بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمدُه سبحانه وحمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
حياكم الله معاشر طلبة العلم في مجلس جديد في مدارسة كلام ربنا سبحانه وتعالى وفهم مراده ومقصده. ونعم الكلام المقروء، ونعم المدارسة التي تكون حول كتاب الله سبحانه وتعالى؛ فإن أفضل كلام يجتمع عليه، وأفضل مجلس يجلس فيه، مجلس يقصد به أن يفهم الإنسان مراد الله عز وجل، وأن يقرأ الإنسان كلام ربه باحثاً عن مقاصده، هذا والله هو خير الدنيا والآخرة، هذا هو خير الدنيا والآخرة.
فيحرص الإنسان أحبابي الكرام دائماً على مجالس التفسير، وعلى مجالس القرآن، وعلى مدارسة القرآن، ولا يزهد فيها؛ فإنك إذا زهدت فيها فإنما تطمع في كلام غيره، يعني إذا لم تنشغل بكلام الله فهي إما انشغال بكلام الله وإما انشغال بكلام غيره، فهي هكذا الحياة. والانسان نعم لابد له أن ينشغل بكلام غيره، لكن لا يقل نصيبه في هذه الدنيا من كلام ربه سبحانه وتعالى، ولا يخرج خالي الوفاض من فهم مراداته عز وجل. وهنا أنس الحياة، عندما تفهم مراد الله عز وجل ويصيب ذلك شغاف القلب، ستبدأ تشعر بالراحة، ستبدأ تشعر بالبصيرة، ستبدأ تشعر بالهدف من الحياة، ستبدأ تشعر بكيف علي أن أدير عجلة هذه الحياة، وكيف أزن المواقف وكيف أزن خطواتي. هذا الميزان الذي سنتكلم عنه اليوم لا يأتي إلا مع كثرة المدارسة والنظر في كلام الله سبحانه. وكلام الله عز وجل لا يعطيك كثيراً من معانيه إلا بعد إعادة النظر، كلام الله لا يعطيك الكثير من مكنونه، يعني الإنسان قد يتدبر مرة مرتين يعطيك القرآن فائدة فائدتين، وكلما أكثر قرع الباب كلما كثرت له عجائب الخيرات وكلما فتح له من الخير ما لا يعلم به إلا الله سبحانه وتعالى.
فهذه طبيعة القرآن؛ أن القرآن كلما أعطيته وقتاً أكثر كلما أعطاك معاني أكثر، وكلما عشت معه وتفانيت في تفسيره وتدبره كلما فتح الله سبحانه وتعالى عليك من أقفال معانيه. فالقران لا تنضب معانيه، ولا تنضب رسائله، وكان السلف يقولون إنه كلما ختم ختمة خرج بشيء لم يخرج به في الختمة السابقة، مما يدل كما قلنا أحبابي أن القرآن معانيه عجيبة، بحر لا ساحل له في المعاني والأفكار والاستنباط والاجتهادات، لكن عليك أن تعرف أن هذا البحر لا يعطيك إلا إذا أعطيته، إلا إذا دخلت فيه، إلا إذا شرعت في السباحة فيه، وأما وأنت تعيش فقط على الشطآن ستبقاء بعيداً عن المعاني العذبة.
انتهى حديثنا في سورة الحديد إلى قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الحديد: 20]. في المجلس السابق كان حديثاً ماتعاً وفيه نوع من الرهبه في قضية النفاق وأخلاق المنافق وقضية السور، وما الذي يجعل الإنسان في صف المنافقين وليس في صف أولياء الله؟ الله سبحانه وتعالى أعطانا درساً قاسياً واضحاً بيناً؛ ما الذي يجعل الإنسان في صف النفاق بعد أن كان في صف أهل الإيمان؟ اليوم بإذن الله سنختم في فكرة أخرى، أو سنشرع في فكرة أخرى؛ فكرة أن الله سبحانه وتعالى -بعد أن نقلنا سورة الحديد هي سورة أساسها ومحورها ما هو؟ البذل في سبيل الله، خلينا نقول عموماً البذل في سبيل الله- الله عز وجل يعلمنا أن ننفق حياتنا وأعمارنا وأموالنا خدمة لدين الله سبحانه وتعالى.
فاذا أردت أن توقف عمرك وحياتك لدين الله عز وجل هذا لن يكون إلا بعد أن تعرف طبيعة الحياة الدنيا، الإنسان ما الذي يجعله يزهد في أمواله وفي اوقاته فيبذل رخيصاً لله؟ إذا عرف قيمة الحياة الدنيا. فمن كان تعلقه بالدنيا أكبر، ومن كان ارتباطه بالدنيا أوثر، هذا شح بوقته وشح بماله وبعمله. لكن من كان بالدنيا أزهد وعارفا بخستها عند الله أكثر وأكثر، كلما اشتاقت نفسه ليقدم هذه الحياة بما فيها من أنفاس ولحظات وأوقات وأموال رخيصة لله عز وجل، فهنا مقطع مهم يبين الله سبحانه وتعالى فيه لكل من تتشوف نفسه للبذل في سبيل الله: اعلموا إنما الحياة الدنيا لعب ولهو. نقرا المقطع ونعيد ونعود للتعليق عليه.
قال الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ * سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ * مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتاكم ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ۗ وَمَن يَتَوَّلَ فَإِنَّ اللَّهَ هو الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحديد: 20-24].
نعم، إذاً أحبابي الكرام هذا مقطع يبين الله سبحانه وتعالى فيه ما هي الأمور -وهذا مقطع منهجي أساسي في حياتك- ما هي الأمور التي عليك أيها المسلم أن تزهد فيها في الحياة؟ وما هي الأمور التي يجب أن تسابق فيها في الحياة؟ هذه القضية بقدر ما تكون واضحة في الآية، بقدر ما نحن بعيدين عنها في الحياة، بقدر ما نحن نقاتل على الدنيا ونكثر بها، ونكون بطيئين في السير إلى الله سبحانه وتعالى ولا نسارع فيه. الآية في سورة الحديد وهذا المقطع يعطيك منهجية أساسية في حياتك، أن الحياة الدنيا بمتاعها وثرواتها ولهوها ليست مجالا للمنافسة، إياك أن تكون تقاتل في المكان الخطأ، إياك أن تخوض المعركه في المكان الخطأ، ليس هناك مكان التنافس والتقاتل والتفاخر، وإنما مكان التنافس الصحيح والحياة الصحيحة والاسراع والمبادرة أين يكون؟ في السير إلى الله سبحانه وتعالى والدار الآخرة: ﴿وسابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنه عرضها كعرض السماء والارض﴾ [الحديد: 21]. فهذه قاعده أحبابي منهجية في حياة الإنسان.
الله سبحانه وتعالى، الله وليس أنا، وليس عالم ولا أحد الأئمة، وإنما الله سبحانه وتعالى يريد أن يخبرك إياها يا أيها الإنسان الذي خلقتك وأوجدك على هذه الحياة، إياك أن تقف في المكان الغلط في معركة الحياة، معركة الحياة ليست هي معركة الثروة والنسب والزواج والوظائف والأشغال، وإنما معركة الحياة هي معركة الظفر والسبق إلى الله سبحانه وتعالى والدار الآخرة. وما أكثر ما يخطئ الناس في معاركهم اليوم! وما أكثر ما يخطئ الناس في معاركهم وفي صفهم! فأكثر الناس -حتى من ينسب إلى الإسلام عندما نتكلم- بل حتى كثير من أهل الخير والصلاح معركته معركة الدنيا والثروات والبيوت، ويلاح عليها ويخاصم من أجلها ويهجر من أجلها، وأما قضية الله والدار الآخرة فعنده في آخر الملفات، زاهد بها؛ زاهد في القرآن، زاهد في قيام الليل، زاهد في مجالس العلم، زاهد في مسارح الخيرات، فلم يعرف معركته، ولم يعرف الطريق الذي يجب عليه أن يسلكه وأن يتشبث به.
والله سبحانه وتعالى بدأ بهذه البداية: اعلموا. وهنا الله عز وجل يامرنا بأن نتعلم؛ اعلم أيها الإنسان على هذا الكوكب على هذه الأرض أن طبيعة الحياة الدنيا ما هي؟ اعلموا إنما الحياة الدنيا لعب. ما معنى لعب؟ لعب الصبيان، شوف النسفي لاحظ علاقة جميلة بين قوله لعب ولهو وزينة، قال: اللعب للصبيان، واللهو في فترة الشباب، والزينة للنسوان. هكذا قال. فقال هذه متاع الحياة الدنيا، أما لعب في فترة الصباء، ثم إذا أصبحت شاب في لهو الشباب والعلاقات الغرامية والسوشيال ميديا والصيد والكشتات وما شابه ذلك، وأما بالنسبة للنساء ربما يغلب عليهن الاهتمام ماذا؟ بالازياء والموضات والمظاهر الخارجية. قال: اعلموا إنما الحياة الدنيا من حيث الشيء المحسوس لعب. يعني هنا الآية تتكلم عن الحياة الدنيا لمن طلب متاعها، ولا تتكلم عن الحياة الدنيا لمن جعلها مزرعة للآخرة، لأن الحياة الدنيا هي أيضاً مزرعة الآخرة وهي مكان البذر لتكون الآخرة الحصاد، لكن المراد الحياة الدنيا اعلموا أن الحياة الدنيا التي تقاتلون عليها -هكذا كان الآية سياقها- اعلموا أن الحياة الدنيا التي تنافس عليها وتقاتل عليها وتحيا لا تريدون الخروج منها وتطير الأماني فيها، ما هي هذه الحياة التي أنتم تحبونها وتعشقونها؟ قال هي هكذا، هي لعب.
اقرأ قال الإامام النسفي رحمه الله: اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب، كلعب الصبيان إذا لعب في فترة الصباء لعب وتخرج وتاتي وتمرح مع زملائك في هذه الفترة العمرية. قال: ولهو. قال: ولهو كلهو الشباب عندما تصبح شاباً تذهب إلى لهو -يعني اللهو أرقى درجة من ماذا؟ من اللعب، لكنه يكون للشباب، مغامرات عاطفية، خروج، سفر، عودة إلى غير ذلك-. نعم، قال: وزينة، كزينة النسوان، أما النساء فتنشتغل بالزينة والمظهر الخارجي وغير ذلك من الأمور. نعم، قال: وتفاخر بينكم، تتفاخر الأقران. والتفاخر قال: إذا لهو لعب ولهو وزينة، التفاخر، التفاخر الذي يكون بين الأقران بين الأصدقاء بين الاقارب بين العشائر، فالتفاخر هو أنت وقرينك يعني زميلك أو من هو في عمرك، كل يتنافس على مال على ثروة على سيارة على زوجه على ما شابه ذلك. فقال: وتفاخر بين العشائر بين الزملاء بين الإخوة، كل يريد متاع الحياة الدنيا.
ويتكاثر به نعم قال: يتكاثر كتكاثر الدهقان، تكاثراً. تكاثر الدهقان أصحاب الثروات والاموال، تكاثر كل شخص يريد أن يكون هو الأكثر مالاً الأكثر جمعاً الأكثر مصانع والأكثر تحصيلا من هذه الحياة الدنيا. هكذا الحياة الدنيا في حال كثير أو في أعين كثير من الناس، وأنت إذا نظرت في واقعك المعاصر وفي حال أهل الاسلام اليوم تجد هذا واقع بينهم، فاما صبيان يلعبون، واما شباب في عمرك يلهون، واما نساء في الموضات يتقاتلون، واما أقران يتنافسون على دنيا ومصانع وشركات، واما أصحاب أموال كل حريص على أرصدتهم البنكية أن يكثرها. هكذا أغلب الناس اليوم.
طيب قال في الأموال، تكاثر في الأموال والأولاد، يعني أين يطلب الناس التكاثر؟ أما التكاثر في العزوة والجاه أو التكاثر في المال والمادة، صحيح الناس أما تحب التكاثر في عزوة وجاههم الأولاد أو يتكاثر في ماذا؟ يحب التكاثر في المال والمادة، وكلاهما مطلوب لأصحاب الدنيا. نعم قال: وتكاثر في الأموال والأولاد أي مباهات بهما. الصوت مش واضح عن الشيخ. نعم قال: والتكاثر ادعاء الاستكثار والتكاثر ادعاء الاستكثار يعني طلب الكثرة. ما معنى التكاثر؟ التكاثر يعني طلب الكثرة. يا رب اتكلم شو قال؟ وتكاثر كتكاثر الدهقان في الأموال والأولاد أي مباهات بهما، والتكاثر ادعاء الاستكثار -يعني هذا مع يعني قال التكاثر من ماذا أخذ؟ تكاثر تكاثراً أي طلب الكثرة ادعاء الاستكثار يعني طلب الكثرة في الشيء-.
نعم قال: كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً، بعد خضرته. نعم قال: ثم يكون حطاماً متفتتاً. شبه حال الدنيا وسرعة تقضيها مع قله جدواها بنبات أنبته الغيث فاستوى وقوي وأعجب به الكفار. الجا دعونا دعونا نقرا هذا المثال ونفهمه جيداً. الآن يشبه الله سبحانه وتعالى الدنيا بعناصرها التي ذكرها، اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر، أي هذه الحياة الدنيا الدنيا بعناصرها الخمس ماذا تشبه؟ قال تشبه زرعاً، قال: ككمثل غيث أعجب الكفار نباته. نزل غيث من السماء على الأرض، نزل غيث مطر من السماء على الأرض فماذا فعل هذا المطر؟ أو كان سببا في ماذا؟ في خروج ألوان النبات المختلفة، ألوان النبات بلونها الأحمر والاصفر والأخضر التي تسر الناظرين وتجذبهم، وهذه هي الدنيا بلعبها ولهوها وتكاثر الناس فيها هو شيء محبوب للنفس، كما تحب النفس ألوان الخضرة والصفرة والحمرة عندما تخرج في فصل الربيع، اليس كذلك؟
كذلك الدنيا بما فيها من الفتن والزخارف محبوبه مرغوبة، لكن ما مآل زهرة الربيع وخضرة الربيع وزهرة الربيع؟ قال: كمثل غيث أعجب الكفار. الكفار لها معنيان، وأشهر معاني الكفار هنا الزراعي. هو سيذكر معنية سيذكر الزراع ويذكر معنى آخر، لكن لكن الذي أذهب إليه وأختاره أن معناها ماذا؟ الزراع. لأنهم لماذا سمي الزراع كفاراً؟ لأنهم يكفرون البذرة تحت التراب، يعني يغطون البذرة تحت التراب. الكفر أصله في اللغة ما هو؟ التغطية. كلمة الكفر في اللغة ما معناها؟ التغطية. والزراع يسمون كفاراً، ليس لأنهم خرجوا من الدين، لا، الزراع يسمون كفاراً لأنهم يكفرون البذور. ما معنى يكفرون البذور؟ يغطونها تحت التراب، يغطونها تحت التراب. فالكفر هنا، الكفار هنا الزراع. قال: كمثل غيث أعجب الكفار أي الزراع نباته. المزارع لما يخرج محصوله الزراعي ويجد غضا طريا يعجب ويسر ويحبه.
طيب ما الذي يحدث بعد ذلك؟ قال: أعجب الكفار نباته ثم مع الوقت، قال: ثم يهيج فتراه مصفرا أي بعد الخضرة تبدا الأشجار تذبل في فصل الخريف والألوان الزاهية تبدأ تذهب ويذهب رونقها وجمالها. قال: ثم يهيج فتراه مصفرا يصبح.
ماذا على لون الصفرة، وهذا حال النبات؟ إذا في الربيع أنت تجد الخضرة والجمال، ثم بعد ذلك في نهاية الصيف يبدأ الاصفرار إلى بداية الخريف، تتساقط أوراق الشجر. طيب. قال: ثم يكون حطاما. بعد ذلك المحاصيل والأغصان تبدأ تتحطم وتتكسر، وتنتهي هذه الحياة، هذه الدورة الزراعية تنتهي.
كذلك هذه الحياة الدنيا، كنا البارحة صغاراً نلهو -صحيح- واليوم أصبحنا شباباً، أو كنا صغاراً نلعب، اليوم أصبحنا شباباً نلهو، وغداً نصبح في سن الكهولة، نتكاثر بالأموال والأولاد، ثم بعد ذلك سنصبح ماذا؟ حطاماً. هكذا هي دورة الحياة أيضاً لنا، نكون صغاراً، ثم شباباً، ثم كهولة، ثم سنصبح ماذا؟ حطاماً. فالله عز وجل يعطيك ما هي خلاصة هذه الحياة التي أنت تقاتل عليها أيها الإنسان؟ حياة لا تستحق المقاتلة.
طيب، إذاً، نعود بعد الانقطاع. إذا قال: ثم يهيج. وكما قلنا معنى يهيج -يعني أظن ابن جرير الطبري قال- يهيج بمعنى التغير، اللي هو اليبوسة، يهيج هو التغير، اللي هي حالة اليبوسة. قال: ثم يهيج، يعني ثم ييبس، فتراه مصفرًّا، اللي هي الحالة كما قلنا الانتقالية، حالة الهيجان هي حالة الانتقال إلى اليبوسة. قال: ثم يهيج فتراه مصفرًّا، ثم يكون حطاماً.
وخلاصة الأمر أحبابي الكرام، أن هذا هو مثل الحياة الدنيا التي -كما قلنا- نتقاتل عليها. الله عز وجل يريد أن يزهدها في عينك، يريد أن يزهدها في عينك حتى لا تبلغ ذلك الشأن عندك. نعم. شوفوا، الإنسان لن يخلص من لعب ولهو، والنساء، ليس المطلوب منها أن تخلص من الزينة، والإنسان يحب المال والأولاد، هذا ليس شيئاً ممنوعاً، وإنما الخطأ هو أن تقاتل من أجل هذه الأشياء. يعني تحصيلها والسعي بالصورة المعتدلة إليها هذا مطلوب، بل به سنة الحياة، اليس كذلك؟
لكن الإشكال أن تصبح هي المقصود، بعد أن كانت وسائل أصبحت مقاصد، بعد أن كانت على حواشي الحياة وعلى هوامشها أصبحت هي مطلوب الحياة، واصبحت العبادة والتقرب إلى الله هو الهامش. باختصار: عليك أن تحدد ما هو الأصل وما هو الهامش؟ بعض الناس -بل أكثر الناس- جعل الأصل الدنيا والعبادة على الهامش، والله يريد أن يكون الأمر على خلاف ذلك. أراد أن تكون عبادته هي الأصل، وتكون متاع الحياة الدنيا هي هوامش تساعدك على تحقيق الأصل وتكميله وتمكينه. فهمنا؟
فهذه إذاً رسالة واضحة من ربنا إلينا في أهمية تحديد موقفنا من متاع الحياة الدنيا وعدم الاكتراث به، وبين لك أنك في النهاية لابد وأن تغادر هذه الحياة، وكل ما قاتلت من أجله سيصبح مصفرًّا في يوم ما ويذبل، ثم تكتشف أنك أضعت حياتك. هذه المشكلة! يعني هو ليس المشكلة أنه سيذبل، المشكلة أنك خدعت به وفتنت به عندما كان ماذا؟ أصفر وأحمر وأخضر، وكنت مسروراً به ولم تعرف أن هذا مجرد خداع غررت به، فضيعت عمرك وحياتك بدل من أن تنشغل بطاعة الله والتقرب إليه، فلما جاء وقت الاصفرار واليبوس والأسباب والموت تذكرت ولا ساعة مندم! تذكرت أنك أضعت حياتك في وقت كان ينبغي أن تستغل هذه الحياة بالطاعة والقرب من الله سبحانه وتعالى وسلوك درب الاستقامة.
نعم، قال: شبه حال الدنيا وسرعه تقضيها مع قلة جدواها بنبات انبته الغيث. فست هذا هو عناصر التشبيه أو وجه التشبيه. شبه ماذا؟ حال الدنيا بمتاعها الزائل، أي سرعة تقضيها أي سرعة فنائها وذهابها، وكثره ما يذبل فيها مع قلة جدواها. أن في النهاية يعني ماذا فعلت؟ ما الذي جمعته سيكون للورثة، وكل امرأة تزوجتها ثم تموت عنها ستتزوج غيرك، والأبناء سينسون كل شيء، سينتهي ويزول وينقضي. نعم، قلة الجدوى. نعم، قال: مع قلة جدواها بنبات أنبته الغيث، استوى وقوي وأعجب به الكفار الجاحدون لنعمه الله.
هو أولاً المعنى الأول للكفار حمله على الكفار، الكفار بالشريعه قال: المراد بالكفار من الجاحدون لنعمه الله اللي هم الكفار بالمعنى الشرعي، الكفر بمعناه الشرعي وليس بمعناه اللغوي. نعم قال: وأعجب به الكفار الجاحدون لنعمه الله فيما رزقهم من الغيث والنبات، فبعث عليه العاهة فهاج واصفر وصار حطاماً. العاهة إيش هي؟ العاهة مثل الجراد وما شابه ذلك من المطر والبرد المؤذي وغير ذلك. نعم، العاهة باختصار هو كل شيء يفسد الثمار يسمى عاهة عند اللغويين، كل شيء أفسد الثمار والنبات يسمونه عاهة، من مرض، من وباء، من حرب، من جراد، كله يسمى عاهات. نعم.
قال: فبعث عليه العاهة فهاج واصفر وصار حطاماً عقوبة لهم على جحودهم، كما فعل بأصحاب الجنة. تمام، هو إذاً هو حمل القضية على أنها عقوبة، لكن المعنى الثاني -اللي هو إذا حملنا الكفار بمعنى الزراع- لا، ليس الأمر بمعنى عقوبة، وإنما الأمر هو بيان لطبيعة الحياة الدنيا. يعني هو لما حمل الكفار على أنهم الكفار بالشريعة، ساقه هذا التفسير منه إلى ماذا؟ إلى أن جعل هذا نوع عقوبة لهم على ماذا؟ على تقصيرهم وتفريطهم بعبودية الله.
لكن لو حملنا الكفار على معنى الزراع -وهذا اختاره كثير من المفسرين- نقول: الله عز وجل هنا ليس في سياق بيان العقوبة، وإنما في سياق بيان طبيعة الحياة الدنيا، أن الحياة الدنيا كل ما فيها يذبل. عقوبة ولا غير عقوبة هي هكذا طبيعة الحياة الدنيا، كل ما فيها يذبل، فلا ينبغي أن تتعلق بها، وأنا أجد هذا المعنى يعني أجمل في سياق سورة الحديد. نعم، قال: وقيل الكفار الزراع. هو ذكرها على أنها قيل، ولكنه معنى قوي وليس مضاعفاً. نعم.
قال: وفي الآخرة عذاب شديد للكفار، نعم، ومغفرة من الله ورضوان للمؤمنين. شوف هذه المقارنة والمقاربة بين الدنيا والآخرة. قال: الدنيا ما هي؟ لعب ولهو وزينه وتفاخر وتكاثر، وأما الآخرة فما هي؟ مغفرة من الله ورضوان وعذاب شديد. فأي الدارين أمرهما أعظم؟ فهمتم هذه المقارنة في الآية؟ لما بدأ، بدأ بالدنيا، أعطاك طبيعة الحياة فيها، ثم في آخرها انتقل للآخرة: وفي الآخرة الموضوع مختلف. يعني في الدنيا لعب لهو وتكاثر، في الآخرة لا، الموضوع مختلف، أما نار تلظى والعياذ بالله، وأما جنة عرضها السماوات والأرض. فكانه يريد أن يقول لك أيها الإنسان: أي الدارين تختار؟ وأي المسارين تريد أن تسير فيه؟ مسير الدنيا أم مسير الآخرة؟ فهمت هذه المقارنة؟
فلذلك جاء مباشرة قال: وفي الآخرة. شوف الانتقال! بعد أن قال: اعلم أنما الحياة الدنيا. انتقل قال: وفي الآخرة، لأنه يريدك أن تقارن بين الدارين، وتعرف أين طموحك، وأين همتك يجب أن تكون، وأين مقاصدك؟ وأين تضع رحالك؟ هل أضعها أطحن بها الدنيا، أم أطحن بها للمعالي؟ ومعالي الأمور إنما هي في الدار الآخرة. نعم.
قال: يعني أن الدنيا ليست إلا من محقرات الأمور، وهي اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر، وأما الآخرة فما هي إلا أمور عظام. نعم، هذا ضع تحته خط، هذه خلاصة الدنيا. يعني هذه خلاصة الآية: اعلم أنما الدنيا لمحقرات الأمور، اللعب واللهو والزينة والتفاخر، وأما الآخرة فللأمور العظام وهي المغفرة والرضوان في الجنة، أو العذاب الشديد في الآخرة. وبالتالي أنا كإنسان ماذا سأستفيد من الآية؟ أنني أرفع همتي وطموحي ومقصدي في هذه الحياة للأمور العظام، ولا أَبقى مع أهل الدنيا في لهوهم وعبثهم في محقرات الأمور.
نعم، قال: وأما الآخرة فما هي إلا أمور عظام، وهي العذاب الشديد والمغفرة والرضوان من الله الحميد سبحانه. والكاف كمثل غيث في محل رفع على أنه خبر بعد خبر. هذه مسألة نحوية، قال: إن الكاف هنا اسم وليست حرف جر، اسم بمعنى مثل، وتقدير الآية: اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينه وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد مثل غيث أعجبه مثله.
فالكاف يجوز أن تكون حرف جر، وهذا المشهور، ويجوز أن تكون أحياناً اسم بمعنى مثل، ويكون حينئذٍ هي ماذا؟ هي خبر بعد خبر، هي الخبر الثاني للمبتدا، المبتدا الحياة مبتدا، أخبر عنها بأنها لعب وعطف عليها ما بعدها، ثم أخبر عنها بخبر آخر أنها مثل غيث أعجب الكفار نباته. فهذا معنى قوله خبر بعد خبر، لأنه عني أين المبتدا؟ الحياة مبتدا صحيح، أين خبرها الأول؟ الحياة لعب، ثم عطف عليها ولهو وزينة وتفاخر بينكم، ثم أعطاك خبر ثاني، المبتدا الواحد يجوز أن يكون له خبران وثلاث وأربع، أعطاك خبر ثاني عن المبتدا فقال: هذه الحياة الدنيا أيضاً مثل غيث. كأنه قال: الحياة الدنيا لعب، الحياة الدنيا مثل غيث. أخبرك بخبرين عنها، فهمتم؟ أخبرك بخبرين.
طيب قال: أي الحياة الدنيا مثل غيث، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور لمن ركن إليها واعتمد عليها. شوف هذا التعبير القراني! قال: أعطاك الخلاصة وهذا التذييل الجميل، قال: وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور. شوف هذا التركيب الإضافي: متاع الغرور. إيش يعني متاع الغرور؟ ما معنى متاع الغرور؟ آه يا مشايخ، لما يقول لك الله الحياة الدنيا إيش هي؟ متاع الغرور، مضاف ومضاف إليه، ما معنى هذا التركيب الإضافي؟ آه، يعتز يغتر. أحسنت! يعني متاع يغتر به الإنسان، فالغرور هو الخداع. ما هو الغرور هنا؟ بمعنى أنك تغر بالشيء، يعني تخدع به. فكانه يقول: الحياة الدنيا خلاصتها متاع يغر به الإنسان، هذه هي الخلاصة. الحياة الدنيا التي تقاتلون عليها وتتكاثر بها و و و هي في النهاية عند الله سبحانه وتعالى متاع يغر به الإنسان.
متاع أيضاً، شوفوا تسميتها متاع، يعطيك أنها ليست شيئاً، مجرد متاع، الحياه متاع، والمتاع متى يحمله الإنسان في السفر؟ هذا هو العادة، المتاع إنما يحمل معه في السفر، فيقول لك هو أنت متاع في سفرك إلى الله سبحانه وتعالى. هذا المتاع يخدعك ويغرك إذا لم تنتبه لحقائق الأمور قبل فوات الأوان. بعض الناس يغر بهذا المتاع، والحال أكثر الناس -بل قد نكون نحن منهم في بعض الأححيان وفي كثير من الزوايا- تغر بهجتها ورونقها وجمالها ونقاتل عليها، ونتخاصم عليها، ونقاطع إخواننا، إلى غير ذلك من الأمور.
فالله عز وجل يعطيك الذي خلق هذه الحياة الدنيا، يعني شوف عظمة هذا الكلام أنه نابع من خالق الدنيا. عظمة هذا الكلام تنتج من ماذا أحبابي؟ أن هذا الكلام ممن صدر؟ ممن خلق الدنيا، فهو عارف بطبيعتها مقارنة بطبيعة الدار الآخرة التي خلقها. فالذي خلقها يقول لك: يعني أنت دائماً لما تصنع شيئاً، مثلاً شخص صنع سيارة هو أعرف بما فيها من الإيجابيات والسلبيات، فإذا صانع السيارة قال لك: والله أنا صنعت سيارة، لكن هي السيارة أنا بقول لك إنها تعبانة، بتركبها أنت؟ صانع السيارة بقول لك أنا صنعت لك سيارة تعبانة، في عاقل بيروح بيشتريها؟ لا، ليه؟ لأنه صانعها بقول لك صنعتها تعبانة.
