دعونا ندخل أيها الأحبة في أجواء هذه السورة الجديدة، ألا وهي سورة الجمعة. وسورة الجمعة حتى سبحان الله مواضيعها تناسب حال الأمة اليوم. سورة الجمعة أيها الأحبة موضوعها كبير وعظيم، تتحدث هذه السورة عن ماذا؟ تتكلم عن أن الله سبحانه وتعالى كما قلنا سحب غطاء أو بساط حمل راية العقيدة والإيمان من بني إسرائيل لأنهم لم يعملوا بعلمهم، ومنحه لهذه الأمة الأمية.
وهذا فضل من الله عظيم ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَّشَاءُ﴾ [الجمعة: 4]، كما سيأتي معنا أن الله ولانا أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولانا حمل راية العقيدة بعد أن كانت بنو إسرائيل هم الذين يولونها لآلاف وقرون لآلاف السنوات والقرون المتطاولة. الله عز وجل بعث منهم الأنبياء، بعث منهم الرسل، أعطاهم الكتب، بعث إليهم ما بعث ليحملوا هذه الراية، لكن بني إسرائيل قوم بهت وقوم إفك وقوم كذب وقوم لا يعملون بعلمهم، وإنما قوم هدفهم الدنيا والشهوات وسفك الدماء. فالله سبحانه وتعالى أخبر أنني سحبت البساط من تحت أقدمهم وأعطيته لكم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فاياكم أن تسلكوا دربهم فأسحب الغطاء من تحت أقدمكم في كل قرن من القرون تسيرون به على درب بني إسرائيل.
هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم، الأميون هم أمة العرب. ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: 2-3]، وهم كل من آمن بعد ذلك وتبع الرسول العربي من العرب والعجم. لذلك انظروا جمال التعبير القراني ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾، فحتى العجم الذين لحقوا بدعوة الإسلام قال هم منهم، قال هم ايش منهم؟ ذابت الآن الفروق وإنما اصبحت رابطتنا رابطة ماذا؟ العقيدة والإيمان، لذلك قال ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ ليس المراد منهم أي من العرب، لا، جمال التعبير القراني والله أعلم أن الآخرين الذين سيلحقون بالعرب بالإيمان سواء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أو عبر التاريخ سواء كانوا عربا أو عجما هم منهم ونحن هم منهم ونحن منهم لماذا؟ ذابت كل العروبة الآن وأصبحت العلاقة علاقة ماذا؟ دين.
لذلك هذه الآية كما سياتي لما نزلت قيل يا رسول الله ما المراد باخرين منهم؟ هذا المراد من العرب، وكان سلمان الفارسي بجانبه كما جاء في البخاري فقال: «لو كان الدين معلقا بالثريا لناله رجال من هؤلاء». فأعطى الفكرة أن ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ هم كل من سيؤمن بالرسالة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم ويسير على منوالها عربا وعجما، فأصبحنا أولياء لهم واصبحوا أولياء لنا، فلا فرق بين عربي ولا عجمي ولا أحد ولا أبيض على أسود ولا أسود على أبيض إلا بالتقوى والإيمان. هكذا يعلمنا القران، فهذا هو المحور الأساس لسوره الجمعة، خطاب إلهي رفيع يخبر به عن منة عظمى علينا على أمة الإسلام أننا أصبحنا أولياء محمد صلى الله عليه وسلم واختارنا الله للرسالة الخاتمة وسحبها من بني إسرائيل.
وهذا يعني ما دمنا حملنا هذه الرسالة الخاتمة فيجب علينا أن نقوم بأعبائها كما أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون، يجب علينا أن نتحمل في سبيلها الآلام والاتعاب مقابل هذا التفضيل وهذا الاصطفاء الإلهي. هذا التفضيل هذا شيء عظيم أيها الأحبة في التاريخ، هذا التفضيل لأمتنا اختيار عظيم أن الله سحب الغطاء من بني إسرائيل واعطانا إياه، فيجب علينا أن نقوم بأمانته، علينا أن نقوم بأمانته وأن نؤديه حق الأداء. ثم في خاتمة السورة ذكر الله عز وجل درسا إيمانيا عميقا لهذه الأمة التي اصطفاها للرسالة الخاتمة، أعطاها درسا إيمانيا في أهمية تقديم مراد الله على هواها.
نعم ربما كان الموقف الأخير موقف قد تراه أنت شيئا يسيرا، أن الصحابة تركوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب وذهبوا إلى تجارة قدمت من الشام، لكن لماذا سطر الله هذا الموقف؟ لأنه موقف إيماني تربوي عظيم للجماعة المسلمة إلى يوم القيامة، احذروا يا من اخترتكم بدلا من بني إسرائيل لتحملوا هذه الراية، احذروا من أن تقدموا رغباتكم وأهواءكم وتجارتكم وشهواتكم على مراد الله، على مراد الله. لأنه نعم، شوف في القران أيها الأحبة لما رب الصحابه رباهم من خلال المواقف الصغيرة رباهم تربية دقيقة عميقة حتى لا يكبر الموقف بعد ذلك، أنت في لحظة من اللحظات قد تقدم مباراة كرة قدم على حضورك لصلاة العشاء جماعة، اليس كذلك؟ في لحظة من اللحظات قد تقدم وجبة عشاء أو طعام هو زائد عن حاجتك على أن تذهب لتقوم بفرض من فروض الله وتؤخر هذا الفرض، هذا النمط إذا تكرر في حياتك سيجعل هناك إشكالية إيمانية سلوكية عميقة وهي أنك لا تستطيع عند محك الأمور وتزاحمها أن تقدم مراد الله والسعي إلى الصلاة على مرادك وهواك.
قضية السعي إلى الصلاة هذا نموذج، لكنك وسع الفكرة كثيرا، هذا درس عميق جدا لكل طائفة تريد أن تحمل راية الإسلام، هذه الطائفة لا يمكن أن تحمل هذه الراية وهذا الفرد لا يمكن أن يحمل هذا الموضوع إلا بتحقيق هذه القاعدة الإيمانية الأخيرة، وهو أن يكون قادرا على تجاوز هواه إلى طاعة مولاه. قادرا على أن يتجاوز في لحظة الشهوة وفي فورتها وعند حصول الهوى أن يكون قادرا على أن يتجاوز ذلك إلى طاعة مولاه وتلبية نداء الله سبحانه وتعالى.
فهذا الدرس الأخير في سورة الجمعة إياك أن تعتقد أنه منفصل عن جسد السورة أو ليس مرتبطا بفحواها، السورة ثلاثة أجزاء: الجزء الأول يتكلم عن الاصطفاء والاختيار لأمة العرب ولمن سيلحق بهم من العجم والعرب. ثانيا لماذا سحب الله الغطاء والبساط عن بني إسرائيل حملوا التوراة ثم لم يحملوها؟ ثالثا تربية إيمانية لهذه الجماعة الجديدة التي حملت لواء الإسلام، احذروا أن تقدموا هواكم في لحظة من اللحظات على طاعة مولاكم فان من هنا تاتي الهزيمه، فهي ثلاثة دروس مترابطة بها يتشكل جسد هذه السورة العظيمة والله تعالى أعلم، نبدا القراءة والتعليق مستعينين بالله.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين. بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجمعة: 1].
قال الإمام النسفي: هنا أيها الأحبة بدات السورة كما بدات السور السابقة بتسبيح الله سبحانه وتعالى وبيان أن كل ذرة في هذا الكون في السماوات وفي الأرض هي منقادة مسلمة لله سبحانه وتعالى، كل ما في السماوات والارض هذا معنى انه يسبح الله، هذا التسبيح والتوحيد والتنزيه عن النقائص وانه الاله المستحق للعبودية والتوجه. كل ما في السماوات والارض يعلن تسبيحا لله سبحانه وتعالى ويعلن توحيده، وبالتالي كل من خرج عن توحيد الله هو خارج عن نظام الكون.
كل من خرج عن توحيد الله وحارب الله ورسوله وأشرك بالله، إذا هل هو منسجم مع تسبيح ما في السماوات وما في الأرض لله أم خارج عن هذه السكة وهذه الطريق المطروقه؟ هو خارج عنها، ومن كان خارجا عن هذه السكة فحقه أن يعدم، حقه أن يزال من الوجود لأن هذا الكون يجب أن يكون مسبحا لله سبحانه وتعالى، حقه أن يكون متوجها للخالق الذي خلقه وأوجده من العدم وهو رب العالمين. لذلك قال يسبح لله وهنا استعمل الفعل ماذا؟ المضارع، صحيح في سور اخرى يستعمل الفعل الماضي. الفعل المضارع أيها الأحبة يدل على ماذا في اللغة العربية؟ على استمرار تجددي يسبح يعني بشكل متكرر وأن هذا ليس شيء وقع وانتهى سبح لله ما في السماوات انتهى، لا، لا ويسبح أي عملية مستمرة مستدامة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
أجزاء هذا الكون وذراته تسبح الله عز وجل وتنقاد إلى الله سبحانه وتعالى، وبالتالي أنا كفرد يجب أن انسجم مع ذرات هذا الكون وأن انتظم في هذا السلوك الكوني وأن أتوجه إلى الخالق عز وجل باعتباره فردا من افراد المخلوقات وأسبحه وأوحده وأنزهه وأطيع أمري وانقاد لشرعي. وأما وأنت تضع مالك في بنك ربوي أنت لم تسبح إلا حق التسبيح؟ واما وأنت تخرجين متبرجة أنت لم تسبحي إلا حق التسبيح؟ وأما وأنت تقدم هواك وشهواتك على مراد الله أنت لم تسبح الله حق التسبيح؟ التسبيح التام يستلزم الانقياد، التسبيح التام يستلزم الانقياد لخالق السماوات والأرض نعم.
قال ثم هنا نلاحظ في هذه السورة أيها الأحبة أنه اختار أربعة أسماء ختمت بها ذيل الآية الأولى قال: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ثم قال أربعة أسماء حسنى: الملك القدوس العزيز الحكيم. هذه الأسماء الأربعة والله أعلم هي منسجمة مع الموضوع الأساسي للسورة، وهي أن من يحمل الأمانة لجيل دون جيل ويسحب الرسالة من هنا ليضعها في هنا، من الذي يختار الأمم التي تسود والأمم التي تزول؟ الذي يختار ذلك هو من؟ هو الملك سبحانه وتعالى، من هو الملك حقا وصدقا هو الله سبحانه؟
لأن هذا ياتي ضمن الصراع أيها الأحبة، نحن قلنا هذه السورة تركز على قضية سحب البساط من بني إسرائيل وإعطائه لأمة العرب. بنو إسرائيل ماذا كانوا يقولون قبل أن يخرج النبي عليه الصلاه والسلام؟ كانوا يستفتحون على العرب وسيخرج النبي منا، ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّق لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: 89]. اليهود في التاريخ كانوا يقولون للعرب سيخرج منا نبي آخر الزمان ونكون معه عليكم وسنبيدكم أيها العرب، يستفتحون أي يطلبون أي يقولون لهم اننا سنفتح بهذا النبي أراضيكم وسنغزوكم ولن تبقى لكم قائمة.
فلما جاء النبي من غير طينتهم صدموا، فلما جاء النبي من غير طينتهم بل جاء من أمة العرب صدم بنو إسرائيل. الله يعطي درس هنا أنا الذي سحبت الغطاء من بني إسرائيل ومنحته لأمة العرب في آخر الزمان لانهم هم الآن أهل لأن يحملوا هذه العقيدة، وأما أنتم لا تستحقونها يا بني إسرائيل لأنكم لم تحملوها عبر التاريخ حق الحمل ولم تقوموا بواجبها.
إذا من الملك الذي يختار أن تكون الرسالة هنا أو هناك؟ من الذي يختار سحب الغطاء ليعطى لأمة أخرى؟ الملك هو الله سبحانه وتعالى، قال الملك القدوس، والقدوس هو الذي يقدس والذي يقدس يعني ينزه عن النقائص، فأفعاله سبحانه وأحكامه مقدسه منزهه لا جور فيها ولا ظلم، فهو لما اختار إعطاء الرسالة لأمة العرب هو لم يظلم بني إسرائيل، ليس قرارا ناقصا، هو قرار في مكانه لأن بني إسرائيل ليسوا أهلا للاستمرار في بعثة الرسل منهم. إذا هو ملك ينفذ ما يشاء، قدوس منزه عن النقائص، عزيز لأن العِزة معناها ماذا؟ الغالب، هو غالب على أمركم ليس أنتم يا بني إسرائيل من يحدد القرار، الله غالب على أمرة في كل شيء، أين يضع الرسالة؟ ومن أين سيبعث الرسول؟ وعند من ستكون نهاية الزمان؟ هذه تحتاج إلى عزيز وهو الغالب ولا يغلب جل في علاه، حكيم، من هو الحكيم؟ هو الذي يضع الشيء في مكانه الصحيح، هذه الحكمة الحكمه أن تضع الشيء في مكانه المناسب له هذا مفهوم الحكمة.
فالله حكيم، فلما وضع الرسالة في أمة العرب هل وضعها جهلا حاشاه؟ هل وضعها تجربة حاشاه؟ وضعها عن حكمه وعن علم سابق وعن دراية تامة منه سبحانه وتعالى، فهذه الأسماء الأربع تناسب ما سياتي بعد ذلك هو الذي بعث في الأميين، فهو أعطاك هذه التوطئة الملك القدوس العزيز الحكيم هو الذي بعث، فانت اخذت الأسماء وفهمتها واستحضرت عظمة الإله سبحانه، ثم أعطاك الدرس الملك القدوس العزيز الحكيم هو الذي بعث في الأميين. ليس أي شخص، ليس إنسان جاهل أو إنسان يجرب، إنما ملك الملوك سبحانه هو صاحب هذا القرار، فذكر الأسماء الحسنى هنا مهم جدا لنفهم ارتباطها بجسد السورة. وأما ما ذكره النسفي فأظنه يعني أبعد قليلا النجعة عن مضمون ما نحتاجه هنا لكن نقراه سريعا نعم.
قال النسفي: التسبيح أما يكون أما أن يكون تسبيح خلقه، يعني إذا نظرت إلى كل شيء دلتك خلقته على وحدانية الله تعالى وتنزيهه عن الأشباه، أو تسبيح معرفة بأن يجعل الله بلطفه، بأن يجعل الله بلطفه في كل شيء ما يعرف به الله تعالى وينزهه، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]، أو تسبيح ضرورة بأن يجري الله التسبيح على كل جوهر من غير معرفة له بذلك.
يعني كما قلت النسفي رحمه الله عليه كعاده كثير من العلماء الاقدمين يعني يتكلمون في أمور احيانا سلوكية إيمانية أكثر من ربط الآيات ببعضها البعض. هنا يعني كلام سريع ليس هو حقيقتك جسد ما نريده، ما اريد أن أقوله في تفسير الآية قدمته، أما هنا فقط من أجل أن يفهم يقول النسفي على طريقة علماء السلوك التسبيح ثلاثة أنواع: هناك تسبيح خلقه وهناك تسبيح معرفة وهناك تسبيح ضرورة.
هذا على طريقة علماء السلوك يقسمونها، طبعا من المتاخرين الذين يدخلون في هذه المعاني يقول التسبيح: تسبيح خلقه، تسبيح معرفة، تسبيح ضرورة. طيب ايش معنى تسبيح الخلقه؟ تسبيح الخلقه هو أن تنظر إلى الشيء فعندما تراه وتتأمل في تنظر إلى السماء، تنظر إلى الأرض، فعندما تتأمله وتتبصر في خلقته وأحكامه تتذكر الله سبحانه وتعالى فتوحده وتعرف أن الذي فعل وخلق هو واحد لا شريك له، فهذا يسمى ماذا؟ تسبيح خلقه، كان الخلقة يعني الصورة أي هذه الصورة تسبح، ما معنى تسبح هنا؟ أي تدلك على الله سبحانه وتعالى وتدلك على توحيده وانه.
واحد لا شريك له، فهذا يسمى عند علماء السلوك تسبيح ماذا؟
تسبيح خلقه، يعني هذه الصورة، هذه الخلقة تسبح، ايش يعني تسبح؟ أي إذا نظرت إليها وإلى أحكامها واتقانها، تذكرت وعرفت أنه واحد لا شريك له، أحد صمد، لا يمكن أن يكون أحد شاركه في هذه الخلقة وفي صنع هذا الاتقان، هذا النوع الأول عندما تنظر في الصور، فهذه الصور وهذا نحن مأمورون بها، ليس كذلك: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ﴾ [آل عمران: 190]. انت مطلوب منك أن تنظر في هذه المخلوقات لتقودك أو ليقودك هذا الاعتبار وهذا النظر إلى تسبيح الله وتوحيده، فهذا ما يسمى تسبيح الخلقة.
النوع الثاني هو تسبيح المعرفة، ما هو تسبيح المعرفة؟ قال: هو ما فطر الله عز وجل عليه النفوس، ما فطر الله عز وجل عليه النفوس أنها تعرف خالقها وتميل إليه إذا لم تأثر بمؤثر خارجي، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». فالقلوب أيها الأحبه وضع الله فيها معرفته، وضع الله فيها ماذا؟ معرفته، هذا الذي وضعه الله في القلوب من الفطرة السويه التي تعرف الله، هذا يسمى تسبيح معرفة، لذلك كيف عبر عنه النسفي؟ قال: تسبيح المعرفة بأن يجعل الله بلطفه في كل شيء، في كل مخلوق ما يعرف به ربه سبحانه وينزهه، فالله وضع فينا نحن البشر في فطرتنا ما نعرف به ربنا وننزهه، ووضع كذلك في كل مخلوق من هذه المخلوقات: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]. فهذا يسمى تسبيح المعرفة عند علماء السلوك، أن الله فطر هذا الكون على ماذا؟ على تسبيحه ووضع في بنيته القلبية والنفسية توحيد الله، وأما من خرج عن ذلك فإنما هو بمؤثر خارجي: فأبواه يهودانه أو ينصرانه، وهذا ينسجم، تسبيح المعرفة هو الذي ينسجم مع بداية السورة: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [الحشر: 1]. كما قلنا كل ذرات الكون وضع الله فيها ماذا؟ تسبيحه وتوحيده.
النوع الثالث تسبيح الضرورة، وهذا يعني قد أناقش فيه، يعني قال هو: بأن يجري الله التسبيح على كل جوهر، الجوهر هو كل مادة محسوسة، ما هو الجوهر؟ كل مادة محسوسة، مش على طريقة طبعا المتكلمين هذه العبارات الجوهر والعرض، الجوهر كل شيء مادي محسوس يسمونه ماذا؟ جوهر. فيقول التسبيح الضرورة: بأن يجري الله التسبيح على كل مادة من غير معرفة له بذلك، يعني أن تسبح هذه المادة لله من دون معرفة لها بمضمون التسبيح. الآن هل هذا موجود؟ حقيقه يعني أنا أنازع النسفي في هذه الفكرة، لأن كل مادة إذا سبحت الله فإنما تسبح بمعرفة، لا يوجد تسبيح ضرورة بهذا النفس الذي يتكلم عنه النسفي، وهو أن المواد يعني طبعا هو ماذا يقصد حتى أقرر لك صورة تسبيح الضرورة؟ كيف أنت تتنفس بدون إرادتك؟ الآن التنفس هل هو أنت شيء تفعله بإرادتك ولا هو خلص شيء طبيعي يحدث في حياتك؟ طيب أعطيني شيء مثلا أوضح، رمش العين لما يخفق، حركة عينك هذه، أرمش العين لما يخفق هكذا، هل أنت تتحكم بهذا الموضوع؟ هذه تسمى في العلوم العقلية حركة اضطرارية، أي حركة تفعلها بدون أن تكون أنت مسيطر عليها تسمى حركة ايش؟ اضطرارية. الآن المشي لا حركة اختيارية أنا بختار أمشي بختار أقعد، شربي لهذا الشيء حركة اختيارية، لكن حركة العين قالوا حركة اضطرارية ليه؟ لأنني لا أستطيع أن أسيطر عليها، هي تحدث وحدها بإرادة الله سبحانه. فهنا لما قال مثلا نبض القلب، أحسنت مثلا القلب عندما ينبض هل أنت تحدد متى سينبض ومتى سيقف؟
لا، نبض القلب هذه حركة ايش نسميها؟ اضطرارية انت غير مسيطر عليها، فيقول النسفي هناك نوع ثالث من أنواع التسبيح اسمه التسبيح الاضطراري، أن تكون المادة تسبح اضطراراً يعني غصباً عنها سامحوني بغير إرادتها وهي لا تعرف ما الذي يحدث أو ما المراد بذلك، فقط هي مادة تسبح، هل هذا موجود؟ ربما عند بعض المتكلمين يؤمنون بوجود هذا لكنني ما اعتقده أن كل ذرة في السماوات والأارض تسبح وهي عارفة بماذا تسبح، فالتسبيح هو تسبيح أما خلقة أو تسبيح معرفة، أما هذا النوع الثالث الذي افترضه وهو تسبيح الاضطرار وهو كما عرفه ايش قال فيه؟ وهو أن يجري الله التسبيح على كل جوهر يعني على كل مادة في هذا الكون من غير معرفة له بذلك. لا أظن هذه تحتاج إلى إعادة نظر من النسفي، هل هناك شيء يسبح الله اضطراراً من غير معرفة له بذلك؟ ربما نعم أنا لا أعرف هذا الصخر كيف يسبح لكن ليس مشترا أن أعرف هو وضع فيه: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 74]. طيب ورجينا كيف هي الصخرة هبطت من خشية الله؟ هذا ليس من شأننا نحن البشر لا نستطيع إدراك ذلك، لكن وضع الله فيها من المعارف بحكمته ومعرفته ما نعجز نحن عن إدراكه، فأنا ما أطالب به على الأقل، ما أطالب به النسفي ومن يختار هذا القول، أن يعطوني مثالاً صحيحاً على شيء يسبح اضطراراً، وإلا فأنا لا أعرف شيئاً أو مثالاً صحيحاً على تسبيح اضطراري، والله تعالى أجل وأعلم.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة: 2].
في هذه الآية بدأ الحديث عن مقصود السورة وعن لبها وهي قضية الاصطفاء الإلهي لأمة العرب ابتداء لتكون هي موطن الرسالة الخاتمة ولتحمي اللواء وهذه العقيده الغراء إلى يوم القيامة، وكل من سيتبع هذه الأمة من الأجيال القادمة عرباً وعجماً هم معها وهم منهم ما داموا يسيرون على نهج القائد الأعلى صلوات ربي وسلامه عليه. فهنا سياق امتنان وسياق اصطفاء، هو جل في علاه صاحب القرار: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ﴾، الأميون من هم؟ أمة العرب، أمة عرب يسمون ماذا؟ بأميين، وأي الأمي من هو أو ما هي هذه النسبة؟ اختلف في هذه النسبة، البعض قال: الأمي نسبة إلى الأم، لماذا؟ الأمي هو الشخص الذي لا يقرا ولا يكتب، طبعا هذا المعنى هو المعنى الصحيح ودعووكم من أي فلسفة لمعاني أخرى. أحد الإخوة قديماً بعث لي قضية واحد من المعاصرين أعطى معنى جديد لأمة العرب في معاجمها ويحاول أن يقول لك لا أنه كيف العرب ما كانت تقرا ولا تكتب؟ وهل يصح أن نقول أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يقرا ولا يكتب؟ أيه نعم يصح ذلك لأن ذلك أصلاً زيادة في معجزته، زيادة في معجزته وفي إظهار حجته أنه كان لا يقرا ولا يكتب، وليس ذلك تنقيصاً في مقداره صلوات ربي وسلامه عليه. فالامي هو ماذا أيها الأحبه؟ هو الذي لا يقرا ولا يكتب، لكن لماذا سمي أميا؟ البعض قال نسبة إلى الأم فكأنها أنها إشارة إلى أنه ما زال كما خلقته أمه، الإنسان يخرج من بطن أمه لا يقرا ولا يكتب، فأي إنسان طوال حياته لا يقرا ولا يكتب يقولون هذا ماذا؟ أمي نسبة إلى أمه أي كأنه ما زال على الخلقة التي خلق عليها منذ ولدته أمه، فقيل هذا هي هذا أصل نسبة الأمي.
البعض يقول لا، الأمي نسبة إلى ماذا؟ إلى الأمة، نسبة إلى ماذا؟ إلى الأمة. طب ايش يعني أمي؟ يعني إذا ما معنى هو الذي بعث في الأميين؟ طبعا الأمي الذي لا يقرا ولا يتبى نسبة إلى الأمة. البعض يقول أيها الأحبه إن اليهود قديماً طبعا تعرفون الله عز وجل تحدث عنهم أنهم يرون أنفسهم الشعب المختار نحن أبناء الله وأحباؤه، لا لعن الله عليهم أينما كانوا ووجدوا، يرون أنفسهم الشعب المختار وكانوا يرون سائر الناس أمم، هكذا يسمون الناس ايش يسمونهم؟ أمم، طبعا لها تعبير بالعبرية أنا لا أحسن تلفظ به، المهم يعني له لفظة معينة عندهم ترجمتها أن كل الناس أمم ونحن شعب الله المختار ممتاز، فالبعض قال تسميتهم بالاميين نسبة إلى كلمة أمة ها، فالامي نسبة إلى أمة والأمة أراد بها الله المعنى الجماعي وهي أمم، لكن العرب عندما تنسب لا تنسب إلى الجماعة وإنما في قواعد الصرف النسبة تكون إلى ماذا؟ المفرد، فهذا كان فيه رداً على اليهود: أنتم تقولون عن العرب أنهم من الأمم، هو الذي بعث في هذه الأمم رسولاً منهم ولم يبعثهم فيكم، فكان فيه رداً مبطناً على اليهود الذين كانوا يسمون العرب ماذا؟ أمما، يسمون العرب أمما، طبعا كلمة أمما عندهم هي كلمة ازدراء (يعني أنهم لا شيء، نحن الشعب المختار وهؤلاء مجرد أمم) هي كلمة ازدرائية، فكان على هذا الراي الثاني هناك توجيه إلى اليهود، هؤلاء الذين كنتم تسمونهم أمماً وهم أميون أنا اخترت أن أبعث فيهم الرسول النبي خاتم الأنبياء والرسل. فإذاً هناك قولان لاهل العلم في بيان معنى الأميين هنا. الآن كون العرب لا تقرا ولا تكتب هذا متفق عليه، لكن نسبة أمي هل هي إلى كلمة أم أو إلى كلمة أمة؟ هذا فيه خلاف بين المفسرين ولعل النسب اختار القول الثاني في هذه القضية.
يقول سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾، وأن الله سبحانه وتعالى في عادته إذا أراد أن يبعث إلى قوم وإلى أمة رسولاً فإنه يبعثه من طينتهم ولسانه بلسانهم حتى يفهموا ماذا يقول وما الذي يتحدث به: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4]. ألم يقل ذلك في سورة إبراهيم؟ فوجود أن يكون الرسول عربياً من طينة العرب هذا مهم، لأن العرب هم حَمَلة اللواء الآن وكل من سيتابع النبي هو سينضم إلى العرب في حمل هذا اللواء. المهم أنه حركة التاريخ تغيرت، هذا هو المهم، إنه حركة التاريخ تغيرت بعد أن كان لواء الإيمان عند بني إسرائيل سحب منهم وأصبح اللواء الآن في أمة العرب الذين بعث فيهم النبي العربي، وكل الأمم الأخرى يجب أن تدخل مع أمة العرب في ذلك، فمن دخل مع العرب في ذلك هو منهم، لذلك قال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: 3] أصبح منا، فسلمان الفارسي منا وبلال الحبشي منا وكل من آمن من العرب والعجم في التاريخ هم منا، لأنه كلمة منا أصبحت تدل على الأخوة وعلى الراية التي رفعت.
طب اقرا. قال: هو الذي بعث ارسل في الاميين رسولاً منهم، أي بعث رجلاً أمياً في قوم أميين، وقيل منهم كقوله: من أنفسكم، يعلمون نسبة وأحواله. يعني هذا راي آخر، إذاً القول الأول هو الذي بعث في الاميين رسولاً منهم، ما معنى كلمة منهم؟ التفسير الأول: أي بعث رسولاً عربياً كما هم عرب، فهذا معنى كلمة منهم، هو الذي بعث في الاميين رسولاً منهم أي بعث رسولاً عربياً لا يقرا ولا يكتب كما هم عرب لا يقراون ولا يكتبون. التفسير الثاني الذي ذكره النسفي لكلمه منهم أن المراد هو الذي بعث في الاميين رسولاً منهم أي رسولاً يعرفون أصله ونسبه ومعدنه وشرف مكانته، فهذا معنى كلمة منهم هنا ليس المراد أنه عربي من طينة العرب ليس هذا هو التركيز عليه، لا، التركيز رسولاً منهم أي رسولاً يعرفون أصله ونسبه وليس جاء عليهم براميل مثلاً من السماء فجأة وجدوه بينهم أو دخل عليهم من الروم أو من الفرس لا، رسول تعرفون أباه وجده وجد جده وأصل نسبه وعراقة معدنه صلوات ربي وسلامه عليه، فهذا إذاً رأي آخر في تفسير معنى منهم. نعم.
قال: والأمي منسوب إلى أمة العرب، لأنه إذاً لاحظ أنه اختار القول الثاني أن الأمي ما قال منسوب منسوب إلى الأم، لا، قال الأمي منسوب إلى الأمة وهنا الأمة أمة العرب بالتحديد، لأنه منسوب إلى هذه الأمة صلوات ربي وسلامه عليه. طب قال: والامي منسوب إلى أمة العرب لأنهم كانوا لا يكتبون ولا يقراون من بين الأمم. وقيل بدئت الكتابة بالطائف وهم اخذوها من أهل الحيرة وأهل الحيرة من أهل الأنبار. هذا كلام يعني فائدة تاريخية استطرادية سريعة أول ما دخلت الكتابة على العرب، يقولون طبعا الله أعلم بدقة هذه المعلومة التي أوردها النسفي، يقولون أول ما دخلت الكتابة على العرب دخلت في مدينة الطائف، تعرفون مدينة الطائف جنوب مكة، والطائف من أين اخذوها من أين دخلت عليهم؟ من الحيرة تمام، والحيرة اخذتها من أين؟ من مدينة الأنبار في العراق، فجزاهم الله خيراً عن أهل العراق هم الذين أدخلوا يعني الكتابة إلى جزيرة العرب. نعم.
قال: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ القران. شوفوا هذا كلام مهم جداً: يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم والحكمه، شايفين هذه الأمور الثلاثة؟ هذه هي وظيفة الأنبياء ووظيفة حملة هذه الدعوة من بعد الأنبياء، وظيفتي ووظيفة كل مسلم وطالب علم، لنا ثلاث وظائف في هذا الوجود، ما هي؟ ما هي الوظيفة الأولى؟ أن نتلو القران. فتلاوة القران أيها الأحبة قضية وجودية ليس مجرد فعل تطوعي أنت تبدأ به صباحك وتتبرك بالقران وتتمسح به، وظيفة أساسية لهذه الأمة أن تتلو القران، الله عز وجل يخبر أول وظيفة لهذه الرسل الرسول ما هي؟ ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ وفي سورة النمل ماذا قال؟ ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَعُدَّ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ [النمل: 91-92]. إذاً تلاوة القران هي قضية وجودية للمسلم لكل من سيحمل اللواء بعد محمد صلى الله عليه وسلم. تلاوة القران طبعا التلاوة هي تلاوة التدبر والفهم كما نحف عن الآن نسأل الله أن يجعلنا منهم، هذا الذي تفعلونه الآن وهذه المجالس التي تنصبون فيها هي ليست يعني مجرد عمل تطوعي جزاكم الله خيراً علي الله يكرمك أنكم تأتون لا هو عمل وجودي.
أمة الإسلام لا بد أن يبقى هذا عمل يومي؛ كما أنه عندك وظيفة صباحية تذهب من الساعة الثامنة وتروح الساعة ثلاث، عندك وظيفة وجودية يومية، هي وظيفة الأنبياء، ووظيفة النبي صلى الله عليه وسلم، ووظيفة كل من سيكون بعده أن يتلو القرآن. إذاً، هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم، ما وظيفته أولاً؟ يتلو عليهم آياته. ثانياً، ويزكيهم، التزكية وهي إصلاح السلوك، وعندما نقول إصلاح السلوك نتكلم عن السلوك القلبي والسلوك الحياتي الاجتماعي.
ليس السلوك فقط هو السلوك الاجتماعي، لا، السلوك القلبي. فتطهير القلب من أدران الشرك هو تزكية، تطهير القلب من الغل والحسد والحقد وأمراض القلوب هو تزكية، تنقية القلب لله وحسن السيرة مع المسلمين هو تزكية. فالتزكية هنا بمعناها الشامل: التزكية عن الشرك، التزكية في السلوكيات القلبية، والتزكية في السلوكيات الحياتية. ومن جميل هذه الآية أنها قدمت التزكية على العلم، قدمت التزكية على العلم لأنك يا طالب العلم عليك أن تتأدب قبل أن تتعلم، فقال: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُم﴾.
إذاً، ما هو السابق؟ الأدب والسلوك مقدم على العلم، ولذلك كان دائماً علماؤنا يقولون: نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم. طلاب العلم اليوم للأسف في الجامعات وفي المعاهد وفي كل نمط المعرفة اليوم هو فقط نمط معرفي يأخذ معلومة، لكنهم لا يقرؤون كتب السلوك ولا يتأدبون على أيدي المشايخ والعلماء، ولذلك فقدنا كثيراً من أخلاقنا وسلوكياتنا، بل حتى ضعف غيرت كثير من طلاب العلم والمشايخ على إخوانهم في غزة وعلى غيرهم هو بسبب فقدهم للتزكية. نعم أنتم حفظتم الألفيات والمتون والمصنفات ونحن حفظناها، لكن أنتم ماذا فعلتم أيها الأحبة؟ فعلتم أنكم اخذتم معلومات جامدة في قوالب: قال النووي، وقال ابن حجر، وقال ابن تيمية، قال ابن القيم، أخذتموها معلومات، لكن العلماء الربانيين أخذوا التزكية قبل أن يأخذوا العلم، فاندمجت التزكية بالعلم فخرجت نفس سوية وعالم رباني.
إخواني، كلمة عالم رباني هذه كلمة عالية جداً، عالية جداً جداً، لا تطلق على حتى من أفنى عمره في التدريس والتعليم حتى يثبت الربانية في اندماج التزكية مع العلم، هنا يحصل العالم الرباني. العالم الرباني مش إنسان عنده معلومات كثيرة، مش إنسان قرأ كتاباً، لا، مش هذا هو العالم الرباني، ربما يكون العالم الرباني قرأ خمس كتب يضبطها ويفهمها ويعلمها جيد، لكنه يطبقها في حياته وفي حياة الأمة، هذا عالم رباني.
إذاً هذا التقديم له دلالة هنا: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُم﴾، قدم التزكية على العلم ليخبرك يا أيها المسلم أن الأدب متقدم على التفقه والتبصر الدقيق في الأحكام. ثم قال: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، الكتاب هو القرآن، والحكمة كما قال الشافعي رحمه الله عليه في الرسالة ذهب كثير من المفسرين أن الحكمة هي السنة. فإذاً الوظيفة الثالثة لنا، أو وظيفة النبي ثم وظيفتنا من بعد، ما هي؟ أن نطلب علم الكتاب والسنة، فمعرفة التفسير وقراءة الحديث النبوي والتشبع من معانيهما أساس وجودي لأمة الإسلام، وأساس وجودي لاختيارنا ولاصطفائنا لنحمل راية العقيدة.
هذه أيها الأحبة وظائف ثلاث متى خلت منها حياة المسلم، لا أقول طالب العلم، لأنه هذه ليست فقط لطالب العلم، أي للمسلم عموماً. نعم، طالب العلم ربما يتعمق أكثر في التفسير وفي السنة، لكن حتى العامي الذي ليس متخصصاً يجب عليه أن يتبصر بالكتاب والسنة وأن يعرفها وأن يتعلم منها على قدر طاعته واستطاعته لأنها قضايا وجودية لأمة الإسلام من حملوا هذه الراية.
وهذا أيها الأحبة، كما قال علماؤنا، هذه الآية هي كأنها استجابة لدعوة جاءت عبر التاريخ ومضت عبر القرون، لمن؟ لسيدنا إبراهيم عليه السلام في سورة البقرة. سيدنا إبراهيم ماذا قال؟ ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم... آه، بس ركزوا شوي هنا، خلينا نفكر قليلاً. سيدنا إبراهيم شو قدم؟ قدم العلم على التزكية صح! ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، هكذا دعا إبراهيم هنا في سوره الجمعة إخبار من الله عن نفسه وليس على لسان إبراهيم، قال: هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم.
طيب، لماذا إبراهيم، أو لماذا تغير السياق؟ خلينا نقول إبراهيم قدم العلم على التزكية هنا، الله سبحانه قدم التزكية على العلم. لماذا اختلف السياق بين سورة البقرة وسورة الجمعة؟ هل إبراهيم كان يرى أن العلم مقدم على التزكية فجاء الله سبحانه وتعالى فبين أن الأصوب والاعلى أن تقدم التزكية على العلم؟ هل هكذا يعني، لأنه هناك في سورة البقرة هي حكاية دعوة إبراهيم، هي حكاية لدعوة إبراهيم أنه هكذا قال إبراهيم فإبراهيم قدم العلم على التزكية. هل ربنا أراد أن يبين الكمال في مراحل التعلم وفي مدارجه فأخبر أن الأولى أن يقدم التزكية على العلم؟ فهمتم سؤالي واستشكالي؟ آه يا شيخ أسامة؟ جميل جميل جميل.
إنه بني إسرائيل لماذا سحب من تحتهم الغطاء؟ هل لم يعلموا؟ لا، هم تعلموا لكنهم لم يعملوا، فمشكلة بني إسرائيل كانت في التزكية والسلوك وليست في عدم علمهم، لذلك مش إيش الفرق بين اليهود والنصارى؟ مش نقول غير المغضوب عليهم ولا الضالين، دائماً في كتب التفسير وعلمائنا ايش بقولوا؟ لماذا اليهود مغضوب عليهم؟ علموا ولم يعملوا. ولماذا النصارى ضالون؟ عملوا ولم يتعلموا بالعكس، فاليهود عبر التاريخ الله يصفهم بأنهم مغضوب عليهم لأنهم علموا لكن لم يعملوا، فإذاً مشكلة بني إسرائيل وين؟ في التزكية، فلذلك لأن العمل بالعلم يحتاج إلى تزكية وتربية وسلوك إيماني، فإذا فقدت التزكية والتربية والسلوك الإيماني فلا فيك ولا في علمك، زي ما بقولوا يعني. شو استفدت من علمك؟ تجي تحط لي كتابك المصنف: في سماحة الشيخ وفضيلة الشيخ وفلان، وتضع لي الألقاب التي ما لا داعي لها، إذا كنت لا تستطيع أن تزكي علمك فأنت على خطى بني إسرائيل.
إذا كنت لا تستطيع أن تزكي علمك فأنت على خطى بني إسرائيل حتى ولو كنت سماحة فضيلة الشيخ تمام. فبالتالي أيها الكرام الموطن هنا موطن بيان لسبب تغير الراية بعد أن كانت في بني إسرائيل وأصبحت في العرب، لماذا؟ لأن بني إسرائيل فقدوا التزكية، فكان المهم إذاً أن يتم تسليط الضوء أولاً على إيش؟ على التزكية على السلوك. جميل، في أحد رفع يده كان عندك شيء؟ نعم.
لا، هو إبراهيم يدعو لنا، مش قوم سيدنا، هو إبراهيم عليه السلام دعا تاريخياً لنا، ربنا وابعث فيهم فهو يتكلم عنا، ربنا وابعث في أمة العرب يتلو عليهم آياته ويعلمك ويزكيهم، فلما استجاب الله دعوته فبعث محمداً صلى الله عليه وسلم، أخبر أن محمداً عليه الصلاة والسلام يهتم بالتزكية قبل العلم، لأن هذه هي مشكلة بني إسرائيل. فسيدنا، يعني ولا أقول لا مانع أن يكون الله سبحانه وتعالى أراد أن ينبه على أن التزكية أعلى من العلم فيجب أن تقدم، نعم إبراهيم قدم العلم على التزكية لكن أراد الله أن ينبه على أن التزكية أعلى مقاماً من العلم. لأن هنا أنت فسرت لنا وذكرت لنا وبينت للإخوة لماذا هنا قدمت التزكية على العلم، لكن سيقى السؤال: لماذا في سورة البقرة قدم إبراهيم العلم على التزكية؟ صح، يعني نحن أجيبنا لماذا هنا قدمنا التزكية على العلم؟ لماذا؟ لأن مشكلة بني إسرائيل التي كانت سبباً في ترك الرسالة فيهم أنهم لم يزكوا أنفسهم، فانتبهوا يا أمة العرب وتباع محمد صلى الله عليه وسلم، التزكية الله فيها.
طيب، لماذا سيدنا إبراهيم قدم العلم على التزكية؟ تفضل.
يزكي ويزكي نفسه.
صار صاحب علم، هذا العلم يذكره.
يعني ذكره باعتباره وسيلة قصدك إلى المقصد والتزكية غاية ومقصد، ممكن. يعني أنا الحقيقة لا أملك إجابة لهذا الموضوع، وإنما أفتح هذا الموضوع للنقاش حتى نتدبر كلام ربنا ونتفهم فيما بيننا، لكن لم أوقف على من ذكر سبب الفرق بين السورتين. كان عندك أيوه تعليق؟
يعني هو كذا الذيخ أن العلم، يعني إبراهيم ركز على العلم وقدمه باعتبار وسيلة، كيف نقول تذكروا الخلاف في إياك نعبد وإياك نستعين، أنه لماذا قدم العبادة على الاستعاستعانه؟ بعضهم قال لأن الاستعانة مقصد والعبادة وسيلة فقدم الوسيلة على الغاية، والبعض عكس تماماً. لكن ما ذكرتموه جميل، حقيقة ما ذكرتموه جميل أن إبراهيم عليه السلام ركز على الوسيلة وهي العلم، ثم ذكر بعد ذلك الغاية وهو الوصول إلى التزكية، فتعلم الكتاب والسنة الأصل أنه يوصلك إلى الغاية وهي التزكية، وهنا ربنا ركز على المقصد قبل أن يركز على ماذا؟ على الوسيلة وهي العلم، لأن المقصد هو الذي وقع فيه ماذا؟ الخلل، هو الذي وقع فيه الخلل.
طبعاً، وقوع الخلل في المقصد هو يدل على ماذا؟ بالتأكيد على وجود خلل في التعامل مع الوسيلة، وإلا ليش وقع الخلل في المقصد؟ إنه في طريقة تعلمك للعلم الشرعي العلم الشرعي مش عميقك، مش عم يقربك من الله سبحانه وتعالى. كثير من الطلبة يقول: أنا أطلب العلم وأزداد وأزداد، وكلما ازددت في العلم أشعر أنني أبتعد عن الله، إذاً في إيش؟ في مشكلة، في خلل في طريقة تلقيك للكتاب والحكمة، في خلل في طريقة تلقيك الكتاب والحكمة. هذا الخلل هو الذي جعلك لا تصل إلى الغاية من ماذا؟ من العلم وهو التزكية والسلوك.
هذه كلها مفاهيم عظيمة أيها الأحبة سورة الجمعة ترسمها في حياتنا: التزكية والتعلم، الارتباط بينهما، ما هو الغاية ما هو الوسيلة؟ الغاية التزكية والوسيلة العلم، فالوسيلة التي لا توصل إلى الغاية وسيلة مدخولة يجب علي أن أين الخلل واقع في حياتي في طريقة التلقي للعلم الشرعي.
طيب، إذاً ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ وهو القرآن ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ وهي السنة، ﴿وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾. بس اسمع حتى أختم هنا بهذه الآية: ﴿وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾، ذكر أن العرب قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كانوا في ضلال مبين. لماذا العرب قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كانوا في ضلال مبين؟ لماذا نبه الله على هذه القضية؟ لزيادة الامتنان.
أنا لما أُريد أن أَمُنَّ عليك أقول لك: أنا علمتك وقد كنت جاهلاً، صح؟ هذا يظهر زيادة المنة، فبالتالي الله يقول لأمة العرب ولمن سيلحق بهم من العجم سيقول لهم: تذكروا هذه المنة وإياكم أن تتغافلوا عنها كما تغافل عنها بنو إسرائيل لعنه الله عليهم تترى. بنو إسرائيل أنعم الله عليهم بالأنبياء والرسل والكتب، فكيف تعاملوا معها؟ بالكذب، بقتل الأنبياء، بالافتراق: نحن أبناء الله وأحباؤه، فاذهب أنت ربك فقاتلا، هكذا تعاملوا معها، انتبهوا إياكم أن تخطوا على خطى بني إسرائيل.
وما أكثرهم الذين يخطون على خطى بني إسرائيل اليوم من بني العرب الذين لم يعرفوا قدر هذه الأمانة التي أمننا الله سبحانه وتعالى عليها، ﴿وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾. أعظم نعمة في حياتك تعرف ما هي أيها الكريم؟ ليست نعمة الأمن، ليست نعمة نعمة الطعام والشراب والنفس، أعظم نعمة أنك مسلم وأن الله هداك وأنك وحدت وأنك وحدته سبحانه. لأنك لو كان عندك طعام وشراب ونفس ثم دخلت النار، ما قيمة ذلك؟ لا قيمة له، لا شيء. لكن لو فقدت الطعام والشراب والأنفاس وفقدت ما فقدت لكنك وجدت التوحيد وعرفت الله فأنت في قمة النجاح والفوز.
فالله يخبر ليظهر كمال امتنانه: تذكروا أيها العرب الأميون أنكم كنتم قبل بعثة النبي الأمي في ضلال مبين. ضلال مبين يعني ضلال واضح، قمة الجهالة. وهذا ما عبر به جعفر بن أبي طالب لما خاطب النجاشي، لما خاطب النجاشي فقال له النجاشي يعني: أخبرنا ماذا ياتيكم هذا النبي، ماذا يقول لكم؟ فقال له: كيف كاننا قبل ذلك، كنا أمة ننكث العهد ويزني ونفعل ونفعل فجآنا نبي فنصحنا وفعل. فسيدنا جعفر أخبره كيف كانوا في ضلال مبين.
فجاء النبي صلى الله عليه وسلم من خلال تلاوة القرآن ومن خلال تزكيتهم ومن خلال تعليمهم الكتاب والسنة، كيف ارتقى بهم صلى الله عليه وسلم ليصبحوا في قمة الأمم وسادة الأمم ليحكموا قروناً متطاولة. هذه كلها أفكار مهمة جداً نكمل إن شاء الله الحديث عنها في مجلس قادم إن كان في العمر بقية. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل