الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصل وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة عيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء. لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
حييكم الله معاشر طلبة العلم في عودة جديدة إلى مدارس التنسيق -نسأل الله سبحانه وتعالى ألا يحرمنا من بركتها وخيرها وعظيم ما فيها من النفع- فإن خير مجلس يجلسه الإنسان في هذه الحياة، خير مجلس تجلسه هو مجلس تتدبر فيه كلام ربك سبحانه وتعالى، لأن هذه المفاهيم وهذه الرسائل التي في هذه الآيات دائماً أقول هي ليست رأي لعالم معين، ليست استنباطات، إنما هي من الله.
هذه عظمة هذه المجالس؛ أنك تأخذ المفهوم والفكرة من دون أن تناقش، من دون أن تبدأ تقيم صحيحة أو خاطئة، ليه؟ لأنها من الله، ومن اصدق من الله قيلاً، ومن أصدق من الله حديثاً؟ فهذه عظمة هذه المجالس؛ أنك تأخذ الحق الواضح، تأخذ الفكرة النقية والتي يريد الله سبحانه وتعالى منك أن تمتثل في حياتك وأن تصبح منهجاً. فهنا نحن نفهم مراد الله، هنا نفهم ما الذي يريده الله منا أن يكون في هذه الحياة، وليس ما يريده فلان أو الشيخ الفلاني أو الطائفة الفلانية، هذا كله غير موجود هنا؛ أنت هنا تأخذ عن الله مباشرة لأنك تنظر في كلامه وليس في كلام مخلوق، ومن هنا كانت عظمة هذه المجالس.
كنا في قبل دورة مدارس وقفنا في سورة الحديد عند قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ [الحديد: 13] وصلنا إلى هذه الآية، ليس كذلك؟ وقلنا بالعموم سورة الحديد تتكلم عن ماذا أحبابي الكرام؟ يعني لو أردنا نتكلم، ما هي الفكرة الأساسية التي تتكلم عنها سورة الحديد؟ دائماً أي سورة هناك فكرة أساسية تتكلم عنها، وهناك تفاصيل فرعية تندرج تحت هذا المفهوم الكلي. فلو قلنا سورة الحديد، ما هو المحور الأساسي الذي نتحدث حوله؟
إي أحسنت، تتكلم عن قضية البذل في سبيل الله سبحانه وتعالى، وأن الذي يبذل، مش فقط هكذا، أن الذي يبذل في وقت مبكر ليس كالذي يبذل في وقت متأخر. هذه فكرة مهمة؛ الذي يبذل في وقت محنة الإسلام وشدة الإسلام ويقدم لدين الله في أيام العسرة، ليس كمن يأتي ليقدم في أيام الأمان والرخاء والحياة الرغيدة. الذي يقدم وهو يخشى من المساءلات وما شابه ذلك، ليس كمن يقدم وقد أمن كل شيء والأمور طيبة. لذلك كان عظمة الجيل الأول من الصحابة وعظمه المهاجرين، لذلك حتى لما تنظر في كتب الطبقات، كتب طبقات الصحابة دائماً يقولون: المهاجرون أعلى درجة من الأنصار، صح هكذا في كتب الطبقات عموماً؟
ليه؟ لأن المهاجرون رضوان الله تعالى عليهم بدأوا بالإسلام في وقت لا يناصر فيه أحد، وبدأوا أفراداً آحاداً على يد كفار قريش يعذبون ويسامون سوء العذاب، لكن الأنصار ما تعرضوا لهذا، ما تعرضوا لأن يساموا سوء العذاب داخل المدينة لأنهم كانوا هم أصحاب الأرض، فبالتالي أسلموا جميعاً وهم ملاكها. فبالتالي من قدم في أوائل الإسلام وأسلم في خوف وشده ومحنة وكان مصر على دينه وبذل، ليس كما قلنا من قدم في رخاء وهدوء وطمأنينة. فهذه فكرة أساسية عليك أن تفهمها حتى تبادر، حتى إذا اردت أن تكون من السابقين وأردت أن تكون من الرعيل الأول ومن أصحاب الصفوف الأول لدين الله سبحانه وتعالى ومن يقدمهم الله يوم القيامة، تعرف أن علي أن أخدم دين الله في وقت الشدة، وأما في وقت الرخاء الكل يخدم. في وقت الرخاء الكل يخدم يعني ليجيء شيء مميز جزاك الله خيراً يعني في وقت الرخاء أنك خدمت، لكن عموماً في وقت الرخاء الكل سيقدم، لكن المشكلة أين؟ في وقت الشدة، لأن هناك من سيحسب حسابات كثيرة فيحجم عن التقديم، وهناك من سيجازف ويغامر بحياته، بصحته، بأمنه، بطمأنينته فيقدم في هذا الوقت، وبالتالي بالتاكيد لا يستويان عند الله سبحانه وتعالى.
الآن ستنتقل سورة الحديد ببيان أي مشهد مهيب من مشاهد يوم القيامة، وهو مشهد أهل النفاق؛ المنافقون الذين كانوا يظهرون أنهم في الصف الإسلامي وأنهم يبذلون، لكنهم عند الله سبحانه وتعالى يوم القيامة يفتضحون، وسنعرف ما هي الأمور التي أوقعتهم في النفاق. يعني حقيقة المقطع مهم، أنه لا يتكلم فقط عن وصف أخروي بل يتكلم عن الأمور النفسية والسلوكية التي تجعل الإنسان يسقط في فخ النفاق وهو يظن أنه يحسن صنعاً. فلذلك أنا أظن هذا المقطع من سورة الحديد مقطع مهم جداً لكل مسلم ومسلمة ولكل طالب علم حتى يعرف من أين يمكن أن يدخل عليه النفاق في حياته. فنبدأ بتدبر هذا المقطع مستعينين بالله.
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَى الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ من قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخُذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحديد: 12-15].
نعم، هنا انتهى هذا المشهد أو هذا المقطع من سورة الحديد ببيان حال فريقين: أهل الإيمان: ﴿يَوْمَ يَرَى الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم﴾ وأهل النفاق الذين التبس عليهم النور وتاهت بهم السبل. هذا المشهد هو مشهد أخروي، لكنه هكذا كان في الحياة الدنيا أيضاً؛ أهل الإيمان يجعل الله لهم نوراً في هذه الحياة، يبصرون بهذا النور حقائق الأمور ويعرفون الحق من الباطل. هذا النور وهو نور الطاعة، نور التوحيد، نور الإقبال على الله، نور ملازمة طريق الصواب والخير، هذا النور الذي بدأ معهم في الحياة الدنيا سيستمر معهم في الدار الآخرة حتى يمر به على الصراط إلى أن يجتازوا إلى جنات النعيم. وأما من فقد النور في هذه الحياة الدنيا سيفقد النور في الدار الآخرة، فرحلة النور هي رحلة ليست فقط أخروية بل هي رحلة تبدأ من الدنيا وتأتي أطيافها في الدار الآخرة. ومن فقد نوره في الحياة الدنيا سيفقد نوره عند الله سبحانه وتعالى في الدار الآخرة، فقوله سبحانه وتعالى هنا: ﴿يَوْمَ يَرَى الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ يوم ترى، ترى هنا الخطاب لمن؟
نعم، يوم ترى الخطاب لمن؟ للنبي صلى الله عليه وسلم. هذا الخطاب لشخص واحد، من يعرف البلاغة يعرف أن الخطاب ليس لشخص. نعم، الأصل في الخطاب أن يكون لمعين، لكنه هنا جاء على طريق العموم تماماً. الأصل هنا في الخطاب أن يكون لمعين، لكن هذا نوع من أنواع الخطاب أن يكون لكل من سيقرا هذه الآية ولكل من سيعيش هذه الأطياف والأجواء في الدار الآخرة. يوم ترى، أيها المؤمن يوم ترى، يوم القيامة يا من تقرأ: ﴿يَوْمَ يَرَى الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ وكلمة ترى هنا كان الله عز وجل يريد منك أن تعمل الذهن الآن. الآن يقول لك يوم ترى، الآن تبدا تعمل مخيلتك وذاكرتك وذهنك وتتخيل المشهد الأخروي كيف سيكون، فكان الله يريد منك أن ترى، يعني هنا الرؤية رؤية لما سيكون للأجواء التي ستعيشها في الدار الآخرة. يوم ترى المؤمنين والمؤمنات كيف سأراهم، كيف ستكون هذه الرؤية وما ترى؟ ﴿يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم﴾ تخيل معنا هذا المشهد؛ أنك يوم القيامة والناس على الصراط ترى أيها الإنسان أهل الإيمان كيف ستراهم في أي حلة وفي أي حالة، ترى النور يسعى بين أيديهم، أي أمامهم، بين أيديهم دلالة على ماذا؟ أنه في الامام بين أيديهم، ثم قال: وبايمانهم بالتحديد تماماً. يقولون ربنا أو بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار، كما قلنا هذا النور الذي كان معهم في الحياة الدنيا، نور التوحيد والطاعة ورفقة الخير والاستقامة، الآن تشاهده معهم في أخطر مرحلة وفي أكثر منطقة حرجة في الدار الآخرة وهي منطقة الصراط، لأن من تجاوزها نجى ومن فشل فيها سقط.
طيب دعونا نقرا ماذا علق النسفي على هذا المشهد. نعم، قال الإمام النسفي رحمه الله: قوله يوم ترى المؤمنين والمؤمنات ظرف لقوله وله اجر كريم، أو منصوب باضمار يعني كلمة يوم، يوم ظرف صح؟ ظرف زمان يوم ترى، فيوم ظرف زمان، والظرف لابد له من متعلق، فهو يتعلق، ما هو المتعلق؟ ما هو الفعل المرتبط بهذا الظرف؟ ما هو الفعل أو العامل المتعلق بكلمة يوم؟ هناك أكثر من احتمال؛ الاحتمال ذكره أن تكون متعلق بفعل محذوف أو مضمر تقديره اذكر، اذكر أيها المؤمن يوم ترى المؤمنين. فيوم ظرف زمان لفعل مضمر تقديره اذكر، فيكون تقدير الآية: اذكر يوم ترى المؤمنين والمؤمنات، أو تذكر أو تبصر يوم ترى المؤمنين. هناك احتمال أن يكون متعلق بماذا؟ بالمتعلق كلمة وله اجر كريم، وله أجر كريم، وله جار ومجرور متعلق بمحذوف تقديره مستقر أو كائن، أي مستقر له اجر كريم، يوم مستقر له اجر كريم يوم ترى المؤمنين. فهذا معنى قوله أن يوم ظرف لقوله وله اجر كريم.
طبعا هذا في نوع من العلوم اللغوية يحتاج إلى شخص متقدم، يعني هو هنا ما بين لك التفاصيل ولكن لخبرة الإنسان بالنحو يفهم ما معنى قوله ظرف لقوله وله اجر كريم؟ ايش يعني ظرف لقوله وله اجر كريم؟ أنت مش فاهم، لأنه الخبرة النحوية تلعب هنا دور نوعاً ما في فهم هذا الكلام، هو يقصد أنه ظرف لمتعلق الجار والمجرور، الجار والمجرور له متعلق ما هو متعلقه؟ مستقر، تمام، هذا هو متعلقه مستقر، كلمة مستقر محذوفة، فالتقدير: ومستقر له أجر كريم يوم، فإذن كلمة يوم إما متعلقها كلمة مستقر التي هي متعلقة الجار والمجرور، أو أنها خلص منصوبة بفعل محذوف تقديره أو مضمر تقديره اذكر، هذا دخل في الناحية الإعرابية.
طيب قال: أو منصوب بإضمار اذكر، تعظيماً لذلك اليوم. آه يعني لماذا خص هذا اليوم بالذكر؟ لماذا أذكر هذا اليوم؟ تعظيماً له وتهويلاً للمشهد، لذلك خصه ماذا؟ اذكر هذا اليوم. تمام. قال: يسعى يمضي نوره، هذا معنى يسعى نورهم. ما معنى يسعى نورهم؟ يسعى نورهم أي يمضي، يسعى بمعنى يمضي نورهم بين أيديهم. وهنا انظر المشهد الجميل؛ كان النور هو الذي يمشي، يعني ليس الذي يمشي أنت الآن، لا، هو النور عم يمشي بين أيديك، كيف عندك شيء يسير بين يديك، النور هكذا النور عم يمشي أمامك ويتقدم في المسير. نعم قال: نورهم نور التوحيد والطاعات. إذا ما هو هذا النور؟ هذا النور طبعا هو يوم القيامة نور حسي، لكن هو أثر للنور المعنوي الذي كان في الدنيا، لذلك قالت نسفي هو نور التوحيد والطاعات، أي ذاك النور الحسي الذي سيكون يجري بين يديك يوم القيامة هو ثمرة ماذا؟ النور المعنوي الذي كان معك في هذه الحياة الدنيا؛ نور التوحيد، نور الطاعة، ملازمه الصالحين، مجالس اهل العلم، سلوكك لدرب الاستقامه، تجنبك للذنوب والمعاصي، فهذا الشيء المعنوي سيصير الله نوراً حسياً بين يديك يوم القيامة.
نعم قال: وإنما قال بين أيديهم وبأيمانهم لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين، نعم، كما أن الأشقياء يؤتون من شمائلهم ووراء ظهورهم. نعم هنا النسفي انتبه لقضية جميلة في الآية، لماذا قال الله بين أيدي وبأيمانهم بالتهديد؟ شوف قال ايش: ﴿يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ ثم خص ماذا؟ الأيمان. لماذا خص الأيمان بعد أن قال بين أيديهم؟ قال: لأنه هكذا أصلاً أهل الإيمان يعطون صحائف أعمالهم يوم القيامة؛ من كان مؤمناً من أين يعطى صحيفته يوم القيامة؟ من جهة الأمام في يده اليمين، وأما من كان خاسراً هالكا فكيف يعطى صحيفته؟ من جهة الخلف من وراء ظهره، جاء في سورة الانشقاق بيده الشمال. فالمؤمن لما كان يعطى صحيفته من الامام قال: من بين أيديهم، ولما كان بيده اليمين قال: وبأيمانهم. والكافر لما كان يعطى صحيفته من الخلف وبالجهة الشمال، قال ذلك في مواطن أخرى، وذكر قصه الشمال ومن وراء ظهره في مواطن أخرى.
فاذا هنا النسفي انتبه لهذه القضية: لماذا خصه من بين أيديهم؟ طبعا لما اقول لك بين يدي هذا الشيء يعني امامي، هذا مصطلح عربي كذكر الشيخ الشنقيطي أن كلمة بين يدي وهذا متكرر في القرآن كثيراً هذا الأسلوب العربي، أقول بين يدي هذا الموضوع، مش تقول لي أحيانا بحكي معك تليفون شو بتعمل والله بين ايدي بحث، ومش ضروري يكون بين ايدك يعني بين، وإنما المراد ايش؟ امامي. فأسلوب بين يدي هذا الشيء يعني امام، فقوله: ﴿يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ كلمة بين أيديهم أي أمامهم، هذا معناها. ولماذا خص الايمان؟ لأنه لما كانت الصحائف تعطى بأعمال تعطى بالأيمان، كان النور بماذا؟ في أيمانهم، كان النور في أيمانهم من الجهة اليمين أو بدناش نقول في أيمانهم، أي من الجهة اليمنى لهم. نعم قال: فيجعل النور في الجهتين شعاراً لهم وآية. لأنهم هم اهل الإيمان، لما كانوا يعطون صحائفهم من الامام بالجهة اليمين، جعل الله نورهم على الصراط أمامهم من الجهة اليمين وهذا شعار وعلامة، ما معنى شعار؟ أي علامة، علامة تميز أهل الإيمان.
علامه تميز أهل الإيمان من غيرهم؟ نعم، قال: لأنهم هم الذين بحسناتهم سعدوا وبصحائفهم البيض أفلحوا، فإذا ذهب بهم إلى الجنة ومروا على الصراط يسعون سعيًا بسعيهم ذلك النور. شو قال؟ سعيًا بسعيهم ذلك النور؛ يعني هم يمشون والنور يمشي أمامهم، يتبختر أمامهم؛ هم يمشون ونورهم يتبختر أمامهم فرحًا بهم فرحًا بهم، وهذا هو النجاح، هذا هو النجاح الحقيقي. هذه العلامة الكاملة كما يقولون، هذه العلامة الكاملة أنك إذا مشيت على الصراط تفرح أن نورك يمشي معك، ولست منافقًا، ولست كافرًا، ولست من أهل العناد والضلال والعياذ بالله.
نعم، قال: وتقول لهم الملائكة: ﴿بُشْرَكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ﴾ [الحديد: 12] نعم، فبشر اليوم. النسفي قال: من الذي يقول ذلك؟ الملائكة. طيب هناك عدة احتمالات يذكرها المفسرون: أن الله يقول لهم ذلك، أن الملائكة تقول لهم ذلك. لكن هنا النسفي جعل من الذي يقول لهم بشراكم ملائكة الله وهم يستقبلونهم، ماذا يقول لهم؟ بشراكم. يبشرون بماذا؟ بالنعيم المقيم. نعم، قال: أي دخول جنات، لأن البشارة تقع بالأحداث دون الجثث.