فالله بقول لك: أنا خلقت لك حياة دنيا هي متاع الغرور. هو نفسه الذي خلقها يقول لك: هذه الحياة الدنيا من حيث المادة تعبانة، ليست شيئاً مقارنة بدار الآخرة. فمن يقاتل عليها بعد أن سمع كلام خالقها فهذا جاهل أحمق، باختصار. الذي يقاتل عليها بعد أن سمع كلام خالقها ومجدها فهو جاهل أحمق، وهذا ما تعقله الصحابة وفهمه الأئمة والكبار عندما زهدوا في الدنيا، وضحوا من أجلها بالأموال والأنفس والأوقات، عرفوا أنها متاع الغرور فلم ينخدعوا. وأما نحن فلا زلنا لا نؤمن بذلك، فما زلنا ننخدع ونشبث بها.
نعم، قال ذو النون: يا معشر المريدين لا ت... من هو ذو النون؟ هو أحد علماء السلوك، خلينا نقول، أحد علماء السلوك، ذو النون المصري. ذو النون المصري أحد علماء التصوف والسلوك، له كثير من العبارات الرشيقة الجميلة في باب السلوك إلى الله سبحانه. نعم.
قال: قال ذو النون: يا معشر المريدين، لا ت... كلمة المريدين يعني كلمة عادة يستعملها أهل التصوف، المريد يعني الذي يقصد الدار الآخرة والله سبحانه وتعالى، ولا اشكال فيها، يعني مادامت تحمل معنى صحيحاً فلا اشكال فيها. نعم، يقول ذو النون المصري: يا معشر المريدين، يعني يا من تريدون الله والدار الآخرة... أمم، اقرأ.
قال: قال ذو النون: يا معشر المريدين، لا تطلبوا الدنيا، وإن طلبتموها فلا تحبوها، فإن الزاد منها والمقيل في غيرها. هذه هي الخلاصة. أنت في الدنيا بتجمع زاد، المقيل والنوم وين رح يكون؟ في القبر. قال: فإن أنت في الدنيا فقط عم تجمع زاد، قال: فإن الزاد فيها أنت بتحمل بس، لكن وين المقيل؟ المقيل ما هو؟ القيلولة. المقيل من القيلولة، يعني النوم. والمقيل أين سيكون؟ في القبر، وليس في الدنيا. الدنيا رحلة قصيرة كغمض عين، ولكن النوم لن يكون فيها، والراحة لن تكون فيها. فمن كان عاقلاً يتبع نصيحة ذي النون المصري، يتبع نصيحة ذي النون المصري. قال: لا تطلب الدنيا، وإذا طلبتها -يعني على الأقل لا تتشبث بها- ماشي، اطلب، كلنا نحب أن نجمع أموال، صحيح، ما في واحد فينا بيكره المصاري، ما في واحد لا يريد أن يتزوج، لا يريد أن يبني حياة أسرية، لا يريد أن يكون، لكن على الأقل أنه ايش؟ لا تتشبث، إن جاءتك جاءت، ما جاءتك (يعني لا تقاتل من أجلها كثيراً).
نعم، قال: ولما حقر الدنيا وصغر أمرها وعظم أمر الآخرة بعث عباده نعم لما بين الله لك حقاره هذه الحياه الدنيا ودناها مقارنه بالدار الاخره وشرف في امرها حث الخطى بكل طلب معالي الامور فقال: وسابقوها. شوف النهايات والبدايات ما أجملها! لما قال: وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور. طيب، إذاً ماذا نفعل يا رب؟ إذا سابق إلى شيء آخر هو أعلى وأزكى وأطهر.
طيب، فكما قلنا أحبابي الكرام، لما الله سبحانه وتعالى أولاً حقر الدنيا في عينيك
وعرفت أنها متاع الغرور، دعاك إلى طلب معالم الأمور والمنافسة فيها، وبين لك أين مجال المنافسة ومكانها فقال: ﴿وَسَابِقُوا﴾، وفي سورة آل عمران قال: ﴿وَسَارِعُوا﴾. وهذا هو المطلوب من العبد أن يسابق وأن ينافس، شوف المسابقة تدل على ماذا؟ على تنافس، أليس كذلك؟ المسابقة فيها نوع من التنافس، فكأن الله يقول لك: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 26]. في طلب العلم، في قيام الليل، في ختم المصنفات العلمية، في السلوك إلى الله سبحانه وتعالى، في الصدقة، في إعانة الملهوفين، المهم أن تنافس في شيء يقربك من الله سبحانه وتعالى.
قال: نعم، ولما حقر الدنيا وصغر أمرها وعظم أمر الآخرة، بعث عباده على المسارعة إلى نيل ما وعد من ذلك؛ وهي المغفرة المنجية من العذاب الشديد والفوز بدخول الجنة، بقوله: سابقوا؛ أي بالأعمال الصالحة. نعم، المسابقه تكون بماذا؟ لما أقول لك: سابقوا إلى مغفرة، فستقول لي: كيف أسابق؟ يعني ما ما هو طريقة هذه المسابقه؟ فنقول: طريقة المسابقة الأعمال الصالحة. المسابقة إنما تكون بالأعمال الصالحة بمختلف أشكالها وأنواعها التي حثت عليها الشريعة، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الإيمان بضع وسبعون شعبة». فعندك شعب كثير من شعب الأعمال الصالحة، يمكن أن توظفها في هذه المسابقة.
إذن: سابقوا؛ أي بالأعمال الصالحة، إلى أين نسابق يا رب؟ قال: ﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [حديد: 21]، وقيل: سارعوا مسارعة مسابق لا لأقران في المضمار، يعني لا يخرج هذا عن المعنى الأول كثيراً. نعم، قال: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [حديد: 21]. إذن، ربنا أمرنا بالمسابقه أولاً إلى ماذا؟ إلى المغفرة؛ لأن المغفرة هي التي ستدخل الجنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله». وهذا من جميل ترتيب هذه الآية، ما قال وسابقوا إلى جنة، قال: وسابقوا إلى مغفرة، ثم قال: وجنة، صح؟ ذكر المغفرة قبل الجنة، لماذا؟ لأنه مهما سابقت، هل أعمالك تؤهلك لدخول الجنة؟ مهما سابقت ومهما فعلت من الأعمال الصالحة، هل أعمالك تؤهلك لدخول الجنة؟
كلا، حتى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ولا أنت يا رسول الله؟» قال: «ولا أنا» وهو النبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه، قال: «إلا أن يتغمدني الله برحمن منه وفضل». فلذلك ترتيب الآية ترتيب علمي، قال: سابق أول شيء إلى المغفرة؛ لأنك إذا حصلت المغفرة والرحمة، هي التي ستكون سبباً في ماذا؟ في دخولك الجنة. فأنت تسابق ليغفر لك ولترحم، فإذا رحمت دخلك الله سبحانه وتعالى في ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [حديد: 21]. نعم، قال السدي: كعرض سبع السماوات وسبع الأرضين. ﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ﴾ السماء هنا جنس والمراد السماوات، وهذا الذي أطلق أصلاً في سورة آل عمران: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ﴾ [آل عمران: 133]. فهنا لما قال: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ﴾ ليس المراد السماء الدنيا، وإنما المراد جنس السماء، إنما المراد الجنس وإنما هي سماوات. ولذلك السدي لما فسرها ماذا قال؟ قال: كعرض سبع سماوات، فجمعها لبيان أن كلمة السماء هنا للجنس وليس للفرد.
نعم، قال: وذكر العرض دون الطول؛ لأن كل ما له عرض وطول، فإن عرضه أقل من طوله، فاذا وصف عرضه بالبسطة عرف أن طوله أبسط. جميل هذه الملاحظة، يقول لك: لماذا الله عز وجل ما قال وسابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنه طولها كطول السماء والأرض؟ ليش قال عرضها؟ لماذا نص على العرض ولم ينص على الطول؟ ماذا قال النسفي هنا؟ قال: أي شيء له عرض وطول، فالأصل أن عرضه يكون أقل من ايش من طوله. مش شك في الرياضيات، أنت عندك مستطيل، المستطيل أيهما أطول فيه؟ طوله ولا عرضه؟ طوله. فإذا قلت لك: هذا المستطيل عرضه كبير، إذن كيف سيكون طوله؟ أكبر وأكبر. إذا قلت لك عرضه كذا وكذا، إذن كأنني خبأت لك طوله لأنه أكبر وأكبر. فهكذا قال، قال الله سبحانه، تكلم عن عرض الجنة ولم يتكلم عن طوله؛ لأنه شيء عظيم جداً خباه سبحانه وتعالى عنده، تمام؟ فلما أخبرك إذا العرض وحده، إذن عرض الجنة فقط العرض كعرض السماوات والأرض، فما بالك بطولها؟ فما بالك بطولها؟ فنص على العرض ليشوقك إلى معرفة الطول.
نعم، قال: أو هذا، طبعا إذا قلنا أن العرض هنا مقابل للطول هذا على تفسير من يرى أن العرض هنا مقابل لايه للطول، لأنه هناك من قال لا، العرض هنا ليس مقابل للطول، وإنما المراد بالعرض مجرد البسط والمساحة، المراد بالعرض مجرد البسط والمساحة يعني مساحتها مساحه السماوات والأرض. فهنا إذا يختلف تفسير العرض، البعض قال العرض مقابل الطول، والبعض قال العرض هنا بمعنى ماذا؟ المساحة وليس مقابل الطول. فإذا قلنا العرض مقابل الطول نقول نص على العرض لأنه يريد أن يخبئ لك الطول؛ لأن الطول سيكون أعلى وأعلى، وإذا قلنا بمعنى المساحة فهذا سيكون تفسير آخر ذكره، قال: أو اريد بالعرض البسطة، البسطة يعني المساحة التي بسطت عليها.
نعم، قال: وهذا ينفي قول من يقول إن الجنة في السماء الرابعة، لأن التي في إحدى السماوات لا تكون في عرض السماوات والأرض. يعني هنا رد على شبهة قالها بعض أهل العلم، يعني وإن كان قول ضعيف، بعضهم قال إن مكان الجنة في السماء الرابعة، فيقول لهم هذه الآية ترد عليهم. بعضهم ماذا قال؟ إن الجنة أين موقعها؟ في السماء الرابعة، فيقول لهم النسفي: هذه الآية ترد عليهم.
كيف هي هنا هو نفسه ماذا قال؟ أيوه هذا السند، إذا كان عرضها السماوات أرض كاملة أحسنت، إذا كان عرضها كعرض السبع سماوات، كيف تكون الجنة داخل السماء الرابعة؟ إذا كان عرضها عرض السماوات السبع كلها، فكيف تكون هي داخل جزئية سماء واحدة من السماوات؟ هذا خلاف الآية، فهمتم الرد؟ فيقول: وهذه الآية، قال: وهذا أي وهذه الآية ترد على من يقول إن الجنة موقعها في السماء الرابعة، ليه؟ قال: لأن الله نص في هذه الآية على أن الجنة عرضها كعرض سبع سماوات، إذن بالتأكيد هي أكبر من كل السماوات، وبالتالي لن تكون داخل سماء واحدة. هذا هو المنطق السوي في الاستدلال.
طيب، قال: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [حديد: 21] وهذا دليل على أنها مخلوقة، أيضاً هنا رد على شبهة أخرى، وهي بعض أهل البدع كان يقول إن الجنة والنار لم تخلق إلى الآن، لم تخلق إلى الآن، وإنما يخلقها الله في الدار الآخرة. عقيدة أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار مخلوقتان، كما ذكر الطحاوي في عقيدته وغيره، أن الجنة والنار مخلوقتان سابقاً أو موجودتان الآن. طب ما هو الدليل في هذه الآية على أن الجنة مخلوقة سابقاً؟ اه، أنه قال: ﴿أُعِدَّتْ﴾ بالفعل الماضي. ﴿أُعِدَّتْ﴾ بالفعل الماضي، هذا يدل على أنها مجهزة سابقاً لمن آمن بالله ورسوله. فلما قال أنها أعدت إذن هي أعدت وفرغ منها، إذن هي مخلوقة وليست ستخلق.
نعم، قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ﴾ [حديد: 21] ذلك أي المغفرة التي دعاك الله للمسابقة إليها والجنة التي دعاك الله للمنافسة في طلبها، هذه المغفرة وهذه الجنة هي فضل الله، والفضل هو الزيادة والعطاء. الفضل، لمتى نقول هذا الشيء فضل وليس شيئاً ملزماً؟ لما أتفضل به عليك وأعطيك إياه بدون أن تكون مستحقاً له ابتداءً، هذا هو الفضل؛ أعطيك شيء زياده وإن كنت أنت لا تستحقه ابتداءً، فقال: هذا فضل الله، عطاء الله ومنته وكرمه، وإلا نحن لو أراد الله أن يطبق فينا عدله لا نستحقها.
نعم، قال: ﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ﴾ وهم المؤمنون؛ لأن الله شاء أن يعطي فضله أهل الإيمان، ولم يشأ أن يعطيه أهل الكفران. نعم، قال: وفيه دليل على أنه لا يدخل الجنة أحد، لا يدخل أحد الجنة إلا بفضل الله. نعم، وليس كما يقول بعض أهل البدع أن الإنسان يستحق الجنة بعمله، بعض أهل البدع يقول: إن الإنسان يستحق الجنة ودخولها بايش؟ بعمله. نقول: هذا خطأ، بل إنما تدخل الجنة بفضل الله فقط، بفضل الله ورحمة الله وستر الله علي وعليكم. ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضلِ الْعَظِيمِ﴾ [حديد: 21] فنسأل من فضله سبحانه وتعالى.
نعم، قال: ثم بين أن كل كائن بقضاء الله وقدره بقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [حديد: 22] من الجدب وآفات الزروع والثمار، وقوله في الأرض في موضع، ليس فقط في الجدب وآفات الزروع بل حتى فراق الأحبه، الفقر، كل مصيبة تصيبك. نعم، قال: وقوله ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ في موضع الجر؛ أي ما أصاب من مصيبة ثابته في الأرض، ﴿وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ﴾ [حديد: 22]. نعم، يعني هي نعت لكلمه ماذا؟ مصيبة. يعني مصيبة كائنة ثابتة في الأرض، يعني هو نعت في موضع الجر.
طيب، قال: ﴿وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ﴾ من الأمراض والأسقام وموت الأولاد ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [حديد: 22] وهو موضع اللوح المحفوظ، نعم، الذي كتب الله فيه مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. نعم، كل شيء بقضاء وقدر، رفعت الأقلام وجفت الصحف. نعم، قال: وهو في موضع الحال؛ أي إلا مكتوباً. نعم، ﴿مِن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا﴾ [حديد: 22] من قبل أن نخلق، الانفس، لكن هناك مرجع آخر قد يكون أقوى ما رأيكم؟ نَبْرَأَ المصيبة، أحسنت، نبرأ المصيبة مش نبرأ الأنفس، يعني هو النسفي راى أن كلمة نبرها الضمير يعود على الأنفس، لكن الذي يظهر قد يكون أقوى أن الضمير يعود على ماذا؟ على المصيبة نفسها، أي ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا هي في اللوح المحفوظ قبل أن يبرا الله، أن يخلق. ما معنى يبرا؟ يخلق الله هذه المصيبة ويجدها في العالم الخارجي.
نعم، قال: إن تقدير ذلك وأثباته في كتاب على الله يسير، وإن كان عسيراً على العباد. يعني أن تقدير ذلك وبرأه كل ما يتعلق به يسيرون على الله. لكن عندي سؤال هنا، ولماذا ذكر المصائب بعد قضية المسابقه إلى الجنة؟ لماذا ذكر قضية المصائب ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ﴾؟ اه، حبيبنا، اه تفضل، المب شو، علي صوتك. هذه المسابقه لتاتي ودية، أحسنت أحسنت، أن طريق أهل الإيمان هو طريق ماذا؟ مملوء بالمصائب، ولا يزال المؤمن يبتلى في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه قط، كأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يقول لك: هذه المسابقة لن تكون مجانية، لابد وأن تدفع الثمن فيها، فأراد أن يعطيك ما يرتاح له القلب أنه كل ما سيصيبك وأنت تسابق إلى الله سبحانه وتعالى من مصائب، فاعلم أن الله قدره مسبقاً، اعلم أن الله قدره مسبقاً، فهذا ربط لطيف والله أعلم بين آية وسابقوا والآية ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ﴾.
طريق المؤمن طريق البلاء، كل مؤمن مبتلى، كما قال السلف: كل مؤمن مبتلى. إذا أردت أن تسارع إلى الله، وأردت أن تنافس في طريق الجنة، فلا بد وأن تبتلى في هذا الطريق بمصائب يمحصك الله سبحانه وتعالى بها، كما جاء في البخاري: «من يرد الله به خيراً يصب منه» أي يبتليه. وفي سورة العنكبوت: ﴿الٓمٓ * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 1-3]. فطريق أهل الإيمان، الطريق إلى الجنة، لابد وأن تبتلى فيها وتمر بمحطات الترقية وهي محطات البلاء. فهنا يسليك الله سبحانه وتعالى ويقول لك: ما أصابك من مصيبة أيها المؤمن وأنت في طريق المسابقه إلى جنات الله سبحانه، ما أصابك من لأواء، من ألم، من فقد، من دماء، من، فاعلم أن الله قدرها في اللوح المحفوظ. فإذا عرفت أن الله قدرها وأنه أرحم الراحمين وأنه أكرم الأكرمين، هانت عليك وصبرت من أجلها، ونتجت النتائج التي ستاتي معنا الآن.
ما هي النتائج؟ اقرا قال: ثم علل ذلك وبين الحكمة فيه بقوله: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا﴾ [حديد: 23] تحزنوا حزناً يطغي. اه، لكي، شوف الآية ماذا بدات؟ قال: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا﴾، يعني لكيلا، مش هذا جار ومجرور لام حرف جر؟ طب الجار والمجرور المتعلق بماذا؟ كأنه يريد أن يقول: أخبرك بهذا لكي لا تأسى. متعلق بفعل محذوف تقديره أخبر أو ما يعني يناسب لمعنى أخبر، كأنه قال: لكيلا تأسوا. ها شوف الترتيب يقول لك: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾، أيها المؤمن اطمئن، كل ما يصيبك من بلاء فهو في كتاب الله المحفوظ، سجله ودونه، ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. لماذا أراد أن أخبرك بهدا أيها المؤمن؟ أخبرك ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا﴾. فالجار والمجرور متعلق بفعل محذوف يفهم من السياق تقديره: أعلم، أو أخبرك، أو ما مشابهه، كأن الله يقول لك: لماذا أراد أن أعطيك هذه المعلومة حتى أولاً؟ نعم، قال: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا﴾ تحزنوا حزناً يطغي. فالأسى هو الحزن، الأسى هو الحزن الشديد، يعني ليس مجرد حزن، الأسى أعلى من الحزن، هو ماذا؟ الأسى الحزن الشديد.
جدا. نعم، قال: لكي لا -الذي يجعل الإنسان يصاب بإحباط وقنوط من رحمة الله سبحانه وتعالى، نعم- قال: لكي لا تأسوا، تحزنوا حزناً شديداً يطغي على ما فاتكم من الدنيا وسعتها أو من العافية وصحتها، ولا تفرحوا فرح المختال الفخور بما آتاكم، أعطاكم. يعني أنا أخبرتكم بهذا من أجل ألا تحزنوا على ما سيفوت في هذه الحياة الدنيا، لكي لا تحزنوا على ما سيفوتك كثير من الحياة الدنيا من أموالها وزهرتها، وستفقد أحبة وستغادر كثيراً، وستمر ولعلك تجلس في المستشفيات وتكون صاحب رصيد وتخسر رصيدك. الله يقول لك كل ذلك أيها المؤمن في كتاب قدرته سابقاً: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الححديد: 22].
أخبرك بهذه المعلومات من الآن حتى إذا ابتليت ببلاء، واصبت بداء، وفقدت حبيباً، وحدثت بك نكبة من النكبات؛ لا تأسى ولا تحزن. طبعا ليس المراد نفي أصل الحزن، وإنما الحزن الذي يسبب ماذا؟ اعتراضا على قضاء الله. لذلك قال هو الأسى، الحزن الذي يطغي، يعني الذي يسبب فساداً في الدين واعتراضاً الناس، ويستهزئ بهذا الشيء الذي أعطاه الله إياه. فيقول: ولا تفرح بما أتيتك فرحاً يطغيك ويجعلك تنسى نعمة الله عليك؛ لأن الذي أعطاك هذا الشيء في لحظة واحدة قادر أن يسلبه منك تماماً، هو قادر أيضاً على أن يسلبه منك. ثم حتى هذا الشيء الذي معك في لحظة من اللحظات يهيج فتراه مصفرًّا ثم يكون حطاماً، هي هكذا الحياة الدنيا.
فإذاً يخبرنا الله سبحانه وتعالى لماذا أخبرنا عن قضية البلاء وأنه في كتاب؟ قال: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتاكم﴾ [الحديد: 23]. لا تأسى على ما فات ولا تحزن لأن الأمور بأقدار الله سبحانه، ولعلني حرمتك منه لما فيه خير لك في دينك ودنياك. في المقابل لا تفرح ولا تطغى بما أتيتك، المراد طبعاً بالفرح الفرح المذموم؛ لا تطغى بما أتيتك لأنني قادر على أن أسلُب منك، وكم من عطاء كان فتنة أيضاً، وقد يكون هذا العطاء فتنة لك. فدائماً تعلق بالله سبحانه وتعالى.
نعم، قال: ﴿بِمَا آتَاكُمْ﴾ أعطاكم، من الإيتاء، أو عُمر: آتاكم أي جاءكم من الإتيان. يعني هناك قراءة أخرى: ولا تفرحوا بما أتاكم، احنا قراءتنا ولا تفرحوا بما آتاكم، لكن أبو عمرو قرأها أتاكم وهي قريبة بمعنى جاءكم من الله. نعم، قال يعني أنكم إذا علمتم أن كل شيء، هذه خلاصة الآية سيقدمها النسفي في هذه الأسطر، قال: يعني أنكم إذا علمتم أن كل شيء مقدر مكتوب عند الله، قلّ أساكم على الفائت وفرحكم على الآتي؛ لأن من علم أن ما عنده مفقود لا محالة لم يتفاقم جزعه عند فقده؛ لأنه وطَّن الذي وطَّن نفسه أن الحياة الدنيا تقوم على الفقد.
شوف الكلام العلمي! الله عز وجل لما يقول لك ستصاب وستبتعد، مسبقة! ممتاز، بالتالي أنا كمؤمن بقراءة سورة الحديد وبدي أقراها الأصل أن أكون مجهز نفسي في طريقي إلى الله، لايش؟ للبلاء. بدي أوطن نفسي أنا، أوطن نفسي يعني أجهز نفسي أنني سأبتلى، سأبتلى. الذي ياتيه البلاء وهو يظن أن الدنيا ستكون معه دائماً رخاء، بيجيه كف بخليه يدوخ، صح؟ لكن الذي ياتيه البلاء وهو مستعد بيكون ماذا يعني نوعاً ما استقباله أكثر، أو أفضل، أو أحسن. يعني شخص عارف أنه سيسجن بعد فترة، لما يدخل إلى السجن بتكون أموره المعنوية ايش؟ يعني بصلك حالة، أموره طيبة، يعني عارف. لكن شخص مفكر أن الدنيا ستفرج له، وأن الطريق ستفتح له ولن يجد أي معثر، لما ياتيه كف السجن مرة واحدة ينصدم، لا يستطيع أن يتحمل، وقص على ذلك كل بلاء.
فلذلك النسفي هنا ركز على قضية مهمة، أنه أنا ما الفائدة التي ساخرج بها من هذه الآية؟ ماذا يريد الله مني أن أستفيد من هذه الآية: ﴿مَّا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ﴾ [الحديد: 22]. أن أوطن نفسي في مسابقتي إلى الله على البلاء، جهز نفسك، سابتلى، سابتلى في المال، سابتلى في الزوجة، سابتلى في الأبناء، سابتلى بأي شكل، سابتلى في طريق الدعوة إلى الله سبحانه. فإذا جهزت نفسك، عندما ياتيك البلاء يكون أخف وأكثر استعداد، ولن تأسى على هذا البلاء، لن تأسى على ما فاتك، تقول والله أنا ابتليت والناس مسرورة، وأنا ابتليت والناس حصلت، وأنا فقدت. لن تأسى على ما فاتك من الدنيا لأنك عرفت الطريق وعرفت الثمن وعرفت ما الذي سيحصل فيه.
لذلك قال -أقرا مرة أخرى- قال: لأنه من علم أن ما عنده مفقود لا محالة، يعني أن الدنيا قائمة على الفقد على البلاء لا محالة، لم يتفاقم جزعه عند الفقد، لم يصب الجزع؛ ليه؟ لأنه مجهز نفسه سابقاً، هيأ قلبه ونفسه لاستقبال البلاء، لم يتفاقم جزعه عند فقده لأنه وطَّن نفسه على ذلك. شو يعني وطَّن؟ يعني استعد، أعد العدة لاستقبال البلاء. وكذلك طبعاً نحن نسأل الله العافية، أنت عليك أن تتوازن، مش أنه أنا أطلب البلاء، أسأل الله العافية، لكن إذا جاء البلاء فالأصل أنني أعددت له من العدة ما استطيع أن أستحمل وقعه على نفسي.
طيب، وفي المقابل قال: وكذلك، نعم قال: وكذلك ومن علم أن بعض الخير واصل إليه، وأن وصوله لا يفوته بحال، لم يعظم فرحه عند نيله. هكذا فهمها النسفي. ولا تفرحوا بما آتاكم أي من عرف أن الخير سياتيه سياتيه إذا قدره الله له، وانه مع عطاء الله لم يفرح الفرح المطغي عند وصوله، لأنه يعلم أن إنما وصل اليه هذا الخير بمحض توفيق الله سبحانه وكرمه، وانه شيء مكتوب سابقاً في الأقدار. لماذا وصلني هذا الراتب؟ لماذا علا راتبي؟ لماذا علا منصبي في جزئية معينة؟ لان الله اصلا هو الذي كتب ذلك في سابق الاقدار. فاذا عرفت أن كل شيء مكتوب، وأنه محض عطاء الله ومحض منع الله، هانت عليك الدنيا بعطائها ومنعها. هانت عليك الدنيا بعطائها ومنعها، فكل شيء بقضاء وقدر.
نعم، قال: وليس أحد إلا وهو يفرح عند منفعة تصيبه، ويحزن عند مضرة تنزل به، ولكن ينبغي أن يكون الفرح شكراً، والحزن صبراً. هذا كلام علمي. يعني يقول هل هذه الآية تنهاني عن أصل الحزن؟ لا، كل واحد يحزن إذا فقد حبيباً أو فقد عزيزاً أو حلت به بلية، وكل انسان يفرح إذا جاءه عطاء في هذه الحياة الدنيا، فالحزن والفرح لا اشكال فيه، لكن الإشكال كيف يكون حزنك إذا فاتتك الدنيا؟ وكيف يكون فرحك إذا جاءتك الدنيا؟ فهنا قال النسفي: ولكن ينبغي أن يكون فرحه ماذا؟ شكراً لله سبحانه وتعالى، ويكون حزنه إذا حزن كيف؟ صابراً راضياً على قضاء الله وقدره.
نعم قال: وإنما يذم من الحزن الجزع المنافي للصبر، وإنما الحزن متى يكون مذموماً؟ إذا كان جزعاً وتسخُطاً واعتراضاً على قضاء الله وقدره. نعم، والفرح متى يكون مذموماً؟ قال: ومن الفرح الأشر المطغي الملهي عن الشكر، نعم الفرح الفرح الذي يلهيك عن الله ويشغلك عن الله ويجعلك تتفاخر على خلق الله سبحانه وتعالى. فعليك إذاً أن تفرق بين الحزن المقبول والحزن المرفوض، والفرح المقبول والفرح المرفوض، هذا تأصيل جيد في هذه القضية. نعم قال: لأن من فرح بحظ من الدنيا وعظم في نفسه اختال وافتخر به وتكبر على الناس.
نعم قال: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: 23]. لأن من فرح بحظ من الدنيا وعظم في نفسه اختال وافتخر به وتكبر على الناس، والله لا يحب كل مختال فخور. نقول هذه الآية: لا يحب كل مختال فخور، هل هذه الآية المراد بها نفي العموم ولا عموم النفي؟ دقيقة شوي لبعض الشباب الذين عندهم في المنطق والبلاغة. الآن عندما كل تاتي بعد أداة النفي، يقولون الأصل فيها أنها ليس لعموم النفي بل لنفي العموم. يعني عندما أقول لك: ما جاء كل الرجال، شو بتفهم من هذه العبارة؟ ركز معي في هذه الجملة، عندما أقول: ما جاء كل الرجال، شو بتفهم؟ أنه في مجموعة ما جاؤوا وفي مجموعة جاؤوا، صح؟ لكن لو قلت لك: كل الرجال لم يأتوا، شو بتفهم منها؟ ولا أحد جاء، صح؟
إذا برجع للجملة الأولى: ما جاء كل الرجال، ماذا فهمت منها؟ نفي العموم. نفي العموم ايش يعني؟ نفي العموم يعني ما جاء كل الرجال، يعني بعض الرجال لم يأت وبعضهم جاء، هذه تسمى كل إذا جاءت في حيز النفي. طيب هنا كل جاءت في حيز النفي صح؟ لا يحب كل مختال فخور، إذن على قياس الجملة السابقة ماذا ستكون؟ يكره بعضهم ويحب بعضهم. طيب، هذا مش إشكال على القاعدة التي ذكرها الجرجاني في دلائل الإعجاز؟ كيف إذا جاءت كل في حيز النفي؟ الجرجاني هكذا قال: إذا جاءت كل بعد أداة النفي دلت على إثبات البعض ونفي البعض. ها، ما جاء كل الرجال، أنت شو فهمت منها؟ أنه في بعضهم جاء وبعضهم لم يأتِ. طيب، لا يحب كل مختال على القاعدة نفسها شو بدها تكون؟ يحب بعضهم ويكره بعضهم. فماذا نقول آه يا سند؟ أنصف على الحب فلا يحب، معنى أن يكره كل، هذا قول قاله بعضهم إن النفي قال منصب على الحب فقط، لكن على كلام الجرجاني الحقيقة لا يصلح هذا التعليم، لا يصلح هذا التعليل، الجرجاني أعم من الموضوع.
اه أحسنت! الذي يظهر لي أن نعم، الآية تثبت أن بعض الخيلاء يحبها الله، وبعض الخيلاء يبغضها الله، وهذا جاء في الحديث! ألم يجا في الحديث أن من الخيلاء ما يحبه الله ومن الخيلاء ما يبغضه الله؟ لو جاءت على عموم النفي لكانت كل صور الخيلاء مذمومة، لكن لما جاءت على سلب العموم دَلَّ هذا على أن أصل أكثر الخيلاء نعم يبغضها الله، لكن هناك صور من صور الخيلاء قد يحبها الله، وهو ما جاء في الحديث: ومن الخيلاء ما يحبه الله. متى تكون الخيلاء محبوبة؟ الخيلاء في الحرب والخيلاء على أعداء الله. فلا أقول كأن الآية ذهبت إلى هذا لبيان أنه ليس كل صور الخيلاء مذمومة، وإنما الخيلاء المذموم هو الخيلاء الذي جاء في سياق الآية: الخيلاء بالدنيا والفرح بها.
والفخر محموداً، الفخر بالإسلام الفخر بالأشياء المقبولة، وهناك فخر لا يحبه الله سبحانه. فالآية كأنها جاءت على طريقة سلب العموم وليس على عموم السلب؛ للدلالة على أن ليس كل صور الخيلاء مذمومة، وليس كل صور الفخر مذمومة، وإنما المذموم منها ما كان في هذا السياق، ما كان اتكالاً على الدنيا وحرصاً عليها. أما الاختيال على العدو فهذا محبوب بنص النبي صلى الله عليه وسلم، والفخر بالدين وهذا والأمور الشرفية التي يحبها الله هذا أيضاً مقبول ولا إشكال فيه، فلذلك جاءت على طريقة سلب العموم، والله تعالى أعلم.
نعم، قال: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ خبر مبتدا محذوف، أو بدل من كل مختال؟ قرأتها. أعد قراءتها مرة أخرى. نعم قال: والله لا يحب كل مختال فخور ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [الحديد: 24]. ما إعراب الذين؟ قال: أما خبر لمبتدا محذوف، والتقدير ماذا؟ هم الذين يبخلون أو هؤلاء الذين يبخلون، فتقدر مبتدا تقديره هم أو هؤلاء، فتقول: هؤلاء الذين يبخلون ويامرون الناس بالبخل. ويجوز رأي آخر أو إعراب آخر، أن تجعل الذين التي هي اسم الموصول بدل من ماذا؟ من مختال، يعني من كل مختال فخور، الذين يبخلون، يعني تفسير للمختال والفخور من هم؟ الذين يبخلون ويامرون الناس بالبخل.
فيصلح إذاً أن تجعلها خبر لمبتدا محذوف: هم الذين يبخلون أو هؤلاء الذين يبخلون، أو تجعل بدل من ماذا؟ من قضية كل مختال، من كل، والله لا يحب كل مختال، فتجعل بدل -مش من مختال بالتحديد عفواً- من كلمة كل، تجعل بدلاً من ماذا؟ بدلاً من كلمة كل، لذلك قال: أو بدل من كل. طيب، قال: أو بدل من كل مختال فخور، كانه قال: لا يحب الذين يبخلون، يريد الذين يفرحون الفرح المطغي إذا رزقوا مالاً وحظاً من الدنيا فلحبه وعزته عندهم يزونه عن حقوق الله ويبخلون به. وهذا حقيقة هذه الآية تتناسب مع موضوع السورة، قلنا موضوع السورة الحث على ايش؟ على الإنفاق وعدم البخل، تنفق وقتك وحياتك ومالك في سبيل الله.
فهنا جاءت هذه تكمل هذه الموضوع؛ لأنه قلنا الذي يجعل الإنسان شحيحاً بوقته وماله عن العطاء في سبيل الله، والحرص على الدنيا والبخل فيها، فالله عز وجل يذم الذين يبخلون بأعمالهم وأموالهم عن سبيل الله، فقال: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [الحديد: 24]. لذلك جعلها على البدلية أقوى حقيقة، جعل الآية على البدلية أقوى من جعلها خبر لمبتدا محذوف: الله لا يحب كل مختال فخور لا يحب الذين يبخلون ويامرون الناس بالبخل، هذا على البدلية وهو أقوى.
تمام، طيب، إذا ويأمرون الناس بالبخل. وقلنا الله سبحانه وتعالى حث على الإنفاق في مطلع السورة، وهنا نهى عن البخل والشح والمسك والحرص على الحياة الدنيا، وفي بين السياقين جاء التزهد في الدنيا. شوف كيف السورة تشبك.
فإنما الحياء الدنيا لعب ولهو، وزنى وسابقوا إلى مغفرة من ربكم. فكل الصورة تحث على البذل والعطاء والإنفاق ولا تتعلق بالدنيا؛ لعب ولهو كمثل غيث أعجب الكفار نباته. فإذا أنت جمعت آيات السورة في سلك واحد، ستجدها تحثك على أن تدفق وتنفق روحك وعمرك وأوقاتك ومالك في سبيل الله، وتحذرك من البخل، وتقولم حجم الدنيا في عينيك، وتقول: وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور.
نعم، قال: ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: 37] ويحبون غيرهم على البخل ويرغبون في الإامساك، وهؤلاء أسوأ أنواع الناس؛ يعني لا هم بدهم ينفقوا، ولا يريدون لغيرهم أن يبذلوا في سبيل الله. هكذا حال للأسف أصحاب القلوب المريضة، لا هو يريد أن يقدم للإسلام ولا يريد لغيره أن يقدم. إذا وجدك مقبل على باب من أبواب الخير، يثبطك بقوله: يا أخي إيش بدك في طلب العلم وحامل كتابك ورايح؟ فهو لا يريد أن يقدم. إذا راك تنفق مالا في جهة من جهات الخير، يقول: يا أخي بكره الحياة بتضيق فيك وما بتعرف وين بتروح، الآن امسك قرشك لنفسك. دائما هو يحثك على ترك الخير بدلاً من أن يحثك على فعله، لذلك حذر الله أسوأ أنواع البشر هؤلاء. في بعض الناس بخيل لكن يحب لغيره أن يبذل، لكن أسوأ شيء أن تكون أنت بخيل ولا تحب لغيرك أن يبذل أيضاً لخدمة هذا الدين، فهذا أسوأ الأنواع، لذلك حذر الله منه.
نعم، قال: ومن يتولى، يعرض عن الإنفاق وعن أوامر الله ونواهيه ولم ينتهي عما نهي عنه من الأسى على الفائت. ومن يتولى جعلها على عمومه، ما حدد شيئاً معيناً؛ قال: ومن يتولى، كل أنواع التولي عن البذل والعطاء في سبيل الله. فعاقبته قال: ومن يتولى فإن الله هو الغني الحميد. يعني لماذا جاء هذا جواب الشرط؟ هي جملة شرطية صح، شرط وجواب الشرط: ومن يتولى فإن الله هو الغني الحميد. ما المناسبة بين الجزاء والشرط؟ ماذا نقول؟ يعني لماذا جاء الجواب باسمين من أسماء الله الحسنى؟ الجواب جاء باسمين من أسماء الله الحسنى، لكن بالتأكيد هذان الاسمان يتناسبان مع ماذا؟ مع الشرط: ومن يتولى فإن الله هو الغني. إن توليك عن العطاء بخلاً يقابله أن الله غني عنك وعن عطائك، وهو سبحانه قادر أن يأتي بأقوام آخرين كما جاء في آخر سورة محمد، ماذا قال؟ ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونَ اَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: 38]. فالله سبحانه عندما يامرك بالعطاء ليس لأنه مفتقر، عندما يأمرك بالبخل ليس لأنه محتاج إليك، وإنما أنت من تحتاج إلى أن تعطي، أنت من تحتاج إلى أن تقدم. فيقول لك: إذا أنت توليت أنت المسكين، أنت الخسران. ومن يتولى فإن الله هو الغني؛ ربنا غني لا يحتاج إلى عطائك، لكنه سيأتي بأقوام يعطون ويبذلون فيكسب، وأنت من خسرت الرهان.
لذلك ماذا قال النسفي؟ نعم، قال: ومن يتول يعرض عن الإنفاق وعن أوامر الله ونواهيه، ولم ينتهي عما نهي عنه من الأسى عن الفائت والفرح بالآتي، فإن الله هو الغني عن جميع المخلوقات فكيف عنه؟ نعم، الحميد في أفعاله، فكيف عن هذا الإنسان الذي تولى؟ الله غني عن كل المخلوقات، فكيف سيكون غناه عن هذا المعرض المتولي؟ نعم، قال الحميد في أفعاله. فان الله الغني، ترك هو مدني وشامي، إذن المدنيون والشاميون قرؤوها: فان الله الغني بدون هو، اللي هو ضمير الفصل.
طيب، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]. السورة انتقلت للمشهد الأخير، يعني في الصفحة الأخيرة هو المشهد الأخير، وهو مشهد حقيقة مهم، وفيه قواعد يعني في الحياة وقواعد في منهج ومسير هذا الكون. نعم، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَويٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: 25]. خلص شيخ، خلنا نقرا التفسير، يعني حتى الصفحة طويلة، موضوعها واحد، لكن نقرأها آية آية حتى يعني نسير فيها أكثر وأكثر.
الله سبحانه وتعالى هنا أحبابي الكرام، بين على ماذا تقوم الحياة الدنيا، بين الأمور المركزية التي تقوم عليها الحياة الدنيا. فأخبر سبحانه أنه أرسل رسله بالبينات، إن الله شاء في حكمته أن يرسل الرسل عبر تاريخ البشرية لكل أمة رسول: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا﴾ [النحل: 36]. هؤلاء الرسل بماذا يأتون؟ قال: بماذا؟ لقد أرسلنا رسلنا بالبينات، أي بالآيات الواضحة الدالة على صدقهم وأنهم مرسلون من عند الله، هذا أول شيء إظهار لصدقهم، ثم ماذا ينزل الله سبحانه وتعالى لهؤلاء الرسل؟ قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد: 25]. الآن ما أهمية الكتاب والميزان؟ الكتاب هو أساس التشريع في كل رسالة نبي من الأنبياء، تمام. والميزان، ما هو الميزان هنا؟ الميزان كثير من المفسرين فسروه بأنه الآلة التي توضع عند البائعين، لكن حقيقة أنا لي تفسير آخر أظنه أشمل وأعلى في هذا المقام: أن الميزان هي القواعد التي يتحقق بها العدل، القواعد التي يتحقق بها العدل في هذا الوجود الإنساني. فالله أنزل الكتاب وأنزل الميزان القواعد التي تزن بها الأمور، القواعد التي تزن بها الأمور لتحقيق ماذا؟ العدل للوجود الإنساني.
الآن هذه القواعد قواعد العدل اللي هي الميزان، كثير منها مستقر في النفس الإنسانية، لكن كثير من تفاصيلها أيضاً يحتاج فيه إلى ماذا؟ إلى الرسل والرسائل حتى تكشف وتوضحه. فالله سبحانه وتعالى أخبرنا هنا أنه أنزل الكتب اللي هي الوحي وهي مصدر التلقي لكل إنسان، وأنزل مع هؤلاء الرسل أيضاً ماذا؟ قواعد تفصيلية بينها النبي صلى الله عليه وسلم بها يتحقق ماذا؟ العدل بين الناس. وهذا فيه تأكيد وتثبيت لقضية العدل، لما الله يصوره أنه نزل من السماء، نزل من السماء هذا فيه بيان لأهمية تحقيق العدالة، وأن يتسم الإنسان بالعدل في حكمه على الأشخاص والطوائف والجماعات وتقييمه للأمور والنوازل والمستجدات. فالعدل ليس فقط يعني الميزان مش فقط البيع والشراء إخواني، هذا تحجيم لموضوع الميزان اللي هو العدل: أن تكون عادلاً في كل أمر حياتك، عادلاً في تقييمك للناس، للآراء، للأفكار، للأطروحات، للجماعات الإسلامية، لغير الإسلاميين، حتى في علاقَتِك مع الكفار، مع المخالفين. العدل به قامت السماوات والأرض، وإن الله حرم الظلم على نفسه، الله يحب العدل أحبابي الكرام.
فلذلك هنا أخبرك أنني أرسلت رسلي بماذا بالكتاب وقواعد العدل، أرسلت الرسل بماذا بالشرائع فيها تفصيل أمور الحياة والآخرة، وأنزلت معهم قواعد تحقيق العدالة. ومن لا يريد أن ينصاع للكتاب ولقواعد العدالة، فانزلت شيئاً يقومه ما هو السيف؟ أنه بعض الناس يخرج عن قواعد العدالة، لا هو للوحي انصاع ولا لقواعد العدل اتبع، فلا يقومه إلا السيف. فقال: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: 25]. شوف الآية كيف تبين لك منهج الحياة، منهج الحياة أن الله سبحانه أرسل الرسل لتثبيت قواعد الشرائع وقواعد العدل، قواعد الشرائع تثبت بالكتاب، وقواعد العدل بالموازين الإلهية التي استقر في العقل بعضها البشري، وجاء الانبياء يكملون ما بقي من تفاصيلها، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً من قواعد العدالة: البينة على المدعي واليمين، مش هذا حديث بيان لقواعد العدالة؟ وكثير من الأحاديث في باب الأقضية ونحو ذلك.
فالكتاب يبين قواعد الشرائع، والميزان يبين قواعد العدل، ومن لا يريد أن يلتزم بالكتاب أو الميزان فإن حله في شيء ثالث أنزله الله وهو ماذا؟ الحديد: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: 25] ليقوم الاعوجاج، بعض الناس لا يقوم اعوجاجه إلا ماذا؟ الحديد. لذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وقوام الدين كتاب يهدي وسيف ينصر. هكذا تقوم الحياة، بعض الناس يريد أحد الجانبين، لا؛ الدين بالعلم والمعرفة، لكن من يخرج عن قواعد العلم والمعرفة والموازين الإلهية ويظلم الناس، يقابله ماذا؟ سيف ينصر.
نعم قال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا﴾ [الحديد: 25]، يعني أرسلناها الملائكة إلى الأنبياء بالبينات بالحجج والمعجزات. هو قال، شوف الآن هناك تفسيره قال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا﴾، ما المراد بالرسل؟ منهم من قال إن المراد بالرسل الملائكة، ومنهم من قال إن المراد بالرسل هم الأنبياء. ولعل الأنبياء والله أعلم أظهر لي، وإن كان النسفي يرجح أن المراد بالرسل هنا الملائكة الذين أرسلهم الله رسلاً إلى أنبيائه. فهنا التفسير الأول قال: لقد أرسلنا رسلنا، ماذا قال النسفي؟ قال: يعني أرسلناها الملائكة إلى الأنبياء، قال أرسلنا الملائكة، ففسر الرسل بأنهم الملائكة المرسلة من الله. نعم، قال بالبينات بالحجج بالحجج المعجزات، وأنزلنا معهم الكتاب أي الوحي. وقيل الرسل الأنبياء، والأول ذكر القول الثاني، قال وقيل الرسل المراد بهم من الأنبياء وليس الملائكة، لكنه رجح القول الأول أن المراد بالرسل من الملائكة. قال والأول، والأول ايش يعني؟ الأولى يعني والقول الأول هو الاقوى عندي أن المراد بالرسل الملائكة. لماذا رجح النسفي أن المراد بالرسل هم الملائكة؟ قال: لقوله معهم، لأن الأنبياء الله قال: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم، قال المعية تكون للملائكة، وأما الرسل البشريين فالأنسب أن يقال وأنزلنا عليهم. طيب، هذه يعني وجهة نظر تحليلية.
نعم، قال: لأن الأنبياء ينزل عليهم الكتاب، لكن يعني حقيقة لا يمنع أن يكون المراد الرسل البشر؛ لأن حتى البشر يجوز أن نقول وأنزلت معهم، يعني تدل على المصاحبة ولا يشترط أن يكون المصاحبة في نفس الوقت. فالذي يظهر أنه حتى لو قلنا إن المراد الرسل هم الأنبياء البشريون، لا أشكال أنه قال أرسل الله الملائكة الرسل البشريين نوح وإبراهيم وغيرهم، وأرسلت معهم وأنزلت معهم الكتاب ما في مشكلة؛ لأن المراد بالمعية هنا معية ماذا؟ المصاحبة، يعني أنه يصاحبهم كتاب تصاحبهم قواعد العدل. فكلام النسفي ليس حاسماً، قال: لقوله معهم ولأن الأنبياء ينزل عليهم وليس معهم، الكلام ليس كثيراً مقنعاً في حجته التي أوردها.
نعم، قال: والميزان، روي أن جبريل نزل بالميزان فدفعه إلى نوح، وقال: هذا لا دليل عليه، هذا روي أن جبريل نزل بالميزان؛ لأن هنا النسفي ذهب إلى تفسير الميزان بأنه الآلة المعروفة، أن الله أنزل الميزان اللي هي الماكينة التي ترونها عند أهل البيع والشراء، الميزان بمعناه الحسي. لكن كما قلت أنا أذهب إلى أنه الميزان هنا قواعد العدل، والميزان الحسي هو شكل من أشكاله، هو نوع من أنواعه وليس الميزان هو الآلة نفسها.
نعم، قال: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ﴾ [الحديد: 25] ليتعاملوا بينهم إيفاء واستيفاء بالقسط بالعدل، بالقسط يعني بالعدل، إذاً انزل الله الكتاب وقواعد العدل حتى تقوم حياة الناس على العدل؛ لأن القسط ما هو العدل؟ فكأن الآية تقول: أرسلناها الرسل بالحجج التي تدل على صدقهم، وصاحبت رسلي بكتب تثبت قواعد الشرائع وقواعد العدالة اللي هي الميزان، حتى تقوم حياة الناس على العدل. وهذا يدل على مقصد عظيم، يعني نستطيع أن نستخرج من هذه الآية أن من المقاصد العظمى للشريعة تحقيق ماذا؟ العدل: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]، الله يريد أن تقوم حياة الناس على العدل وعدم الظلم، والعدل بمفهومه الشامل حتى مع خصمك، مع عدوك، حتى مع الكافر يجب أن يكون هناك عدل وإنصاف. في قواعد الشريعة بيان لكل هذا العدل.
نعم، قال: ليتعاملوا بينهم إيفاء واستيفاء بالقسط، بالعدل ولا يظلم أحد أحداً. إيفاء واستيفاء يعني أخذاً وعطاءً. نعم، قال: ولا يظلم أحد أحداً. ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: 25]، قيل نزل، شوف هنا لما جاء عن الحديد بدأه بجمله مستقلة، قال: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ لأنه الحديد موضوعه مختلف لمن لا ينصاع الكتاب. هو شوف قال: وأنزلنا الكتاب والميزان، جمعهما بفعل واحد، ما قال: أنزلنا الكتاب وأنزلنا الميزان، لا؛ أنزلنا الكتاب والميزان لأنهما مع بعضهما البعض. لكن في مرحلة متأخرة لما يرفض الإنسان الانصياع للكتاب وقواعد العدل، فحله يكون بشيء آخر فأفرده بالذكر وقال: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: 25].
نعم، قال: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ قيل نزل آدم من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد: السندان، والكلبتان، والميقات، والمطرقه، والابره؛ كلها من الإسرائيليات يعني لا يحتاج أن ينشغل به. نعم، قال: ومعه هو الخلاف، لما قال سبحانه: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: 25]، هل المراد فعلاً أن الله أنزل عنصر الحديد من السماء، ولا المراد بالانزال هنا الخلق، خلقنا الحديد؟ البعض قال هكذا، والبعض قال هكذا، لا يوجد شيء حاسم في تفسير معنى الإنزال. هل المراد أن عنصر الحديد أنزله الله من السماء فقذف في الأرض؟ عنصر الحديد يستخرج من الأرض، أليس كذلك؟ طيب، فكيف نزل من السماء؟ هنا اختلف أهل العلم في توجيه معنى إنزال الحديد، البعض قال: الإنزال مجاز والمراد بالإنزال ما هو؟ إنه خلق الحديد، والبعض قال: لا، هي على ظاهرها ولا أشكال أن يكون الله أنزل هذا العنصر وقذفه في الأرض، ثم نحن نستخرجه من الأرض، كله ممكن.
نعم، قال: وروي ومعه المر والمسحاة، المر هو المجارف، المجرفة التي يستعملها المزارعون، وقيل المر هو الذي يكون أعلى المسحاة، المقبض الذي تمسك به المسحاة؛ فالمسحاة المجرفة، بتعرفوا مجرفة المزارعين والمر هو المقبض الذي يوضع على المجرفة ويكون من الحديد. وكما قلت هذه آثار إسرائيلية يعني لا يوجد عليها دليل واضح يعتمد عليه.
نعم، قال: وعن الحسن: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ خلقناه. آه شفت الحسن البصري شو فسر الإنزال؟ الحسن البصري قال: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ شو معناها؟ خلقناه، فالحسن فسر الإنزال بمعنى الخلق، هذا تفسير آخر وليس المراد أن الحديد نزل من السماء. فكما قلنا، إذاً هناك تفسيران للإنزال، هل هو إنزال حقيقي؟ هذا محتمل. وهل المراد بالإنزال لا شيء مجازي، والمراد بالإنزال أنه خلق الحديد في الأرض؟ أيضاً هذا مأثور عن السلف.
نعم، قال: ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: 25] وهو القتال به. آه، إذن ما المراد؟
وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد، الباس الشديد كناية عن القتال؛ أنه أنزل ليقاتل به، ويدافع به عن حياض هذا الدين. نعم قال: ومنافع للناس، وفيه أيضاً منافع للناس في العمارات والحياة؛ إنما لا بد من حديد، عنصر الحديد يدخل في كثير من صنائع الناس وحياتهم. نعم قال: في مصالحهم ومعايشهم وصنائع؛ فما من صناعة إلا والحديد آلة فيها، أو ما يعمل بالحديد؛ يعني ما من صناعة إلا والحديد يا داخل فيها يا الحديد يساعد في تصنيعها، لازم تستعمل الحديد فعلياً، عنصر الحديد من أهم العناصر في الوجود الإنساني.
نعم قال: وليعلم الله من ينصره ورسله باستعمال السيوف والرماح. وليعلم وليعلم، الآن هذا معطوف على ماذا هذا الفعل؟ وليعلم قال: وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، وليعلم الله من ينصره، الآن جملة وليعلم الله من ينصره معطوف على ماذا؟ أيوه، ليقوم الناس، هس إذا أرجعت إلى المشهد السابق ماشي؛ ليقوم الناس بالقسط وليعلم الله من ينصره، هذا احتمال أن تكون وليعلم، لكن هنا أنت رجعت قبل الحديد، والذي يظهر أنه لا، أن هذه مرتبطة بموضوع الحديد: وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع وليعلم. أنه هذا مش راجع للعدل راجع، وإن كان الحديث سيحقق العدل أيضاً، يعني هو السيف في النهاية إنما هو أيضاً لتحقيق ماذا؟ العدالة المنشودة.
فقال كثير من المفسرين: وليعلم الله معطوف على محذوف مفهوم في السياق السابق، والتقدير: فيه بأس شديد ولينتفع به الناس وليعلم الله من ينصره، كما ذكر الألوسي في روح المعاني أن التتقدير: لينتفع به الناس وليعلم الله. فالفعل معطوف على فعل محذوف مقدر في السياق السابق لأنه مفهوم منه تمام، معطوف إذاً على ما فهم من السياق السابق؛ يعني وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد لتقاتل به ولتنْتفع، علم الله ها ثلاثة أفعال: لتقاتل، ولتنْتفع، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب، أن الله أنزل الحديد ليعلم من سيستثمر هذا الحديد في الدفاع عن دين الله سبحانه وتعالى، وفي تصنيع المعدات والأجهزة والأسلحة وما شابه ذلك، وفي استخدامه في مقارعة الكافرين وما شبه ذلك.
نعم قال: وليعلم الله من ينصره ورسله باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة أعداء الدين. وقال الزجاج: ليعلم الله من يقاتل مع رسوله؛ من مقاصد إنزال الحديد أن يعرف الله من سيوظف هذا الحديد لخدمة دين الله، شوف هذا المعنى الجميل! من مقاصد إنزال الحديد: ليعلم الله من ينصره باستعمال الحديد، وهذا يعطيك أبعاداً كبيرة. طيب قال: وقال الزجاج: ليعلم الله من يقاتل مع رسوله في سبيله، استعمال الحديث هي نفس الفكرة؛ يعني كلام الزجاج لا يخرج عن روح المعنى السابق. نعم قال: بالغيب، غائباً عنهم أن نعم، هؤلاء أهل الإيمان الحق الذين يدافعون عن الله وهم لا يرونه، الذين دافعوا عن الله وبذلوا أرواحهم من أجل الله وهم لا يرونه، هذه أعلى صفات أهل الإيمان، لذلك في أول سورة البقرة ماذا قال الله في وصف المؤمنين؟ أول صفة من صفاتهم: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: 3]، آمنوا بالله ولم يروه، آمنوا بالله ولم يروه، إنما رأوا آثاره وأفعاله، فهذا أعلى قيم المؤمنين؛ أنه دافع عن الله وبذل روحه رخيصة في سبيل الله بالغيب، ايش يعني بالغيب؟ أي مع أنه لم ير الله، مع أنه لم ير الله، فالله بالنسبة له كذات، كذات غيب، وإنما أنت ترى أفعاله وآثاره في حياتك، صحيح. فهذا أعلى، ولما دافعت عن الله في الغيب يكرمك الله بأن ترى وجهه في الدار الآخرة كرامة لك، فإذاً هذا معنى بالغيب.
نعم قال: إن الله قوي، يدفع بقوته بأس من يعرض عن ملته، شوف دائماً ختام الآيات واستعمال الأسماء الحسنى في آخر الآيات يتلاءم مع ماذا؟ مع سياق الآية التي قبلها؛ يعني يكون مضمون الآية في شيء فيختم: إن الله ماذا؟ قوي، هذا يتناسب. لكن قبل قليل: ومن يتولَّ فإن الله هو غني، قبل قليل غني لأن السياق سياق تولي، هنا سياق سيف ومعركة وأسلحة فكان المناسب أن يقول: إن الله قوي، سياق سياق قوة. نعم قال: يدفع بقوته بأس من يعرض عن ملته، عزيز يربط بعزته جاش من يتعرض لنصرته. جميل، يعني هنا قال: قوي في رد الكافرين، وعزيز في تعزيز المؤمنين؛ يعني قال: قوي في رد ماذا؟ من يعرض عن المله، وعزيز يعزز عباده المؤمنين المدافعين عن المله، فجعل القوة ضد الكفار والعزة في تقوية أهل الإيمان. قال: قوي يدفع بقوته بأس من يعرض عن ملته اللي هم الكفار، وعزيز يربط بعزته جاشه، يعني يربط على قلبه، يربط بعزته جاش من يتعرض لنصرته، أي من يبذل حياته بنصرة دين الله سبحانه وتعالى، وهذا يعني انتقال لطيف من النسفي عليه رحمه الله.
طيب قال: والمناسبة بين هذه الأشياء الثلاثة، النسفي الآن حاول يعطيك يعني أيضاً وجه المناسبة بين العناصر الثلاثة المذكورة في الآية اللي هي ايش؟ الكتاب، الميزان، الحديد. ما وجه الربط؟ ترى هنا مجال واسع للتفكير العقلي يعني. نعم قال: والمناسبة بين هذه الأشياء الثلاثة أن الكتاب قانون -تذكر أن النسفي فسر الميزان بأنه الآلة وليس بقواعد العدل، وذهب إلى أن الميزان ما هو؟ هي نفس الآلة التي يزن بها الناس طعامهم وشرابهم- نعم قال: أن الكتاب قانون الشريعه ودستور الأحكام والحدود الدينية، يبين سبل المراشد والعهود، ويتضمن جوامع الأحكام والحدود، ويأمر بالعدل والإحسان وينهى عن البغي والطغيان، هذا هذه كتب الله ورسالاته السماوية.
نعم قال: واستعمال العدل والاجتناب عن الظلم إنما يقع بآلة يقع بها التعامل، فوجب أن يكون هناك ميزان، هكذا يريد أن يقول. نعم قال: ويحصل بها التساوي والتعادل وهي الميزان. ومن المعلوم أن الكتاب الجامع للأوامر الإلهية والآلة الموضوعة للتعامل بالسوية إنما تحض العامة على اتباعهما بالسيف الذي هو حـ نعم، أكثر العامة لا يلتزمون بالعدل فكان لا بد من سيف! ايش بقول لك؟ قال: الكتاب والميزان إنما تحض العامة، تحض عندك تحض العامة، الضاد، أنا عندي تحفظ العام، في حد عنده تحض؟ شفت نسختين أنا: تحض العام، وأنا يعني فعلا استشكلت. إذا العامة للأسف أكثرهم عندهم ظلم ولا ينصاعون لعدل الشريعة الإلهية، فلا بد من وجود ماذا؟ السيف، لذلك كما قال عثمان: إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، مشقة سيدنا عثمان! يعني وجود السلطان الذي هو خلينا نقول يمثل الحديد، يمثل القوة الحديدية، ما فائدة وجوده؟ أن كثيراً من الناس لا يعني لا يحمل على الوازع الديني، الوازع الديني لا يكفي، بل يحتاج إلى أن يقوم بالعدل القوة، يعني بالقهر الذي يمثله السلطان الذي يمثل الحديد خلينا نقول في هذه الآية.
نعم قال: إنما تحض العامة على اتباعهما بالسيف الذي هو حجة الله على من جحد وعند نعم، السيف وحجة الله يعني حكم الله على من جحد وعاند ولم يقبل العدل الإلهي. نعم قال: ونزع عن صفقة الجماعة اليد المارقين عن الجماعة ومنهم الخوارج، لك أصلاً لماذا أمر الله بقد الخوارج واستعمال الحديد معهم؟ لأنهم ما عندهم موازين العدل، العدل موجود في الكتاب والسنة وشريعة الله، خرجوا عنها، أرادوا أن يتبعوا أهوائهم، فكان الحل استعمال أيضاً الحديد في مدافعته ومقاتلته، كل من خرج عن العدل ولا ينصاع له سواء من الكفار أو من الخوارج وغيرهم، الله عز وجل وضع له حلاً آخر في الحديد. نعم قال: وهو الحديد الذي وصف بالبأس الشديد.
نعم قال: ولقد أرسلناه نوحاً وإبراهيم، وخصا بالذكر لأنهما بدأ بذكر بعض الأنبياء وهذا يجعل كما قلت تفسير الآية السابقة لأرسلنا رسلنا بالأنبياء البشريين أقوى من تفسيرها بماذا؟ بالملائكة، يعني هذا من مرجحات أن الآية السابقة لقد أرسلنا رسلنا تتكلم عن الرسل البشريين، لأنه الآن سيدخل في تفصيلهم أكثر وأكثر فبدا بذكر بعضهم وهم نوح وإبراهيم، وإنما خص هذين لأنهما أصل الأنبياء وكل الأنبياء جاؤوا من سلالتهما بعد ذلك، فخصهما بالذكر لأن أصول الأنبياء من نسلهما. نعم قال: ولقد أرسلنا نوح إبراهيم وخصا بالذكر لأنهما أبوان للأنبياء عليهم السلام، والنسفي قال لكم هذا أبوا الأنبياء. نعم قال: وجعلنا في ذريتهما أولادهما النبوة والكتاب الوحي. وعن ابن عباس رضي فالكتاب ليس فقط خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب، هنا عاد مرة أخرى ليذكر ماذا؟ الكتاب، فالكتاب هو سنة الله في جميع الشرائع، وليس فقط الكتاب هو القرآن، هل كتاب الله فقط هو القرآن؟ لا، عندك التوراة، الإنجيل، صحف إبراهيم، صحف موسى، الكتاب ليس كتاباً واحداً، نعم فهو سنة الله دائماً في أنبيائه عندما يرسلهم إلى الاقوام أنه ينزل معهم كتاباً يثبت قواعد الشرائع، يثبت قواعد الشرائع.
نعم قال: عن ابن عباس رضي الله عنهما الخط بالقلم، البعض قال: الكتاب هنا ليس بمعنى الكتاب المكتوب، وإنما الكتاب مصدر بمعنى كتب يكتب كتاباً، كلمة كتاب تصح تطلق على المكتوب ويطلق أيضاً على مصدر بمعنى عملية الكتابة، فالبعض قال: الكتاب هنا معناها عملية الكتابة، أي أن الله علم ذريتهما الكتابة، فالكتاب بمعنى ايش؟ الكتابة، هذا قول آخر، وإن كان الأظهر هو الأول. نعم قال: يقال كتب كتاباً وكتابة؛ يعني إذاً كتاب هي من الناحية اللغوية أصلها مصدر للفعل كتب، كتب له ثلاثة مصادر: كتباً، وكتاباً، وكتابةً، له ثلاثة مصادر، لكنه أكثر ما يستعمل كلمة الكتاب لأيش؟ اسم جنس للمكتوب، وعادة الناس لا تستعمله مصدراً.
نعم قال: فمنهم، فمن الذرية أو من المرسل إليهم وقد دل عليهم ذكر الإرسال والمرسلين آه، يعني الضمير في منهم يعود على من؟ على الذرية، قال: وجعلنا في ذريتهما ها فقوله فمنهم أي من الذرية الضمير في منهم يعود على الذر وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب، فبعض الذرية اهتدى وبعضه عاند، وهكذا هي سنة الله في كل زمان ومكان أن ليس كل الناس ينساق للعدل، كان هذه الآية تكمله للسياق السابق، هل كل الناس كانوا ينساقوا للعدل الذي جاءت به الأنبياء؟ لا، أراد الله أن يخبرك عن واقع كثير من الناس، أكثر الناس فاسقون، والفسق هو ماذا؟ الخروج، وأكبر الخروج هو خروج عن قواعد العدل الإلهي.
نعم قال: فمنهم مهتدٍ، من مهتدٍ من انصاع للكتاب والميزان ولم يحتج إلى تقويم، اهتدى إلى الله سبحانه وتعالى. نعم قال: وكثير منهم فاسقون، وكثير منهم فسقوا، لاحظوا الفسق هنا، الفسق أصل معناه في اللغة ما هو؟ فسقت الرطبة يقولون بمعنى الخروج، فهذا متناسب مع ذكر الميزان والعدل في الآية السابقة، وأكثرهم خرجوا عن الكتاب، خرجوا عن العدل، خرجوا عما أرسله الله من البينات، وبالتالي احتاجوا إلى ماذا؟ إلى الحديد اللي هو رمز القوة والبطش. نعم قال: هذا تفصيل لحالهم، أي فمنهم من اهتدى باتباع الرسل، ومنهم من فسق أي خرج عن الطاعة والغلبة للفساد، يعني وفي كل زمان ومكان الغلبة العادة أكثر الناس فاسقون، الله عز وجل يريد أن يخبرك وهذا فيه تعزية وتسلية لأهل الإيمان عندما يرون هذا الكفر يتتابع السابقة.
نعم قال: والغلبة الفساق، ليس المراد الانتصار، وإنما المراد بالغلب ما هي؟ الكثره، الكثْرة في كل زمان ومكان لأهل الفسق، وعادة أهل الإيمان هم أقل، هم أقل حالاً وعدة، لكنهم أقوى بايمانهم وثباتهم على طاعة الله سبحانه وتعالى. نعم قال: ثم قفينا على آثارهم، أي ثم بعد نوح وإبراهيم قفينا، التقفية هي الاتباع، أي اتبعنا آثارهم برسل بعد رسل، وأنبياء بعد أنبياء حتى وصل الأمر إلى من؟ إلى عيسى ابن مريم، حتى قفينا بمن؟ بعيسى وصلنا إلى عيسى.
نعم قال: ثم قفينا على آثارهم أي نوح وإبراهيم ومن مضى من الأنبياء برسلنا، وقفينا تقف بمعنى ايش؟ الاتباع، أي اتبعناهم، لذلك من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم ايش؟ المقفي، لأنه ماذا جاء بعد الأنبياء، جاء تبعاً للأنبياء فتابع يكون مقفياً لمن قبله. نعم قال: ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم واتيناه الإنجيل وجعلناه، وجعلنا، وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ومودة وليناً ورحمةً، إذا الله عز وجل كأنه طوى التاريخ بعد نوح وإبراهيم، اتينا بمجموعة من الرسل بعد الرسل، أراد أن يوصل إلى من؟ إلى عيسى كونه آخر نبي قبل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فقال حتى وصلنا إلى عيسى، وآتينا عيسى أيضاً كتاباً. فكان في الآيات إذا بتلاحظوا الثلاث تركيز على أهمية ماذا؟ الكتاب، يعني الكتاب ذكر في الآية الأولى: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب، ثم لما قال نوح إبراهيم ايش قال؟ ولقد أرسلنا نوح إبراهيم وجعلنا في ذريتهم النبوة والكتاب، بعدين لما جا لعيسى بن مريم ايش قال؟ واتيناه الإنجيل وهو كتاب. إذا الآية فيها تركيز على أهمية أن تعتني كل أمة بكتابها، ونحن أمة الإسلام علينا أن نعتني بماذا؟ بكتابنا، الله يخبرك الكتاب أهم شيء في حياتك، إياك أن تترك الكتاب الذي بعث إليك، كل أمة فيها رسول وكتاب، فاعتنِ يا أمة الإسلام بكتابكم ففيه الشرائع، وفيه قواعد الأحكام وفيه مباني الدين. ومسكين مغبون من زهد بكلام ربه وهو بين يديه، هذا ما نستخلصه من هذه الآيات: أهمية الاعتصام بالكتاب، أكيد الله لم يذكر قضية الكتاب في ثلاث آيات متتابعة إلا لأن الكتاب أهم شيء وأعز شيء في وجود هذه الأمة، وهو يمثل دينها وهويتها وانتمائها إلى الرسالة الإلهية الخاتمة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
نعم قال: ثم لما أخبر عن اتباع عيسى قال: واتباع عيسى بطبعهم فيهم ماذا؟ رأفة ورحمة، وهذا قد يؤكده آية أخرى، ما هي؟ أيوه.
لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ولا تجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى. فاتباع عيسى بن مريم طبعهم يبقى أهون من أطباع اليهود، طبعهم أهون من طبع اليهود. اليهود أهل كفر وفسق وغدر وخيانة وقتل، وأما النصارى اتباع عيسى بن مريم فطبع في العادة أخف، ولا يعني هذا تزكية لهم، وإنما هي كما يقول الناس في الشر، تتفاوت الناس في الشر تتفاوت. فاليهود أقصى وأصعب تعاملا وأكثر غدرا وخيانة من غيرهم، فالله بنص كتابه وصف اتباع عيسى بأن فيهم رأفة ورحمة. نعم، قال: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد: 27]، تعطف على إخوانهم كما قال في صفة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: «رحماء بينهم».
ورهبانية ابتدعوها. خلص، رأفة ورحمة تقف. حتى بعض المصاحف يكون فيها يكتب عليها ميم، يعني وقف إجباري ممتاز. ثم جملة جديدة: ورهبانية؛ هي جملة جديدة، وليست معطوفه على رحمة، لا، رهبانية مفعول به لفعل محذوف تقديره وابتدعوا رهبانية، وإنما هذا من باب الاشتغال في باب النحو. وابتدعوا رهبانية ما كتبناها عليهم، فهذه جملة جديدة مستأنفة ليست مرتبطة بالجمله السابقة على الصحيح من كلام المفسرين، ولا هو في خلاف الحقيقة؛ البعض عطفها وتمحل لها تأويلا، وما نذهب إليه هو أن رهبانية مفعول به لفعل محذوف فسره الفعل المذكور، والتقدير: وابتدعوا رهبانية ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء، وسنأتي لهذه. قال: وبعد أن ذكر الله صفتين من صفاتهم وهي الرأفة والرحمة، ذكر أيضا ما الذي فعلوه في دينهم فقال: ورهبانية ابتدعوها. الآن، هل كلمة البدعة هنا في مقام الذم أم ليست في مقام الذم؟ حقيقة في نزاع بين المفسرين؛ البعض قال: أراد الله أن يذمهم على صنعهم الترهب في الدين.
وما هي الرهبانية؟ هو الانعزال في صوامع وعلى منارات لتعبد بعيدا عن الناس، هذه هي الترهب، ما هو كان عندهم الانعزال في صوامع ودير وما شابه ذلك يمارسون فيها العبودية وينقطعون عن الخلق. البعض قال: هذا بدعة مذمومة الزموا أنفسهم بها فذم الله عليها، والبعض قال: حقيقة لا، ليس المقام مقام ذم، وإنما المراد الابتداع هنا بمعنى الإنشاء، وقد جاء في حديث عند الحاكم وصحح البيهقي أن الرهبانية ظهرت أصلا في اتباع عيسى لما جاء ملوك جبابرة أرادوا أن ينهوا وجود النصارى، فبعض النصارى ارتد وبعضهم وافق الملوك وبعضهم خرج إلى الصحاري والأماكن البعيدة ترهبا فرارا بدينه من الفتن. وعلى هذا هل ستكون الرهبانية بدعة مذمومة؟ لا، بل كانت خلاصا من جبروت بعض الملوك الذين عاصروهم، فحقيقة أن تحمل كلمة ابتدعوها هنا على معنى البدعة المذمومة فيه نظر، وإنما المراد بالبدعة بمعناها اللغوي يعني ورهبانية كما قال عمر في صلاة التراويح: ونعمت البدعة. يعني هنا تحمل البدعة على معناها اللغوي، وهي معناها أنشاها.
ورهبانية ابتدعوها أي أنشأوها. لماذا أنشأوها؟ إذا صح الحديث الذي ذكره الحاكم والبيهقي يكون سبب إنشائهم للرهبان ما هو؟ الفرار بدينهم من جبروت الملوك الذين ساموهم سوء العذاب، وبالتالي هذا الترهب يكون محمودا لأنه فرار بدينه من الفتن، فلذلك قال: ورهبانية أنشأوها ما كتبناها عليهم، يعني لسنا نحن، يعني ليس الإله فرضها عليهم، وإنما هم ألزَموا أنفسهم بها فرارا بدينهم من الفتن في الزمن الذي كانوا فيه، وهذا كلام عن حالهم قبل النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان كثير منهم على اتباع عيسى بن مريم. حقيقة بعضهم بقي فعلا على اتباع عيسى بن مريم وهؤلاء موحدون ما داموا ماتوا قبل النبي صلى الله عليه وسلم. نعم، مثل الرهبان الذين جلس معهم الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضوان الله تعالى، جلس مع رهبان كانوا على ملة عيسى الصحيحة.
نعم، قال: ورهبانية ابتدعوها، هي ترهبهم في الجبال فارين من الفتن في الدين. إذا هذه ليست رهبانية مذمومة؛ إن قال: ليست هذه بدعة مذمومة؛ لأنه بعض الناس يستدل بذكر البدعة المذمومة في القرآن بهذه الآية، أقول: هذا استدلال لا أحسبه دقيقا، أن البدعة في هذه الآية ليست البدعة المذمومة اللي نقول سنة وبدعة في ديننا، لا، هي الابتداع بمعنى أنشؤوا من عندهم فرارا بدينهم من الفتن، كما قال النسفي: هي ترهبهم في الجبال فارين من الفتنه في الدين، وهذا هو مفهوم حديث الحاكم والبيهقي رحمه الله عليه. نعم، قال: وهي ترهبهم في الجبال فارين من الفتنة في الدين مخلصين أنفسهم للعبادة. نعم، وهي الفعلة المنسوبة إلى الرهبان، وهو الخائف. يقول: رهبانية، مصدر صناعي. الآن هو كلام في الناحية الاشتقاقية، رهبانية قال مأخوذ ما جذرها، مصدر صناعي أو اسم منسوب إلى الرهبان، والرهبان بفتح الراء؛ الرهبان هو الخائف. نقول: شخص رهبان، ما تقول والله فلان رهبان، شو يعني رهبان؟ خائف. فرهبانية مأخوذة من ماذا؟ من رهبان، ورهبان قال وهو الخائف على وزن فعلان من رهب رهب، تقول: اسم صيغة المبالغة منها أو الصفة المشبهة على وزن فعلان رهبان، والرهبان هو الخائف، ومن رهبان اخذنا رهبانية، اخذنا المصدر الاصطناعي وهو الاسم المنسوب رهبانية. قال: كخشي من خشية، كما تقول فلان خشي من الفعل خشية، كذلك تقول فلان رهبان من الفعل رهب. نعم، قال: وهو الخائف فعلان من رهب كخشي من خشية، وانتصابها بفعل مضمر يفسره الظاهر تقديره: وابتدعوا رهبانية ابتدعوها، كما قلنا رهبانية مفعول به لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور، وهذا له علاقة باب الاشتغال أوجع راسك فيه.
كمل. نعم، قال: ابتدعوها أي خرجوها من عند أنفسهم، ونظرها ما كتبناها عليهم، يعني الله لم يفرض عليهم الرهبانية لكنهم احتاجوا إليها للفرار بدينهم من الفتن، هذا معنى ما كتبناها عليهم، يعني هل الله ألزمهم بالترهيب؟ لا، ليس من دينهم ذلك، وإنما احتاجوا للرهبان فرارا بدينهم من الفتان. طيب قال: ولم نفرضها نحن عليهم إلا ابتغاء رضوان الله. إلا هنا استثناء منقطع، بمعنى لكن؛ يعني لكنهم ألزموا أنفسهم بها فرارا من الدين من الفتن وابتغاء لرضوان الله، الثبات على الدين أعظم شيء من أشياء رضوان الله. الثبات على الدين، لذلك قال: إلا لا نفصلها استثنائية، نفسرها استثناء منقطع وتكون بمعنى لكن. إذن ما كتبناها عليه، طب ليش فعلوها؟ لكنهم فعلوها ابتغاء رضوان الله وفرارا بدينهم من الفتن، وهذا لا إشكال فيه، شيء جيد يمدحون عليه.
لكن للأسف هل التزموا بقواعد الرهبانية؟ هذا الذي أراد الله أن يبينه أنهم لم يلتزموا بقواعد الرهبانية في كثير منهم. قال: فما رعوها حق رعايتها، كأه يعني كثير منهم ما رعى حق هذه الرهبانية حق رعايتها، بل استخدمها لتكون وسيله للشهوات، وسيله لجمع الأموال، وسيله للطغيان. كثير من الرهبان -تعرفوا تاريخ الأساقفة والتاريخ المدمر حتى في واقعنا المعاصر- كثير منهم يستعمل رهبانيته وسيلة لتحقيق شهواته نزواته، جمع الأموال من الناس بحجه أنه متنسك، فالناس تحزن عليه، سيدنا الشيخ، بتصير تعطيه مصاري وفلوس ونساء وما شابه ذلك. فما رعوها حق رعايتها، كثير منهم استغل رهبانيته لتحقيق مطامعه الدنيوية، واليوم تفتحوا فيديوهات عن حال كثير من الرهبان النصارى اليوم، وكيف استعمل رجال الدين عندهم دينهم رهبانيتهم من أجل تحقيق شهواتهم ونزواتهم، شيء عار كبير في حياتهم ومصيبة عار في استخدام هذه الرهبانية في غير طاعة الله سبحانه وتعالى.
نعم، قال: فما رعوها حق رعايتها كما يجب على الناذر رعايه نذره، لأنه عهد مع الله لا يحل نكثه. نعم، كما أنك إذا نذرت نذرا مع الله الأصل أن توفي به، كذلك أنتم أيها الرهبان ليس انقطاع، كان عهد بينكم وبين الله، فالأصل أنكم وفيتم به على ما يرضي الله وليس استغللتم الرهبانية لتحقيق شهواتكم ونزواتكم وجمع أموال الناس بالباطل. نعم، قال: فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم، أي أهل الرأفة والرحمة الذين اتبعوا عيسى عليه السلام، والذين آمنوا بمحمد والذين آمنوا بمحمد يعني امتدت بهم الحياة حتى أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم فآمنوا به، هذا المراد فآتينا الذين آمنوا، آمنوا بعيسى وبمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذا إنما يكون لمن أدرك منهم زمن الإسلام، فانه يجب عليه أن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ولن تقبل منه رهبانيته بعد ذلك.
نعم، قال: وكثير منهم فاسقون. شوف، ختام هذه الآية يشبه ختام الآية السابقة تماما، وكثير منهم فاسقون. شوف، الآية السابقة ايش قال أيضا؟ وكثير منهم فاسقون. الله يريد أن يؤكد لك: أكثر الناس لا تتبع الكتاب والميزان عبر التاريخ، من أيام نوح وإبراهيم وكثير منهم فاسقون وذريتهم، وكثير منهم فاسقون وأيام عيسى وكثير منهم فاسقون، تكررت مرتين متتاليتين للإخبار أن أكثر الناس لا يستقيم على قواعد الكتاب وقواعد العدل، ويخرجون عن الطاعة ويفسقون، وبالتالي أنت بدك تنتبه لخطواتك؛ ما دام أكثر الناس هكذا فكذلك في هذه الأمة وفي واقعنا، كأن الله يخبر عن سنة تتكرر أن أكثر الناس على فسق، فاحذر أيها المؤمن أن تكون من أهل الفسق والفجور.
نعم، قال: يا أيها الذين آمنوا. الخطاب لأهل الكتاب. نعم، الخطاب لأهل الكتاب. الآن في خلاف في هذه الآية: هل الخطاب لأهل الكتاب ولا الخطاب للصحابه الكرام؟ اختلفوا المفسرون في هذه الآية، هنا النسفي حملها على أهل الكتاب؛ يعني يا أيها الذين آمنوا من أهل الكتاب. يا أيها الذين آمنوا من أهل الكتاب الكلام للمؤمنين من أهل الكتاب اليهود والنصارى. طيب قال: اتقوا الله وامنوا برسوله بمحمد صلى الله عليه وسلم يؤتكم الله كفلين نصيبين من رحمته لإيمانكم. الكفل هو النصيب وسمي النصيب والقسم كفلا قال لأن فيه كفاية للانسان، لأن فيه كفاية له فسماه الله كفلا، وهذا مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أن أهل الكتاب الذين آمنوا برسلهم وبمحمد صلى الله عليه وسلم سيعطون أجرهم مرتين». جاء في أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من يعطى أجره مرتين منهم هم ورجل آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم.
فالله يبشر أهل الكتاب حتى يعطيهم دعم معنوي ويحفزهم على الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم، أنكم يا أهل الكتاب الذين أدركتم محمدا صلى الله عليه وسلم إذا آمنتم بمحمد صلى الله عليه وسلم سنعطيكم كفلين، اجرين؛ أجر أنكم آمنتم برسول السابق، ثم أجر أنكم اتبعتم محمدا صلى الله عليه وسلم وموتم على ذلك الأهل، فلذلك أكثر المفسرين حملوا الخطاب على أهل الكتاب، أهل الكتاب الذين أدركوا بعثة النبي صلى الله عليه وسلم يبشرهم الله بنصيبين من الثواب في حال أنهم أكملوا إيمانهم بعيسى بايمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم. نعم، قال: لإيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلم وإيمانكم بمن قبله، ويجعل لكم نورا تمشون به. هذا النور الذي قصته كبيرة في سورة النور: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الحديد: 12] ذكرناه في بداية السورة. نعم، قال: وهو النور المذكور في قوله: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ﴾ [التحريم: 8]. هذا أهم شيء، أهم شيء أنك تحصل نور يوم القيامة تدبر حالك فيه، إذا ما لقيت نور يوم القيامة أنت من سيخسر، مصيبتك مصيبة إذا لم تجد نورا تمشي به يوم القيامة، فأهم شيء كل واحد فينا يهيئ لنورا يمشي به بين يدي الله.
نعم، قال: ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم. نعم، قال: لئلا يعلم. أه هنا جار ومجرور، هذا الجار والمجرور متعلق بفعل محذوف تقديره فعلنا هذا، وهو أننا اعطينا أجرين لأهل الكتاب الذين يؤمنون بالنبي صلى الله عليه وسلم ليعلم أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم. الآن الذي حدث في زمن النبي صلى الله عليه وسلم اليهود والنصارى الذين كانوا يسلمون، كانوا يعيرهم أقوامهم بأنكم تركتم دين آبائكم وأجدادكم، وأنكم أضعتم ثوابكم وأنكم خسرتم وهلكتم، صحيح؟ فالله يقول لا، الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب بالعكس سنعطيهم اجرين؛ أجر اتباع عيسى وأجر اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وأجر اتباع موسى وأجر اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وليس اجرهم ضاع كما تزعمون أيها الكفرة من أهل الكتاب الذين رفضتم الإيمان.
فالخطاب هنا لأهل الكتاب الذين رفضوا الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، يقول الله: فعلنا ما فعلنا باعطاء المؤمنين من أهل الكتاب كفلين، ليه فعلنا ما فعلنا باعطاء المؤمنين من أهل الكتاب كفلين؟ لماذا؟ ليعلم... طبعا هنا لا لا يعلم، لا الزائدة وليست نافيه، هذه اكتبوها لأنه أنت إذا بدك تفهم ظاهر الآية لئلا يعلم بتفهم هنا نفي، لا، هذه ليست لا النافية، هذه لا زائدة فقط للتوكيد، والتقدير ليعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله. فلا لا ليست نافية بل زائدة، زائدة ليش؟ للتوكيد فقط، زي قوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: 1] لا زائد للتوكيد، فالتقدير فعلنا ما فعلنا باعطاء المؤمنين من أهل الكتاب كفلين ليعلم الذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب -يعني نريد أن نوصل رسالة للذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب، ما هي الرسالة؟- نعم قال لئلا يعلم ليعلم اهل الكتاب، يعلم معناها لأن لا ليست نافية.
نعم، قال: أهل الكتاب الذين لم يسلموا ولا مزيدة. إلا مزيدة أي حرف زائد لمجرد التوكيد. نعم، قال: ألا يقدرون، أن مخففة من الثقيلة أصله أنه لا يقدرون، أن الشأن لا.
يقدرون نعم ضمير الشأن. المهم قال على شيء من فضل الله، أي لا ينالون شيئاً مما ذكر، مما ذكر من فضل الله من الكفلين والنور والمغفرة؛ لأنهم لم يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم. هنا فسر «لا يقدرون»؟ فسر عدم القدرة بماذا؟ عدم النوال، قال: لا يقدرون أي إيش؟ قال: لا ينالون تمام.
وقد يفسر عدم القدرة بأنهم ليسوا متحكمين بعطاء الله؛ أنه كما قلنا الذين كانوا كفروا وأصروا على كفرهم، كانوا يقولون للمؤمنين من أهل الكتاب: راحت عليكم! ظللتم مؤمنين بعيسى، آخر شيء آمنتم بمحمد صلى الله عليه وسلم، راح عليكم تعبكم السابق. فالله بقول لهم: هو الفضل بأيديكم؟ يعني أنتم تخلوها تروح على جماعة وما تروحش على فلان؟ فقال: لا يقدرون، يمكن أن نفسرها: ليسوا هم أهل السيطرة وأهل المنح والعطاء للفضل، الله هو الذي يتفضل، هو الذي يعطي ويمنع، وأما أنتم أيها الكفرة لا تقدرون على هذا الفضل ولا على هذا العطاء نعم.
قال؛ لأنهم لم يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم ينفعهم إيمانهم بمن قبله، ولم يكسبهم فضلاً قط. وأن الفضل عطف على ألا يقدرون، في تفسير النسفي: «لا تقدير بمعنى لا تنالون» يعني لا أجده قوياً كثيراً، وفسر لا تقدير بمعنى لا تنالون، لكن لو نظرنا في سبب نزول الآية كما ذكره الشراح نجد: لا تقديرهم بمعنى لا تتحكمون ولا تسيطرون أقوى، وهو مناسب لعدم القدرة أو نفي القدرة عنهم، نفي السيطرة أو التحكم وليس نفي النوال، وليس نفي النوال كما ذكر النسفي نعم.
قال: وأن الفضل عطف على ألا يقدرون، بيد الله أي في ملك الفضل، أي العطاء والكرم بيد الله، وليس بيد بشر حتى يمنع فلان ويعطي فلان نعم. قال: أي في ملكه وتصرفه يؤتيه من يشاء من عباده والله ذو الفضل العظيم.
فهذه ختام هذه السورة كان فيه رسالة لأهل الكتاب أن يتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم وبشرهم مقابل اتباعهم بأن يعطوا كفلين من الرحمة والخير والثواب، وبالنور الذي يمشون به. ثم حذر الذين يتألى على الله ويمنعون الناس من العطاء ويضيعون أجور الناس: أنكم لا تعلموا أنكم ليس لكم شيء في هذا الباب. أخبرناكم أن لهم كفلين لتعلموا يا من لم تؤمنوا أنكم لا تقدرون على شيء من فضل الله، لستم أنتم من يحدد من الذي سيثاب ويرفع ومن الذي سينزل ويخفض، وأن الفضل بيد الله وحده يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعطينا من فضله ومن واسع كرمه، وأن يجعلنا على هدى ونور مستقيم إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وعلى سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. إخواننا الدكتور
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل