى ولو كان مباحًا. مثلًا أخت شغلها الشاغل أن تنظر في وجبات الغذاء والطبخ والموضات والأزياء على السوشيال ميديا، مع الوقت يصبح نمط تفكيرها هذا النمط. بالتالي عندما تطالبها أن ترتقي بمستوى تفكيرها لتنظر في كلام الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وتحضر مجالس العلم، لا تجد نفسها تساعدها على ذلك. طبعًا هي تبدأ تبحث عن السبب: لماذا نفسي لا تريدني للعلم؟ هي لا تعرف أن ذوقها الذهني نزل. كيف نزل؟ إدمان وسائل التواصل الاجتماعي هذا يقلب عقل الإنسان.

كذلك أنت أيها الشاب، عندما يكون شغلك الشاغل على وسائل التواصل النظر في ماذا فعل فلان، وماذا فعل فلان، وهذا رد على فلان، وأن هذا أحسنكم حالًا؛ الردود والمناطحات والمنازعات والانشغالات بهذه الأمور. تجد بعض الشباب هداهم الله منشغل بالمباريات والنتائج ومن الذي فاز ومن الذي خسر، أو منشغل بأمور ثانوية. مع الوقت، إدمانك لهذا النمط في النظر والفكر يجعل سقفك ينزل، لا بد أن سقفك ينزل واهتماماتك تنزل، ويصبح الدرس الشرعي والدرس العلمي وقراءة كلام الله سبحانه وتعالى نفسك لا تشغف لها لا تشتاق لها. ليه؟ لأنك عودت عقلك وذهنك الشيء الدنيء.

عودت عقلك وذهنك التفكير الدنيء التفكير النازل، فأنت عندما تطالبه بالنهوض لن يينهض معك بسهولة. لن ينهض معك بسهولة وستشعر أن هناك منازعة شديدة في سماع محاضرة علمية، أو في حضور درس علمي، أو سماع كلام ربك، أو النظر في كلام النبي صلى الله عليه وسلم. حتى للأسف يتغير نمط بحثك عن الفائدة. بعض الشباب قد يكون حتى متدين ما هي مشكلة، يصبح إذا قرأ كلام لفيلسوف أو حكمة لإنسان من الغرب يطرب لها، ويشعر أن هذه الحكمة قد غيرت حياتي، وتجد أضعاف هذه الحكمة في كلام الله سبحانه وكلام النبي صلى الله عليه وسلم. لكن عندما تعرض قال صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري ما عاد أصلًا يقرأه، يعني مش أنه قرأ الفكرة، خلص قال صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري هذا كلام يعني بالنسبة له كلام استهلاكي، كلام مررنا عليه كثيرًا.

ترى هذه مشكلة، القلب عم ينحرف. أنت أصبحت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الله لا تشكل عندك شيئًا كبيرًا، بينما قال الفيلسوف الفلاني، حتى أصبح الدعاة الذين يستحضرون في خطابهم كلام الفلاسفة وأسماء الأجانب أنت ما شاء الله تكون مثقف، فلان إيه ما شاء الله فلان أنا يعجبني دروسه ويستطيع أن يستحضر كلام الغرب. لا أخي الكريم، ترى ليس هذا هو المعيار، انظر المعيار استحضاره لكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم مقابل استحضاره لهذه الحكمة وما شابه ذلك. أنا ما عندي مشكلة في أصل الحكمة، ترى الحكمة ضالة المؤمن، لكن أنا عندي مشكلة في نمطك في الحياة، أنك أصبحت تنحرف عن البوصلة يا طالب العلم ويا طالبة العلم وأنت لا تشعر.

ما عدت تهتم كثيرًا بكلام الله سبحانه وتعالى وأنت تحاول أن تبحث عن المشكلة، يعني بعض الشباب يسألني: ما هي المشكلة؟ هو مش عارف يصل إلى أين المشكلة. مسكين لا يعرف أن ذوقه نزل. طب لماذا؟ طبعًا أنا محب لله ورسوله، وأزعم أني طالب علم جيد وأحب أحضر مجالس العلم، لماذا ذوقي نزل؟ لماذا اهتماماتي اختلفت؟ أنت تسببت بذلك لما أدمنت وسائل التواصل. لذلك حقيقة ربما دائمًا يسمعني الإخوة في المحاضرات العامة والمجالس الخاصة، أحذر من وسائل التواصل قدر المستطاع لأنني أعلم أنها مستنقع قذر.

دعك من الفائدة 10% 20% التي دائمًا نجعلها شماعة لوجودنا، دائمًا أنت إذا أردت أن تقنع نفسك أني لازم أكون حاضر في وسائل التواصل كداعي كطالب علم كما شابه ذلك، تضلك تعلق على الـ 10% هي الفائدة اللي هي شماعة. لا مو في خير يا شيخ، طب ما هو في خير 10 20 لكن هو مستنقع قذر 80 70%. بالتالي أنت عم تغرق وأنت لا تشعر، عم تغرق في ذوقك العلمي في اهتماماتك في صلاح قلبك. غير الذنوب والمعاصي التي عم تقع فيها يوميًا وتحاول أن تقنع نفسك أنه لا المرة القادمة لن أقع، فإذا أنت تقع مرة أخرى، كلك عم تتغير أنماط حياتنا.

وهذا بالنسبة لنا كجيل ربما أدرك وسائل التواصل يعني ها في بداية حياته، طب الجيل القادم من أبنائنا؟ الذين هم من الآن وعمرهم خمس سنوات يحسنون فتح كل هذه الأمور والتعامل معها، أظن أن المأساة ستصبح شديدة جدًا إذا لم ننتبه ونعيد النظر في ما هي حكم وسائل التواصل الاجتماعي أصلًا. ما حكم وسائل التواصل الاجتماعي أصلًا؟ هل يمكن في مرحلة معينة أن يكون حكمها التحريم؟ إيه نعم، لأنني أزعم أن أكثر الناس حكم وسائل التواصل بالنسبة لهم التحريم.

أكثر الناس حكم وسائل التواصل الاجتماعي لهم التحريم. لماذا؟ لأنه يقع في الحرام؛ يضيع الوقت ثمان تسع ساعات وهو يتصفح، ويشغله عن ذكر الله وعن الصلاة، فهو شكل من أشكال الإدمان الذي يصد عن ذكر الله وعن الصلاة وعن الأمور النافعة. ومعلوم أن هناك كثير حرم من الأمور التي حرمها العلماء من الألعاب وأنماط اللهو كان أساس تحريمها أنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة. أنا أدرك أنك إذا تكلمت بهذا النفس مع الناس أنه حكم وسائل التواصل بالنسبة لك التحريم، ربما سيعارضك كثير من الناس يعني، يقولك ايش يا شيخ؟ اليوم أصبحت الحياة لا تنفك عن وسائل التواصل. أو يقولك عمت بها البلوى، هذا بعض يقول عمت بها البلوى. لو عمت البلوى بشيء حرام هل يصبح حلالاً؟

هاي الفكرة، لما تقول عمت بها البلوى ليس هذا هو المراد. عمت بها البلوى لما يكون شيء ليس مفاسده أكثر من مصالحه، لكن شيء مفاسده أكثر من مصالحه وبدأ يغير أنماطك وحياتك ويوقعك في الأخطاء تلو الأخطاء، ثم بعد ذلك تصر على أنه ما زال ضمن دائرة الحلال، إذاً أنت لم تفهم مقاصد الشريعة، ولم تفهم ولم تفهم دين الله سبحانه وتعالى. نعم بعض الناس قد يكون استطاع توظيفها بشكل جيد، دائماً أنت لا تأخذ كلامي على العموم، إعرف أنني أعطي قاعدة كما هناك استثناء. هناك بعض الدعاة بعض المشايخ استطاع أن يوظف هذه الوسائل لخدمة دين الله سبحانه وتعالى.

لكن أنا أتكلم عن السواد الأعظم من الشباب والأخوات، السواد الأعظم هو يغرق داخل وسائل التواصل الاجتماعي من كافة الجهات، تمام؟ فمثل هذا الشخص هل نقول له لا استمر في الدخول عليها وجاهد نفسك؟ ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء. تضحك علي؟ تقوللي لا جاهد نفسك، مش مشكلة، هي ما زالت حلال في حقك، لكن جاهد نفسك. الله يحفظك، لا يا أخي الكريم، ليس هذا الفتوى، الفتوى أن تقول له نعم وسائل التواصل في حقك حرام من عدة جهات ومن عدة مفاسد، واضح أنها تؤثر على حياتك بصورة سلبية.

أنا لا أعرف أصلاً طالب علم كونته وسائل التواصل الاجتماعي. أنا لا أعرف أن هناك طالب علم استطاع أن يكون نفسه على الفيسبوك والتويتر والتيك توك وما شابه ذلك، بل بالعكس أنني أعرف مئات وكثر من طلاب العلم كانوا يرجون لهذه الأمة وكان مستوى وذكائهم العلمي عالي، انشغالهم بوسائل التواصل جعلهم يسقطون في ميادين كثيرة.

طبعاً كل هذا الكلام إنما جرى لي له الإشكالية التي دائماً يقولها كثير من الشباب والأخوات: أنني لا أشعر أنني أتفاعل مع القرآن، لا أشعر أنني أتدبر القرآن وأحسن تدبره. أقول أخي الكريم، أنت عقلك وخاطرك مليء بالصور والمدخلات والمفاسد التي جعلت ما في مجال للقرآن أن يعيش في قلبك. عليك أن تعمل فلترة كما يقولون للقلب والعقل، وتخرج كثير من المدخلات الفاسدة من خلال الاستغفار والإقبال على الله ومحاسبة النفس وقطع وسائل التواصل قدر المستطاع من حياتك.

عندئذ ستجد فسحة يبدأ القرآن يدخل فيها، وأما والقلب وخاطر مليء بكل هذه المدخلات الرديئة لا أظن أنك ستتفاعل مع القرآن كما ينبغي أن يكون الحال. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا ويوفقنا لكل خير، ويشغلنا بما هو نافع وصالح لنا في ديننا ودنيانا، وأن يبعد عنا الشواغل والصوارف، إنه ولي ذلك والقادر عليه. نبدأ مستعينين بالله، أظن أننا وصلنا في سورة الطور إلى قوله عز وجل: أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون. بسم الله.

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين.

قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُل تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ * أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ * أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ * أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خُلِقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ * أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ * أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمَعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ * أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ * أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ * أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ * أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور: 30-43].

تمام، هذا مقطع يعالج مجموعة من المشاكل الفكرية خلينا نقول التي كان يعاني منها الكفار في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ويعاني منها الكفار في كل زمان ومكان باختلاف الصياغة، لأن شبهات أهل الكفر هي نفس الشبهات لكن تتغير صياغتها ويتغير أنماطها وطريقة السياق التي تأتي بها. الله سبحانه وتعالى في سورة الطور كما قلنا بدأ بمشهد الجنة والنار، وهو أعظم مشهد كما قلنا الله عز وجل يريد أن يرسخ في ذهنك وفي عقلك وأنت تسير في هذه الحياة؛ مشهد الجنة والنار. مر معنا في سورة الذاريات، مر معنا في سورة ق؛ مشهد مهم، القرآن الكريم يسعى أن يرسخه في قلب المؤمن.

وعليك أن تتخيل أن هذه الصور هي صور نزلت مبكرة، يعني قبل أن تنزل السور التي تشرع الأحكام؛ أحكام البيوع وأحكام الطلاق وأحكام الجهاد وأحكام السلم والحرب. قبل أن تنزل كل هذه السور قلوب الصحابة الكرام الجيل الأول تربت على ماذا؟ تربت على هذه السور المكية التي ترسخ عقيدة الدار الآخرة. لأنه كما قلنا، إذا آمن الإنسان بالدار الآخرة أحسن الصنعة في هذه الحياة الدنيا، إذا آمن الإنسان أن هناك لقاء سيقف به بين ييدي الله سبحانه، وأن أفعاله في هذه الحياة الدنيا كافة مسؤول عنها أمام الله عز وجل، هذا سيجعل له نظر معين لهذه الأفعال وطريقة معينة في معالجتها ومحاولة الانصياع دوماً لأمر الإله العظيم.

لكن ما الذي يجعل الإنسان يخطئ؟ هي الغفلة عن الدار الآخرة. الذي يجعلنا نخطئ في حياتنا ونعصي ونبتعد عن الله سبحانه وتعالى ونزل كثيراً، ضعف الإيمان بالدار الآخرة، ضعف استحضار هذا المشهد. طبعاً أنت ستقول لي: أنا يا شيخ مؤمن بالدار الآخرة، هو نعم كلنا الحمد لله مؤمن بالدار الآخرة، لكن سؤالي: ما مدى استحضارك لهذا الإيمان؟ يعني مش المشكلة أنك تؤمن، أنا عارف أنك مؤمن، لكن المشكلة ما هي؟ كيف استحضارك لهذا الإيمان؟ يعني هل أنت ممن إذا أرادت نفسه المعصية استذكر مشهد الوقوف بين يدي الله والحساب والجنة والنار، فنهته كل هذه المشاهد عن المعاصي؟ أم أنت تقتحم المعاصي تلو المعاصي وبالكاد تتذكر الدار الآخرة في الشهر مرة أو مرتين؟

هنا يتفاوت أهل الإيمان، هنا يتفاوت أهل الإيمان وهنا تظهر فضيلة قراءة القرآن أو الورد اليومي لكتاب الله. بعض الناس يقول: ما فائدة قراءة الورد اليومي لكتاب الله؟ فائدته أنك تجدد الإيمان كل يوم، أنك كل يوم من الصباح عم تقرأ آيات الجنة والنار والدار الآخرة، فعم بتحاول تشكل لك حصناً حصيناً في هذا اليوم إلى نهايته حتى لا تقع في الذنوب والمعاصي. أما إنسان اللي بالشهر لا يقرأ القرآن، شيء طبيعي أن ينسى الدار الآخرة، شيء طبيعي مع صخب الحياة الدنيا وملذاتها ومشاغلها أن يكون استحضاره لقضية الوقوف بين يدي الله وأن الله سيحاسبه ضعيف جداً.

لذلك هذه السور وأغلب السور المكية وأغلب سور المفصل تعتمد على قضية رسم مشهد الجنة والنار، وليس فقط ذكرها في رسم المشاهد بالطريقة التفصيلية كما قلنا، لأن عظمة الكلام ما الذي يدل على فخامة المتكلم؟ قدرة المتكلم على رسم الأحاسيس من خلال الألفاظ، يعني كنا نتكلم في الشعر: لماذا هناك امرؤ القيس وغيره من الشعراء يعتبرون فحولاً مقارنة بغيرهم؟ لأنه عندهم قدرة أن يرسموا وأن يبينوا المشاعر والأحاسيس في المشهد من خلال العبارات والألفاظ، هذا مش أي أحد يستطيعها.

القرآن الكريم يعتمد هذه القضية، فالقرآن هو لا يذكر فقط الجنة والنار هكذا، لا، بل هو يسعى أن يرسم الأحاسيس والمشاعر. لما يقولك الله عز وجل في سورة الطور: ﴿يَوْمَ يُدْعَوْنَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: 13]، هو القرآن يريدك أن تستحضر هذا المشهد؛ مشهد هذا الكافر الذي أوثق من رأسه إلى قدميه وهو يدع دعاً ويلقى من قبل

ليس فقط أنك تستحضر مشهد جهنم، بل حتى هذه المشاهد التفصيلية المخيفة المرعبة، بينما في المقابل لما تكلم عن أهل الجنة ماذا قال في سورة الطور؟ ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: 23]. هذه الصورة الجميلة لأهل الجنة. وكل واحد يناول صاحبه طعاماً وشراباً. ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ * قَالُواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ۖ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: 25-28]. شوف القرآن عم يرسم لك المشاهد التفصيلية. وعم يعطيك الأحاسيس والمشاعر في خضم الجنة وفي خضم النار. حتى تعيش أنت هذه اللحظات حياة حقيقية.

ولذلك كما قلنا جبير بن مطعم لما سمع سورة الطور ماذا قال؟ كاد قلبي يطير. لأنه هو يعرف أن السورة عم ترسم المشاهد تفصيلياً ولا تعطيك فقط كلام جملي عن قضية الجنة والنار. وصلنا إلى هذا الجزء الأخير يعني بعد أن انتهينا من قضية الجنة والنار وكيف رسمتها هذه السورة. ختمت أو ختم المشهد بقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: 29]. الله عز وجل أخبر بقضية الجنة وقضية النار ثم ختم فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم ولكل داعية: فذكر. هذه للنبي صلى الله عليه وسلم ولكل داعية إلى الله سبحانه وتعالى.

وظيفتنا كطلبة علم وظيفتنا كدعاة التذكير. نحن لا نملك قلوب الناس ولا عقول الناس حتى نجبرهم على أن يدخلوا في هذا الدين وأن يتبنوا المناهج والأفكار التي نتبناها. نحن إنما نملك التذكير. وإذا ذكرت وإذا وعدت الناس وأرشدتهم شيء طبيعي أن تقابل بإعراض باستهزاء بتهكم كما قوبل الأنبياء وهم صفوة الله من خلقه. فيخبرك الله سبحانه وتعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾. أنت أيها الداعية استعمال الله لك في مقام الدعوة ماذا؟ نعمة. لذلك فذكر فما أنت بنعمة ربك.

قلنا نعمة ربك ما معناها؟ الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى بمفهومها الشامل. هذه نعمة. الله عز وجل استعملك فيها وجعلك طالب علم أو داعية أو واعظ أو واعظة أو معلم للناس الخير. هناك من سيستهزئ بك لكن الله يقول لك وليس أحد آخر. الله يقول لك هذه النعمة التي جعلتك تقف فيها أيها الإنسان نعمة عظيمة أنني استعملتك في خدمة هذا الدين ولست كاهناً ولا مجنوناً كما زعموا ولست مسكيناً ولا متخلفاً ولا رجعياً كما زعموا. اليوم قديماً كانوا يقولون عن الأنبياء كاهن مجنون. اليوم مثلاً ماذا يمكن أن يقولوا عن الداعية؟ رجعي متخلف مساكين مش فاهمين الحياة الدنيا مش عايشين حياتهم منغلقين متشددين اللي بدك إياه يعني القواميس ما شاء الله كثيرة.

فهي نفس الإجابة للجميع: فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن لست مجنوناً لست رجعياً لست متخلفاً لست متزمتاً لا بل أنا مستعمل من الله سبحانه وتعالى في أشرف مقام في مقام الدعوة. الذي سماه الله نعمة. سماه الله نعمة. ﴿فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾. بعد ذلك الآيات التي قرأها الشيخ تتكلم عن كما قلنا مجموعة من المشاكل والدعاوى والأكاذيب وسميها ما شئت. كانت سائدة عند كفار قريش. الله سبحانه وتعالى يحاورهم في هذه المشاكل من خلال هذه الصيغة. الله عز وجل يحاورهم في هذه المشاكل من خلال صيغة لعله كذا لعله كذا أم يقولون شاعر أم نتربص به ريب المنون فتربصوا فإني معكم من المتربصين أم تأمرهم أحلامهم بهذا وهكذا.

يعني أنت سنلاحظ الآن سياق الآيات. ليس الموضوع مناقشة مباشرة لا استعمال أم وبل التي تريد أن تشعرهم بحجم الفوضى التي في عقولهم. تشعرهم بحجم الفوضى التي في عقولهم. نبدأ نقرأ الآيات. قال أم يقولون شاعر. يقول سبحانه وتعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: 30]. طبعاً نتربص أي ننتظر. ننتظر بترقب ليس أي انتظار. التربص هو انتظار فيه ماذا؟ ترقب. يعني عم بنتظر شغلة وبترقب حصولها. فهم يقولون إنما شأن محمد صلى الله عليه وسلم كشأن شعراء الجاهلية كشأن امرئ القيس والنابغة وزهير بن أبي سلمى ننتظر أن يحل بهم ما حل بهم من الموت والهلاك ومصائب الدهر.

لذلك قال الله عز وجل يقول لهم: أنتم تقولون ذلك عن محمد صلى الله عليه وسلم تقولون شاعر نتربص أي ننتظر أن تقع به فواجع الدهر ريب المنون. المنون هو الدهر. المنون ما هو؟ المنون هو الدهر. أمن المنون وريبها تتوجع. كما قال أبو ذؤيب الهذلي. فالمنون هو الدهر. فلما يقول: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ أي نرتقب أن يحصل به ما حصل بالشعراء قبله من حوادث الدهر. ريب المنون هي مصائب الدهر. ريب المنون هذا التركيب ريب المنون هي ماذا؟ مصائب الدهر وقوارعه التي تحل بأي إنسان. فهم الله عز وجل يخبرهم: أنتم يا كفار قريش كنتم تنتظرونها أو تنتظرون أو لعلكم تنتظرون أن يحل بمحمد صلى الله عليه وسلم ما حل بالشعراء من قبلهم من قوارع الدهر.

قال الإمام النسفي رحمه الله تعالى وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ أي ينتظرون نوائب الزمان فيهلك فيهلك. كما هلك من قبله من الشعراء زهير والنابغة. زهير بن أبي سلمى والنابغة الذبياني كلهم هلكوا. فمحمد صلى الله عليه وسلم إنما هو باختصار شاعر كالشعراء. هكذا قالوا. قال: وأم في أوائل هذه الآية منقطعة بمعنى بل. والهمزة. بل والهمزة. الآن في فائدة لغوية سريعة. أم أحبابي الكرام أم في العربية على نوعين. هناك أم المتصلة وهناك أم المنقطعة. أم المتصلة هي التي تقع بين المفردات. تقول: أجاء محمد أم زيد؟ أكلت لحماً أم خبزاً؟ هذه تسمى أم المتصلة. ممتاز. وهناك أم المنقطعة التي تكون بين الجمل. أم المنقطعة التي تعطف جملة على جملة وليس مفردة على مفردة. هي تسمى أم ماذا؟ المنقطعة.

وأم المنقطعة هي بمعنى بل وهمزة الاستفهام. لذلك هو ماذا قال؟ قال: وأم في أوائل هذه الآية أولاً هي أم المنقطعة وليست أم المتصلة. وأم المنقطعة في لسان العرب هي بمعنى ماذا؟ بل زائد همزة الاستفهام. بالتالي معنى قوله تعالى: أم يقولون شاعر نتربص به. ما تقديرها؟ بل أيقولون. بل أ. تجيب بل وتحط بعدها همزة الاستفهام. يعني بل أتقولون شاعر نتربص به ريب المنون. وكما قلنا هنا بدأ أسلوب الإضراب لأنه هنا مش قلنا بل إضراب انتقالي أو إضراب إبطالي. هنا نوع من ماذا؟ من الإضراب. فالله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾. ثم بعد ذلك أخذ يخاطب كفار قريش. بل لعلكم تقولون أنه شاعر نتربص به حوادث الدهر.

فماذا أجابهم الله؟ قال: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور: 31]. أتربص هلاككم كما تتربصون هلاكي. جيد. يعني إنسان يترقب هلاكك ويترقب أن تنزل بك قوارع الدهر. أنت ماذا تقول له؟ أنا أيضاً أتربص وأترقب هلاكك. إذا كنت أنت تترقب هلاكي وفساد ما أنا فيه إذًا أنا أيضاً سأترقب هلاكك وأن ينزل الله سبحانه وتعالى بك قوارع الدهر. لأنني أنا واثق بالله. أنا واثق بإلهي. والفرق بيني وبينك وترجون من الله ما لا يرجون. هم كفرة هم ليسوا على منهج الرشاد والسداد. وأنت مؤمن عندك كل القيم وعندك كل العقائد التي تجعلك تصبر وتتحمل إلى أن يأتي الله سبحانه وتعالى بالنصر والظفر من عنده.

فالله عز وجل يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: إذا قالوا عنك شاعر نتربص به ريب المنون قل لهم: تربصوا. يعني انتظروا. فأنا أيضاً أنتظر معكم. أنتظر هلاككم وأن يحل بكم ما حل بالأمم السابقة من المكذبين. أكمل. قال: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَذَا﴾ [الطور: 32]. عقولهم. الأحلام هنا بمعنى العقول. مش يقولون: أولو الأحلام والنهى؟ الأحلام هنا ما معناها؟ العقول. قال: بهذا فكانوا أولي القول وهم قولهم: كاهن وشاعر مع قولهم: مجنون. وكانت قريش يدعون أهل الأحلام والنهى. ممتاز. قريش كانت معروفة عند العرب بأنهم أهل الحكمة وأهل الأحلام وأهل البصر.

فالله عز وجل يتحكم بهم في هذا المقطع. يقول: يا أهل يا أهل الأحلام يا أصحاب العقول يا حكماء الأرض هل حكمتكم هل أحلامكم هل عقولكم الناضجة هي التي تأمركم أن تقعوا في مثل هذا التناقض؟ فيوماً تقولون عن محمد صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر. في يوم آخر تقولون عنه أنه مجنون. يوم آخر تقولون عنه بأنه ماذا قالوا؟ شاعر كاهن. هذا التناقض يعني أنتم لم تصلوا إلى شيء فيه. لم تستطيعوا أصلاً أن تتفقوا على شيء في توصيفه. هل أحلامكم وعقولكم هي التي دعتكم إلى هذا التناقض وإلى هذا الاضطراب وإلى هذا الانزعاج من محمد صلى الله عليه وسلم؟ طبعاً واضح أن هذا أسلوب تهكم بهذه الأحلام. وأنه كما تعرفون كثير من الناس يظن في نفسه أنه يعني يفهم وأنه يعقل ثم لما يتكلم في أمور العقائد والأديان لا يفقه شيئاً. ومسكين يعني، ما فائدة عقلك ونضجك وفهمك في أمور الدنيا، إذا كان هذا العقل وهذا النضج لم يقِدك إلى الله سبحانه وتعالى.

كثير من الناس كما قلنا عنده إشكالية نفسية، يعني هو يشعر نفسه أنه ناضج كثيراً، وأنه أعلى من أن يدخل في المسائل الشرعية، وأنه أعلى من أن ينصاع لأحكام الله سبحانه وتعالى، خصوصاً كثير هؤلاء الذين يدخلون في التخصصات العلمية. تجد درس فيزياء الكم، درس الفلك، ودرس نوع الأحياء وما شابه ذلك، فيذهب به علمه إلى ماذا؟ إلى الإلحاد، بدلاً من أن يقوده إلى الله سبحانه وتعالى. فأمثال هؤلاء يتهكم بهم: أم تأمرهم أحلامهم بهذا؟ هل أنتم يا علماء فيزياء وعلماء الكيمياء والأحياء، هل عقولكم التي أنتم تفاخرتم بها، هل هي أمرتكم أن تلحدوا وأن تخالفوا الضروريات العقلية، وأن تخالفوا البديهيات التي لا ينكرها الأطفال الصغار؟ فهذا النوع من التهكم يصلح لأمثال هؤلاء جميعاً.

أم تأمرهم أحلامهم بهذا؟ أي التناقض في القول، أي أحلامكم أوقعتكم في هذا التناقض، فمرة تقولون كاهن، ومرة تقولون شاعر، ومرة تقولون مجنون. قال: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الطور: 32]، مجاوزون الحد في العناد مع ظهور الحق لهم، وإسناد الأمر إلى الأحلام من الناس. نعم، كما قلنا لاحظوا أنه هنا أم عم تستعمل بكثرة، حتى يكون هناك اضطراب، يعني أم تأمرهم، أي بل أتأمرهم أحلامهم بهذا؟ طبعاً هذا أسلوب كما قلنا هو أسلوب استثارة للمخاطب، يعني هو في الآية السابقة قال: بل أيقولون شاعر نتربص به ريب المنون؟ طيب، قل تربصوا. طيب، بل أيقولون، أو بل أتأمرهم أحلامهم بهذا؟

هو عم يستعمل بل هنا بشكل متكرر لماذا؟ طبعاً أم اللي بمعنى بل، حتى يثير السامع. وحتى يوقعه في الاضطراب، يعني أنت شو مشكلتك بالضبط؟ كأنه يريد أن يقول لكفار قريش، انتم أين مشكلتكم بالضبط مع هذه الدعوة المباركة؟ فابتداء بدأ معهم، بل أتقولون شاعر؟ طيب، ثم قال: بل أو أم تأمرهم أحلامهم بهذا؟ هو العرب لما تسمع أسلوب أم أم أم، هي تعرف أن المتكلم يريد ماذا أن يفعل؟ انزعاج له. يريد أن يوقعه في الحيرة. انتم ما مشكلتكم مع محمد صلى الله عليه وسلم؟ لماذا هذا العناد؟ لماذا هذه المكابرة؟ لماذا لا تريدون أن توحدوا الله سبحانه وتعالى؟ ما مشكلتكم مع هذه الدعوة؟ فاستعمال أسلوب أم هنا عالي جداً، وفخم أنه يعمل إزعاج لهم، يعمل إزعاج واضطراب، لعلي مشكلتي هذه، طيب لا، ممكن مشكلتي هون، لا، لعلك مشكلتك في نقطة أخرى، هو سبب له إزعاجاً حتى يعيد النظر في نفسه، ما هي مشكلتي؟ ما هي مشكلتي مع محمد صلى الله عليه وسلم؟ لماذا لا أؤمن بدعوته وبمضامين هذه الرسالة المباركة؟ أنا أريدك أن تستشعر معنى أم هنا، وضرورتها في إحداث الانزعاج للمعاندين والمحاربين.

أم تأمرهم أحلامهم بهذا؟ ثم قال الله: ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ يعني بل لعلهم قوم طاغون، وهذه الحقيقة، يعني أم تأمرهم أحلامهم بهذا، لا لا، بجوز مشكلتكم أحلامكم، بل هم قوم طاغون. طبعاً استعمل أم، أم بمعنى بل، بل هم قوم طاغون، أي بل لعلكم قوم عندكم طغيان نفسي، واستعلاء نفسي على قبول الحق، وهذا هو الحقيقة. والله عز وجل صحيح عم يشعرهم بالانزعاج، بس عم يبين لهم وين مواطن الإشكالات النفسية عندهم، مواطن الإشكالات النفسية أساسها طغيان النفس، والشعور بالاستعلاء، والشعور أننا أكبر من أن نتبع بشراً، والشعور بأننا أكبر من أن نوحد الله سبحانه وتعالى، هذا هو طغيان النفس وشعورها بعدم الحاجة للانصياع لله الواحد الأحد.

أم هم قوم طاغون، والطغيان كما فسره النسفي هو مجاوزة الحد في العناد مع ظهور الحق لهم، يعني الحق ظاهر، وأنتم عارفين سيرة محمد صلى الله عليه وسلم، لكن مشكلتكم النفسية والوجدانية هو الطغيان، نفسكم طغت ولم ترِد الانصياع. قال: وإسناد الأمر إلى الأحلام مجاز، اه هو يعود إلى أول الآية، قوله تأمرهم أحلامهم، ما إعراب أحلامهم؟ فاعل. هذا يسمى في علم البلاغة المجاز العقلي، لأنه الأحلام لا تأمر. الأحلام والعقول لا تأمر، العقول تفكر. فالقول بأنه أمر، أمر، أمرك عقلك بكذا، هذا يسمى مجازاً وليس حقيقة. عندما أقول: هل أمرك عقلك بكذا؟ العقل لا يأمر، هم يقولون العقل هو يفكر، وهناك تعليمات، فالتعبير بأن العقل أمر، أمر عقلي بكذا، هذا تعبير مجازي.

تعبير مجازي، والمراد به أنني فكرت هذا التفكير فتوصلت إلى هذه النتيجة، فهذا تعبير مجازي إسناد الأمر إلى الأحلام في قوله: ﴿أم تأمرهم أحلامهم﴾ [الطور: 32]. أمرتهم أحلامهم هذا ليس حقيقة في لسان العرب، لماذا؟ يقولون لأن الأحلام والعقول هي لا تأمر، العقول تفكر ويتوجه الإنسان بناء على هذا التفكير إلى نتائج معينة، هذا التفكير الذي يقودك إلى نتائج معينة أعبر عنه مجازا بماذا؟ أمره عقله بكذا، فهذا تعبير مجازي.

قال: ﴿أم يقولون تقوله﴾ [الطور: 33]، اختلقه محمد صلى الله عليه وسلم اختلاق نفسي، بل رد عليهم. مشكلة أخرى لعلكم تقولون أن محمدا صلى الله عليه وسلم تقوله هذا القرآن من عنده واختلقه من كيسه، لعلكم تقولون هذا؟ طبعا هو نفس الشيء، هو استثارة لكل المشاق ولكل الأقوال التي كانوا يقولونها عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهم كانوا يقولون نحن نتربص بك أن يقع بك ما يقع بالشعراء، كانوا يقولون عنه كاهن وساحر، كانوا يقولون عن القرآن إنه تقوله واخترعه من عنده، فالقرآن عم يجيبهم كل أقوالهم، عم يستثير كل هذه الأقوال باستعمال أسلوب كما قلت التشويش عليهم وإحداث ضجيج عندهم في حياتهم.

قال: بل رد عليهم أي ليس الأمر كما زعموا، لا يؤمنون لعنادهم، يؤمنون بهذه الأقوال عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا قولهم وأنه ليس من متقول لعجز العرب عنه، وأن محمدا إلا واحد من العرب. فإذن أنتم لستم صادقين في قولكم أن محمدا تقوله، يعني أنتم في قرارة أنفسكم تعلمون أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يتقوله، وأنتم في قرارة أنفسكم تعلمون أنكم عاجزون عن معارضة القرآن وأنه كلام معجز، لكن كما قالوا هي حيلة المفلس؛ إنسان مفلس ما استطاع أن يواجه القرآن، ما استطاع أن يأتي بمثله، فكان الحل أن يشوش، فمرة قالوا أخذه من رومي، ومرة قالوا اخترعه من عنده، وهكذا.

بدأوا بهذه الدعاوى، لكنهم في باطنهم ماذا قال الله عز وجل؟ ﴿بل لا يؤمنون﴾ [الطور: 33]، فمشكلتكم مع عدم الإيمان فقط، أنتم مش مشكلتكم أنه والله محمد صلى الله عليه وسلم هل فعلا قاله من عنده ولا لا؟ أنتم تعلمون أنه ما قاله من عنده، أمي لا يقرأ ولا يكتب، كيف يقول مثل هذا الكلام من عنده وفيه من أخبار الغيب وما شابه ذلك؟ فأنتم في قرارة أنفسكم تعلمون أنه لم يخترع وأنه لم يتقول، لكنكم لا تريدون الإيمان.

لكنكم لا تريدون الإيمان، كذلك كثير من الكفار اليوم عندما يناقشون في شبهات الإسلام، هم ليس لم يقتنعوا، ليست حجج الإسلام ضعيفة، هو اقتنع، هو يعلم أن الإسلام صحيح وأن حجج الإسلام باهرة وقاهرة، لكن وايش مشكلته؟ هو لا يريد أن يؤمن، هو واصل لمرحلة العناد، هو يريد أن يتبع هواه وشهواته، فهكذا تقول لهم، يعني تظن أن الإسلام أدلته ضعيفة؟ تظن أن الإسلام لما يخاطبك لا يخاطبك بالمنطق والعقل الصحيح؟ أنت تعلم أن أدلة الإسلام باهرة، أنت تعلم أن أدلة الإسلام مقنعة بعد كل هذا النقاش والحوار، لكن مشكلتك العناد، العناد النفسي، أنك تريد أن تبقى متبعا لهواك، وهذا يجعلك لا تؤمن أبدا بالحقيقة.

قال: ﴿فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين﴾ [الطور: 34]، مثل القرآن، إن كانوا صادقين في أن محمدا تقوله اختلاق نفسي. قال: لأنه بلسانهم وهم فصحاء، يعني إذا كنتم صادقين في زعمكم أن محمدا صلى الله عليه وسلم تقوله من عنده، محمد عربي وبشر، وأنتم عرب وبشر، إذا الأصل أن تستطيعوا أن تأتوا بمثل ما أتى به محمد صلى الله عليه وسلم من عنده إن كنتم صادقين بأنه جاء به من عنده، يعني إذا أنتم تقولون، هذا حوار في قمة العقلانية، أنتم تقولون محمد صلى الله عليه وسلم اتى بهذا الكلام من عنده، صحيح؟ طيب، محمد عربي، عربي مثلكم، وبشر، بشر مثلكم، إذا ما الذي يمنعكم أن تحاكوا طريقته، وأن تأتوا بقرآن مثله؟ فليأتوا بحديث، الحديث المراد به القرآن هنا، فليأتوا بقرآن آخر، أو بكلام آخر، تمام؟ مثل هذا الكلام الذي أنزلناه على محمد صلى الله عليه وسلم، إن كانوا صادقين بأن محمدا تقوله من عنده، وهذا حجاج واضح لهم.

قال: ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾ [الطور: 35]، أم أحدثوا وقدروا تقديرا ذاتيا عليهم ذواتهم، من غير شيء، من غير مقدر، أم هم الخالقون، أم هم الذين خلقوا أنفسهم، حيث لا يعبدون الله. هنا انتقل لمناقشة مشكلة أخرى من مشاكلهم، يعني قبل قليل كان يناقش مشاكلهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، الآن سيناقش مشاكل الكفار في موضوع الربوبية والألوهية، أنتم أيها الكفار لا تريدون أن تخلصوا التوحيد لله سبحانه وتعالى، أنتم أيضا من مشاكلكم الفكرية والعقدية أنكم لا تريدون أن تخلصوا التوحيد لله سبحانه وتعالى، ما مشكلتكم أيضا في هذه الجزئية؟ شوفوا هو يحاورهم في سياقات عديدة، نأتي معكم الآن إلى سياق التوحيد.

ما مشكلتكم مع التوحيد؟ الآن إذا كنتم موقنين أن هذا الإله الذي دعاكم محمد إليه صلى الله عليه وسلم، وأنتم طبعا تقرون به، هو الذي خلقكم، وهو الذي أوجدكم، وهو الذي خلق السماوات والأرض وحده، إذا هذا يستدعي منكم ماذا؟ أن توحدوه بالعبادة وألا تقصدوا سواه، مش دائما يقولون علماء العقيدة توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية؟ إذا كنتم تؤمنون أنه هو الذي خلقكم وخلق السماوات والأرض وبيده التصرف التام، إذا المنطق والعقل السليم يطلب مني أن أتوجه بالعبادة إلى هذا الإله الذي بيده الخلق والامر والرزق وخزائن السماوات والأرض.

طيب خلونا نناقش إشكالياتكم في هذا الموضوع، لعلكم تعتقدون أنكم خلقتم صدفة؟ أو لعلكم تعتقدون أنكم خلقتم أنفسهم؟ الآن هي ثلاث أمور لا رابعة لها كما يقولون: أما أن يكون الله خلقك، واما أن تكون خلقت من الصدفة لا شيء، واما أن تكون أنت خلقت نفسك، في احتمال ثالث، يعني اما أن يكون الله أو هناك ذات -بغض النظر- اما أن يكون هناك ذات خارجة عنك هي التي خلقتك، هذا الاحتمال العقلي الأول، واما أن تكون أنت خلقت من العدم من المصادفة، واما أن تكون أنت خلقت نفسك بنفسك، مش هذه الاحتمالات العقلية الثلاث؟

طيب نجي على الاحتمال الثاني والثالث، أن تكون خلقت من الصدفة والعدم، يعني هكذا الصدفة أوجدتك، هذا مستحيل عقلا، لماذا؟ لأن الصدفة لا يمكن أن تخلق جسدا بكل هذه الدقة وهذا الإحكام، وبالعين والسمع والبصر وكل شيء في مكانه، وهذه الخلايا وهذه الدماء، حتى علماء الإلحاد اليوم يقرون كثير منهم أن الصدفة لا يمكن أن تخلق جسدا معقدا بكل هذه الكيمياء وبكل هذه الخلايا والدماء والأعصاب وهذا الجهاز الكامل، صحيح؟ إذا لا يمكن أن تكون الصدفة هي التي أوجدتكم، ﴿أم خلقوا من غير شيء﴾ [الطور: 35] هذه مستحيل، طيب ﴿أم هم الخالقون﴾ [الطور: 35]، يعني لعلكم انتم خلقتم أنفسكم بأنفسكم؟

عقليا، هل يمكن للشيء أن يوجد نفسه من العدم؟ هل يمكن للإنسان المعدوم أن يوجد نفسه؟ هذا أصلا يؤدي إلى تسلسل، يعني يضرب في العقل تماما، كيف أوجد نفسي وأنا كنت في العدم؟ هل هذا يمكن عقلا؟ هذا لا يمكن عقلا، أن توجد نفسك من الضرورات والبدهيات العقلية أن الشيء لا يوجد نفسه، إذا الله أبطل عليهم هاتين المقدمتين: أن يكونوا خلقوا من لا شيء أو أن يكونوا أوجدوا أنفسهم بأنفسهم، فماذا بقي؟ أن يكون الذي خلقهم شيء خارج عنهم وهو الله سبحانه وتعالى.

فإذا كنتم لم تخلقوا أنفسكم وكنتم لم تخلقوا من العدم، إذا الأصل أن تنقادوا إلى الذي خلقكم وأوجدكم، وهو الخيار الثالث وهو الصحيح، وهو الله سبحانه وتعالى، تنقادوا له عبادة وتوحيدا ولا تشركوا معه شيئا آخر. طبعا ممكن شخص يقول طب هم مش ممكن يعتقدوا أن الأصنام خلقتهم؟ لا، هم لا يعتقدون ذلك، يعني من يعرف كفار قريش يعرف أن كفار قريش أبدا ما قالوا إن الأصنام تخلق، وإنما قالوا: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: 3]، فالحوار مع هؤلاء المشركين الذين هم يقرون أن أصنامهم ومعبوداتهم لم تخلقهم، فالحوار على هذا المستوى.

ثم قال: ﴿أم خلقوا﴾، لذلك قال: ﴿أم خلقوا﴾ أي أم أحدثوا وقدروا التقدير الذي هم عليه من الوجه والقدم واليد الذي عليه فطرتهم، من غير شيء أي من غير مقدر، هي صدفة؟ ﴿أم خلقوا من غير شيء﴾ [الطور: 35] أي من غير مقدر، ويعني مصادفة، طبعا هذا استنكار عليه مستحيل هذا عقلا.

طيب ﴿أم هم الخالقون﴾ [الطور: 35]؟ لذلك جبير بن مطعم قال عندما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الآية: كاد قلبي يطير! ليه؟ لأن هذه الآية بالتحديد أنها ملزمة ومقنعة ومفحمة، لأنه أنتم يا كفار قريش يا جبير ويا أبو جهل وكلكم، ما الذي يمنعكم أن تخلصوا الععبادة لهذا الإله وتنقادوا للدعوة إليه إذا اقتنعتم أنكم لستم من أوجد أنفسكم وأنكم لستم خلقتم من العدم، واقتنعتم أن الذي أوجدكم هو الله؟ هو المنطق العقلي السليم أن تعبد من أوجدك ومن خلقك ومن أمرك بيده، هكذا العقل السليم يدعو.

فهذه كانت بالنسبة لجبير بن مطعم فارقة، لذلك قال: وكان ذلك أول ما وقر الإسلام في قلبي، الحجة هذه بالنسبة له كانت حجة فارقة، كانت سبب في أنه الإسلام وقر في قلبه من عندئذ وأراد أن يسلم، لكنه أسلم بعد ذلك رضي الله تعالى عنه.

طيب ثم قال: ﴿أم هم الخالقون﴾ أي هم الذين خلقوا أنفسهم حتى لا يعبدون الخالق؟ وقيل هناك توجيه آخر لفهم الآية، طبعا التوجيه الذي ذكرناه هو المشهور حقيقة وأنا يعني أنصحكم أن تتمسكوا به، هناك تفسير آخر للآية، وقيل اقرأ، قال: وقيل أم خلقوا من أجل لا شيء، أم جزاء ولا حساب، نعم هناك من قال أم خلقوا من غير شيء أي أم خلقوا لغير حساب ولا ثواب ولا عقاب، حملها على تفسير آخر.

البعض قال: مش ﴿أم خلقوا من غير شيء﴾ [الطور: 35] أم خلقوا من الصدفة؟ لا لا، فسر أو فكر في الآية بطريقة أخرى فقال: أم خلقوا من غير شيء يعني أم خلقوا لغير شيء، أم خلقوا من غير شيء أي أم خلقوا لغير شيء، يعني هل خلقتم عبثا؟ ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا﴾ [المؤمنون: 115]، فالمراد من غير شيء أي لغير شيء، هل تعتقدون أنكم خلقتم ليس لهدف ليس لغاية، ليس لثواب ولا عقاب ولا جنة ولا نار، فقط لتأكلوا وتتمتعوا وتتناكحوا؟ هل من أجل هذا خلقتم؟ لا، أنتم فاهمين الأمور غلط، نعم.

قال: ﴿أم هم الخالقون فلا يأتمرون﴾ [الطور: 35]، أم هم الخالقون لأنفسهم فلا يحتاجون إلى أن يأتمروا بكلام غيرهم، أم هم الخالقون لأنفسهم فلا يحتاجون أن يأتمروا بكلام غيرهم. لكن كما قلت هذا يعني فيه عدة إشكاليات وردت على هذا التفسير، فلا خلينا على التفسير الأول أنه هو الذي ينساب مع سياق الآية، من غير شيء وما قال لغير شيء، قال من غير شيء فهذا يتناسب مع التفسير الأول أكثر من التفسير الثاني، لأن التفسير الثاني يحتاج أن تتأول من غير شيء بمعنى لغير شيء، فلا ليش أني أروح على التأويل؟ خليني على المعنى الظاهر المتبادر وهو الأصوب والله أعلم، نعم.

قال: ﴿أم خلقوا السماوات والأرض فلا يعبدون خالقهما﴾، اه طيب هنا ايش موطن ﴿أم خلقوا السماوات والأرض﴾ [الطور: 36]؟ يعني هيك واحد فيكم يفكر، هو قال: ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾ [الطور: 35] وعرفنا الجدال العقلي اللي فيه، طيب ﴿أم خلقوا السماوات والأرض﴾ شو فائدتها هنا؟ نعم، اه طيب يعني ولماذا قال ﴿أم خلقوا السماوات والأرض﴾ [الطور: 36]؟ يعني هو ما الذي في أذهان كفار قريش يمكن أن يكون؟

شيخ إن كانوا هم غير قادرين على خلق أنفسهم، فهم شيخ هم أعجز عن خلق السماوات والأرض، ممكن هذا أحد الأقوال التي يمكن أن تقال، لماذا أتبع بقوله ﴿أم خلقوا السماوات والأرض﴾ [الطور: 36]؟ يعني أنتم عاجزون عن خلق أنفسكم، فمن باب أولى أن تعجزوا عن خلق ما هو أعظم من أنفسكم وهو خلق السماوات والأرض.

طيب تفكير آخر؟ أيوه، بما أنكم تؤمنون أن الله خلق السماوات والأرض فمن باب أولى أن يكون هو الذي خلقكم. طيب، يعني هو ربما كلامك يؤول إلى كلام الأخ بس أنا أشوف، إيه هل أنتم أعظم من الله عز وجل خلقتم السماوات والأرض فلا تعبدون الله، إلا أنتم لكم قدرة على خلق السماوات والأرض فلا تعبدون الله؟ ماشي يعني ممكن، إيه تفضل، افتراضية.

لا ماشي بس ما هدفها؟ أنا بدي الهدف، يعني هنا دعونا نقول كفار قريش أفحموا أنكم لم تخلقوا أنفسكم وأنكم لم تخلقوا من الصدفة، لكن لعل هناك شبهة في أذهانهم أنكم لعلكم شاركتم في خلق شيء من هذا الوجود، يعني أنتم لم تخلقوا أنفسكم لأنه هذا مستحيل عقلا، طيب ولم تخلقوا أنتم من العدم لأن هذا مستحيل عقلا، تبقى شبهة واحدة ماذا؟ أنه صحيح احنا ما خلقنا أنفسنا ولم نخلق من العدم لكن نحن شاركنا الخالق في خلق شيء من الموجودات، وبالتالي ليس لنا أن ننصاع له لأننا مشاركون له في الخلق!

تمام، شفتوا الفكرة هذه الأخيرة؟ أن لعل هذه الشبهة في أذهانكم، يعني ماشي أنتم ما خلقتم أنفسكم ولم تخلقوا من العدم، طب لعلكم تتصورون أنكم تشاركوني في شيء من الخلق حتى لو خلق شيء آخر؟ فقال: ﴿أم خلقوا السماوات والأرض﴾ [الطور: 36] يعني لعلكم ساعدتوني في خلق السماوات والأرض حتى اقتنعتم أنكم أهلا لأن تكونوا مستقلين ولا تخضعوا لهذا الإله ليه؟ لأنه احنا بنخلق زي ما هو بيخلق، نحن نشاركه في الخلق؟ أنتم لم تشاركوا في خلق شيء من هذا العالم، لا أنفسكم خلقتوها ولا خلقتم سماوات.

والأرض، ولا أي شيء في هذا الوجود لكم مشاركة فيه، فلماذا تدعون لأنفسكم؟ لماذا لا تنصاعون لخالقكم الذي خلق أنفسكم وخلق السماوات والأرض؟ فهنا هذه: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الطور: 36]، هو كأنها إجابة عن كافة الشبهات العقلية التي يمكن أن ترد على خاطرهم.

فهم يمكن أن يظنوا أن لهم شيئًا من التدخل في عملية الخلق، فالله يقول لهم: أعطوني شيئًا واحدًا خلقتموه. لعلكم خلقتم السماوات والأرض؟ يعني من باب المناقشة، وأنتم لم تفعلوا أيضًا ذلك.

قال: بل لا يؤمنون، أي لا يتدبرون في الآيات فيعلمون خالقهم وخالق السماوات والأرض. إذا نعم، إذا مشكلتكم يا جماعة والله أنتم عارفين.

﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: 14]. هم يعلمون الحقائق، لكن هي قضية العناد.

العناد والإعراض واتباع الهوى، هذا كله هو الذي يصرفكم عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم والانصياع لهذه الدعوة. القضية بل لا يوقنون، هذه مشكلتهم.

قال: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ﴾ [الطور: 37] من النبوة والرزق وغيرهما، فيخصون من شاءوا مما شاءوا. وهذه كلها مظاهر الربوبية الخلق. الخزائن، الخزائن هي خزائن الرزق، والتصرف في هذا الكون، خزائن الرزق والمطر وما شابه ذلك.

لعلكم عندكم يعني مشاركة لله في إدارة خزائنه؟ يعني هو كأنه يقول لهم: أنتم وين مشكلتكم؟ التوحيد، لماذا لا تريدون أن توحدوا؟ لعلكم خلقتم أنفسكم؟ هل أنتم الخالقون؟ لعلكم خلقتم السماوات والأرض؟ لعلكم لكم تدخل في قضية توزيع الأرزاق وتشاركوني فيها؟ فهذا أحدث لكم شبهة جعلكم لا توحدونني وتعتقدون أنكم مستقلون.

أم عندهم خزائن ربك؟ هل أنتم تملكون الخزائن الإلهية؟ هل أنتم توزعون الأرزاق وتقسمون الأمور بين الناس؟ مما جعلكم مصرين على موقف العناد، وأننا مع الله سبحانه وتعالى في نفس المقام، هو يفعل ونحن يفعل، هو يرزق ونحن نرزق. لعلكم تعتقدون شيئًا من هذا؟ كما قلنا هي الآية تحاول أن تؤلب عليهم المشاعر في هذه الأمور.

ما هي مشكلتكم مع التوحيد؟ إذا أم عندهم خزائن ربك؟ هل عندهم خزائن الرزق؟ حتى لا ينصاعوا فيكون لهم هم شيء من التدبير، كما أن الله له شيء من التدبير. وهذا كله كما قلنا على طريقة أهل السنة والجماعة هو تقرير لمقام الألوهية من خلال التقرير لمقام الربوبية.

وهكذا أسلوب القرآن، أنه يقر بمعاني الربوبية؛ الخلق والرزق والخزائن والإحياء والإماتة والتدبير والتصرف بيد الله، إذا العبودية يجب أن تنصرف لله سبحانه وتعالى وحده. فالقرآن يجعلك تقر بالربوبية لله حتى يأخذك إلى مقام الألوهية.

قال: أم هم المسيطرون، الأرباب الغالبون حتى يدبروا أمر الربوبية. يعني هل لكم سيطرة بأي شكل من الأشكال على أمر العالم العلوي أو السفلي؟ أم هم المسيطرون؟ يعني بل لعلكم مسيطرون، يعني لكم سيطرة في مثلًا قطعة من الأرض هذه خاصة لكم لا تخضع للإله، لكم قطعة في السماء أنتم مسيطرون عليها لا تخضع للإله.

أخبرونا لماذا تشركون؟ أنتم فهمتم الله يسكر عليهم المنافذ كاملة، هل لكم شيء؟ هل لكم سيطرة؟ هل لكم نفوذ؟ هل لكم تصرف؟ هل لكم تدبير؟ هل لكم خلق؟ هل لكم فعل في هذا الوجود؟ هل لكم فعل تدبير في هذا الوجود جعل هذا شبهة في أذهانكم منعتكم من توحيد الله سبحانه؟ كل هذا لا يوجد لكم. لذلك قال: ﴿أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور: 37]، هل هناك سيطرة بأي شكل من الأشكال لكم؟

أي المسيطرون فسرها النسفي بماذا؟ الأرباب الغالبون حتى يدبروا أمر الربوبية ويبينوا الأمور على مشيئتهم. طبعًا هي قد تكون ويبنوا، مش ويبينوا، قد تكون ويبنوا الأمور على مشيئتهم، يعني تحتاج لنظر.

قال: أو بالسين مكي وشامي، قراء مكة وقراء الشام قرأوها المسيطرون بالسين، ونحن نقرأها المسيطرون بالصاد، لذلك تحتها سين إذا بتلاحظوا في الرسم القرآني، أنه هناك من يقرأها بالسين، قراء مكة والشام.

قال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: 38]. أم لهم سلم؟ لعل يعني عدم إيمانكم لأنكم تملكون سلمًا تصعدون فيه إلى السماء فتعرفون به أمور الغيب، فلا تحتاجون إلى رسول يخبركم بما عند الله سبحانه وتعالى. أم لهم سلم يستمعون فيه فهم مستغنون عن محمد صلى الله عليه وسلم ودعوته؟ أم لهم سلم، سلم أي منصوب يرتقون به إلى السماء.

قال: يستمعون فيه. يستمعون فيه، في هنا بمعنى على. في هنا بمعنى ماذا؟ أنه أنت السلم ما بتسمع فيه، بتسمع عليه، تمام؟ ففي هنا بمعنى ماذا؟ على التقدير. أم لهم سلم يرتقون عليه فيسمعون عليه ما يحدث في الملأ الأعلى، ويأخذون الأخبار مباشرة، فلا يحتاجون إلى محمد صلى الله عليه وسلم والوحي الإلهي.

قال: يستمعون فيه كلام الملائكة وما يوحى إليهم من علم الغيب حتى يعلموا ما هو كائن من يتقدم هلاكهم وظفرهم في العاقبة دونهم كما يزعمون. هنا طبعًا هو رجع القضية أنهم يعلمون، يعني هل لهم سلم يرتقون فيه إلى السماء؟ فعلموا من خلال ذلك أن محمدًا سيهلك قبلهم وأنكم ستنتصرون على محمد.

هو نوع من التهكم صلى الله عليه وسلم، أنهم كانوا يقولون نحن سننتصر عليه وأنت ستصيبك قريبًا المنون كما أصابت غيرك. وهنا ماذا يقول الله سبحانه وتعالى؟ يعني لعلكم صعدتم على سلم في السماء فاستمعتم الملائكة تقول فيما بينها أن محمدًا سيهزم وأنكم ستظفرون عليه وأن العاقبة لكم، يعني من وين جبتوا هذه المعلومة؟ من وين جبتوا هذا الاستهزاء بمحمد صلى الله عليه وسلم وتوقع والجزم أنكم المنتصرون في النهاية؟

ماذا إذا يقول النسفي؟ اقرأ العبارة مرة أخرى: كلام الملائكة وما يوحى إليهم من علم الغيب حتى يعلموا ما هو كائن من يتقدم هلاكهم وظفرهم في العاقبة دونهم. أنتم ستظفرون في العاقبة دونهم، محمد صلى الله عليه وسلم سيهزم وأنتم ستظفرون، هكذا يقولون، أننا نحن سننتصر وأنت يا محمد صلى الله عليه وسلم ستهزم وفي النهاية مآلك كمآل النابغة وغيره من الشعراء، وأنت دمرت نفسك ودمرت حياتك.

الله عز وجل يقول لهم: من أين أخذتم كل هذه المعلومات ووصلتم إلى هذه الأخبار؟ هل لكم سلم صعدتم عليه وارتقيتم عليه إلى السماء فأخذتم هذه الأفكار أم هي من بنات عقولكم؟

قال الزجاج: يستمعون فيه أي عليه، كما قلنا الزجاج من أئمة اللغة، يقول: في هنا بمعنى ماذا؟ عليه، في بمعنى على.

قال: ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: 38]، بحجة واضحة تصدق استماع مستمعيه. يعني هذا المستمع الذي طلع على السماء وسمع فليأتنا بسلطان، يعني جيب لنا حجة بينة تؤكد لنا أنك صادق، أنك صعدت إلى السماء واستمعت وأتيت هذه المعلومات. إيتنا بسلطان، السلطان ما هو؟ الحجة، الحجة. إيتنا بسلطان أي بحجة واضحة ودليل بين يؤكد فعلًا أنك استطعت الصعود إلى السماء والحصول على هذه المعلومات.

طبعًا هذا كله من التهكم بهم، واضح السياق، سياق تهكم بهؤلاء القوم المكذبين.

قال: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ [الطور: 39]. مشكلة أخرى، مشاكلهم كثيرة كفار قريش، تمام؟ مشاكل في التوحيد، مشاكل في الربوبية. مشكلة أخرى من مشاكلهم الفكرية التي يحاورهم الله عز وجل بها، هم ماذا كانوا يقولون؟ يقولون الملائكة بنات الله، تمام؟ فيجعلون لله سبحانه وتعالى البنات.

يعني هم مشكلتهم في شغلتين، أنهم جعلوا الملائكة بنات ونسبوها لله وهم لهم ماذا؟ الذكور. يعني شو هي المصيبة؟ جعلتم الملائكة بنات، وجعلتم الله يختص بالبنات وأنتم تتبرأون من البنات. كفار قريش كان يصيبهم العار، وإذا إيش الآية؟ ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: 58].

آه، يعني أنتم ما عندكم مشكلة أن الله يكون له بنات، أما أنتم يكون لكم بنات مشكلة، صحيح؟ فنسبتم إلى ربكم الذي تعلمون بوجوده النقائص، وهذا من أقرب الحالين. يعني أنتم تعلمون أن الله ربكم، كفار قريش كان يعلمون أن الله رب، لكن إيش مشكلتهم كانت؟ الشرك. يعني كفار قريش لم يكونوا منكرين لوجود الإله، وما كانوا منكرين أن الله هو الخالق وأن الله هو الرازق، فهنا يخاطبهم الله بناءً على هذا المستوى.

فكنتم تقرون أني أنا الخالق الرازق الرب، هل يليق أدبًا وعرفًا ومروءة أن تنسبوا لي البنات وتقروا لكم بالبنين؟ يعني حتى لما أتيتم تقسموا القسمة قسمتوها غلط، حتى وهي طبعًا هي أصلًا قسمة ابتداءً فاشلة، بس يعني حتى كأنما من باب المجاراة لكم، حتى لما قسمتم القسمة قسمتموها بطريقة تنقص من ربكم الذي تقرون أنه الرب؛ جعلوا لله البنات وأرادوا لهم البنين، عجبًا من شأنكم.

قال: ثم سفه أحلامهم، أي يختارون لله ما يكرهون وهم حكماء عند أنفسهم. يعني إيش هي الحكمة؟ أنتم يا حكماء، يا مجلس الحكماء، يا أصحاب العقول، هل هذه قسمة ترضونها للإله؟ هل هكذا يعامل الإنسان ربه؟ ينسب لربه النقائص التي يكرهها هو لنفسه؟ عجيب شأنكم.

قال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: 40] على التبليغ والإنذار. طيب، مشكلة أخرى أو طريقة أخرى من التهكم بكفار قريش، لا لا، لعل مشكلتكم مشكلة أخرى، يعني هي تقول لا لا لعل المشكلة مشكلة أخرى، لعلك يا محمد صلى الله عليه وسلم أن تطلب منهم راتب شهري على قيامك بالتبليغ، لعله هذا الموضوع هو الذي أثقل كاهله فجعلهم لا يريدون الانصياع لأمره.

قالوا: إذا انصعنا له سنصبح ندفع له راتب شهري أجرة يريدها، هل لعلك طلبت منهم شيئًا من ذلك؟ أم تسألهم أجرًا فهم من مغرم مثقلون، يشعرون أن هذا والله دين يثقل كاهلنا ولا نستطيع أن نؤديه فقالوا خلاص لا نتبعه، لعله هذه مشكلة عندكم.

قال: أم تسألهم أجرًا على التبليغ والإنذار فهم من مغرم مثقلون. والمغرم أن يلتزم الإنسان ما ليس عليه.

قال: أي لزمهم مغرم ثقيل فدحهم. فدحهم يعني قسم ظهرهم، كيف تقول والله أنا التزمت بشغلة والله كسرت ظهري يا شيخ، والله تحملت حمولة أو تحملت وعي أو كنت وكيل وفا ولا شو هذا في العشاير؟ وكيل كفا ولا وكيل المهم من هذه الأمور تحملت حمولة وكسرت ظهري فادحة.

فيقول: لعلك يا محمد صلى الله عليه وسلم تطلب منهم مبالغ عالية فأثقلتهم بذلك وفدحتهم وأوقعتهم في ثقل، لعله هذه المشكلة، طبعًا هذا كله تهكم، تهكم بهم.

قال: أي لزمهم مغرم ثقيل فدحهم فاستثقلوا ذلك في اتباعك.

قال: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ﴾ [الطور: 41]. طبعًا هنا هذه الآية حقيقة نستشف منها شيئًا وهي محل الشاهد، وهو أن الأصل في الداعي إلى الله لا يأخذ مقابلًا على دعوته. ممكن نأخذ منها هذه الفكرة، لأن الله عز وجل يريد أن يقول له يا محمد صلى الله عليه وسلم: أنت لم تطلب منهم شيئًا، لا طلبت منهم دينارًا ولا درهمًا ولا زوجة ولا مسكنًا، وإنما طلبت منهم اتباع الدين، فكان هذا فيه إشارة أن طلب الأجرة على الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى كان فيها شيء من النقص وليست من الكمال.

وهذا يجعلك أنت كمسلم وكطالب علم وكداعية ومدرس تعلم الناس الخير، حاول قدر المستطاع ألا تأخذ شيئًا من الناس، حاول. طبعًا أنا أعرف حكم الزمان وأحوال الناس، وأن الدعوة إلى الله أحيانًا تتوقف إذا لم يؤخذ مقابلها شيء، وأن الداعي قد ينشغل. أعرف بعض الملفات التي قد تضطر الداعية وتلجئه أحيانًا إلى أن يأخذ ما يسد به ماذا رمقه حتى يستمر البرنامج الدعوي، هذه مصلحة، لكن الأصل في الدعوة إلى الله أنها مجانية.

لأنه بعض الناس بيصير يتخير في سوق الدعوة اليوم، بشوف مثلا مركز معين والله هذا المركز بيعطيني راتب 300، بسم الله. بشوف مركز آخر 500، مع أنه في ممكن في المركز الذي يعطيه 300 يكون عمله الدعوي أكثر وأنفع للناس، لكنه ففضل الراتب الأعلى ليه؟ هو ماخذ الدعوة يا إخوانا بزنس، هو عم بيفاصل عليها، أنا بعطيكم محاضرة عن الدعوة ومستعد أبكيكم ها، بس بـ 100 دينار عليها، مش 100 دينار ما في بكي ليه؟ شو يا شيخ يعني أقدم الفاصل ولا أقدم الدولار؟ يعني دعوة إلى الله؟

تمام، بعض الناس هو يظن أنه يدعو إلى الله ويفاصل على المحاضرة، 50 دينار ولا 100 دينار؟ والله أنا أقل 100 دينار ما بعطيش محاضرة سامحوني. معناه أخي الكريم أصلا خطأ تكون داعية، إذا أنت عم بتفاصل لي على دعوة أنه أعطيك محاضرة بـ 50 صعب، أنا بعطيك بـ 100 دينار فصاعدًا، معناه أنت تلعب بدين الله سبحانه.

طبعًا أنا أعرف بعض المشايخ بيصير يأولها ويقول لك أنا تخيلت، لكن أنا حقيقة الذي أشعر أنه يفاصل على دعوته إلى الله سبحانه وتعالى أشعر أن هناك مشكلة لديه، هذه دعوة، أنت تخبر الناس بالدار الآخرة، بالعقائد، بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، تزهدون في الدنيا وترغبون في الآخرة، فلا ينبغي لهذا أن يكون بمقابل. إذا أخذت مقابلًا خذ ما تيسر، خذ ما تيسر، أما متى أصبحت مفاصلًا قويًا على أمور الدعوة في الدينار والدرهم فاعلم أن هناك علامة استفهام عريضة على ما معنى الدعوة إلى الله في مفهومك أنت.

فالله عز وجل يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: أم تسألهم أجرًا؟ هل هناك أجر أنت تطالب به؟ فلعللك أثقلتهم بذلك، إذا فيها تنبيه من سمعي دلالة تنبيه، فيها دلالة تنبيه أن الأصل في الداعية لا يأخذ الأجر في مسيره إلى الله سبحانه وتعالى.

قال: أم عندهم الغيب أي اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه حتى يقولوا لا نتبعك وإن جئتنا بالعذاب. طبعًا هي يعني النسفي قيدها بهذه العبارة حتى يقولوا، لكن عموما يعني أم عندهم الغيب فهم يكتبون أي لعلهم هم مطلعون كما قلت على الغيب.

فيكتبون من اللوح المحفوظ مباشرة، فلا يحتاجون إليك يا محمد صلى الله عليه وسلم ولا إلى دعوتك، بغض النظر شو المكتوب يعني. أنا شعرت النسفي ضيق شوي المعنى. لا، أم عندهم الغيب فهم يكتبون أي لعلكم أيها الكفرة اللوح المحفوظ بين أيديكم، اطلعتم على أمور الغيب وسجلتموها، فعرفتم ما يصلح وما ينفع وما يضر وما يأتي. فأصبح وجود محمد صلى الله عليه وسلم لا معنى له في حياتكم. خذوا الآية على هذا العموم أفضل.

طيب، قال: أم يريدون كيدا وهو كيدهم في دار الندوة لرسول الله وللمؤمنين. اه هنا قال: أم لعلكم تريدون بكل هذا العناد وبهذا الاستكبار لعلكم تريدون أن تكيدوا الإسلام والمسلمين. هذا حقيقة، هذا مش تهكم. لا، هون هنا سؤال حقيقي ليخبرهم أنني أعرف ما في نفوسكم، أنتم مش مشكلتكم أنكم اطلعتم على هذا الغيب ولا أن لكم سلما تستمعون فيه، ليست مشكلتكم أن محمد صلى الله عليه وسلم يطالبكم بأجر. أنتم مشكلتكم أنكم تريدون أن تكيدوا للإسلام وتريدون أن تتآمروا عليه.

أم تريدون كيدا؟ تظنونني لا أعلم ما الذي في بواطن نفوسكم؟ الكيد بمعناه العام، سواء هو خصها في دار الندوة، لكن هي حقيقة عامة من ذلك، أي كيد كادوه للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه. نعم، قال: فالذين كفروا إشارة إليهم وأريد بهم. فالذين كفروا، وشوف الأسلوب هذا اسمه أسلوب ماذا؟ ما ذكرناه سابقا في بداية الفاتحة، أسلوب ماذا؟ لما قال: أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون.

تمام، أحسنت، كأنه شيء من الالتفات. هو يعني هو شوف صعب نقول إنه التفات تام، الآن انتبهت أنه هو كل السياق سياق غيبة. أم عندهم؟ أم هم المسيطرون؟ أم لهم سلم يستمعون فيه؟ لا، هنا ممكن نقول إنه مش سياق التفات، ده حقيقة، لأنه هو لو كان يخاطبهم ثم قال يعني لو كانت الآية أم تريدون كيدا فالذين كفروا، نعم، كان التفات. لكن هي الآية أم يريدون، فهو أصلا يتكلم عن غائب، فالذين كفروا برضه هو غائب يعتبر. إذا هذا مش التفات، وإنما ما يسمى إظهار في مقام الإضمار.

إظهار في مقام الإضمار. ليش؟ لأنه هو أولا قال: أم يريدون، استعمل واو الجماعة ضمير، أم يريدون، فكان ينبغي أن يقال: فهم المكيدون. لكن ايش قال؟ فالذين كفروا. حتى هنا هذه التجلية لها وقع في النفس، يعني هم يريدون كيدا، فالذين كفروا، الذين كفروا هم نفسهم الذين يريدون، نفسهم. لكن أظهرها ليخبر: أنتم أيها الكفرة الذين كفرتم بمحمد صلى الله عليه وسلم أنتم المكيدون. يعني أنتم تمكرون ويمكر الله. ما معنى هم المكيدون؟ هم الذين يمكر بهم.

إذا نعيد تفسير الآية: أم يريدون كيدا؟ يعني أم يريدون مكرا بالنبي صلى الله عليه وسلم وصحبه؟ فالذين كفروا هم المكيدون، ايش يعني؟ الله يمكر بهم. وهذا معناه واضح في كتاب الله، ويمكرون ويمكر الله، يخادعون الله وهو خادعهم، وهكذا. كفروا هم المكيدون، أي هم الذين يمكر بهم، لكنهم غافلون لا يشعرون بذلك. أحسنت. قال: فالذين كفروا إشارة إليهم وأريد بهم كل من كفر بالله. نعم، هم المكيدون، هم الذين يعود عليهم وبال كيدهم ويحيق بهم مكرهم.

وذلك أنهم قتلوا يوم بدر، فهذا الذي حدث. هم أرادوا أن يخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، أن يقتلوه، أن أن يفعلوا به الأفاعيل. ما الذي حصل في النهاية؟ صناديدهم قتلوا في مكة -عفوًا- في بدر. فالذين كفروا إذا هم المكيدون. طبعا هذا مثال، والأمثلة كثيرة، يعني قصة بدر هي نموذج مما حصل بهم؛ أبو جهل، أمية بن خلف، عقبة بن أبي معيط وغيرهم، شيبة وعتبة بن ربيعة أرادوا أن يكيدوا لمحمد صلى الله عليه وسلم ويخرجوه، فماذا كانت النتيجة؟ هم الذين خسروا، هم الذين قتلوا على يد أبطال الإسلام، فالذين كفروا هم المكيدون. نعم.

قال: هم المغلوبون في الكيد. من كيدهم كيدتم. نعم، قال: أم لهم إله غير الله يمنعهم من عذاب الله. نعم، هو فسرها تفسيرين، قال: هم المكيدون أي هم الذين يعود عليهم وبال كيدهم، هكذا فسرها، أو المغلوبون في الكيد، أو المغلوبون في الكيد. طبعا التفسير الأول هم المكيدون أي يعني كيدهم سيعود وباله عليهم. على التفسير الثاني هم المغلوبون في الكيد، أي أنهم يكيدون والله يكيد وكيد الله يغلب كيدهم. وحقيقة المعنيان يصبان في نفس الاتجاه، يعني ليس متنافرين، وإنما هو اختلاف عبارة، والله تعالى أعلم، يصبان في نفس الاتجاه أن كيدهم أن كيدهم لن ينجح وأنهم سيهزمون في النهاية. نعم.

قال: من كيدهم كيدتم. أم لهم إله غير الله يمنعهم من عذاب الله. وتعالى سبحان الله عما يشركون. هذه آخر واحدة وقع فيها أم صحيح؟ هذه آخر واحدة وقعت فيها أم لهم إله غير الله؟ هي هي النهائية هذه. أم لكم معبود يستحق -الإله ما معناه في اللغة؟ المعبود-. فهنا انتقل لمقام الألوهية بعد أن تكلم عن مقام الربوبية ختم بمقام الألوهية. أم لعله هناك معبود يستحق العبادة غير الله سبحانه وتعالى؟ يعني إذا أنتم كنتم تقرون لي بكل مشاهد الربوبية، من الذي جعلكم تشركون في الـ في الألوهية؟ لعله هناك من يستحق العبادة سواي.

لعله هناك من يستحق العبادة سواي. سبحان الله عما يشركون. شوف الختام: تنزه الله عن كل مظاهر الشرك. سبحان الله عما يشركون. هل لهم معبود يستحق العبادة سوى الله؟ سبحان الله أي تنزه الله عن كل مظاهر الشرك التي يشركون لها. ثم الآن سيختم بالوعيد، ولاحظوا سورة ق ختمت بالوعيد، سورة الذاريات ختمت بشيء من الوعيد، إيش ختام سورة الذاريات؟ ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ذَنُوبًا مِّثۡلَ ذَنُوبِ أَصۡحَابِهِمۡ فَلَا يَسۡتَعۡجِلُونِ﴾ [الذاريات: 59]. نفس الشيء الآن سورة الطور ستختم بالوعيد.

أنتم إذا تتبعتم سياق سورة ق والذاريات والطور تجدون أن الدرس أسلوبه متقارب، لكن يختلف أسلوب الحوار والعبارات، وإلا الدرس أسلوبه متقارب بذكر الجنة والنار ثم ذكر إيه الذين كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وأمر النبي بالصبر والتهكم بالكافرين والاستهزاء بهم والختام بالوعيد. يا أيها المعاندون، يا أيها الصادون، يا أيها المحاربون لدين الله، اسمعوا هذا الوعيد الشديد من الله. نعم.

قال: وَإِن يَرَوْاْ كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ. فالكسف القطعة وهو جواب قوله يقولوا سحاب مركوم. نعم، طيب الآن نقرأ، أنت تقرأ الآية ثم نعلق عليها. نعم، قال الله تعالى: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ * فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ * يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُشَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ * وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۖ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: 44-49]. نعم.

بدأ هنا بالآية: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ يخبرنا سبحانه وتعالى كيف يتعامل كفار قريش مع ربهم سبحانه وتعالى بالعناد بالاستهزاء. مع كل هذا العناد ومع كل هذا الاستهزاء يظنون أن الله سبحانه وتعالى سيكرمهم وأن الله سيأتي لهم بالخير، يعني لاحظ قمة الجحود، قمة الكفر، قمة الاستهزاء بآيات الله، ومع ذلك عندهم قمة الثقة بأنفسهم أن الله سيرعانا ويأتي لنا بالمطر والخير والحياة. قال: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ يعني هذا مطر سيأتي لنا بالخير ويعم الخير البلاد والعباد. شوف قمة يعني البطر والكفر.

أنت صدت عن سبيل الله وحاربت رسول الله وأعرضت عن المفاهيم الصحيحة وغرك بالله الغرور وظننت أن الله سيعطيك ويمنحك. مساكين هذه النوعية من الناس، وهي نوعية موجودة في مجتمعاتنا؛ يكون الإنسان لا يصلي ولا يحافظ ويستهزئ بدين الله ولا يفعل أمور شيء ويظن أنه أحق أن الله يكرمه ويعطيه ويمنحه، ويظن أن الله عز وجل سيكرمه ويفتح له من الأبواب، وغرهم بالله الغرور. لا، الله عز وجل لا يتعامل بهذه الطريقة. نعم، هو كريم جواد لطيف، لكن لما تتعامل مع أحكامه بالاستهزاء ومع دينه بالإعراض ولا تلتفت إلى أوامره عليك أن تترقب وأن تكون خائفًا من نزول سخط الله سبحانه وتعالى عليه. لكن هؤلاء كفروا، ما عندهم هذا الترقب، ما عندهم هذا الانتباه، فكانوا يتعاملون مع كل القضايا بهذا الاستهزاء وبهذا التهكم وبهذه البساطة. انظر ماذا يقول ربنا. نعم.

قال: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كِسْفًا مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ﴾. فالكسف القطعة وهو جواب قوله: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسْفًا﴾. يريد يريد أنهم لشدة طغيانهم وعنادهم لو أسقطناه عليهم لقالوا هذا سحاب. يعني لو رأوا قـ رأوا قطعة من السماء تريد أن تسقط على رؤوسهم من شدة طغيانهم وكفرهم يظنون أن هذا هو مجرد سحاب سيأتي لهم بالخير العميق والمطر، وكما قلنا تخرج المزروعات وتكون الحياة رغيدة. نعم، لكن الكسف مفرد والكسف هو الجمع. نعم.

قال: ﴿مَّرْكُومٌ﴾ قال: ركم الشيء فجمع بعضه على بعض. يمطرنا ولم يصدقوا، قال: ولم يصدقوا أنه كسف ساقط للعذاب. هذا قمة الغرور، أنك تصل إلى هذه المرحلة وتظن أنك دائما في خير وسلامة. وهذا حال الناس في الغرب اليوم، يعني الناس اليوم في الغرب لما تنظر في حياتهم يظنون أن الحياة ستستمر معهم كما هي عليه الآن؛ حياة رغيدة والتكنولوجيا في قمة وجودها وأن كل شيء يريدونه متوفر، مع أنهم في خنا وزنا وفحش وشذوذ وكل مشاكل الانحراف العقدي والقيمي والأخلاقي موجودة عندهم، مع ذلك هم في رفاهية ويظنون أن هذا سيدوم وأنهم يستحقون هذه الحياة الرغيدة وهذه الرفاهية التي يعيشونها، وما يدركون أن الأمور بيد الله، سيقلبها في اللحظة التي يشاء. نعم.

قال: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾. فهنا توجيه من الله للنبي صلى الله عليه وسلم ولكل الدعاة ولكل الذين يسيرون إلى الله، إذا وجدت إنسان وصل به الحال إلى هذا الإغلاق التام أنه منحرف عقديا وفكريا وأخلاقيا وسلوكيا، ومع ذلك كلما جاءته قارعة من القوارع تريد أن تنبهه يزداد طغيانا واستكبارا، هذا دعه، خلاص، هذا إنسان ختم الله على قلبه، والله عز وجل قد خبأ له من الوعيد الشديد. فذرهم، فذرهم، طبعا هذه كانت الدعوة المكية، في الدعوة المكية كان المطلوب من النبي صلى الله عليه وسلم ماذا يفعل؟ عدم القتال، عدم المصادمة، المطلوب ذرهم، دعهم، وعليك بالصبر، لأن المرحلة كانت تقتضي عدم المصادمة وعدم المواجهة حتى لا تستأصل شأفة الإسلام فيها.

فهذا كان الخطاب المكي. في الخطاب المدني لا الأمور اختلفت، عندما شرع الله الجهاد والقتال أصبحت الآيات سياقها مختلف، لكن هنا هي سورة مكية، بالتالي سياقها سياق أنه أنت تذكر، ﴿فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾، وذرهم. واصبر كما سيختم السورة: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾. نعم، قال: بضم الياء عاصم وشامي والباقون بفتح الياء. نعم، يقال: صعقه فصعق، وذلك عند النفخة الأولى نفخة الصعق. ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾. نعم، وكأنه هناك من قرأها يصعقون، وهناك من قرأها يصعقون، ويخبر عن القراءة في كلمة يصعقون. نحن نقرأها يصعقون، وهناك قراءة أخرى يصعقون، وهذه كلها تتعلق بالفعل. طيب، يقال صعقه أو صعقه فصعق، صعقه فصعق، إيه إذا فلان أنت أنزلت به صعقة فالنتيجة التي تكون منها أنه ينصعق، فيقول: صعق فلان فلان، فما الذي نتج به؟ المطاوع أنه صعق.

طيب، وذلك قال عند النفخة الأولى. الآن هنا قد يقع خلاف، يعني هل المراد بالصعق النفخة الأولى أم النفخة الثانية؟ عرفتم؟ الذي يظهر أنها قد تكون النفخة الثانية التي تكون نفخة ماذا؟ البعث، إلى قيام إلى الله سبحانه وتعالى، عندئذ سيشاهدون كل الحقائق التي أنكروها واستهزأوا بها وتهكموا بها. ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ وهو يوم القيامة لما يكون فيه صعق، وكما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يصعق الناس فأكون أول من يفيق»، الذي يفهم أن ليست النفخة الأولى وإنما هي نفخة الصعق التي تكون يوم القيامة. ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾. طيب.

قال: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ طبعا هذا اليوم أخبر الله قال: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ وصف هذا اليوم وأخبر عنه بأنه ماذا؟ ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾. طبعا ما نفسرهاش للناس لأنها واضحة، ما فيش فيها كلمة غامضة، أنه هذا اليوم يوم القيامة الذي سيصعقون فيه ثم يستيقظون من الصعق ويشاهدون كل الأمور التي كذبوا بها. هذا اليوم لن ينفعهم فيه شيء مما كادوا يكـ مما كانوا يكيدونه للدعوة في الحياة الدنيا. مش قبل شوي قال: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا * فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾؟ لما يأتي يوم القيامة ويقفون بين يدي الله ويشاهدون الأهوال ويشاهدون نتائج تكذيبهم كيدهم الذي كادوه في الحياة الدنيا لن ينفعهم شيئا ولن يجدوا أحدا ينصرون أو يقف بقربهم. ﴿وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾. نعم.

قال: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وإن لهؤلاء الظلمة الذين ظلموا هم أنفسهم الذين كفروا، هم أنفسهم الذين يتكلم الله عنهم من بداية المشهد، لكن مرة وصفهم بالكفر ومرة وصفهم بالظلم. وأعظم الظلم ما هو؟ الشرك، ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، فظلمهم في أنهم أشركوا وظلموا أنفسهم، وظلمهم أنهم حاربوا الدعوة وأنهم وقفوا في وجه النبي صلى الله عليه وسلم وفي وجه هذه المسيرة المباركة. هم ظالمون من كل الاتجاهات، فيخبر الله أنه استنوا، هؤلاء الكافرون، هؤلاء الظلمون لن يعني فقط يجدوا العقوبة في الدار الآخرة، لا، أيضا لهم عقوبات قبل أن يصلوا إلى الدار الآخرة، فماذا قال؟ ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾. لأنه أنت إذا قرأت الآية السابقة ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ قد تقول يعني الكفار عواقب أفعالهم فقط سيجدونها في الدار الآخرة؟ لن يعذبوا في الحياة الدنيا؟ لن يهزموا؟ لا، فالله يخبرك أنه أعظم عقاب

سيحل بهم في الدار الآخرة، لكن أيضًا هناك عقوبات ومصائب ستحل بهم دون ذلك، يعني قبل الدار الآخرة، وهو ما له في الحياة الدنيا. كما حدث مع كفار قريش من هزائم وكما يحدث مع الكفار في كل زمان ومكان من نكبات وشدائد. فمعنى دون ذلك أي قبل يوم القيامة.

قال دون ذلك دون يوم القيامة وهو القتل في بدر والطاحون سبع سنين وعذاب النار. وقس على ذلك، يعني مش هذه الثلاثة بحد ذاتها، لا، كل المصائب التي تحل بالكفار الذين ظلموا قبل يوم القيامة هو من تعجيل الله العذاب لهم.

قال ولكن أكثرهم لا يعلمون ذلك. آه، لا يعلمون أن هذه التي ما حل بهم من قحط المطر أو من جدب الأرض أو من الأوجاع أو من الآفات أو من الأوبئة أو حتى الفيضانات أو الزلازل، هم لا يعلمون أن هذه رسائل من الله، أنه انتبهوا ترى هذا ما زال العذاب الأدنى، وإذا لم تتوبوا فانتظروا العذاب الأكبر يوم القيامة. فهم يعني للأسف الكفار إذا تلاحظونهم حتى ليومنا هذا تصيبهم فيضانات وموت وغرق ومصائب وحروب ويقتل منهم ما يقتل، ومع ذلك لا ينتبهون على أنفسهم، لا ينتبهون ولا يستيقظون ولا يحدث ذلك لهم شيء من الاعتبار. فصدق ربنا سبحانه وتعالى ولكن أكثرهم لا يعلمون. تدل على أن بعضهم قد يستيقظ، صح؟ ليش قال؟ هذا إنصاف القرآن، ولكن معناتها أنه في قلة قليلة يمكن أن تستيقظ وتتعظ. وهذا حدث حتى في أيام النبي صلى الله عليه وسلم أن بعض الكفار لما شاهد ما حدث من الوقائع أسلم، كثير ممن أسلم فتح مكة أبو سفيان بن حرب، صفوان بن أمية، اتعظ من المشاهد وانتصارات الإسلام وعرف أن هذا الإسلام حق. فهناك قلة قد تتعظ، لكن السواد الأعظم للأسف يبقى في غيه وفي ضلاله. نعم.

الآن هذا الختام الجميل لهذه السورة هو ختام لكل داع، ختام لكل إنسان يسير إلى الله سبحانه وتعالى، يصبره الله عز وجل في هذا الطريق على لوائحه، على شدائده، على المصائب التي قد تحيط به. ماذا يقول لك الرب سبحانه وتعالى بكل رحمة وبكل رأفة وبكل لطف إلهي؟ اسمع إلى هذه الآيات ما أجملها، واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا.

يعني أنت في رعايتي وفي كنفي وفي صيانتك، أنا من أدبر لك الأمور. لا تقلق أيها الداعية، لا تقلق أيها السائر إلى الله سبحانه وتعالى فإنك بأعيننا. طبعًا هذا العرب تفهم لما أقول فلان بعيني، يعني أنت تحت رعايتي ومطالعتي ومراقبتي ومشاهدتي في كل خطواتك، لا تقلق، أنا لن أبعد نظري عنك، لن ألتفت عنك.

فهي عبارة في قمة اللطف، في قمة القرب، في قمة الود، أن الله يقول لكل داع فإنك بأعيننا، فأنت قريب منا، نحرسك بأعيننا ونكلاك، مهما حاول الكفار أن يصلوا إليك وأن يكيدوا لك وأن يكيدوا بدعوتك وبأصحابك فأنت في حراستنا ورعايتنا لن يصلوا إليك، لن يصلوا إليك وستستمر هذه الدعوة في مسيرتها.

طب ماذا أفعل يا الله إذا شعرت بالتعب والإرهاق النفسي بسبب كثرة التضييق والعذاب وإلى غير ذلك من الأمور؟ ما هو الحل؟ هل الحل أن أشكو إلى الناس وأن أجلس مع أصدقائي وأقعد أبث لهم همومي ومشاكلي؟ لا، الله هنا يعلمنا منهج التعامل في حياتك أيها الداعية عندما تزدحم عليك الهموم وعندما تجد الناس وأعداء هذه الدعوة يحاولون صدك عن سبيلها، يقول لك الله سبحانه وتعالى أولًا أول حل هو الصبر.

هذا حل أساسي، الصبر مر، لكنك تصبر لله ولربك فاصبر، ولربك فاصبر، هذه آية أساسية، أنت تصبر لله، بالتالي الصبر مر، بدك تتحمل، لكن واصبر وما صبرك إلا بالله. نحن نعينك على هذا الصبر ونثبتك ونزيدك رفعة وننزل لك جنود السماوات والأرض وننزل السكينة على قلبك. ولا كيف أهل العلم والعلماء يسجنون سنوات وهذا يسجن عشرين وثلاثين سنة؟ ما الذي يصبره؟ الله هو الذي يصبره.

الله بجنود السماوات والأرض ينزل السكينة والطمأنينة على قلوبهم فيهدأون ويشعرون بالثقة أن مهما طالت هذه السجون، مهما طالت هذه العقبات في مسيرة هذه الدعوة فالله سبحانه وتعالى سيجعل بعد عسر يسرًا وستفرج وسيخرج أهل الإيمان والخير والصلاح إلى العالم مرة أخرى مبشرين بهذا الدين. لكن القضية تحتاج إلى صبر، هذا قانون إلهي.

هكذا أراد الله سبحانه وتعالى لهذه الدعوة أن تكون ضريبتها الصبر، وتكون ضريبتها الأذى، الأذى يحتاج إلى صبر. ولكن ما الذي سيساعدك أثناء رحلة الصبر؟ أكمل الآية، واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا، أكمل، نعم.

اقرأ اقرأ الآية، اقرأ التفسير، قال ثم أمرهم بالصبر إلى أن يرى منهم العذاب فقال واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا. واصبر حتى يصل حكم الله بإبادة الكافرين وتعذيبهم. نعم، قال بإمهالهم وبما يلحق فيه من المشقة فإنك بأعيننا أي بحيث نراك ونكلاك، وجمع على العينين العين لأن الضمير هو ركز شوي هنا، واصبر لحكم ربك. حكم ربك هو فسرها هنا حكم الله أنه أمهلهم وأوقع بك يا محمد صلى الله عليه وسلم وبأصحابك شيئًا من المشقة.

إذًا هنا اللام ليست لام العاقبة، يعني واصبر حتى يأتي حكم الله، لا، هو فسرها النسفي بطريقة أخرى تمامًا، قال واصبر لحكم ربك، أي واصبر للحكم الحال. لاحظوا بماذا فسرها؟ أنا قلت قبل قليل واصبر لحكم ربك أي اصبر حتى يأتي حكم الله، لا، هو فسرها بطريقة أخرى، قال واصبر لحكم الإله الواقع الآن. ما حكم الله الآن؟

أنه أمهلهم ولم يعذبهم وأنه أوقع بك وبأصحابك ماذا؟ المشقة بالعذاب بالسجن بالقهر وما شابه ذلك. فهذا حكم الله الواقع، هو حكم الله القدري، هذا حكم الله القدري الواقع عليك، عليك أن تتلقاه بماذا؟ بالصبر. فهمتم؟ واصبر لحكم ربك أي اصبر للحكم القدري الواقع الآن حتى يبدل الله هذا الحكم بحكم آخر.

جيد، لذلك قال واصبر لحكم ربك الواقع الآن أنه أمهلهم وأنه ألحق بك المشقة إلى أن يأتي الحكم الآخر. نعم، قال فإنك بأعيننا أي بحيث نراك ونكلاك، وجمع على العينين العين لأن الضمير بلفظ الجماعة. نعم، ولماذا قال أعين؟

أهل السنة والجماعة يثبتون لله كم عين؟ عينان. أهل السنة والجماعة يثبتون لله عينان. طب هنا الله سبحانه وتعالى يقول واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا، أعين. هذا الجمع ليس المراد به أن الله له أكثر من عينين، لا، هذا من أساليب العرب أنهم إذا أضافوا المثنى إلى ضمير الجمع يجمعون المثنى. يعني هما عينان، صحيح؟ لكن لما أضافه إلى ضمير الجمع وهو أعيننا، هذه الناء شو ضمير جمع؟ لما أضافه إلى ضمير الجمع العرب من باب طلب المناسبة والمشاكلة يجمعون المثنى، يجمعون ماذا؟ المثنى.

فيقولون أعيننا، هو أصل بعينين، لكن هو قال بأعيننا. هل هذا يعني أن الله له أكثر من عينين؟ لا، تقول هنا جمع المثنى طلبًا للمشاكلة، شو يعني طلبًا للمشاكلة؟ أي للتناسب مع ضمير الجمع، هو بأعيننا.

طب كما قلنا ما هو الحل؟ ما الذي يثبتك أثناء الصبر؟ واصبر لحكم الإله الواقع الآن، فأنت في رعايتنا وفي كلاءتنا وفي حراستنا، لا تقلق يا محمد صلى الله عليه وسلم، لا تقلق أيها الداعية، اصبر، هي فترة قدرها الله وستمر، خلال هذه الفترة العلاج أو الذي سييعنك على الصبر وهذه النقطة المهمة ما هي؟ وسبح بحمد ربك حين تقوم.

طبعًا كما قلنا كثيرًا ما في القرآن ما يعبر عن التسبيح ويراد به ماذا؟ الصلاة، أحسنتم. فالمراد بالتسبيح نعم، بعض قال التسبيح على حقيقته ولا إشكال فيه، أن يراد بالتسبيح التسبيح والأذكار، وأن يكون المراد بالتسبيح ماذا؟ نفس الصلاة، وهذا في آية أخرى وارد، واستعينوا بالصبر والصلاة، إذًا حمل التسبيح على الصلاة يتناسب مع آية واستعينوا بالصبر والصلاة، إذًا الصبر يحتاج إلى صلاة.

حتى يستمر معك، كثير من الشباب يصبر يوم، يومين، ثلاث، أربع، لكن تبدأ القوة تخر، ويبدأ يشعر بطول البلاء، الذي يعينك ليس فقط الصبر، أنت تحتاج إلى الصبر وأن تعرف كيف تفعل في زمن الصبر، وأن تعرف كيف تملأ وقتك في زمن الصبر، لأن أنت كما قلت الصبر هي طاقة إنسانية قد تنفذ مع الوقت، فتحتاج أن تعرف ما الذي يجعل صبري يطول ويستمر أكثر فترة ممكنة، أن تملأ زمن الصبر بالصلاة والذكر، أن تملأ زمن الصبر بالصلاة والذكر.

بعض الناس هداهم الله إذا وقع في بلاء، بغض النظر ما هو البلاء، يشغل زمن الصبر بماذا؟ خلاص خليني أضيع نفسي أشاهد مسلسلات على التلفزيون، يعني بيعمل له أشياء يعني خلاص خليني أطلع هكذا نزهات وفروجات وذهاب وعودة، يظن أن هذه الأمور هي التي ستعينه على الصبر، نقول خطأ، الذي يعينك على الصبر هو الذكر والالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى، محاولة تشتيت الصبر بمشاهدة تلفزيون، سوشيال ميديا، جلسة مع فلان، فضفضة للناس، هذا لن يساعدك على إطالة زمن الصبر وليس هو الثبات، الثبات لا يكون إلا أن تلتجئ إلى الله في لحظات الشدة، أن تلتجئ إلى الله في لحظات الشدة.

وهذا هو تعليم الله لنا، يعني هذا مش أنا استنبطته، لا، هو كلام مباشر من الله سبحانه وتعالى لنا: واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا. وفي أثناء هذا الصبر عليك أن تملأه بالتسبيح والصلاة، وخص أوقاتًا معينة، ماذا قال؟ وسبح بحمد ربك، قال: وسبح بحمد ربك حين تقوم، حين تقوم.

شوف حين تقوم هل حدد قيامًا معينًا؟ لا، فبالتالي الأصل أن يبقى على كافة أشكال القيام، حين تقوم من النوم، حين تقوم من مجلسك، حين تقوم من أي شيء من أشياء الحياة، عندما تقوم وتنهض لأي عمل من الأعمال اجعل ذكر الله على لسانك، وإن كان القيام يعني أشهر ما يتبادر له قيام من النوم والاستيقاظ الصباح، لكن الله سبحانه وتعالى جعلها هكذا مطلقًا، حين تقوم، تقوم من وين؟ ما حدد، خليها على عمومها.

عندما تقوم وتنهض لأي عمل، يعني كأن الله يقول لك: وسبح بحمد ربك حين تنهض، إذا نهضت إلى الصلاة سبح، إذا نهضت إلى عملك اليومي سبح، إذا نهضت من نومك سبح، اجعل منهج التسبيح ومنهج الذكر عند كل قيام لك في هذه الحياة وعند كل وثبة لك، طيب.

قال: وسبح بحمد ربك حين تقوم للصلاة وهو ما يقال بعد التكبير سبحان هو جعلها شوفوا يعني حملها النسفي على صورة ضيقة جداً، قال: المراد سبح بحمد ربك حين تقوم للصلاة، والمراد بذلك أن تقول بعد أن تقول الله أكبر: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك. نقول هذا نوع من الأنواع، يعني هي صورة من الصور، لكن الآية أعظم وأوسع من ذلك بكثير، ليس المراد فقط عندما تقوم للصلاة، المراد عندما تنهض لأي شيء، ولذلك جعلها الله عامة مطلقة، نعم.

قال: وهو ما يقال بعد التكبير سبحانك اللهم وبحمدك أو من أي مكان قمت، آه هي الثانية بشوفها أخو أخوه، أعطى تفسيرين، التفسير الأول حين تقوم للصلاة، أو أعطى تفسير آخر، قال: أو من أي مكان قمت، هي صح، لأنها على عمومها، من أي مكان قمت عليك أن تسبح وتجعل ذكر الله على لسانك، هذا من أعظم ما يعينك على الصبر.

من أعظم ما يعينك على الصبر هذا، لذلك ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه عندما كان في السجن ماذا قال؟ قال: إنها لتمر على القلب ساعات يقول فيها: لو كان أهل الجنة فيما أنا فيه الآن لكفى به نعيماً. يعني هو في السجن وفي الضيق، ولأنه اعتاد أن يذكر الله تمر به ساعات وهو في رحم المشقة، في رحم البلاء، تمر به ساعات كأنها ساعات في الجنة، ساعات من النعيم، يقول: لو كان أهل الجنة فيما أنا فيه الآن لكفى بذلك نعيماً.

هكذا هي نتيجة الصبر مع استعمال التوجيهات الإلهية بأهمية إشغال هذا الزمان بالإقبال على الله، بالالتجاء إليه، أنه كل إنسان فينا أحبابي الكرام معرض أن يبتلى، كل إنسان فينا معرض أن تحل به ساعات في الحياة يحتاج أن يصبر فيها، فمهم جداً أعرف ما الذي أفعله حتى يتم هذا الصبر ولا يصيبني جزع ولا هلع ولا خوف، عليك أن تملأ دائماً ساعات الصبر بذكر الله سبحانه وتعالى، فهنا تشعر أن الإله فعلاً معك، وتشعر بأنك واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا، تشعر بها حقيقة ماثلة أمامك.

فإنك بأعيننا، أن الله يحرسك، أنه يثبتك، أنه ينزل السكينة على قلبك، وأنت قد تكون أضعف من البلاء، أحياناً قد تكون أنت أصلاً أضعف من البلاء ولا تستحمله في العادة، لكن الله يثبتك مع ذلك، الذي يثبت هو الله، ترى ما في إنسان بقدراته الشخصية، كله التثبيت بيد الله سبحانه وتعالى، فعليك أن تسلك وسائل التثبيت حتى تجد الله سبحانه وتعالى يزيدك من هذا العيار أكثر وأكثر، نعم.

قال: أو من أي مكان قمت أو من منامك، يعني تفسير ثالث، قمت من منامك، لكن القضية ليست منام وليست صلاة فقط، بل من أي مكان قمت، خليكم على التفسير الثاني، ليس الأول ولا الثالث، نعم، قال: ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم.

وإذا أدبرت النجوم آه ومن الليل فسبح، وإذا، الله يأمرنا أن نسبح عند كل نهوض، ويأمرنا أن نسبح في ساعات الليل، هذا يدل أن الليل له خصوصية، أن الليل، يعني الإنسان يذكر الله ليلاً ونهاراً، لكن الليل له خصوصية، لأن الليل أجمع للقلب أحبابي الكرام، فذكر الله في الليل أجمع وأكثر ثباتاً من النهار الذي تكون أنت فيه في صخب الحياة وفي الذهاب والعودة، فركز أكثر وأكثر على قضية قراءة القرآن في الليل، على قضية الصلاة في الليل، على قضية الذكر في الليل، لأن القلب مجتمع أكثر على خالقه سبحانه وتعالى، مع أنه بعض الناس والله.

ليلهم زي نهارهم. صخب ومشاوير ورايح وجاي. الله المستعان. لأنه هذا خلاف ما أراده الله. الله أراد الليل لتسكنوا فيه. إحنا للأسف عكسناها. جعلنا الليل صخب وسهرات وقعدات وطشات. الله المستعان.

قال: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: 49]. وإذا أدبرت النجوم من آخر الليل. وهو وقت السحر. الذي يظهر لي إدبار النجوم يعني يقصد: وعليك أن تخص الله بالذكر في ماذا؟ في وقت الذي تذهب أو تبدأ النجوم تذهب. متى تبدأ النجوم تذهب؟ وقت السحر وعند بداية بزوغ الفجر خلينا نقولها. أليس كذلك؟ خلينا نقول وقت من السحر وحتى بزوغ الفجر. يعني هو وقت جيد. وقد يقول الإنسان: أليس هذا الوقت من الليل؟ يعني هو قبل من الليل فسبح. ممتاز. وإدبار النجوم. طب وقت إدبار النجوم أليس جزءاً من الليل؟ نقول: نعم قد يكون جزءاً من الليل. لكن خصه الله بالذكر أيضاً لفضيلة عظمى.

﴿والمستغفرين بالأسحار﴾ [آل عمران: 17]. فالله يأمرك أن تذكره في الليل عموماً وفي وقت السحر وبزوغ الفجر خصوصاً. لعظمة وخصوصية هذا الوقت عند الله سبحانه وتعالى. لذلك قال: وإدبار النجوم. بماذا فسرها؟ قال: وإذا أدبرت النجوم من آخر الليل. لأنه هذا الوقت وقت مبارك. نعم.

قال: وإدبار زيد. يعني هذا زيد قرأها وأدبار بالفتح. كما هو في سورة قاف. نعم. قال: أي في أعقاب النجوم وآثارها إذا غربت. وتغرب النجوم كما قلنا عند آخر الليل وبداية طلوع الفجر. قال: والمراد الأمر بقوله: سبحان الله. الآن هنا سيذكر لك قولين. ما المراد بالتسبيح؟ هنا سيذكر قولين. قال: والمراد بالتسبيح أن تقول: سبحان الله وبحمده في هذه الأوقات. وقيل: لا. المراد بالتسبيح هنا عملية الصلاة كاملة. مش فقط الذكر، لا. الصلاة كاملة.

وحقيقة يعني على قواعد أصول الفقه يمكن أن يراد باللفظ كل هذه المعاني. هناك قاعدة أصولية: هل يجوز أن يراد باللفظ حقيقته ومجازه؟ وكثير من العلماء يقولون: نعم. يجوز أن يطلق اللفظ ويراد به كل المعاني التي تندرج تحته حقيقة ومجازاً. فالتسبيح حقيقة ما هو؟ أن تقول: سبحان الله. صح؟ ومجازاً يعبر به عن ماذا؟ عن الصلاة. فهل يجوز أن نقول أن التسبيح هنا أراد به الحقيقة والمجاز معاً؟ أراد به التسبيح بمعنى الذكر وأراد به أيضاً الصلاة؟ على قاعدة كثير من علماء الأصول: نعم. يجوز أن يطلق اللفظ ويراد حقيقته ومجازه في نفس الوقت. فبالتالي النسفي جعلهم قولين.

ممكن أن نقول: لا. ممكن أن نجمع. فنقول: المراد بالتسبيح عموماً. سواء كان ذكراً بالأصابع، سواء كان تلاوة للقرآن، سواء كان صلاة. أي شكل من أشكال التسبيح. حقيقة أو مجازاً يدخل تحت هذه الكلمة. نعم. قال:

قال: والمراد الأمر بقوله: سبحان الله وبحمده في هذه الأوقات. وقيل: التسبيح الصلاة إذا قام من نومه. ومن الليل صلاة العشاءين. وإدبار النجوم صلاة الفجر. يعني هنا ذهب إلى أن البعض قال: المراد بالتسبيح الصلاة بالتحديد. فيكون المراد: تسبح بحمد ربك حين تقوم. أي عليك أن تصلي إذا قمت من ليلك أو قمت من نومك. طبعاً ما هو المراد إذا قمت من نومي؟ هل كلما أقوم من نومي علي أن أصلي؟ ممكن. لكنه يعني ليس المعنى واضحاً هكذا.

ثم قال: ومن الليل المراد صلاة العشاءين، المغرب والعشاء. وإدبار النجوم المراد صلاة الفجر. بالتالي يمكن أن نقول: فسبح بحمد ربك حين تقوم. يعني يراد بها صلاة الظهر والعصر حتى نجمع الصلوات الخمس. ممكن أن يقال ومن الليل صلاة المغرب والعشاء وإدبار النجوم صلاة الفجر. طيب وأين صلاة الظهر والعصر؟ يعني بدك تحاول تتبحر تقول حين تقوم المراد صلاة الظهر والعصر لكنها مش واضحة وهي ليست واضحة كثيرا ونحن خلاص نبقي الآية على عمومها يعني خلوا الآية أحيانا إبقاء الآية على عمومها يجعل أثرها يقع على نفسك أجمع.

التخصيصات أحيانا تفقدك جمال النص خليها على عمومها فسبح بحمد ربك حين تنهض لله أيما نهوض ومن الليل عموما فسبح وخصه بالتتسبيح عند إدبار النجوم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون من الذاكرين الشاكرين وأن يعيننا على أن نصبر على لأواء الطريق وأن يعيننا على أن نفعل ما يجب فعله في زمن الصبر. هكذا ختمنا سورة طه بحمد الله ومنته والمجلس القادم بإذن الله نبدأ بقراءة سورة النجم وتفسيرها وتذكرها والحمد لله رب العالمين.

غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