بالأحداث، أنا عندي بالأحداث لا هي تقع بالأحداث، أنا أبشرك مش بالجنة، أنا أبشرك بدخول الجنة بالأحداث. البشارة أنما ما بقول أبشرك بمحمد، هسا لو قلت لك بشرتك بمولود هل حقيقة أنا أبشرك بالذات أو بقدوم هذه الذات؟ بالقدوم اللي هو الحدث. فالبشر إنما تكون بحصول حدث وليس بذات، فلو جاء ما ظاهره أن البشارة وقعت بالذات لابد أن تؤول بماذا؟ بحدث مرتبط بهذه الذات، فهمتم؟
يعني هنا ما هي الآية؟ ﴿بُشْرَكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ﴾ فظاهر الآية أن البشارة وقعت بماذا؟ بنفس الجنة. فالنسفي بيقول لك: لا، هذا يحتاج إلى تأويل، ليه؟ لأن البشارة لا تكون بالجثث، لا تكون بالأشياء الحسية، وإنما البشارة تكون بالأعمال أو الأشياء المرتبطة، الأحداث المرتبطة بالأشياء الحسية. فعندما أقول بشرته بمولود إيش يعني؟ يعني بشرته بقدوم مولود، فالبشر تكون بالحدث الذي وقع تمام، بشرته بعلامة كاملة إيش يعني؟ بشرته بحصوله على، وهكذا فهمتم؟
فالبشر إنما تكون بالأحداث وليس بالجثث، يعني ليس بالأشياء الحسية. فلما كان ظاهر الآية أن الله بشرهم بالجنة كان لابد من تقدير الآية، ما هو؟ بشرهم بدخول الجنة. فهمتم؟ قال: ﴿بُشْرَكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ﴾ التقدير: بشراكم اليوم دخول، لابد أقدر كلمة الدخول حتى تكون البشارة وقعت على حدث وليس على ذات، حتى تكون البشارة وقعت على حدث وليس على ذات. فهذه القاعدة قال: لأن البشارة هذه فائده لغوية جميلة يعني أنك تأخذها من بين ثنايا كلام النسفي، البشارة إنما تقع بالأحداث وليس بالذوات. الأجداث الجثث هي الذوات يعني بشكل عام.
نعم، قال: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 89] تمام. وهنا لم يفسرها النسفي لوضوحها، مع أن ﴿تَجْرِي تَحْتَهَا﴾ أو ﴿مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ومرت معنا كثيرا مثل هذا التركيب. هذا حال أهل الإيمان، من كان من أصحاب الخير والطاعة والصلاح في هذه الحياة الدنيا يسعى نورهم بين أيديهم بإيمانهم، ويبشرون من الملائكة وهم على الصراط بدخول هذه الجنات.
طيب دعونا طبعا ذكر أهل الإيمان هنا توطئة لذكر الفريق الآخر وهو أهل النفاق والعياذ بالله، وهؤلاء كثيرون في الصف المسلم، بل قد يكون أحدنا منهم وهو يظن أنه يحسن صنعًا. يعني عندما نقول المنافقون نتكلم عن أناس لسنا منهم بل أناس نخشى أن نكون منهم، نخشى أن نكون من أفراده، فانظروا في حالهم واعرفوا صفاتهم حتى يجنبكم الله سبحانه وتعالى أن تكونوا من أهل هذه الصفة.
نعم قوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ﴾ هو بدل من يوم ترى. نعم هو بدل من يوم ترى، الآية السابقة ماذا كان مطلعها؟ يوم ترى المؤمنين، صحيح؟ هذه الآية ما مطلعها؟ يوم يقول المنافقون. فهذا اليوم الثاني هو بدل من اليوم الأول، لأنه نفس اليوم، لكنه الآن أعطى له مشهدًا آخر، يعني في نفس اليوم الذي يكون فيه أهل الإيمان يسعى نور بين يديهم وإيمانهم، في نفس هذا اليوم ماذا سيكون حال أهل النفاق؟ مشهد آخر مخزي، نسأل الله العفو والعافيه.
نعم قال: هو بدل من ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا﴾ [الحديد: 13] انظرونا، انتظرونا، لأنه يسرع بهم إلى الجنة كالبرق. المنافقون والمنافقات يعني في المقابل في هذا اليوم هناك صنف وهم المنافقون والمنافقات، ماذا سيقولون لأهل الإيمان؟ انظرونا، ما معنى انظرونا؟ انتظرونا. هم لماذا يقولون لهم انتظرونا؟ هذا ينبني على فهمك ما الذي يحدث على الصراط.
الذي يحدث على الصراط أن المنافق في البداية يكون معه نور، ثم لما يبدا المشي ماذا يحدث لنوره؟ ينطفئ فيظلم عليه الصراط، فهو يرى أهل الإيمان يسيرون كالبرق كاجاويد الخيل ويسبقونه، وهو المسكين ماذا وقع له؟ انطفأ نوره. فيقول لأهل الإيمان: انتظرونا نريد أن نذهب نأتي بنور جديد، في منطقة قبل الصراط فيها النور، فهم يظنون أنه سيسمح لهم أن يأتوا بنور جديد ويعيدوا الرحلة على الصراط مرة أخرى.
فيقول المنافقون لأهل الإيمان انظرونا يعني انتظرونا، نريد أن نذهب نأتي بنور جديد حتى نلحقهم، والمساكين لا يعرفون ماذا خبئ لهم، والمساكين لما مكروا بأهل الإيمان في الدنيا يمكر الله بهم في هذا اليوم، فلا يعرف ماذا خبئ لهم، انطفأ نورهم فقالوا لأهل الإيمان انظرونا، إيش يعني؟ انتظرونا شوي بدنا نذهب ناتي بنور جديد.
طيب قال: لأنه يسرع بهم إلى الجنة كالبرق. أهل الإيمان يرونهم مسرعين على الصراط كالبرق، كالريح. عرفتم كيف يسير أهل الإيمان على الصراط؟ فلما يرى المنافقون أهل الإيمان بهذه السرعات المختلفة فيقولون لهم انتظرونا، أنتم مستعجلون نريد أن نلحق، والمساكين لا يعرفون ماذا ينتظرهم كما قلنا.
طيب قال: انظرونا. حمزة من هنا، قراءة أخرى نحن قراءتنا ماذا؟ انظرونا. حمزة كيف قراها؟ أنظرنا بهمز القطع. وما معنى هنا أنظرنا؟ قال: من النظرة وهي الإمهال، من النظرة بمعنى الإمهال أي أمهلنا. إذا انظرونا على قراءتنا بمعنى انتظرنا، وأنظرنا على قراءة حمزة بمعنى أمهلنا، وهما متلازمتان في المعنى. وهما متلازمتان في المعنى، انتظرني فيها معنى ايش؟ التمهل علي بشكل من الأشكال، ففيها نوع من التقارب والتلازم.
طيب قال: جعل اتئاد في المضي إلى أن يلحقوا بهم إنذارًا لهم. آه، يعني إذا قلنا انظرونا على قراءة حمزة بمعنى أمهلنا، ما معنى الإمهال هنا؟ قال: جعل اتئاد في المضي إلى أن يلحقوا بهم إنذارًا لهم أي إمهالًا لهم، هم بدهم يروحوا يجيبوا النور، ويا أهل الإيمان انظرونا أعطونا مهلة حتى نذهب نأتي بالنور ونلحق، فهذا شكل من أشكال ماذا؟ الإمهال.
يعني هم يريدون من أهل الإيمان أن يمهلوهم، يمهلوهم في ماذا يا شيخ قصي؟ يمهلوهم حتى يذهبوا يأتوا بنور جديد ليلحقوا بهم. هذا معنى قوله: جعل اتئاد، اتئاد يعني انتظار أهل الإيمان للمنافقين حتى يمضوا ياتوا بالنور ويلحق بهم، هذا نوع من أنواع الإمهال والانتظار، هي نفس الفكرة التي حمن حولها قبل قليل.
طيب انظرونا نعم قوله: ﴿نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ نصب منه، وذلك أن يلحقوا بهم فيستضيئوا به. هذه طريقة أخرى في تفسير الآية، قال: انظرونا نقتبس. آه، يعني هم يعني هذا احتمال آخر نقول إنه هم لما قالوا لهم انظرونا طب لماذا ننتظركم؟ قال: نقتبس من نوركم، يعني حتى في حال لم نجد نورًا نأتي به على الأقل أننا نستضيء بنوركم.
كيف أنت مثلا ما يكون معك لوكس وصاحبك معه لوكس ومتقدم عليك شو بتقول له؟ يا فلان استناني لاني معي ضوء حتى ألحقك تنور لي أنت الطريق، وكسل معك صح؟ فهم هكذا قالوا: انظرونا نقتبس من نوركم، انطفأ نورنا فانتظروا علينا قليلا بحيث إذا لم نجد نورًا نأتي به نستطيع أن نستضيء بنوركم. أنت معك جوالك وفي ضوء وأنا جوالي طافي ومش قادر أجد نور فبقول لك: أنتظرني حتى أصل إليك حتى أقتبس من نورك، يعني استستفيد من النور اللي معك. هم هيك مفکرين، مفكرين على الصراط مثل الدنيا، في الدنيا بيضبط هذا الكلام في الآخر ما بتضبط هذه المعادلة. انظرونا نقتبس من نوركم أي نصب منه نستضيء بنوركم فنور قد طفئ.
نعم قال: قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا. طرد أهل الإيمان، الآن قيل من الذي سيقول لهم؟ هل هم الملائكة؟ هل هم أهل الإيمان أنفسهم؟ لم تنص الآية بصورة واضحة من الذي سيقول؟ قيل بصيغة المبني لما لم يسم فاعله، سيقال لهم بغض النظر أنت ما يهمك من الذي سيقول لهم هذه الجمله، لكن ماذا سيقال لهم في الجملة؟ أنه لماذا تقتبس بنور أهل الإيمان؟ ارجعوا، جيبوا نور جديد من الوراء.
شوف هنا الله بدأ يمكر بهم، الله بدأ يمكر بهم، فأهل النفاق ماذا قالوا لأهل الإيمان؟ انتظرونا نريد أن نلحق حتى ايش نستضيء بنوركم. فيقول لهم أهل الإيمان أو تقول لهم الملائكة: لماذا تنتظرون أهل الإيمان لتقتبسوا من نورهم؟ ارجعوا ورائكم، روحوا ارجعوا تعالوا بنور جديد وامشوا على الصراط مثلكم مثل أهل الإيمان. فهمتوا ما الذي يحدث الآن؟ هذا بداية المكر بهم.
إذا قيل ارجعوا وراءكم ارجعوا للخلف، ائتوا بنور جديد، لماذا تقتبس من نور غيركم؟ ائتوا بنور جديد وامشوا بنوركم. قيل ارجعوا وراءكم عودوا أدراجكم إلى الخلف، فالتمسوا نورًا أي اطلبوا نورًا جديدًا تستضيئوا به بدلا من أن تستضيئوا بنور غيركم. ممتاز، قال: طرد لهم وتهكم بهم، خليه يقول ومكر بهم حتى هي العبارة نكتبها أفضل ومكر بهم، هو نوع من أنواع ماذا؟ المكر، لانه سنعرف الآن ما الذي سيجري من أحداث وتفاصيل.
نعم قال: أي تقول لهم الملائكة أو المؤمنون، أو المؤمنون يعني. لذا قلنا من الذي سيقول لهم؟ قيل محتمل يكون الملائكة، محتمل يكون أهل الإيمان، المهم سيقال لهم ذلك. نعم قال: أي تقول لهم الملائكة أو المؤمنون: ارجعوا إلى الموقف إلى حيث أعطينا هذا النور، فالتمسوا هنالك، فمن ثم يقتبس.
نعم التمسوا هنالك من هناك جيبوا نور جديد، لا تستضيئوا بنورنا، روحوا إلى المكان الذي أخذنا منه نحن النور من ساحات وعرصات الموقف، فأتوا بنور جديد فمن ثم يقتبس أي من هناك يقتبس النور، ولن تستطيعوا أن تستضيئوا بنورنا نحن، فمن ثم أي من هناك يقتبس النور. فإذا هذه هي الخلاصة، يقال لهم ارجعوا إلى عرصات الموقف، تحملوا بنور جديد وامشوا على الصراط مرة أخرى.
نعم قال: أو ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا نورًا بتحصيل سببه وهو الإيمان. هناك تفسير آخر، أنه ليس المراد ارجعوا وراءكم أي ارجعوا إلى ساحات الموقف فالتمسوا نورًا جديدًا، لا تحكم بهم أهل الإيمان فيقولون لهم ارجعوا فالتمس ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا نورًا. جايين الآن تطلقنا انظرونا نقتبس من نوركم؟ روحوا ارجعوا للدنيا وأعملوا بالطاعة كما فعلنا نحن، وسيروا على درب الصلاح كما سرنا نحن، فاقتبس النور من الدنيا.
لا قلت لكم النور الذي في الآخرة هو ماذا؟ هو ثمره نور الدنيا، من كان عنده نور في الدنيا ستنير له أو سينار له على الصراط، أما من فقد النور في الدنيا سينطفئ عليه النور في عرصات القيامة. فهذا احتمال آخر في تفسير الآية: أن أهل الإيمان لما قالوا لهم ارجعوا وراءكم المراد بالوراء ايش؟ الدنيا.
فهناك تفسيران للوراء هنا: التفسير الأول ارجعوا ورائكم أي إلى عرصات القيامة من المكان الذي يقتبس منه النور، وهناك تفسير آخر ارجعوا وراءكم أي ارجعوا إلى ايش؟ الدنيا. فهناك خلاف في تفسير الوراء هل الوراء هو الدنيا أم الوراء هي ما قبل الصراط من عرصات القيامة؟ هذا محتمل وهذا محتمل، والمعنى يعني متكاتف، يعني حقيقه ليسا متعارضين كثيرا.
نعم قال: فضرب بينهم بين المؤمنين والمنافقين. والذي يظهر أن الأظهر أن المراد ارجعوا وراءكم أي إلى عرصات القيامة، لأن الله ماذا قال؟ قال بعد ذلك: قال فضرب بينهم. هذا يدل على أنه الذي حدث أن هؤلاء رجعوا وراءهم وذهبوا ليقتبسوا نورًا جديدًا فمكر الله بهم، فضرب بينهم وبين المؤمنين بسور، فما عادوا يرون أهل الإيمان.
ها هم كانوا على الصراط، انطفأ النور، نادوا أهل الإيمان انظرونا نقتبس، قال لهم أهل الإيمان ارجعوا وراءكم ائتوا بنور جديد، عادوا أدراجهم إلى عرصات القيامة ليأتوا بنور جديد، فمباشرة ضرب بينهم بسور.
قيل إن هذا الصراط أو عفوا هذا السور هو ماذا؟ الأعراف، منطقة الأعراف الفاصلة بين أهل الجنة وأهل النار. أهل الجنة خلص يكونون تجاوزوا، وأهل النار يكونون وراء هذا السور، ومن كان على السور فهو من أهل الأعراف الذين لم يسمح لهم بدخول الجنة ولكنهم لم يكونوا من أهل النار، منزلة بين منزلتين كما يقولون.
طيب قال له: لذلك السور باب لأهل الجنة يدخلون له. بسور له باب، هذا السور له ماذا؟ باب، الله يضع سورًا وهذا السور له باب. نعم قال: باب لأهل الجنة يدخلون منه، باطنه باطن السور أو الباب وهو الشق الذي يلي الجنة فيه الرحمة أي النور أو الجنة، نعم وظاهره ما ظهر لأهل النار من قبله من عنده ومن جهته العذاب أي الظلمه أو النار.
فهذا السور إذا له باب من جهة منه فيه الجنة والخير والرحمة، والجهة الأخرى من هذا السور فيها ماذا؟ النهر، يعني الجهة التي تقابل أهل الإيمان سيكون فيها ماذا؟ الرحمة والخير والاتجاه نحو الجنة، والجهة التي عندها المنافقون ماذا ستكون؟ جهة فيها الظلمه والنار، فقضية النار أو الجنة أو الظلمه أو النار هما متلازمات.
فإذا قال: باطنه، باطن السور هي المنطقة التي باتجاه أهل الإيمان، قال: باطنه فيه الرحمة أي الجهة الباطنية من هي الجهة التي عند أهل الإيمان سيكون فيها ماذا؟ الرحمة، وهو النور والجنة. والجهة المقابلة التي سماها الظاهرة التي من جهة المنافقين فيها الظلمة والنار، أسأل الله سبحانه
وتعالى أن نكون في الجملة أهل الإيمان وأهل الخير. هذه المواقف أحبابي أنت فيها بين أحد شخصين: إما ستكون في هذه السكة أو في هذه السكة، وأعمالك ومسيرتك في هذه الحياة الدنيا هي التي ستحدد في أي سكة ستكون، نسأل الله سبحانه وتعالى العافية.
والإنسان يخشى على نفسه من النفاق وأن يكون في تلك السكة الفاسدة والعياذ بالله. نعم قال قوله: ﴿ينادونهم﴾، أي ينادونهم الآن لما امتاز أهل النفاق عن أهل الإيمان وأصبح بينهم سور، الآن احتاج الأمر إلى ماذا؟ صراخ ونداء من خلف الاسوار؛ أصبح المنافقون ينادون أهل الإيمان: يا أهل الإيمان.
ينادونهم: يا أهل الإيمان، يعني هم تعجبوا كيف مكر بهم، هم ذهبوا ليأخذوا النور على فکرهم، رح يجيبوا نور وتمشي الحال ويدخلوا الجنة، فاذا بهم يجدون الله ينصب سُوراً بينهم وبين أهل الإيمان، فهنا يستغيثون بأهل الإيمان.
ينادونهم: ألم نكن معكم؟ شوف هذا النداء المخيف: ألم نكن معكم؟ مش كنا طلاب علم معكم، نحضر مجالس الخير والمشايخ ونروح مع بعض؟ مش كنا نصلي معاً في المسجد؟ ألم نكن معكم؟ كنا معاً، طب ما الذي فرق بين فلان وفلان؟ ما الذي جعل هذا الشخص كلاهما حضر مجالس العلم وكلاهما صلى في المسجد وكلاهما قرأ القرآن، ما الذي جعل هذا يكون من باطن السور وذاك يكون من ظاهر السور؟ ما الذي فرق بينهما؟ ألم نكن معكم؟ المعية هنا تقتضي اختلاط وممازحة.
الله هذا النداء الذي خلده الله وذكره حتى يطرق سمعك في هذه الحياة الدنيا؛ أنه كونك مع أهل الإيمان بتروح وبتيجي معهم على مجالس المشايخ وتحضر وتشتغل في العمل الإسلامي، مش معناته إنه يوم القيامة ستكون معهم في الدار الآخرة، أو عفواً في باطن السور، في هناك أمور قد تميز بينك وبين إخوانك فتكون أنت في صف المنافقين وهم يكونون في صف الأطهار الأخيار.
ألم نكن معكم؟ هذه احفظها، هذه ألم نكن، كنا مع بعض، نمشي مع بعض في طريق الاستقامة والخير، ما الذي مايز بيننا؟ فهم المنافقون يتساءلون: ألم نكن معكم؟ مش كنا مع بعض؟ لماذا نحن هنا وأنتم هناك؟ لماذا ضرب بيننا هذا السور؟ ألم نكن معكم؟ طيب.
فأهل الإيمان أصحاب البصيري هم يعرفون الحقائق، ماذا قالوا؟ أكبر قال: ينادونهم أن ينادي المنافقون المؤمنين: ألم نكن معكم؟ يريدون وقتهم في الظاهر، يعني كنا في الظاهر احنا وياكم كما قلنا في نفس المجالس، في نفس المساجد، في نفس الحلقات، في نفس الخندق في هذه الحياة الدنيا.
طيب قال: قالوا -أي المؤمنون- بلى. ولكن المؤمنون ايش قالوا؟ بلى، أنتم كنتم معانا في الظاهر، في الظاهر كنتم معنا، ولكن ايش مشاكلكم؟ شوف الأمور التي تدل على خصال النفاق حتى تتفقد لنفسك أين أنت منها؛ هذا مشهد وهذه إجابة دقيقة يخلدها الله في القرآن لتنتبه على نفسك.
ماذا قال المؤمنون للمنافقين؟ قالوا: ﴿بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [الحديد: 14]. هذه أول مشكلة قال: هذه أول مشكلة كانت عندكم، شوف الخطاب التفصيلي؛ المؤمنون الآن قالوا للمنافقين: بدنا نعطيكم شو كانت مشاكلكم في الحياة الدنيا.
أول مشكلة كانت من مشاكلكم أنكم ماذا؟ فتنتم أنفسكم، في مواطن الفتن كنتم تلقون أنفسكم فيها، في مواطن الشهوات كنت تلقي نفسك في الشهوات، ففتنت بالنفاق تمام.
والنفاق أحبابي ليس هو مجرد إرادة أن تكون منافقاً، النفاق أحياناً قد يكون عقوبة يعاقبك الله بها، فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم، متى أعقبه نفاقاً في قلوبهم؟ لما كانوا عاهدوا الله: ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: 75-77]. فهنا النفاق كان عقوبة وليس اختياراً، هذه بدي اياك تفهمها جيدا؛ النفاق قد يكون عقوبة وليس أنت من اخترته، وهذا المخيف النفاق أنه أنت لا تفكر أنه أنا منافق لأنني أنا اريد أن أختار هذا المسلك، لا، قد تكون أنت لم ترد النفاق لكن الله عاقبك فجعل قلبك منافقاً.
عاقبك لماذا؟ لأنك تكثر إلقاء نفسك في مواطن الفتن. عاقبك بالنفاق ليه؟ ركزوا فيها هذه، لأننا جميعاً معرضون لها، عاقبه بالنفاق لأنه يكثر إلقاء نفسه في مواطن الفتن؛ يكثر فتح الجوال على الصور الخلعاء، وبقوله المشايخ: يا فلان، ترى أنت واضح أن الجوال يعني لا يصلح لك، أنت إنسان فتحت السوشيال ميديا تقع في الحرام، أنت إذا فتحت السوشيال ميديا تصيدك الصور الخليعة، أنت إذا فتحت السوشيال ميديا ما أسهل أنه تلتقط من المشاهد ما رد. وما بده يكون منافق بس ما سمع النصيحة، بقي مصراً على فتح السوشيال ميديا على الفيسبوك وكذا، وكل يوم عم يسقط وعم ينهار، فيكون النتيجة أن الله عاقبه بماذا؟ بالنفاق.
هذا معنى: فتنتم أنفسكم؛ أوْقَعْتَ أنفسكم في مواطن الفتن، والفتن قد تكون فتن شهوات، وقد تكون فتن شبهات؛ المشايخ كانوا يقولون لك: يا اخي لا تدخل في هذه السجالات العقدية، والله ليست لك، هذه يحتاج ربما هناك أشخاص مؤهلون، لا أنت مصر تدخل نفسك في أتون الخلافات العقدية وتبدأ تناقش وتثير أمور على نفسك، لا تدخل، لا تقتحم، مصر يدخل فتن نفسه، فاذا به تزلزلت عنده بعض العقائد، تزحزحت عنده بعض المبادئ ولم يأخذ بنصيحة أهل السنة والجماعة بهجران كتب أهل البدع وعدم مجالستهم وعدم النظر فيها، تزحزحت عنده العقائد.
فهذه قضية فتنتم أنفسكم كل شخص منكم وأنا أولكم معرض لها؛ أنه يعرف أن هذا موطن فتنة، سواء فتنة شهوات أو فتنة شبهات، ويصر على إقحام نفسه فيها، مع أنه سمع توجيهات كثيرة تحذره من اقتحام هذه الأبواب المغلقة.
هذا الإصرار، هذا العناد منك على اقتحام هذه الأبواب المغلقة تكون نتيجته في يوم من الأيام أن الله يرزقك أو يعاقبك والعياذ بالله بماذا؟ بقلب منافق.
فهذه جواب صريح من أهل الإيمان للمنافقين: أنت اللي فتنت نفسك، صح كنت تحضر معانا مجالس العلم بعرف، وكانت لحيتك مطلقة، وما شاء الله بتلبس الثوب وتتكلم بقال الله وقال الرسول صلى الله عليه وسلم، بس مش مشكلتك في الخلوات، كنت تفتن نفسك، كنت تنصح وتصر ولا تعبأ، فكانت النتيجة أن الله جعلك منافقاً.
هو أخطر شيء في هذا المشهد أنك تتفاجأ يوم القيامة أنك تكون من ظاهر السور، أن البعض يتفاجأ يوم القيامة أنه أنا ليش مش مع الجماعة المؤمنين؟ يعني أنت مش حاسب حسابك، أنت فعلاً خلص حاسب حالك من أهل الإيمان ورايح على الجنة وميت، فإذا بك تتفاجأ أن السور ارتفع وأني مع المنافقين، فهنا هذا السؤال هو سؤال اندهاش: ألم نكن معكم؟ لماذا أنا هنا؟ لماذا لم يضعني الله مع أهل الإيمان في الصف المؤمن الذي سيذهب إلى الجنة؟ فياتيه الجواب: أنت اللي فتنت نفسك.
وشوف هذه الآية عميقة جداً في أثرها عليك، أنه أنا ايش المجبُر مني أني أبقى في الحرام وأسلك مسالك الحرام وألقي نفسي في مواطن الفتن، إذا كان ممكن في يوم من الأيام أن أدفع الثمن وأكتشف نفسي أنني في صف المنافقين؟ فتنتم أنفسكم.
يا أيها المسلم، تخلص من الفتن، إذا قالوا لك المشايخ أن هذا لا يصلح لأهل الإيمان ابتعد واترك يا اخي، لا تضع نفسك في هذه، لا تقول والله أنا أقوى من الفتن؛ مشكلة كثير من الشباب والأخوات تجي تقول ابتعد عن مواطن الفتن، بيقولك: إيش؟ لا يا شيخ أنا قدها، لا تخاف أنا، لا مشكلة أنا إذا فتحت الفيس ما، لا في الخطا، أنا لو نزلت التيك توك مش مشكلة، بشوف بعض مقاطع الدعاء، والمسكين غرقان، كل يوم عم بيورط في ورطة، بقولك: لا أنا المرة الجاية بإذن الله ما راح اطلع، مرة وقعت أنا بس المرة الجاية ما راح اطلع، وبروح بيقع مرة وثانية ورابعة، وهو بحاول يخادع نفسه: لا المرة الجاية راح أكون أقوى.
كم مرة قلت لنفسك: ساكون في المرة القادمة أقوى ووقعت؟ وما عشرات المرات قلت لنفسك أنك ستكون أقوى وإذا بك تسقط مرات ومرات. طيب، في النهاية الله يمهل لكنه لا يهمل، يعني ربنا شايفك كيف بتتصرف، ربنا عارف أنك بتضحك على حالك وانه أنت: لا، أنا المرة الجاية راح أكون أقوى وبترجع توقع مرة ثانيه، والمرة الثالثة ساكون أقوى وتقع المرة الثالثة، وربنا معطيك، لكن تذكر أن الله نعم لم يعاجلك بالعقوبة وجعل لك مجالاً.
البعض يخادع نفسه أن الحمد لله يعني بروح على الدروس وربنا سبحانه وتعالى مسامحني أروح على الدروس، آه إذا أنا الحمد لله بخير، كيف تيجي ضحك الإنسان على نفسه؟ الحمد لله بصلي والحمد لله هين مطلق لحيتي وهين بطلب العلم وهيني مع الشباب، إذا ربنا شكله مسامحني أني قاعد بطلع على هذه المقاطع، الأمور ماشية على خير، هنا أنت في فخ وكما يقول مخادعات عظيمة لهذه النفس؛ أنك يوم القيامة ستصدم أن كل هذه المتون وكل هذه المجالس اللي حفظتها ودرستها لم تفيدك شيئاً لأنكم فتنتم أنفسكم.
فهي آية عظيمة وهذه الكلمه عظيمة لأنها تجسد حال كثير من الشباب الذي ظاهره الالتزام والتدين وهو غارق في الفتن ولا يسمع التوجيه ولا يسمع النصح ومصر أن يبقى في مسالك المعاصي والذنب.
طيب نيجي للمشكلة الثانية، نعم قال: محتم بالنفاق وأهلكتموها. طب جي ما قلت لكم المفسرون هو خلص بيشرح لك معنى الكلمة وبيمشي، بس هذا مش تفسير الآن، فرق بين التفسير والتدبر، أنا اللي أعطيتكم إياه الآن تدبر، تفسير خلص قال: ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ [الحديد: 14] أي وضعتموها في مناطق المحن.
الآن أنت نفسك الآن بدك تفكر شو يعني مواطن المحن؟ اه، هذه هي الكلام اللي قلت لكم اياه، يعني ما بينفع تقرا الآية؛ مشكلتنا اليوم أننا لما ناتي نتعامل مع القرآن فقط ناخذ ظاهر اللفظة: أنني محنت نفسي، طب أعطي أمثلة على ذلك من واقعك أنه قد تكون أنت واحد من هؤلاء، لا بد تعيش الآية في أجواءها ولا تبقى فقط في سطح المعنى.
نعم قال: ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾. طيب القضية الثانية تربصتم، إذا المشكلة الأولى، إذا ما هي المشكلة الأولى من مشاكل المؤمنين، عفوا مشاكل المنافقين حتى تفهم كيف ياتي النفاق ويتسلل على النفس الإنسانية؟ أول مشكلة: إلقاء نفسه في مواطن الفتن.
ثانياً قال: وتربصتم. الإنسان الجبان المتخوف دائماً الذي ما بده يكون مع المؤمنين تماماً وما بده يكون مع الكافرين تماماً، لجبنه وخوفه؛ خايف يكون مع صف المؤمنين يجوا كلبشوه معهم يشيلوه في نفس البيك آب، بقولك: يا عمي الله يرضى عنكم أنا سامحوني، خليني أنا يعني ها ماشي معكم، بس خليني حاط رجل لورا، حافظ خط الرجعه حتى ما اطلع في نفس البيك آب.
تمام قال: وتربصتم، يعني هو ماشي في إيمان ومتفهم، بس لجبنه وخوفه وشدة الهلع، وشدة الهلع ليست من صفات أهل الإيمان، من صفات المنافقين؛ لشدة الهلع عم بقدم وبأخر، تربص.
ما هو التربص؟ التربص هو الترقب، عم بترقب هناك آية ربما تشرح هذا في سورة المائدة ايش قال: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة: 52]، يعني هاي يعني خليني أنا ماشي، والله ليش مش مع أهل الإيمان؟ قال: والله خايفين يغلب أهل الكفر على أهل الإيمان، بروح في ايش، أخ. طيب طيب شو حلك؟ قال: حلي أضلني بين الصفين، لكن بين الصفين ما بتزبط، ستقول في يوم من الأيام: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 73]، يعني هذه عند ربنا ما بتزبط.
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ [النساء: 141] هذا مشهد آخر في سورة النساء، فان كان لكم فتح من قالوا: ألم نكن معكم؟ مش كنا معكم يا جماعة ووقفنا معكم ولبينا وكبرنا؟ ألم نكن معكم؟ وان كان للكافرين نصيب ذهبوا للكافرين، قالوا: ألم نستحوذ عليكم؟ مش احنا اللي خبرنا عنهم أعطيناكم معلومات؟ هو هكذا هو.
هذه أعظم صفات المنافقين أنك مش قادر تحدد أين موقفك في هذه الحياة، بدك تكون مع المؤمنين ولا مع المنافقين والكفار؟ يعني في النهاية بدك تحدد موقفك، ماشي في الدنيا ممكن تضحك علي، بس مش تضحك على رب العالمين باختصار، عليك أن تعرف أين هي القدم، هل أنتم ولي لله ورسوله وللمؤمنين ولا ولي للمنافقين والكفرة؟ بدك تحدد، أما تضلك متارجح عند رب العالمين ما بيمشي الحال، بدك تحدد موقف.
طبعاً هذا مش معناه القاء نفسك في مواطن الفتن والهلاك، الحياة تحتاج إلى تأني وتروي، لكن المهم أن تعرف أين قدمك وأين قلبك وأين انتماؤك وولايتك، أما هذا الاستحواذ وهذه حالة الرجل هنا ورجل هنا هذه لا تصلح عند الله وهي من صفات المنافقين وستجعلك خلف السور أيضاً.
إذا هي المشكلة الثانية: عدم تحديد الدوائر، في أي دائرة وقفت في هذه الحياة الدنيا؟ حدد موقفك في الدنيا، دنيا بتحدد موقفك في الآخرة، وين الدائرة راح تصفيها في الدنيا هي نفسها الدائرة راح تصفيها في الآخرة.
إخواني الجنة لن تنال براحة الجسد، ما فيها إلا أن سلعة الله غالية، إلا أن سلعة الله الجنة، بدك تحدد دائرتك في الدنيا حتى تحدد دائرتك يوم القيامة.
نعم قال: ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾ وشككتم. ارتبتم، إذا هي المشكلة الثالثة عند المنافقين: الشكوك، هو عدم الثقة، قبله عنده نوع ماذا؟ ريبة، يشك، يشك في نصرة الله لأهل الإيمان، يشك في مسائل العقائد، يشك في وجود الله، يشك، والشك هذا أسبابه كثيرة؛ القراءة في كتب الشبهات، النظر في الأشياء التي تورث الشبهات، ما عنده باختصار اطمئنان عقدي إيماني، هو في أي مسألة عقدية يقف منها موقف الشك، وجود الله.
القدر مش قادر يستقر عقديًّا؛ بسبب أنه يدور بين الشبهات ويقرأها، ويتتبع كلام أهل الزيغ والضلال، ويحاول دائماً أن يستثير مشاكل في المسائل العقديّة، فهو لم يطمئن قلبه في مسائل الاعتقاد. هذا الشك سيجعلك يوم القيامة تقف في دائرة النفاق؛ لأنك لم تصل إلى ماذا؟ إلى ثقة قلبك بالله، واستقرار قلبك بالله، ومعرفتك بالله الحقيقيّة. فالشك إذاً وبقاؤك في الشك مش لصالحك في هذه الحياة الدنيا.
بعض الناس بقول لك: يا شيخ أنا لازم أدرس العقيدة، أنا والله عندي شكوك فيها، ممكن أتخطى هذا الموضوع؟ لا، مش ممكن تتخطى، لازم تحدد موقفك العقائدي حتى في الخلاف بين الإسلاميين، ما بينفع تقول لي: أنا بدي أكون مع الجميع والكل خير وبركة، ما بينفع، عليك أن تحدد موقفك العقائدي في التوحيد؛ الألوهية والربوبية والأسماء والصفات، ولا يجوز تمييع أمر العقائد أو إظهاره أنه يعني خلاف شكلي أو خلاف مش مشكلة. وحدة الصف؟ وحدة الصف لا تكون إلا على العقائد، أساس العقائد الحقة. الشكوك والريبة في العقائد وعدم استقرارك الإيماني تجاهها يجعلك أيضاً ضمن دائرة المنافقين خلف السور. نعم، قال: ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾ وشككتم في التوحيد وغرتكم، إلا شككتم في التوحيد وجملة مسائل العقيدة، هذا يعني خلينا نقول عموماً شككتم. الريبة هو ماذا؟ الشك.
إذاً ما هو الباعث الأول للنفاق؟ إيش هو يا شيخ؟ إلى الآن أخذنا ثلاث أشياء؛ السبب الأول الباعث للنفاق هو إلقاء النفس مواطن الفتن، السبب الثاني الباعث للنفاق هو التربص وحالة الترقب وعدم تحديد الدائرة التي ستقف فيها، السبب الثالث حالة الشك والارتياب في مسائل الاعتقاد وعدم الوصول لليقين والطمأنينة فيها.
طيب، نيجي على السبب الرابع الباعث للنفاق، قال: ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾ طول الآمال والطمع في امتداد الأعمار. نعم، غرتكم الأماني، وسياتي معنا بعد قليل: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ [الحديد: 16]. قال: فغرت الأماني.
ما معنى هنا؟ بماذا فسر النسفي غرتكم الأماني؟ هذا المفهوم أو هذا المصطلح القراني غرتكم الأماني، قال: طول الأمل، حب الدنيا باختصار والتشبث بها وبقاء الأماني والعمران لها هو شكل من أشكال النفاق. غرتكم الأماني؛ أنك دائم، يعني طبعاً هذا متى يكون؟ إذا جعل إذا كان ذلك ملهياً عن أمر الآخرة، إذا أصبح أمر الآخرة عندي ليس مهماً، أنا من الصباح للمساء بماذا أفكر؟ أفكر بالمال، بالتجارة، بقضاء الشهوات، ماذا سآكل؟ ماذا أشرب؟ وهذه كلها أماني، تمام. فبقاء الإنسان ليله ونهاره فقط يفكر بالدنيا، هذا مع الوقت يورث النفاق.
بقاء الإنسان، هذه ركزوا فيها لأننا كما قلت هذه الأمور كلنا معرضون لها، بقاء الإنسان من النهار إلى الليل ما عنده هم ديني، ما عنده طلب علم أو قراءة قرآن أو أذكار صباح، ما عنده شيء كحال كثير من الناس اليوم، نحن نتكلم عن شيء غريب وحال أكثر الناس اليوم نسأل الله العافية، هكذا؛ لا يصلي الفجر، يخرج للعمل الساعة السابعة، كل سواليفه في العمل: شو سويت البارحه؟ شو أكلت؟ ولعبنا امبارح بالليل وسهرنا مع الشباب وقعدنا؟ وهكذا، يعني ترى حياة الناس في سوق العمل: غيبة، نميمة، جلسات عامة، بعد ذلك مشاكل عائلية، وبده عم شو يأكل شو يشرب، صلوات لا تُصلى، ثم يأتي بعد ذلك وقت النوم، ينام كما تنام البهائم أو كما ينام الباغي، لا يذكر أذكاراً ولا يعرف شيئاً، هذه هذه غرتكم الأماني، لا يوجد هم أخروي، لا يوجد شيء إيماني يفعل من النهار إلى الليل.
هذا أحبابي هو يورث النفاق، لا، قلت لكم النفاق ليس اختياراً، يعني قد يكون اختيار بعض صوره أنك تختار أن تكون منافقاً كحال عبد الله بن أبي بن سلول وغيرهم، لكن في كثير من الأحيان النفاق هو نتيجة، هو ثمره طبيعة سيرك في الحياة الدنيا، أورث نفاقاً وأوصلك لهذه الحالة. هذه قضية مهم جداً تفهمها؛ لأن بعض الناس لما يفهم النفاق هو فقط يتخيل النفاق اللي هو قرار: أني بدي أكون منافقاً، ولا يعرف أن أكثر النفاق هو نتيجة وثمرة لطبيعة الحياة التي يعيشها، لطبيعة الحياة التي يعيشها.
فإذاً من الأمور الباعثة للنفاق الانهماك في أمور الدنيا والتقلل من أمور الآخرة وعدم الاكتراث بها، في يوم من الأيام أو في نهاية المسير يجعلك في صف المنافقين وتكون أيضاً خلف السور. وتكون شوف الله عز وجل إخواني لما أذكر هذه الأمور هو بده يعطيك الخلاصة، يعني بده يقول لك: أنا ليش جعلت هذول خلف السور وهذول من الجهة الثانية؟ ربنا بعطيك إياها الأمور، وليس كلامي هذا مش اجتهادي، يعني هذا مش أنا تحليلي ليش هذول هون وليش هذول، مش تحليلي، هذا كلام ربكم سبحانه وتعالى، هو بيقول لك ما الذي جعل هذا هنا وما الذي جعل هذا هنا؛ الذي ألقى نفسه في الفتن جعلته هنا، الذي ارتاب، الذي تربص، الذي غرق في الدنيا، كل هؤلاء جعلتهم خلف السور ولم أجعلهم من جهة الجنة. فانتبه، ربنا بعطيك إياها، وأنت حبيت تستيقظ لنفسك استيقظ، ما استيقظت أنت من سيدفع الثمن؟ نعم، قال: ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾ طول الآمال والطمع في امتداد الأعمار، حتى جاء أمر الله. أمر الله هنا الموت؛ حتى جاء أمر الله أي جاءك الموت وأنت ماذا؟ غافل عن آخرتك، غارق في ملذات الحياة الدنيا، غرتك الأماني حتى جاءك الموت وأنت غير منتبه لقضية الدار الآخرة. غرقت في الدنيا؛ مال، مصاري، شهوات، دنيا، مطاعم، مشاكسة، سياحة، سفر، هذا حال أكثر الناس اليوم نسأل الله العفو والعافية.
نعم، قال: ﴿وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ وغرت إذاً الخامسة صحيح؟ وغركم بالله الغرور. الغرور هنا هو الشيطان، كما قالوا، قالوا: الغرور هنا ما هو الشيطان؟ يعني وأخيراً، النقطة الأخيرة التي تجعلك منافقاً أو توصلك إلى النفاق أنك كنت تصغي للشيطان، قال: ﴿وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. مين اللي غرك بالله؟ الغرور. كيف يعني غرور؟ وغركم بالله غرور. كيف يكون هذا؟ ما معنى أن الشيطان يغرني بالله؟ يغرك برحمة الله ويغرك بماذا؟ بسعة كرمه. إيش بقول لك الشيطان يا شيخ؟ عادي، يعني روح ارتكب هذه الفاحشة وربنا غفور رحيم. غرك بالله، غرك بحلم الله وستر الله، وأنت ماشي مع الشيطان بقول لك: يا أخي، كل هذا الربا؟ كل هذا المال الحرام؟ امشي في هذا الطريق، صاحب بنات، اعمل أشياء محرمة، مش مشكلة، مش ربنا غفور رحيم يا شيخ؟ فبقي الشيطان إيش؟ يغرك بالله، يغرك بستر الله. هكذا عملت معاصي وهي ربنا ساتر عليك، من ايش خايف؟ وأنت هون عم تسمع: آه والله، هيني شفت أشياء محرمة ولساتني مع أهل العلم وطلابي وأموري ماشية، يعني مين اللي عم بعطيك هي المدخلات وبيضحك عليك؟ الشيطان؛ أنك ما زلت بخير وعافية حتى لو شفت لك مقاطع محرمة، حتى لو مشيت لو عملت لك علاقة، لو دخلت بزنا، لو دخل لو أكلت لك هي الهبرة الحرام، الشيطان يغرك بالله أنه يغرك بستر الله ورحمة الله وسعة كرمه وآيات الرحمة، وينسيك أن الله ماذا؟ شديد العقاب وأن الله منتقم وأن الله يمهل ولا يهمل، فغر بحلم الله، فإذا أنت تسقط في سخط الله، فهذه المشكلة التي يقع فيها كثير من الناس اليوم. يا فلان، ليش أنت في درب الطالحين؟ بقول لك: يا شيخ ربنا غفور رحيم. تقول له: ﴿وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾؛ ضحك عليك الشيطان، وأنك تحتج بحلم الله على معصيتك لله، تحتج بحلم الله وستر الله عليك على استمرارك في ماذا؟ في معصية الله، وهذا مع الوقت أيضاً سيجعلك خلف السور، سيجعلك خلف السور.
فهذه الأمور الخمسة بدك تفتش نفسك فيها يومياً وتحاسب نفسك عليها؛ فتنتُم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور. أين أنت من هذه النقاط الخمسة؟ بتعرف هل ستكون خلف السور أم من أمام السور؟
عفواً، يعني هل يسأل الأخ: هل القاء النفس في الجامعات المختلطة هذا تقصد والشبهات التي يثيرها بعض من يتصدى للتدريس هل هو من القاء النفس في الفتن لكثير من الناس؟ نعم، يعني كثير من الشباب يدخل الجامعة ولا يستحمل ويدخل في علاقات محرمة ونظر محرم، فتن نفسه إخوان، الجامعة ليست أعظم من الدين، الجامعة ليست أغلى من الإسلام والدين وطريق الاستقامة. الآن، من ضبط نفسه واستطاع يحكمها ماشية ها بالهدى زي ما يقولوا، حتى سترها ربنا عليه، نسأل الله أن يجعل له فرجاً ومخرجاً، لكن الذي يذهب إلى الجامعة ويعرف أنها فتنه له في دينه، نعم، سيدخل في هذا الكلام، أنه عرض نفسه للفتن تمام.
أنا أعرف الضغط العائلي والضغط الأسري وهذا كله يعرفه، ليس كل الآباء والأمهات يستوعبون أن هذا الابن فُتِن، والابن يأتي يخاطب والده: يا أبتي، أنا مش قادر اتحمل الجامعة، تمام. لا، الاب, مش مشكلة يا اصبر، مشكل الاب يريدك أن تصبر على فتن الدنيا، ولكنها يعرف أن النار، طيب يابا بصبر على الدنيا، بس النار من بده يصبرنا عليها؟ يعني أنت يوم القيامة مش رح تعمل لي حاجة، يعني يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه، مش رح تنفعني، أنت في الدنيا تلزمني، لكنك يوم القيامة لن تنفعني شيئاً أمام الله.
فأحياناً أنت اصبحت كبير والاب ليس له كلمة عليك باختصار شرعاً، شرعاً، أنا أخذك من كان مثل في الأعمار 18، 19، الاب ليس له كلمة عليه، تدبر نفسك ما دامت الجامعة فتنة لك وأنا واضح في هذا الكلام، يعني بعض الناس ممكن يدبر نفسه وهذا حاله ربما كثير منكم يدرس في الجامعات ومدبر نفسه واستتر استتر وربك يحمي، تمام، إن شاء الله يكون فيها سعة، عرفت، بشرط كما قلنا أمن نفس. لكن من شعر أنه أصبح يقع في زنا وهو في الجامعة وعلاقات محرمة وهو في الجامعة، هذا ماذا أقول؟ أقول: آه لا، استمر في الجامعة، أخي مش مشكلة، حتى لو وقعت في زنا؟ لا، هذا لا يَقُوله، عفواً، مش عالم، لا يَقُوله مسلم، لا يَقُوله مسلم أن يقول لك: استمر في البيئات المحرمة ولو وقعت في الزنا والعلاقات المحرمة وخسرت درجاتك كله، تطلع بالشهادة. ماذا استفدت؟ خرجت بالشهادة وخسرت لدينك في طريق الشهادة. هذا أكيد لا يَقُوله، لكن أحياناً إيش بصير هو أن الخطاب العام للأسف أنه استحمل، استحمل، شد حالك، لكن هل كل الناس بيستحملوا؟ ما هم كل الناس تستحمل، فينبغي إذاً أن يكون الإنسان عارف بهذه الأصول الشرعية.
نعم، قال: ﴿وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾، وغركم الشيطان بأن الله، الغرور هو الشيطان، وسمي غروراً لأنه كثيراً ما يغرك يخدعك والغر والخداع، تمام. فالشيطان يخدعك بالله، فهمتم كيف يخدعك بالله؟ أنه يمنيك بستر الله عليك وسعة رحمة الله، فانت تدمن المعاصي وتظن أنك في ماذا؟ في خير وأمان، ولا تعرف أن الله يستدرجك، وكم من مستدرج بالنعم وهو لا يعرف، كما قال ابن القيم.
نعم، قال: وغركم الشيطان بأن الله عفو كريم لا يعذبكم، أو بانه لا بعث ولا حساب. نعم، قال: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخُذُ﴾ وبالتاء الشامي، يعني الشيطان إما أن يغرك بعفو الله، أو العياذ بالله يغرك أنك تنكر الدار الآخرة أصلاً، بقول لك: فيش لا بعث ولا حساب، هذه سواليف مشايخ ودروس دين، لا تؤمن أصلاً بالدار الآخرة، طبعاً هذا قمة الكفر من يصل إلى هذا الكلام.
نعم، قال: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخُذُ﴾ وبالتاء الشامي منكم أيها، فاليوم لا يؤخذ، والشاميين كيف قراها؟ فاليوم لا تؤخذ. قراءة الشام. ما معنى شامي؟ احنا بدنا مع الوقت خلص صير نتعود على مصطلحات النسفي، بدنا كل مرة أقول لك شامي، يعني قراء الشام كيف قراها؟ بالتاء؛ فاليوم لا تؤخذ.
نعم، قال منكم أيها المنافقون فدية، ما يفتدى به. اه، يعني شوف اهل الإيمان ما زالوا يعاتبون، شوف هذا العتاب اللي نازل زي الصياد اللي عم بذكرك شو كنت تعمل في الدنيا، أنت كنت تعمل هيك وهيك وهيك، وهم قاعدين خلف السور وعم بسمعوا، أحياناً سياط الكلام تكون أقسى حتى من الواقع، صح ولا لا؟ هذا اللوم المؤلم، أنك أنت كنت هيك وهيك، وأنت عم تسمع ببدلك وأنت شايف نتيجة أخطائك الآن، نتيجة أخطائي أنني اصبحت خلف السور. فهذه كلمات تنصب على القلب في وقت خلاص ولا ساعة مندم، راح كل شيء، ما راح يصلح الآن شيء. وهنا أهل الإيمان شو بقولوا لهم؟ قال: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخُذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ﴾. الآن في الدنيا ممكن أنت تقتل قتيلاً وتدفع فدية وتنجو، صح؟ ممكن تعمل مصيبة وتدفع رشوة ويمشي الحال، ممكن يعني يعني في مجال للفدية، في مجال تصلح الخطا ببعض الأموال التي تدفع وتنتهي النقاش، لكن يوم القيامة النار ما بمشي فيها موضوع الفدية، ما في والله يوم القيامة مكان بتروح تدفع لرب العالمين 50 ألف دينار نار وخلص، يعني أمور هيك مشت يعفى عنك، لا، هذا في الدنيا ماشي، لكن عند رب العالمين لا يوجد فدية. فاليوم لا يؤخذ منكم فدية، فهمنا إيش يعني يؤخذ منكم فدية؟ لا مجال لدفع مال حتى تنقذ من النار بدل ما تدخل النار تدفع مال وفدية خلاص وربنا يخلصك منها، هذا لا يوجد في الحسابات الأخروية، في الدنيا بيمشي حالك، في الآخرة لا يمشي الحال في الفدية.
طيب، قال: ﴿وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني لا أنتم أيها المنافقون سيسمح لكم بدفع فدية، ولا حتى الكفار أسيادكم سيسمح لهم بدفع فدية، ما في فدية يوم القيامة. نعم، قال: ﴿مَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾ هي مأواكم النار. شوف هي الكلمة لما تيجي.
تَقْرَأُهَا لِحَالِهَا؛ يَعْنِي هَكَذَا: «الْمَشْهَدُ فَعَلْتُمْ كَذَا وَكَذَا وَكَذَا مَأْوَاكُمُ النَّارُ». كَلِمَةٌ مُتْعِبَةٌ؛ يَعْنِي أَعْطَاكَ النَّتِيجَةَ بِأَوْضَحِ الْعِبَارَاتِ: مَأْوَاكُمُ النَّارُ، يَا بِحَدِّ ذَاتِهَا إِيقَاعُهَا صَعْبٌ فِي الْآيَةِ، إِيقَاعُهَا الْجَرْسُ الْأُذُنِيُّ صَعْبٌ: مَأْوَاكُمُ النَّارُ؛ يَعْنِي لَيْسَ لُطْفُ الْعِبَارَةِ لَهُمْ أَنَّهُ يَعْنِي رُوحُوا تَفَاهَمُوا مَعَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا لَا لَا. فِي وُضُوحٍ أَنْتَ فِي النَّارِ، لَا فِي يَمِينٍ وَلَا فِي شِمَالٍ؛ كَلِمَةٌ صَعْبَةٌ وَسَتَكُونُ ثَقِيلَةً عَلَى أَسْمَاعِهِمْ وَعَلَى قُلُوبِهِمْ. يَعْنِي لِتَحْتَ اَلْآيَةُ حَتَّى تُؤَثِّرَ فِي نَفْسِكَ يَجِبُ تَقْرَأُهَا: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخُذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾. شُوفْ يَعْنِي الْخُلَاصَةَ؛ بِدُونِ لَا نَلُفَّ وَلَا نَدُورَ عَلَيْكُمْ، وَلَا رَاحْ نُجَامِلُ، مَا فِي مُجَامَلَةٍ أَنْتَ وَيْنَ؟ أَنْتَ فِي النَّارِ، انْتَهَيْنَا، مَأْوَاكُمُ النَّارُ. نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ.
نَعَمْ، قَالَ: ﴿هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾؛ هِيَ أَوْلَى بِكُمْ. وَحَقِيقَةً هِيَ مَنْ سَتَتَوَلَّى أُمُورَكُمُ الْآنَ، يَقُولُ لَكَ: مَأْوَاكُمُ النَّارُ، هِيَ مَوْلَاكُمْ؛ أَيْ يَعْنِي هِيَ مَوْلَاكُمْ هِيَ رَحْ تَتَوَلَّاهُ الْآنَ، هِيَ رَحْ تَسْتَلِمُ، يَعْنِي بِاخْتِصَارٍ: يَا مَوْلَاكُمْ؛ يَعْنِي هِيَ مَنْ سَيَسْتَلِمُ وَيَتَوَلَّى شُؤُونَكَ. وَإِذَا اسْتَلَمَتِ النَّارُ وَتَوَلَّتْ شُؤُونَكَ مَاذَا سَتَكُونُ النَّتِيجَةُ؟ نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ. هِيَ مَوْلَاكُمْ؛ هِيَ مَنْ سَتَتَوَلَّى شُؤُونَكُمُ الْآنَ وَتُدِيرُ الْخُلُودَ الْأَبَدِيَّ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.
نَعَمْ، قَالَ: وَحَقِيقَةً مَوْلَاكُمْ؛ مَحْرَاكٌ أَيْ مَكَانُكُمُ الَّذِي يُقَالُ فِيهِ: هُوَ أَوْلَى بِكُمْ. هَذَا مَعْنَى آخَرُ قَدَّمَهُ، أَنَّ مَوْلَاكُمْ مَعْنَاهَا هِيَ الْمَكَانُ الْحَرِيُّ بِكُمْ، مَوْلَاكُمْ هُوَ الْمَكَانُ الْحَرِيُّ أَنْ تَكُونُوا فِيهِ؛ فَإِذَا مَوْلَاكُمْ إِمَّا هِيَ الَّتِي سَتَتُوبُ أَوْ مَوْلَاكُمْ بِمَعْنَى أَنَّهَا الْمَكَانُ الَّذِي هُوَ حَرِيٌّ وَجَدِيرٌ بِكُمْ بَعْدَ كُلِّ هَذَا الَّذِي فَعَلْتُمْ فِي الدُّنْيَا، مَا هُوَ أَجْدَرُ مَكَانٍ لَكُمْ؟ النَّارُ. هَذَا مَعْنَى ﴿هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾؛ هِيَ الْمَكَانُ الْجَدِيرُ أَنْ تَنْزِلُوا بِهِ.
نَعَمْ، قَالَ: كَمَا يُقَالُ هُوَ مِئَةُ الْكَرَمِ؛ أَيْ مَكَانٌ لِقَوْلِ الْقَائِلِ إِنَّهُ لَكَرِيمٌ، نَعَمْ يَعْنِي هُوَ مِئَةٌ لِلْكَرَمِ أَيْ هُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ يُوَصَفَ بِالْكَرَمِ. مَا مَعْنَى مِئَةٌ هُنَا؟ يَعْنِي جَدِيرٌ وَحَرِيٌّ بِهِ أَنْ يُوَصَفَ وَأَنْ يُقَالَ لَهُ كَرِيمٌ. فَكَذَلِكَ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ؛ أَيْ هِيَ جَدِيرَةٌ بِكُمْ، وَأَنْتُمْ تَسْتَحِقُونَ هَذَا مَا تَسْتَحِقُّهُ. نَعَمْ، قَالَ: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ النَّارُ وَبِئْسَ، شُوفْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ هَذَا الْخِتَامُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ؛ يَعْنِي بِئْسَتِ الْمُصِيبَةُ الَّتِي وَدَّيْتُمْ حَالَكُمْ عَلَيْهَا. وَهَذَا كُلُّهُ كَمَا قُلْنَا ثَمَنُ الْغَفْلَةِ عَنِ اللَّهِ، الْغَفْلَةِ عَنِ الدَّارِ الْآخِرَةِ، الْغَفْلَةِ عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِقَامَةِ، الْغَفْلَةِ عَنْ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ. مَا هُوَ الْقُرْآنُ إِخْوَانِي؟ هُوَ الَّذِي عَمَّ بِيُعْطِيكَ الْمَعَانِيَ، هُوَ الَّذِي يُخْرِجُ هَذِهِ الْأَفْكَارَ، لِشَ رَبُّنَا بِيَقُولُنَا أَهَمِّيَّةَ: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾. لِمَاذَا نَحْنُ نُقِيمُ مَجَالِسَ التَّدَبُّرِ؟ لِأَنَّ الْقُرْآنَ يَرْسُمُ الْخَارِطَةَ وَيُوَجِّهُ الْبَوْصَلَةَ وَيُعْطِيكَ الْخِتَامَ وَمُرَادَ اللَّهِ، وَأَنْتَ بَعْدَ ذَلِكَ بِدَكَ تَمْشِي. فَالَّذِي لَا يَتَدَبَّرُ الْقُرْآنَ لَا يَفْهَمُ مُرَادَ اللَّهِ، لَا يَعْرِفُ سَبَبَ الْفِتَنِ، لَا يَعْرِفُ سَبَبَ النِّفَاقِ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ يُحْسِنُ صُنْعًا وَأَنَّهُ عَلَى طَرِيقِ الْخَيْرِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَهُوَ غَارِقٌ فِي الْبُعْدِ عَنِ اللَّهِ.
نَعَمْ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوَا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. هَذَا الْمَقْطَعُ بَدَأَ بِهَذَا الِاسْتِفْهَامِ الَّذِي فِيهِ إِنْكَارٌ عَلَى حَالَةٍ يَمُرُّ بِهَا كَثِيرٌ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ وَطَالِبَاتِ الْعِلْمِ وَأَهْلِ الْإِيمَانِ، وَهِيَ حَالَةُ قَسْوَةِ الْقَلْبِ. أَلَمْ يَأْنِ؟ لَيْسَ هَذَا اسْتِفْهَامًا لَكِنَّهُ لَيْسَ اسْتِفْهَامًا عَلَى بَابِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِفْهَامٌ يَعْنِي فِيهِ نَوْعٌ مِنَ الِاسْتِنْكَارِ عَلَيْهِمْ وَالْحَثِّ عَلَى ضَرُورَةِ الِاسْتِعْجَالِ لِلِاسْتِيقَاظِ وَالتَّنْبِيهِ. أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا؛ يَعْنِي أَلَمْ يَأْتِ مَا حَانَ الْوَقْتُ حَتَّى تَسْتَيْقِظَ وَتَنْْتَبِهَ عَلَى نَفْسِكَ؟ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اللَّهُ حَالَ الْمُنَافِقِينَ وَصِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ، أَنْتَ عَمَّ تَقْرَأُ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ وَأَنْتَ فِي الدُّنْيَا، صَحّ؟ نَحْنُ لَسَاتِنَا عَايِشِينَ بِنَتَنَفَّسُ يَا جَمَاعَةُ! فَكَأَنَّ اللَّهَ يُرِيدُ أَنْ يُوقِظَكَ وَيُحْيِيَ قَلْبَكَ حَتَّى لَا تَقَعَ فِيمَا وَقَعَ فِيهِ الْمُنَافِقُونَ، فَأَعْطَاكَ هَذَا الِانْتِبَاهَ عَلَى صِيغَةِ الِاسْتِفْهَامِ بَعْدَ ذَاكَ: هَا، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا؟
طَيِّبْ، إِيشْ رَأْيُكَ تَنْتَبِهَ عَلَى نَفْسِكَ قَبْلَ مَا يَصِيرُ فِيكَ كَمَا صَارَ فِي هَؤُلَاءِ؟ كَأَنَّهُ هَكَذَا الْمَشْهَدُ الْآنَ يَنْتَقِلُ: أَلَمْ يَأْنِ؟ أَلَمْ يَحِنِ الْوَقْتُ لِتَسْتَيْقِظَ وَتَنْتَبِهَ لِخُطُوَاتِكَ وَإِلَى مَسِيرِكَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا قَبْلَ أَنْ يَفُوتَ الْأَوَانُ؟ أَلَمْ يَأْنِ؟ أَلَمْ يَحِنِ الْوَقْتُ؟ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا؟
اقْرَأِ التَّفْسِيرَ، نَعَمْ قَالَ: أَلَمْ يَأْنِ مِنَ أَنَا الْأَمْرُ؛ يَأْنِي إِذَا جَاءَ أَنَاهُ، إِذَا جَاءَهُ أَيْ جَاءَ وَقْتُهُ؛ يَعْنِي الْفِعْلُ يَأْنِي مِنْ مَاذَا أُخِذَ؟ قَالَ مِنْ أَنَا الْأَمْرُ. أَنَا هَذَا الْفِعْلُ الْمَاضِي: أَنَا الْأَمْرُ، مَا مَعْنَى أَنَا الْأَمْرِ؟ مَا مَعْنَى أَنَا الْأَمْرِ؟ حَرِيٌّ؛ حَانَ وَقْتُهُ؛ مَثَلًا فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ مَاذَا قَالَ رَبُّنَا؟ ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾، مَا مَعْنَى إِنَاهُ؟ وَقْتُهُ وَحِينُهُ، غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ نُزُولُهُ. فَكَمَا قَالَ هُنَا: أَنَا الْأَمْرُ إِذَا جَاءَ أَنَاهُ، يَعْنِي إِذَا جَاءَ حِينُهُ، إِذَا جَاءَ وَقْتُهُ.
طَيِّبْ، قَالَ: قِيلَ كَانُوا مُجْدِبِينَ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا هَاجَرُوا أَصَابُوا الرِّزْقَ وَالنِّعْمَةَ. هَذَا الصَّحَابَةُ كَانُوا، كَانُوا الضَّمِيرُ فِي كَانُوا يَعُودُ عَلَى مَنْ؟ عَلَى الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ. هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، كَانُوا مُجْدِبِينَ أَيْ كَانَتْ حَيَاتُهُمْ فِي مَكَّةَ حَيَاةً فِيهَا ظُلْفٌ وَصُعُوبَةٌ وَشِدَّةٌ وَمَشَقَّةٌ، تَمَامٌ. ذَهَبُوا إِلَى الْمَدِينَةِ فَجَاءَهُمْ شَيْءٌ مِنَ السَّعَةِ وَالرَّخَاءِ وَالزَّفْ، فَاللَّهُ عَاتَبَ الصَّحَابَةَ، عَاتَبَ -تَخَيَّلْ مَنْ الَّذِي عَاتَبَ؟- عَاتَبَ الْجِيلَ الْأَوَّلَ، عَاتَبَ الَّذِينَ شَارَكُوا فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَالْأَحْزَابِ وَتَبُوكَ؛ أَنَا أُرِيدُكَ تَفْهَمْ لِمَنِ الْمُعَاتَبَةُ حَتَّى أَعْرِفَ أَنَا وَأَنْتَ أَيْنَ مَوْقِعُنَا مِنْ هَذَا الْعِتَابِ. هَؤُلَاءِ الْكِبَارُ الَّذِينَ شَارَكُوا فِي هَذِهِ الْغَزَوَاتِ، وَمَعَ ذَلِكَ عَاتَبَهُمُ اللَّهُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الِاسْتِرْخَاءِ الَّذِي أُصِيبَ بِهِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، عَلَى شَيْءٍ مِنَ التَّوَانِي الْبَسِيطِ.
يَتَكَلَّمُ عَنِ الصَّحَابَةِ، شُو حَدُّ التَّوَانِي الَّذِي وَقَعُوا فِيهِ؟ وَمَعَ ذَلِكَ عَاتَبَهُمُ اللَّهُ! كَانُوا مُجْدِبِينَ بِمَكَّةَ أَيْ وَضْعُهُمْ فِي مَكَّةَ كَانَ فِي مَشَقَّةٍ وَصُعُوبَةٍ، يُمْتَازُ. قَالَ: فَلَمَّا ذَهَبُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، اقْرَأْ نَعَمْ قَالَ: فَلَمَّا هَاجَرُوا أَصَابُوا الرِّزْقَ وَالنِّعْمَةَ؛ يَعْنِي هَدَأَتِ الْحَيَاةُ، صَارَ فِي تِجَارَةٍ، صَارَ فِي عَمَلٍ، مَا عَادَ فِي عَذَابٌ، مَا عَادَ فِي صُعُوبَةٌ فِي الْحَيَاةِ، وَجَدُوا شَيْئًا مِنَ الِاسْتِرْخَاءِ.
طَيِّبْ، قَالَ: فَفَتَرُوا؛ فَتَرَ فُتُورًا. الْفُتُورُ الْإِيمَانِيُّ الَّذِي نَحْنُ مُصَابُونَ بِهِ، اسْتُعْمِلَ هُنَا النَّسَفِيُّ الْمِصْطَلَحُ الْمَشْهُورُ عِنْدَكُمْ: الْفُتُورُ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ، الْفُتُورُ عَنِ الطَّاعَةِ، الْفُتُورُ عَنِ الْعِبَادَةِ؛ قَالَ: فَفَتَرُوا (يَعْنِي ضَعُفَتْ هِمَّتُهُمْ قَلِيلًا فِي الْخَيْرِ)، فَجَاءَهُمُ الْعِتَابُ مُبَاشَرَةً مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، مَعَ -طَبْعاً كَمَا قُلْتُ- مَعَ أَنَّهُمْ يُجَاهِدُونَ وَيُقَاتِلُونَ وَشَارَكُوا فِي الْغَزَوَاتِ الْكُبْرَى.
فَحَقِيقَةً، إِذَا هَؤُلَاءِ وَهُمْ عَلَى هَذَا الْخَيْرِ الْعَظِيمِ وَالْجِهَادِ الْكَبِيرِ وَالْعَطَاءِ الْكَبِيرِ وَمَعَ ذَلِكَ عُتِبُوا عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْفُتُورِ فِي الطَّاعَةِ، فَمَاذَا أَقُولُ أَنَا وَأَنْتَ عَلَى تَقْصِيرِنَا فِي قِيَامِ اللَّيْلِ، وَعَلَى تَقْصِيرِنَا فِي الْأَذْكَارِ، وَعَلَى تَقْصِيرِنَا فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَتَقْصِيرِنَا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَكَثْرَةِ النَّوْمِ وَالْكَسَلِ؟ نَحْنُ لَا شَارَكْنَا فِي بَدْرٍ وَلَا فِي أُحُدٍ وَلَا شَارَكْنَا فِي الْأَحْزَابِ، وَلَمْ نُقَاتِلْ كَمَا قَاتَلَ هَؤُلَاءِ؛ فَعَلَى مَاذَا أَنْتَ رَاكِنٌ؟ عَلَى مَاذَا أَنْتَ مُعْتَمِدٌ؟ عَلَى هَذِهِ الْمَجَالِسِ الْبَسِيطَةِ الَّتِي تَحْضُرُهَا فِي الْخَيْرِ؟ وَعَلَى فَقَطْ أَنَّكَ تُصَلِّي الصَّلَوَاتِ فِي الْمَسْجِدِ؟ عَلَى مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْخَيْرِ -أَنَا لَا أُقَلِّلُ مِنْ حَجْمِ هَذَا، كُلُّنَا هَذَا فَرْضٌ- لَكِنْ عَلَى مَاذَا تُعَوِّلُ حَتَّى تُحْسِنَ الظَّنَّ بِنَفْسِكَ وَتَعْتَقِدَ أَنَّ هَذَا الْخِطَابَ لِغَيْرِكَ؟ هَذَا الْخِطَابُ لِي وَلَكَ، إِذَا كَانَ الصَّحَابَةُ خُوطِبَ بِهِ فَأَنَا وَإِيَّاكَ أَوْلَى وَأَجْدَرُ أَنْ نُوقِعَ هَذَا الْخِطَابَ عَلَى قُلُوبِنَا: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوَا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾. وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ «ذِكْرِ اللَّهِ» و«مَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ»، نَمْشِي مَعَهَا خُطْوَةً خُطْوَةً.
نَعَمْ، قَالَ: وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «مَا كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عُتِبْنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ إِلَّا أَرْبَعَ سِنِينَ». يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ أَرْبَعِ سَنَوَاتٍ مِنْ إِسْلَامِنَا. تَمَامٌ! بِالتَّالِي -يَعْنِي طَبْعاً- هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ إِذَا كَانَتِ السُّورَةُ مَكِيَّةً، أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَيْسَ كَمَا فَسَّرَهَا النَّسَفِيُّ فِي الْبِدَايَةِ نَزَلَتْ فِي الْمَدِينَةِ، يَقْتَضِي أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي مَاذَا؟ فِي مَكَّةَ، وَهَذَا أَصْعَبُ وَأَصْعَبُ؛ وَهُمْ فِي مَكَّةَ (يَعْنِي لِسَّاتَهُمْ فِي شِدَّةِ الْعَذَابِ وَالضِّيقِ) وَمَعَ ذَلِكَ يُعَاتِبُهُمُ اللَّهُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْفُتُورِ! تَمَامٌ، يَعْنِي يَقُولُ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِنَا وَبَيْنَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ إِلَّا أَرْبَعَ سَنَوَاتٍ؛ يَعْنِي كَانَتْ فِي مَكَّةَ وَفِي بِدَايَةِ الْأَمْرِ، فَتَخَيَّلِ الصَّحَابَةَ فِي شِدَّةِ الضَّنْكِ وَالْحَيَاةِ الْمُتْعِبَةِ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُمْ شَيْئًا مِنَ الْفُتُورِ وَعَاتَبَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا؟ وَهُمْ فِي عَذَابٍ وَاضْطِهَادٍ وَشِدَّةٍ، أَنْتَ الْآنَ فِي رَخَاءٍ وَاسْتِرْخَاءٍ وَأَمَانٍ وَحَيَاتُكَ طَيِّبَةٌ، فَأَنْتَ أَوْلَى وَأَجْدَرُ أَنْ تُسْقِطَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى نَفْسِكَ. بِالتَّالِي هَذَا مَا أُرِيدُ أَنْ يَرْسُخَ فِي عَقْلِكَ.
نَعَمْ، قَالَ: وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ قُرِئَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَعِنْدَهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَامَةِ» (أَهْلُ الْيَمَامَةِ هُمْ أَهْلُ نَجْدٍ، الرِّيَاضُ حَالِيًّا وَمَا حَوْلَهَا)، نَعَمْ قَالَ: فَبَكَوْا بُكَاءً شَدِيدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ قَالَ: «هَكَذَا كُنَّا حَتَّى قَسَتِ الْقُلُوبُ»؛ يَعْنِي كُنَّا مِنْ أَهْلِ الْخُشُوعِ وَالْخَيْرِ حَتَّى قَسَتْ قُلُوبُنَا. يَعْنِي هُمْ شَعَرُوا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَيْضًا تَنْطَبِقُ عَلَيْهِمْ؛ هَكَذَا كُنَّا (يَعْنِي كَانَتْ قُلُوبُنَا حَيَّةً وَكَانَ الْخُشُوعُ حَاضِرًا) حَتَّى قَسَتْ قُلُوبُنَا، فَفَقَدْنَا لِذَّةَ الْإِيمَانِ وَسَعَادَةَ الطَّاعَةِ وَالْأُنْسَ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوَا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾.
وَهُنَا لَاحِظِ التَّعْبِيرَ الْقُرْآنِيَّ، قَالَ: ﴿أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾، فَالْخُشُوعُ هُوَ عَمَلُ الْقَلْبِ وَلَيْسَ أَسَاسًا هُوَ عَمَلَ الْجَوَارِحِ. وَإِذَا خَشَعَ الْقَلْبُ خَشَعَتِ الْجَوَارِحُ. أَنَا مَا أُرِيدُكَ وَأَنْتَ فِي الصَّلَاةِ تَقْعُدُ تَتَمَسْكَنُ وَتَحُطُّ عَيْنَكَ فِي الْأَرْضِ، هَذَا جَيِّدٌ، لَكِنَّ هَذَا خُشُوعُ جَوَارِحِ، أَنَا أُرِيدُ الَّذِي يَخْشَى؛ مَا هُوَ؟ قَلْبُكَ! لَمَّا تَسْمَعِ الْقُرْآنَ وَتَسْمَعِ مَجَالِسَ التَّفْسِيرِ وَتَسْمَعِ الْإِيمَانِيَّاتِ، أَنَا مَا أُرِيدُ هَذَا فَقَطْ (يَعْنِي يَجْعَلُ حَرَكَاتِ جَوَارِحٍ تَظْهَرُ عَلَيْكَ أَمَامَ النَّاسِ لِتُقْنِعَ نَفْسَكَ وَتُقْنِعَ النَّاسَ أَنَّكَ مُتَأَثِّرٌ، هَذَا كُلُّهُ يَزُورُ، كَلَامٌ فَارِغٌ!). اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَكَّزَ أَنَّ الْخُشُوعَ هُوَ عَمَلُ الْقَلْبِ، أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبٌ. قَلْبُكَ يُرِيدُ هُوَ، وَالْخُشُوعُ هُوَ ذُلُّ الْقَلْبِ، مَا هُوَ الْخُشُوعُ؟ هُوَ ذُلُّ الْقَلْبِ لِلَّهِ وَخُضُوعٌ لِلَّهِ وَشُعُورٌ بِالْحَيَاءِ مِنَ اللَّهِ، هَذَا مَعْنَى أَنَّ قَلْبِي يَخْشَى؛ ذُلٌّ، حَيَاءٌ، إِنَابَةٌ، بِإِخْفَاءٍ لِهَذَا الْإِلَهِ الْعَظِيمِ: ﴿أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾، نَعَمْ.
لَكِنْ هُنَا رَبُّنَا طَلَبَ الْخُشُوعَ لِقَضِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، مَا هِيَ؟ قَالَ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوَا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾. بِالتَّخْفِيفِ نَافِعٌ وَحَفْصٌ، الْبَاقُونَ: «نَزَّلَ». نَعَمْ، هَذِهِ (يَعْنِي اخْتَلَفَ فِيهَا الْقُرَّاءُ): ﴿مَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ قِرَاءَةُ مِنْ قِرَاءَةِ نَافِعٍ وَحَفْصٍ عَنْ عَاصِمٍ، وَالْأَكْثَرُ مَاذَا قَرَأُوهَا؟ «نَزَّلَ مِنَ الْحَقِّ». الْفَرْقُ بَيْنَ «نَزَلَ» وَ«نَزَّلَ» أَنَّ «نَزَّلَ» فِيهَا مَاذَا؟ يَعْنِي تَضْعِيفٌ، هَذَا التَّضْعِيفُ الَّذِي هُوَ يَدُلُّ عَلَى مَاذَا؟ عَلَى شِدَّةٍ أَكْثَرَ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ أَيْضًا نَزَلَ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا مُجَزَّأً.
الْمُهِمُّ اقْرَأْ، قَالَ: وَالْمُرَادُ، قَالَ: (وَمَا بِمَعْنَى الَّذِي)، وَالْمُرَادُ بِالذِّكْرِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ الْقُرْآنُ؛ آهِ، يَعْنِي: ﴿أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾، ذِكْرُ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ كِلَاهُمَا مَقْصُودٌ بِهِ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ مَاذَا؟ الْقُرْآنُ! تَمَامٌ، لَكِنَّهُ عَطَفَهُ عَلَى بَعْضِهِمَا مَعَ أَنَّ مُصَدِّقَهُمَا وَاحِدٌ هُوَ الْقُرْآنُ، مِنْ بَابِ تَغَايُرِ الصِّفَاتِ. يَعْنِي ذِكْرُ اللَّهِ هُنَا مَا هُوَ؟ الْقُرْآنُ، وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ مَا هُوَ؟ الْقُرْآنُ.
طَيِّبْ، لِشَ عَطَفَ عَلَى بَعْضِ إِذَا كَانَ الْقُرْآنُ هُوَ لَيْسَ؟ الْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ، عَطَفَهُ مَا فَقَطْ مِنْ بَابِ تَعَدُّدِ الصِّفَاتِ وَالذَّاتُ وَاحِدَةٌ هِيَ الْقُرْآنُ. إِذَا كَانَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوَا أَنْ...﴾ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِلرَّهْيَةِ (يَعْنِي مَا جَاءَ الْوَقْتُ أَنْ يَتَحَرَّكَ وَتَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَتَشْعُرَ بِالْإِنَابَةِ وَالسَّكِينَةِ، وَأَنْ تَسْمَعَ الْقُرْآنَ)؛ لَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَا سَمَّى الْقُرْآنَ قُرْآنًا هُنَا، مَبَّرَ عَنْهُ بِفْ... الْقُرْآنُ عَبَّرَ عَنْهُ بِفْ... أَيْ أَنَّهُ ذِكْرٌ وَأَنَّهُ تَنْزِيلٌ، مَا أَتَاكَ بِالْعِبَارَةِ الْمُبَاشَرَةِ: أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِلْقُرْآنِ! لَا، أَعْطَاكَ مَا هُوَ طَبِيعَةُ الْقُرْآنِ؛ أَوَّلًا أَنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ، يُمْتَازُ، ثُمَّ هُوَ تَنْزِيلُ اللَّهِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِوَصْفَيْنِ عَظِيمَيْنِ: أَنَّهُ ذِكْرٌ وَأَنَّهُ تَنْزِيلٌ.
وَسُمِّيَ ذِكْرًا لِأَنَّهُ يُذَكِّرُ الْإِنْسَانَ بِالْمَعَانِي الْعَظِيمَةِ الَّتِي لَا يَجِبُ أَنْ يَغْفُلَ عَنْهَا، تَمَامٌ. وَأَخْبَرَ أَنَّهُ تَنْزِيلٌ لِلْإِخْبَارِ بِمَاذَا؟ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ الْبَشَرِ، وَأَنَّ هَذِهِ الْمَفَاهِيمَ وَالْآيَاتِ لَيْسَتْ شَيْئًا بَشَرِيًّا يُمْكِنُ أَنْ تَسْتَغْنِيَ عَنْهُ غَيْرُهُ، بَلْ هِيَ نَزَلَتْ بِرِحْلَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ السَّمَاءِ. فَهَذَا يُخْلِيكَ -يُعْطِيكَ دَافِعًا أَكْثَرَ لِتَخْشِينَ- يَجْعَلُ لِهَذَا الْقُرْآنِ قِيمَةً عَظِيمَةً فِي حَيَاتِي. تَرَى هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ: أَنَّهُ ذِكْرٌ لِلْمَفَاهِيمِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ أَحْيَا عَلَيْهِمَا، وَأَنَّهُ كَلَامُ رَبِّي؛ هَاتَانِ أَعْظَمُ شَغْلَتَيْنِ فِي الْقُرْآنِ هُمَا هَذَيْنِ الشَّغْلَتَيْنِ: أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَلَيْسَ كَلَامَ بَشَرٍ، ثَانِي شَغْلَةٍ أَنَّ فِيهِ الْمَفَاهِيمَ وَالْمَطْلُوبَ مِنِّي أَنْ أَتَذَكَّرَهَا.
فَلِذَلِكَ اعْتَمَدَتِ الْآيَةُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَتَيْنِ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾؛ أَيْ لِمَا يُذَكِّرُهُمْ بِاللَّهِ وَمُرَادِ اللَّهِ، وَهَذَا الَّذِي يُذَكِّرُهُمْ بِمُرَادِ اللَّهِ هُوَ لَيْسَ كَلَامَ وَاعِظٍ وَلَا كَلَامَ نَبِيٍّ وَلَا كَلَامَ عَالِمٍ، وَإِنَّمَا هُوَ أَيْضًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَهُوَ إِذًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيُذَكِّرُكَ بِاللَّهِ، إِذًا اسْتَحِ عَلى دَمِكَ وَاخْشَعْ! (هَذِهِ الْخُلَاصَةُ)، يَعْنِي شَيْءٌ نَزَلَ مِنَ اللَّهِ وَيُذَكِّرُكَ بِاللَّهِ، إِذَا شُو الْمَطْلُوبُ مِنْكَ؟ أَنْ تَخْشَعَ لَهُ، وَأَنَّ قَلْبَكَ يَهْدَأُ قَلِيلًا وَتَعِيشَ مَعَ هَذِهِ الْآيَاتِ، أَمَّا أَنْ تَبْقَى طُولَ عُمُرِكَ فِي غَفْلَةٍ عَنِ الْقُرْآنِ وَمُتَكَاسِلٍ.
عن حفظ القرآن: بعض طلبة العلم يسأل: يا شيخ، أحفظ القرآن أم أحفظ الآجرومية؟ يا عم، أحفظ القرآن الله يرحم والديك، الآجرومية بيروحوا بيجيّوا من أجل الروم بس. القرآن كلام ربك ما بيروح ولا بيجي، بدك تحفظ القرآن، بدك تحفظ القرآن، لا تبقى تناقشني في القضايا البديهية التي لا يناقش فيها العلماء: أحفظ الألفية ولا كذا؟ طيب، أجل موضوع القرآن، خليني... أنت بتضحك على نفسك!
جدّاً، القرآن شيء لا عوض عنه ولا بديل عنه، ولا يقبل التسويف فيه بحفظ متون أو مختصرات. إذا اردت أن تحفظ وتشغل الذاكرة، فأعظم ما تنشغل به الذاكرة القرآن؛ هذا مشروع منتهي في حياة طالب العلم، ولا يوجد عالم أصلاً من العلماء يناقش في هذه القضية، هذا إنما يظهر النقاش في الوقت المعاصر لضعف الهمم والقصور، وإلا عند العلماء ما في نقاش في قضية حفظ القرآن، وما في نقاش أصلاً أنه يأتي أحد يناقش في هذا الموضوع.
فلا تبقى يا رعاك الله تناقش في رحلتك العلمية وتساوم على قضية القرآن: طب بعد سنة؟ طب بعد سنتين؟ طب خليني أحضر الدورة الفلانية، والله الشيخ الفلاني عامل دورة مهمة خليني أنشغل بها؟ يا اخي انشغل بالقران الله يرضى عنك، كل كل كلامنا في النهاية كلام بشر يذهب ويأتي، ويأتي عالم غير هذا العالم، لو فقدت هؤلاء كلهم يأتيك غيرهم، لكن إذا فقدت القرآن لن تجد بديلاً، لن تجد... ما في كلمات تحل محل كلمات القرآن، ما في درس يحل محل الدرس القراني.
وأما نحن نذهب وناتي وياتي غيرنا وتستفيد من غيرنا فلا اشكال يعني، لن تخسر شيئاً كبيراً، لكن إذا خسرت القرآن لن تجد ما يعوضه تماماً، هذه انتبه لها يا طالب العلم: القرآن لا معوض عنه. الشيء الذي ربنا طلب منك أن تخشع له هو القرآن، يعني أنت ليس مطلوباً منك أن تخشع لكلام بشر، إذا خشعت عند المواعظ جيد، لكن المطلوب منك أن تخشع للقرآن، بدك تخشع؟ بدك تعلم نفسك التفكير والتدبر لتخشع، ما هو الخشوع؟ هو ثمرة، صح ولا لا؟
طيب، تقول لي: ربنا يعاتبني لماذا لا أخشع؟ طب يا شيخ أنا بدي أخشع للقرآن، إيش أفعّل؟ بدك تفسر القرآن وتدبر القرآن حتى تخشى. الخشوع ليس مجرد شعور هكذا هوائي، هو ثمرة مجالسة القرآن ومدارسة القرآن، والحرص على حضور مجالس القرآن، وأن تكون من أهل القرآن والتركيز في القرآن، هذا اللي بيعطيك في النهاية خشوع مع القرآن. أما بعض الناس لا؛ هو لا يدارس ولا يقرأ ولم يجلس ولم يقرأ القرآن ختمة تدبر واحدة في حياته، وبقول لك: أنا يا شيخ أشعر بمشكلة في الخشوع مع القرآن! هو أكيد ستشعر بمشكلة، لأنك لا تتخذ الأساليب والوسائل الصحيحة التي تجعل للقرآن أثراً في حياتك وعلى قلبك وسلوكك.
قال: القرآن لأنه جامع للأمرين؛ للذكر والموعظة وأنه حق نازل. قال: إذاً المراد بالذكر وما نزل. القرآن، ولماذا وصفه الله بهذين الوصفين؟ لان القرآن جامع للأمرين، فهو إيش؟ ذكر، وهو نازل من السماء. نعم، قال: وأنه حق نازل من السماء. ﴿وَلَا يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ﴾ [الحديد: 16]؛ القراءة بالياء عطف على تخشع، وبالتالي رويس على الالتفات، يعني الحمد لله هناك قراءة ﴿وَلا يَكُونُواْ﴾ وهي قراءة الجمهور.
ولا يكون كالذين أوتوا... هناك قراءة لرويس: رويس كيف قراها؟ ﴿وَلا تَكُونُواْ﴾. طب إذا قالت ﴿وَلا تَكُونُواْ﴾؟ الآية أولاً هي تتكلم باسلوب الغيبة: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: 16]، ثم فجأة: ﴿وَلَا تَكُونُواْ﴾، هذا إيش سمينا ممعناً في الفاتحة؟ التفات؛ انه أكون أتكلم عن شيء باسلوب الغيبة ثم فجأة أصبح أخاطب، تماماً مثل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: 2-5] تبدأ تنتقل من أسلوب إلى أسلوب مفاجئ، من غيبة إلى خطاب أو من خطاب إلى تكلم.
رويس لما قرأ ﴿وَلا تَكُونُواْ﴾ استخدم أسلوب الالتفات، وهو أسلوب تنبيهي كأنه تكلم ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بعدين يقول لك: آه لا تكونوا، هذا أسلوب التفات وأسلوب جميل، وهو من أساليب العرب في تنبيه السامع حتى ينتبه، أنه كان الكلام عن غيري بعدين صار موجه إليّ؟ كان الكلام عن غيرك؟ لا ما هو عن غيرك، لا، كان أنت ساقط فيه، لكن أنت مش منتبه أنك نازل في تحت ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، فجاء الالتفات مباشرة لتنتبه: ترى أنت مخاطب! أنت من يدخل تحت الكلام السابق ولا أتكلم عن غيرك.
قال: ويجوز أن يكون نهياً لهم عن مماثلة أهل الكتاب في قسوة القلوب بعد... يعني ولا تكونوا أو ولا يكون، الظاهر أنه نفي، صح؟ قال: ويجوز أن يكون نهياً تماماً. قال: ويجوز أن يكون... فقط ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُواْ﴾ إذا قلنا نفي تكون يكون إيش إعرابها؟ أكيد مش مجزومة، إيش بتكون؟ منصوبة، معطوفة على ماذا؟ تخشع: ﴿أَن تَخْشَعَ... وَلَا يَكُونُواْ﴾، لكن إذا قلنا لا ناهي؟ قال: ويجوز أن يكون نهياً، فتصبح ﴿وَلا تَكُونُواْ﴾ نهي، والنهي يفيد الجزم تماماً. فبدك تفرق: على قراءة النفي أو إذا حملناه على النفي ليس جزماً، وإنما هو نصب، وإذا حملناه على النهي سيكون جزماً، فهذا إعراب وهذا إعراب آخر.
قال: ويجوز أن يكون نهياً لهم عن مماثلة أهل الكتاب في قسوة القلوب بعد أن وبخوا، فالله إذاً هنا ينبهنا أنه يا أهل الإيمان، يا أيها الشباب المسلم، ترى أكبر مشاكل أهل الكتاب التي جعلتهم في غضب الله وسخط الله هي قضية ماذا؟ قسوة القلب عن ذكر الله، ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلُ﴾ [الحديد: 16] اليهود والنصارى، كيف تعاملوا مع التوراة والإنجيل؟ بالغفلة والإعراض وعدم التدبر، فابتلاهم الله بماذا؟ بقسوة القلب.
كذلك ما سيحدث معكم كما هم، لما تعاملوا بإعراض قست قلوبهم، وأنتم نفس الشيء إذا تعاملتم بإعراض وغفلة وعدم اكتراث بالقرآن ستقسو قلوبكم، فهي سنة الله؛ سنة الله واحدة في جميع الأمم، ما في أحد يعني عنده واسطة أنه أنا ما بدي أتدبر ويبقى قلبي حي، لا، ما في حدا عنده واسطة، ما في حدا يستثنى، هي قاعدة عامة. لذلك الله يقول لنا إن أكبر مشاكل أهل الكتاب التي جعلتهم في بعد عن الله وسخط الله وعقوبة الله والذم المستمر لهم في القرآن والسنة، ما هي المشكلة عندهم المرضية في قلوبهم؟ الإعراض عن التوراة والإنجيل، الكتب التي نزلت لهم، فابتلاهم الله بقسوة القلب وأصيبوا بالمعاصي والذنوب البعد عن...
نفس الشيء أنت سيصبح معك في الحياة إذا أعرضت عن القرآن ومدارسة القرآن ستُبتلى بقسوة القلب، ولعل كثير منا مصاب بهذا الداء؛ بحاول يتوب مش قادر يتوب، بحاول يتخلص من ذنوب ومعاصي ولا يستطيع أن يتخلص منها، يا أخي بحاول أخشع في الصلاة ومش قادر أخشع، بحاول أخشع في الذكر مش قادر أخشع، وهذه قسوة قلب أنت مبتلى، إذا أنت في الصلاة مش قادر تخشع وفي القرآن مش قادر تخشع وفي وفي الذكر مش قادر تخشع وفي مواقف الحياة ما عندك أي شعور داخلي بالخشوع، إذاً أنت مريض! بدك تستعجل في معالجة ماذا؟ نفسك، وتعرف ما هي أسباب المرض.
فأهل الكتاب أعرضوا عن القرآن أو عن كتبهم فابتلوا بقسوة القلب، فالله قال لك: احذر ها! ﴿وَلَا تَكُونُواْ﴾ والقراءة الثانية: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلُ﴾. طيب، اقرأ. قال: وذلك أن بني إسرائيل كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم، وإذا سمعوا التوراة والإنجيل خشعوا لله ورقت قلوبهم، هكذا كان حالهم في البداية، هكذا كان حالهم.
طيب، ماذا حدث بعد ذلك؟ قال: فلما طال عليهم الزمان غلبهم الجفاء والقسوة واختلفوا وأحدثوا... فلما طال عليهم الزمان غلبهم الجفاء والقسوة، اللي هي في صفات المنافقين: ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾، هي نفس المشكلة الصعبة، المشكلة الخطيرة، اللي هي طول الأمل في الحياة، أنه الواحد فينا معشم نفسه أنه راح يعيش كثير، وأن الحياة ستطول به، وراح يبني أحلامه وطموحاته ويصير عنده شركات. طب إذا الموت جاي فجاه وهو مسكين غافل؟
إخواني، طول الأمل وتعمية النفس بطول الحياة هذا يورث قسوة القلب، لذلك كانت نصيحة ابن عمر: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، هي النصيحة الصحيحة؛ أنه أنت خطط للحياة، ما عنا مشكلة، خطط وخطط لدراستك وشركاتك لابد بالعكس هذا مطلوب، ولكن في النهاية حاول كل يوم أن تستحضر أن هذا اليوم قد يكون هو آخر أيامي.
الذي يعيش بهذا النفس أن هذا اليوم هو آخر يوم لي يعني سيبقى قلبه حاضراً مستيقظاً، لأنه هو منتبه أن الختام حاضر في أي لحظة. لكن اللي معشم نفسه بطول الحياة وأنه راح يعيش مثل جده وجدته 60 و70 سنة، هذا شوي آה راح يبلش ايش يركن، ويبلش يقول: طيب عشر سنين كمان، 15 سنة بتوب، خليني شوي غارق الآن، خليني أبني طموحاتي، خليني أعيش حياتي زي ما هالشباب عايشين، اللي عايش على أنه سيطول أَمَدُهُ سيقسو قلبه، هذه قاعدة: اياك أن تعشم نفسك بطول الحياة، خلي نفسك مستحضرة قضية الموت وقرب الأجل حتى يبقى القلب حي.
أما الإنسان الذي يعيش نفسه ويعشمها بطول الحياة وأن الموت ليس قريبا منه... هي هو هكذا الانسان؛ ربنا بعطيك طبيعتك أنت البشرية، نحن هكذا طبيعتنا، يعني ما تيجي تقول لي: لا يا شيخ، أنا إن شاء الله عندي طول أمل بس إن شاء الله رح يظل قلبي حي؟ مش لن تستطيع، القلب والعقل طريقته في التفكير هكذا، إذا شعر بطول المدة الزمنية ماذا يصبح؟ ارتخاء، صح؟ وتسويف؛ تسويف في التوبة، تسويف في الخير، تسويف في فعل الأشياء الجيدة.
لكن إذا شعر أن الأمر مستعجل يبدأ ماذا؟ يستدرك الأمور، يعني حتى هذا على مستوى حياتك، لما تشعر أنه القضية إذا لم تعجل لها تماماً... يعني أعطيكم نموذج من حال أخيكم: لما أعرف أن فاتورة المي الجماعة ما راح يجوا يقطعوا المي الآن بضلني أجل فاتورة المي ودفعها حتى أشوف الزلمة على باب الدار بقول لي: الشيخ جاي أقطعها، لما يقول لي: جاي أقطعها شو بعمل؟ بدي أدفعها الآن مباشرة، صح ولا لا؟ ليه؟ لأنه أنا ما دام هو الرجال معطيني مساحة طبيعتي في العمل ماذا سيصبح؟ بدفع بكره، بعد بكره، طيب خلص الأسبوع الجاي إن شاء الله ما هم لسه مش قاطعين المي، بضلني أجل أجل لآخر لحظة.
هيك الإنسان لما يعرف أن الشيء مش... ليس مستعجلاً، لكن لما بقول لي: الآن بتدفع ولا بفصل المي، شو بصير؟ لا يا عمي الآن أنا عارف أن الأمر أصبح جِدّاً، نفس الشيء هكذا يعني كمثال بسيط: تعاملك مع الأمور الأخروية، إذا أنت معشم نفسك أنه لسه معي 60 و70، إن شاء الله بطلب العلم، يعني لسه معي مشوار وبحضر مجالس الخير شو لازم أستعجل؟ تسرق الحياة منك وتجد نفسك صرت الـ 50 والـ 60 وأنت لم تفعل شيء، ليه؟ لأن منهجك في الحياة كان التسويف: غدا، بعد غد، بعد شهر، بعد شهرين.
لكن لو وطن نفسه أنه ما في وقت، الحياة قصيرة، الموت قريب، ودائماً يتذكر هذه المعاني، ما عنده مجال أن يسوف، فيبدا مباشرة يشتغل، إذا اشتغل على قلبه أول بأول وترك منهجية التسويف وطول الأمل سيبقى قلبه حياً. فمشكلة أهل الكتاب إذاً هي مشكلة التسويف والتاجيل الملفات، وهذه المشكلة نتجت عندهم بسبب ماذا؟ استشعاره بطول الأمد، اللي هو طول الأمل وانه معهم فسحة في العمر، خاصة أن الاقدمين كانت أعمارهم أطول شوي من أعمارنا، بل بعضهم أطول كثير، مش بعضهم كان بيعيش 300 و400 والله إذا طول الأمل بقول لك: على 300 إن شاء الله بتوب! كلنا 60 70 سنة، يعني جماعة الخير يعني ما تعشم نفسك كثيراً، لا تعرف متى ياتيك الأجل.
نعم قال: واختلفوا وأحدثوا ما أحدثوا من التحريف وغيره، فطال عليهم الأمد الأجل أو الزمان فقست قلوبهم باتباع الشهوات. وهي نتائج: لما طال عليهم الأمد سوف وأصبحوا يعصون حالاً ويسوفون التوبة في المستقبل، فاتبعوا الشهوات، هذا مراد أنه لما استشعروا وتعشموا بطول العمر ارتكبوا الشهوات وسوفوا التوبة فكان هذا السبب في ماذا؟ وهذا الذي يحدث، انتبه لهذه القضية الإيمانية أنه أنت عم تعصي الآن، ممتاز، عم تعصي ومعشم نفسك أنك ستتوب متى؟ في الـ 60 والـ 70، لكن الذي يحدث مع كثير من الناس أنه لأن الله ينتبه وعارف أنت كيف بتفكر وأنك تريد أن تؤجل ملف التوبة، فبعد ماشي تقع في ذنوب ومعاصي بعد 15 سنة 20 سنة يطبع الله على قلبك وتصبح قاسي القلب فلا تجد أصلاً لك اندفاع على التوبة.
أنت الآن لأنه لسه فيك خير بتعمل المعصية وبتشم نفسك بالتوبة، لكن مع طول الأمد ستقسو قلبك ولا تعود تنتظر للتوبة حقيقةً، يعني أنت قد تستغرب تجد بعض الناس يعني على حافه موته من فجار وفساق ومغنيين، بتقول: طب هذا خلص يعني ترك اعتزل الغناء والتمثيل، صح، وهيّو كبر في السن، طب ليش ما يتوب؟ ليش ما يصير يصلي؟ طب خلص يعني أنت الآن يا فلان، مش أنت كنت ممثل وعشت كل المشاهد القذرة وعملت الفحشاء والمنكر؟ تمام، أنت لو بدك تيجي تفكر بشكل منطقي، طب ها الآن هذا كبر، خلص، مش تهنيت في حياتك في وجهة نظرك طبعا وعشت كل المشاهد؟ يلا خلص، اصبحت على حافه قبرك يا اخي توب اركع صلي! هو مش قادر، هو مش قادر يتوب، مش قادر يفكر بهذه الطريقة.
طيب إيش السبب؟ قسوة قلوبهم، أنه ربنا طبع.
על قلبه، فانت بتفكر بطريقه منطقيه انه هذا خلص عاش حياته، هو شاب وعمل المعاصي وتعرف على بنات وعاش له وكان ميعني عمل كل اللي بده اياه، والان خلص صار عمره 60 وربنا اعطاه فسحه، اه هس بيتوب؟ تزبط معه بيكسب الاخره والدنيا؟ خلص تاب في اخر عمره ومشيت امور وصر يصلي ومات على حسن الخاتمه، وفي الاخر هي برضه بدخل الجنه؟
لا، لا، مش الامور مش هكذا تدار في الملفات الالهيه. احبابي الكرام، الله عز وجل يعلم ماذا تفعل انت، ويعلم انك تسويف التوبه، ويعلم انك تتلاعب وتستهزئ، فلما يصل عمرك الـ 40 والـ 50 والـ 60 لا يسمح لك بالتوبه، لا يسمح لك بالتوبه، فانت لا تصبح تفكر بها ولا تهتم بها، مع انه في لحظه من اللحظات، ربما في سن الشباب، كنت بتفكر، لكن على الـ 40 والـ 50، مع انه انت اصبحت اقرب للموت اكثر واكثر، لكن مش عم بتفكر، لماذا؟
مع اني الان عم بقترب من الموت اكثر واكثر، لا افكر بالموضوع، مع انه المنطق العقلي انه لازم بما اني اقترفت اكثر واكثر لازم الموضوع ياخذ مني اهتمام اكبر واكبر، لكن مع ذلك، بالعكس، وانا شاب كنت اشعر انني بدي اتوب، والان لا اشعر في اي دافع للتوبه، ليه؟ هو هذه الامراض: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: 7]، طبع الله على قلوبهم، الطبع، القسوه، ختم يحول بينك وبين الرجوع الى الله سبحانه وتعالى.
فكثير من هؤلاء الذين ترونهم في الحياة يصلون الى الـ 60 والـ 70 ولا يتوبون، اعلم ان في هناك ابتلاء، وان هناك قسوه، وان هناك ختم الهي، والعياذ بالله، فهو لا يفكر بالطريقه المنطقيه التي انت تفكر بهذه القصه باختصار. نعم، قال: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 49]، خارجون عن دينهم، رافضون لما في الكتابين، أي، وقليل منهم مؤمنون.
هذه حال اهل الكتاب لما طال عليهم الامد كثر فيهم الفسق وقل فيهم الايمان، وكذلك حال كثير منا لما يطول عليه الامد ويسوف بالتوبة يصبح من اهل الفسق، اهل الفسق، اهل المعاصي والكبائر والذنوب، ويقل من هو مؤمن حقيقي يستيقظ وينتبه ويتوب بعد المعصيه، ويعزم على عدم العوده اليها، فهذه كلها امور مترابطه، طال عليهم الامد فاتبعوا الشهوات، واصبحوا من اهل الفسق والمعاصي والذنوب، وقل فيهم من يتوب ويكون من اهل الايمان الحقيقي.
نعم قال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد: 17]. من يقول لي؟ هذا سؤال لكم، من يقول لي ما مناسبت هذه الايه بعد الايه السابقه؟ يعني ايش علاقه: اعلموا ان الله يحيي الارض بعد موتها؟
احنا كنا بنتكلم عن القلوب قسوتها وكذا، فجأة اعلموا ان الله يحيي الارض بعد موتها، انتقلنا للكلام عن الارض، وان الارض لما تكون يابسه وجافه وقاحله، الله يحييها، شو الربط بين هذه وهذه؟
آه يا شيخ، خلينا نشوف الاخ. الله عز وجل يحييها، لما تتلي القران وتدب الارض بعد... نعم فكان... احسنت، يعني هو الله عز وجل يريد ان يعطيك امل هذا الجانب، انه انت ممكن، بتقرا: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: 16]، ممكن يصيبك احباط، انه انا يا شيخ واضح انه انا من اصحاب القلوب القاسيه، انا خلص انا بصلي مش عم بخشى، وبقرا قران مش عم بخشى، وتدبر مش عم بخشى، فيصيبك نوع من ايش؟ من الاحباط النفسي الداخلي: ما فيش فايده يا شيخ، انا ما في فايده، مش ضابطه معي.
فربنا بعطيك بصيص الامل، بقولك: من الذي يحيي الارض الميته بعد موتها؟ الله سبحانه، فخلي عندك امل، قلبك ان مات ايضا الله قادر على احيائه، هذه هي الرساله: تنبه، الذي يحيي الارض بعد موتها قادر على ان يحيي قلبك بعد موته، حتى لو انت شاعر الان وانت بتقرا القران بقسوة قلب، وكلنا نعان من ذلك ولا ابرئ نفسي، يعني الانسان ما يحاول يضحك على نفسه ويغالط: لا، انا اموري طيبه، لا، لا، في هناك نوع من الغفله، في نوع من القسوه، في نوع من الجفاء في علاقتك مع الله، تمام؟ بس ربنا بقول لك مع ذلك في بصيص امل، لان الذي يحيي الارض بعد موتها قادر على ان يحيي قلبك ولو مات، ولو انك مت وقسا، الله عز وجل قادر على ان يحييه.
طيب، شو اعمل؟ اسلك اسباب الحياه. هو انت ماشي، الله قادر على ان يحييه، طب ما ايش اعمل يا شيخ حتى تعود الحياه الى قلبي؟ اسلك اسباب الحياه. كنت غافل عن الله، كنت لا تتدبر القران، كنت غافل عن طريق الصالحين، يلا ضبط امورك، ربنا بيساعدك.
حتى ابن القيم بحث المساله، مساله انه من ختم الله على قلبه هل يمكن ان تعود له الحياه مره اخرى؟ قال: نعم، اذا باشر اسباب الحياه مره اخرى يفك الله الختم، يفك الله الطبع، يفك الله القسوه عن القلب مره اخرى، فباختيارك الان كفعل هو ان اباشر اسباب الحياه.
ايش اسباب الحياه؟ مجالس العلم من اسباب الحياه، مجالسه الصالحين والافاضل من اسباب الحياه، تدبر القران من اسباب الحياه، قيام الليل من اسباب الحياه، المحافظة على الاوراد والاذكار من اسباب الحياه. باشر اسباب الحياه، ولو انك انت لا تتلذذ بها الان، انا عارف رح تباشرها وانت مش خاشع، لكن مع الوقت ومع كثره قرع الباب يفتح.
مش لازم من البدايه تكون خاشع، شيء طبيعي لي ولك ان نشعر اننا نذكر مع غفله، شيء طبيعي انك بتصلي صلوات ولا تشعر بلذه وانس، شيء طبيعي، بس مش شيء المطلوب، يعني انتبه، يعني شيء طبيعي، يعني انا اتوقع هذا انك الان تصلي بهذه النفسيه، متوقع انك بدك تصلي قيام ليل وانت نعسان، مدروخ زي ما يقولوا، بدك تصلي الركعتين ويمشي الحال، بس عم بتجاهد نفسك، فشيء طبيعي في فترة المجاهده الا تشعر باللذه التي تسمعها عند الحسن البصري وابو سليمان الداراني.
يعني ما تتوقع نفسك رح تصير مره واحده مثل هؤلاء في ايماني هم وفي مشاعرهم، وتصبح ابن تيميه: انا جنتي في قلبي، يعني شوي شوي على نفسك، يعني بعض الناس يقرأ هي العباره يقولك: انا يا شيخ مش قادر اجد ما يقول ابن تيميه: انا جنتي في قلبي، منده! ابن تيميه اشتغل على نفسه حتى وصل لهذه المرحله، انت شو عملت حتى تصل لمرحله: انا جنتي في قلبي؟
هذه المنازل، منازل انما تنال بالجد والتعب، فانت اتعب على نفسك وعادي رح تكون متعب ولا تشعر بالخشوع في البدايه، شيء طبيعي، وتشعر انه في نوع من المدافعه الشديده والشيطان عم بيجني يفسد عليك صلاتك ويفسد عليك انسك بالله، شيء طبيعي هذا، لكن ايش المطلوب مني؟ اني استمر، مش مشكله سنه، سنتين، ثلاث، اربع.
انتم بتعرفوا احد السلف لما قال: جاهدت نفسي في الصلاه 20 عاما حتى طابت لي. 20 عاما! يعني 20 سنه وهو بحاول يخشع في الصلاه، بس ايش؟ ما استسلم. احنا بجوز بعد خمس ايام تستسلم: لا، بطلت، بدي افكر في الخشوع، جاهدت نفسي كثير ومش ضابطه معي. 20 عاما وهو يجاهد ويجاهد على الخشوع، فماذا كانت الثمره والفتح الالهي؟ قال: طابت لي. 20 عاما، شو يعني طابت لي؟ يعني اصبحت اخشع فيها بدون تكلف.
هس انا واياك لما نخشع في الصلاه الان بنتكلم، صح ولا لا؟ بنحاول نخشع في الايات، شوي بتذكر الشغل، بتذكر شغله، بعدين برجع، هيك حياتنا في مجاهده، اكيد في تعب، لكن هذا التعب استمر استمر استمر حتى يفتح الله لك الباب، فطابت لي. 20 عاما، خلص، اصبح يخشع سجيه، بدخل على الصلاه بيسف عن الدنيا، بتفصل الكبسة وبيصير مع الاخره.
هذا مش سهل، هذا لن ترثه بيوم ولا يومين، انه تحميل نفسك ايضا فوق طاقتها، والتوقع انك ستصبح من اهل الولايه ومن اهل الخشوع دفعه واحده غلط، وهذا احيانا قد يكون من تلبيس ابليس عليك حتى يقنطك من الطاعه، انه يشعرك انه انت ما فيك فايده، وانه انت مهما بتتحاول تخشع مش ضبطه معك، بالتالي خلص اترك هي الملفات ليش بتتعب نفسك؟
لا، اياك في لحظه واحده ان تترك المجاهده، ولو انك مش خاشع عادي، تحمل واستمر، وانتظر الى ان يفرجها رب العالمين. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]. هذا يقيناً، يقيناً لا اشك في هذا، أن من جاهد سينال وسيفتح له، وحتى والله الانسان يكون منوك بالذنوب والمعاصي، ويبدا يجاهد على بعض الطاعات، ويجد هكذا بعض الانوار، يذيقك الله لذتها حتى يشعرك بانه استمر ستصل الى ما هو اعلى، وهذا كل واحد منكم لعله شعر به في بعض الاحيان على ذنوبه وخطاياه.
بيشرح هيك ببعض البرامج الدعويه او الايمانيه او كذا، هكذا يفتح الله له شيء من الانوار، مش صدره خلص حصن بصل مره واحده، يعني الله يرضى عليك، كون واقعي، انه كما قلت احيانا بعض الشباب سقفه غير منطقي في العباده، يريد شيء هو لم يتعب حتى يصل اليه.
عليك ان تعرف انك لن تكون مره واحده عابدا زاهدا يائسا من الحياه الدنيا مقبلا على الاخره، وانما الامر ينال بالمجاهده، لكن اتخذ الاسباب. اذاً: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد: 17]. اقرأ، قال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد: 17]. قيل: هذا تمثيل اثر الذكر في القلوب وانه يحيها كما يحي الغيث الارض.
نعم، كما الغيث يحيي الارض: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد: 17]. كيف يحييها بالامر؟ فكذلك قال الذكر، وهذا كلام نح لم نذكره الان نبه عليه النسفي، وتنبيه جيد، انه مش قيه بدء تك ان الله قادر على احياء القلوب الميته كما يحي الارض الميته، لا، برضه ربنا بعطيك شو اللي رح يحيي قلبك، يعني هذا ملحظ جميل نبه عليه النسفي: الذي سيحيي قلبك هو الذكر والقران الذي نزل من السماء.
ها، مش هو قال؟ شوف هذا كلام جميل هذا التنبيه من النسفي: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: 16]. فالذي نزل من الحق، كما ان المطر الذي ينزل من السماء ينزل ليحيي الارض، فكذلك هذه الكلمات الحق التي نزل من السماء نزل ليحيي القلوب.
فكل ما ياتي من السماء خير، خير للجمادات وخير للاحياء، فكان الله لما قال نزل من الحق حتى تربطها بالايه التي تليها، وهذا نبه اليه النسفي، كما ان الذي ينزل من السماء من الغيث يحيي الارض الميته، كذلك ما ينزل من السماء من الحق يحيي القلوب الميته. فبدك قلبك يعيش؟ شوف اللي بينزل من السماء، فعليك، بعدين تيجي تقولي احفظ القران ولا لا، هذه لا تكلمني فيها، لانه ربنا بيقول لك يعني ما الذي سيحيي قلبك، ما دلك على متن ولا مصنف ولا عالم، وانما دلك على كلامه في القران.
اخواني، احنا مش بحفظه قبل طلب العلم، انه يلا خلص المشايخ قالوا لازم نحفظ القران، مش انه متن بدنا نخلصه، فهمت علي، مش شيء مفروض علينا دومنيكا يعني لازم يمشي هيك هيك طلب العلم خلص لازم نحفظ؟ لا، مش لانه هيك طلب العلم، لانه القران هو الذي يحفظك والذي يحميك والذي يقيك من المصائب والذنوب والخطايا، ويشفي قلبك من الامراض. القران هو كل شيء في حياتك.
انت الان ربما مش مدرك، لكن مع الوقت قد تدرك هذا، وتبدا تفهم لماذا قال العلماء: القران وليس قبل القران شيء. تمام، القران ليس متنا، ليس شيئا فقط من اجل انه كتاب لازم احفظه مشان استشهد به على الامثله الاصوليه والفقهيه، هذا القران ابعد من ذلك بكثير بكثير، واثره وعمقه في حياه المسلم عظيم جدا، لكن لن يكتشف هذا العمق ولن يجده الا من، كما قلنا، من عاش مع القران وذاق لذه القران.
نعم، قال: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ [الحديد: 18] بتشديد الدال وحده، مكي، وابو عمرو، وهو اسم فاعل من صدق، وهم الذين صدقوا الله ورسوله. نعم، مصدقين والمصدقات، اسم فاعل من الفعل ايش؟ صدق.
طيب، نعم، قال الباقون: بتشديد الدال والصاد، وهو اسم فاعل من تصدق، فادغمت التاء في الصاد باقي القراء. اذا قراء مكه وابو عمرو كيف قرأوا؟ ان ماذا؟ يعني لانه هو الايه هنا لما كتبوها في الرسم القراني كتبوها على ليس على قراءه ابو عمرو: ان المصدقين والمصدقات واقرضوا. هكذا القراءه. يعني هو لما رسمها، لم يرسمها على قراءتنا، او عفوا، هنا النساخ الذين نسخوا رسموها على قراءتنا، بس انت بدك تنتبه على ما قال، قال: بتشديد الدال وحده.
كيف تكون هي الكلمه بتشديد الدال وحدها بدون تجديد الصاد؟ كيف ستقرا؟ مصدقين. فبدك تنتبه على انه هنا اللي عم بكتب التفسير هذا في الوقت المعاصر عم بكتب الايه بقراءه حفص بروايه حفص عن عاصم، مش عم بتبه على ماذا يقول المفسر، فاذا بتشديد الدال وحده اذا هو يتكلم عن قراءه: ان المصدقين بدون تجديد الصاد، اي بتشديد الدال وحده، قراءه المكيين وابو عمرو، وهو اسم فاعل من صدق يصدق فهو مصدق، مصدقين.
قال: وهم الذين صدقوا الله ورسوله، يعني ما معنى مصدق؟ قال: صدقوا الله ورسوله و... يعني صدقوا الله فيما قال، وفعلوا كما امر. نعم، والباقون قالوا: المصدقين والمصدقات، فشدد الدال وايش والصاد، وهذه قراءتنا، وهذه قراءتنا. نعم، قال: وهو اسم فاعل من ماذا؟ من تصدق، نعم. قال: فادغمت التاء في الصاد، وقرئ على الاصل: ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [الحديد: 18] هو عطف على معنى.
الفعل في المصدقين إذا وقرئ على الأصل، واقرضوا الله قرضا حسنا الإقراض مر معنا في نهاية الصفحة السابقة، وها هو يمر معنا في نهاية الصفحة التالية.
الصدق يصدق من الصدقة وليست الصدقة بل الصدق، هو قال فطغت التاء في الصاد تمام، فأصبح الصدق لكن هي أصلها تاء فصاد فدال ق، لذا قال فأضغت التاء في الصاد تمام وقرئ على الأصل نعم، فهو يقول لك هذه ادغمت التاء في الصاد فأصبحت كما تقول، واصبحت كما تقول وإلا هي أصلها بالتاء فصدّ تمام.
نعم قال: ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، هو عطف على معنى الفعل في المصدقين؛ لأن اللام بمعنى الذين، إذا واقرضوا الله إذا هم مصدقين ومصدقات، تمام. وأقرضوا الله أيضا قرضا حسنا، والإقراض هنا كما قلنا بالنفقة بالبذل بالعطاء في سبيل الله، أقرضوا الله أنفسهم وأموالهم ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة: 111] ونفس الشيء في الصفحة السابقة: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: 245].
فالإقراض باختصار هو رمز للبذل، الإقراض هنا هو البذل في سبيل الله سواء للأنفس للأموال للأنفاس للحياة، تمام. فلما أقرضوا الله هذه الأنفاس وهذه الأموال، نعم ماذا سيعطيهم الله مقابل التصديق والبذل؟ يعني هكذا هي المعادلة أنني أصدق الله وليس أي تصديق، بل بالتجديد للمبالغة قمة التصديق قمة الثقة بالله، وهذه الثقة وهذا التصديق رافقه بذل وعطاء، النتيجة لهم ايش؟ اجر كريم.
فالأجر الكريم والثواب الجزيل والجنة التي عرضها السماوات والأرض هي ماذا أحبابي؟ هي نتيجة أمرين: تصديق وبذل. بدك تصدق وتثق بالله ثم تبذل لدين الله جهدا ووقتا ومالا وحياة، من يعيش الحياة بهذا المفهوم هذا الذي يتكلم في الجنة ويطمع بجنة الله سبحانه وتعالى، يققال يضاعف لهم ولهم اجر كريم، يضاعف لهم الثواب ولهم الأجر الكريم وهو الجنة.
نعم قال: واقرضوا الله قرضا حسنا، هو عطف على معنى الفعل في المصدقين؛ لأن اللام بمعنى الذين واسم الفاعل بمعنى الفعل وهو الصدقوا. ماذا يريد أن يقول؟ أن أقرضوا فعل صحيح، أقرضوا معطوف على ايش يا قصي؟ على المصدقين. طب هل يجوز عطف الفعل على اسم؟ نعم يجوز عطف الفعل على اسم إذا كان هذا الاسم اسم فاعل أو اسم مفعول، تمام أو حتى صفة مشبهة. لماذا؟ لأن اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة خاصة لما يقترن بال موصولة فيه معنى أيضا ماذا؟ الفعل، فهو يفيد معنى الفعل، كأن الآية تقول أن الذين أصدقوا وأقرضوا لهم كذا وكذا.
نعم قال: كأنه قيل إن الذين الصدقوا وأقرضوا. والقرض الحسن: أن يتصدق من الطيب عن طيبة النفس وصحه النية على المستحق للصدقة، هذا تفسير من لقوله: وأقرضوا الله قرضا حسنا. ما معنى وصف القرض بأنه قرض حسن؟ متى تكون أنت عطيتك وبذلك لله حسن؟ في ناس بقرض الله قرض بس مش حسن. ما هو القرض الحسن في المفهوم الإيماني في مفهوم الإيمان؟ قال النسفي حاول أن يقدم تصورا لذلك فقال: ومعنى القرض الحسن في هذه الآية أن تنفق في سبيل الله بطيب نفس منك وأنت مرتاح ومبسوط، مش أنت بتطلع الزكاة وأنت كرهان ومغموم، هذا ماشي إن شاء الله مقبولة من الناحية الفقهية لكن مش هو القرض الحسن اللي بيحث عنه رب العالمين منك، لما تطلع الزكاة والصدقة تطلعها وأنت مبسوط بطيب نفس، مش أنت يا رب ليش فرضت علينا الزكاة يلا بدنا نستحمل بدنا نطلع؟ هذا بطيب نفس لا، فالذي يبذل لله وهو مسرور ومطمئن ليس كمن يعطي الواجبات وهو ايش كرهان وبقدم ايده بخر ايد، فلذلك قال: القرض الحسن أن يتصدق ويبذل بطيب نفس وصحة النية على المستحق؛ يعني يبذل هذا الجهد إذا نفسه طيبة به ونيته صحيحة لا رياء ولا سمعة، ويدفعه لمن يستحقه من أهل الصدقة ولا يدفعه في مكان.
فهكذا تقرض الله قرض حسن، الحسن أحبابي هو في اللغة بمعنى الإتقان صح ولا لا؟ هذا هو الحسن، فكيف يكون عملي متقن؟ عندما تفعل العمل حبا لله كما يريد الله وتضعه حيث أراد الله، فتخرج الصدقة حبا لله وكرامة لله وتضعها في المكان الذي أراده الله. يعني ماشي ممكن أنت تكون انسان كريم بس ما بتعرف وين بتكرم بتحط صدقتك في المكان الخطأ في مكان لا يستحق، فهذا مش قرض حسن وإن كانت نيتك صالحة تمام.
فشروط القرض الحسن لله إذا بدنا نمشي مع هذا الكلام أنه: النية الصالحة والتحري بالطريقة التي أرادها الله سبحانه وتعالى، لذلك قال: بطيب نفس وصحة نية وتدفع في المكان الذي يستحقها على المستحق للصدقة، وليس بتهاون أو استهتار وهذا يقع في كثير من الأغنياء اليوم، تجد أحيانا يبذل المال لجهات ومؤسسات يقول لك أنا خلص أوصيت بمالي لمؤسسة. المؤسسة اللي أوصلتها بالمال نصاب المؤسسة أو لا تستحق أصلا أو هناك من يصرف عليها، فهذا ليس إتقانا؛ لأنك ما تحريت أين تضع المال وحاب يعمل خير قبل الموت بروح بتصدق لمؤسسة مدعومة وعليها مئة دعم أو عليها علامات استفهام وتضع المال في غير محله، هذا ليس قرض حسن، فعليك إذا أردت تتقي الله ويكون قرضك حسن أيضا أن تحري مرة مش فقط طيبة النفس والصدق وحاله بخلي قرضك حسن أيضا تحري أين تنزل هذا المال.
فماذا قال: يضاعف لهم، وفي قراءة يضعف لهم قراءة مكين وشمين، قال ولهم اجر كريم والأجر الكريم هو ماذا؟ الجنة.
طيب نقرا الآية نختم بها الآية الأخيرة نقراها، قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الحديد: 19]. يريد أن المؤمنين بالله ورسله عند الله بمنزله الصديقين والشهداء، وهم الذين سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في سبيل الآن. يعني ممكن يعني هي الآية في عدة احتمالات حقيقة في تفسيرها، الآية تحتمل عدة وجوه في تفسير يمكن أن يققال إنه هذه الآية أراد الله أن يبين بها من هم الصديقون؟ هو لما قال: إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم، أراد أن يشرح لك كيف يصل الإنسان إلى مرتبة الصديقين والمصدق؟ قال: والذين امنوا بالله ورسوله اولئك هم الصديقون. فالوصول إلى مرتبة هؤلاء أساسه تحقيق الإيمان بالله والرسول التصديق التام بكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، التصديق الذي ينبني عليه عمل وانقياد وليس التصديق فقط مجرد فعل قلبي.
نعم قال: وهم الذين سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في سبيل الله، فهنا حمل والشهداء على أنها معطوفة على الصديقون، هذا التفسير الأول: والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون الشهداء، فتجعل الشهداء معطوفة على ايش؟ على الصديقين. على هذا القول ياتي تفسير النسفي يريد أن المؤمنين بالله ورسله عند الله بمنزله الصديقين والشهداء، والصديقون وهم الذين سبقوا إلى التصديق واستشهدوا في سبيل الله، فالصديق والشهداء هم السابقون، والذين آمنوا بالله ورسوله يسيرون على خطى الصديقين والشهداء، هكذا يريد أن يقول الصديقون والشهداء سبقوا إلى التصديق والشهادة، والذين آمنوا بالله ورسوله يسيرون على خطى أولئك على خطى الصديقين والشهداء، تمام.
لذلك قال في سورة النساء ماذا؟ ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [النساء: 69]، فالمؤمنون بالله ورسوله يلحقهم الله بمنزلة الصديقين والشهداء. نعم قال: لهم اجرهم ونورهم أي مثل اجر الصديقين والشهداء ومثل نورهم، اه؛ لأنه بدك تنتبه يعني هذه الآية يمكن طريقة الوقف والابتداء فيها سيؤثر على المعنى، هذه الآية أما أن تقراها هكذا: والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم وتقف عند ربهم، والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم ثم تختم اجرهم ونورهم هكذا لهم اجرهم ونورهم، فتكون لهم اجرهم ونورهم جمله اخرى.
وأما أن تقراها بطريقة أخرى فتقول: والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون وتسكت، ثم تاتي بجمله اخرى: والشهداء عند ربهم لهم اجرهم ونورهم، فهيك أنت بتقدم معنيين مختلفين للاية ممتاز. فالنسفي مشى على الطريقة الأولى على أن الوقف عند عند ربهم، والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم ثم ختم لهم اجرهم ونورهم، فيكون المعنى الذين آمنوا بالله ورسله يلحقهم الله بمرتبه الصديقين والشهداء فيعطون اجر الصديقين والشهداء ويعطون نور الصديقين والشهداء، تمام. فلهم مثل اجر الصديقين ومثل نورهم هذا التفسير الأول على حسب الوقف.
قال: ويجوز أن يكون والشهداء مبتدأ ولهم اجرهم ونورهم خبر، فتكون كما قلنا والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون تسكت، ثم تاتي بجملة جديدة من مبتدأ وخبر والشهداء عند ربهم لهم اجرهم ونورهم، فتكون الجملة الثانية تتكلم عن الشهداء فقط وحدها تتكلم عن الشهداء وحدها، هذا محتمل وذاك محتمل نعم وإن كان الأول قد يكون أظهر.
نعم قال: ويجوز أن يكون والشهداء مبتدأ ولهم اجرهم خبره. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: 39] هذه الآية تعطيك يعني معادلات في ناس صدقوا بالله ورسوله وأولئك يرفعهم الله إلى منازل الصديقين والشهداء ويعطيهم مثل اجرهم ونورهم، هناك من كان في حياته كافرا مكذبا بآيات الله فهؤلاء أولئك اصحاب الجحيم.
تمام نقف اليوم إن شاء الله عند هذا المقدار، إن شاء الله في المحاضرة القادمة نتكلم أيضا عن سبب من أسباب زهد الإنسان في الحياة الدنيا وترغيب الإنسان بالدار الآخرة وترغيب الإنسان بالبذل والعطاء واقراض الله قرض حسن، قضية اقرض الله قرضا حسna البذل والعطاء أساس سورة الحديد ذكر في أكثر من موطن وتم التزهيد في الدنيا، هذه معاني عظيمة تزرعها سورة الحديد في الإنسان المؤمن يجب أن لا يغفل عنها. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل